🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
المطبعة: جاويد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

يقتضيه التكليف التفصيلي.

وبعبارة اخرى : وجود القدر المتيقن يمنع عن منجزية العلم الإجمالي لما زاد عليه ، سواء كان المتيقن المذكور من حيثية الأمر المعلوم ، أم من حيثية العمل المترتب عليه ، فالأول كما لو دار الأمر بين وجوب شيء واستحباب آخر ، حيث لا يتنجز إلا القدر المشترك بين الوجوب والاستحباب ، وهو الرجحان في كل منهما ، لأنه المتيقن من المعلوم ، ولا يتنجز كل من الطرفين على إجماله ، ليلزم تنجز احتمال الوجوب كما سبق في آخر الكلام في حرمة المخالفة القطعية ، والثاني كما في المقام ، حيث لا يكون العلم التفصيلي موجبا لوجود المتيقن في المعلوم ، للعلم بثبوت تكليفين ، أحدهما معلوم بالتفصيل والآخر معلوم بالإجمال ، وإنما يوجب وجود المتيقن في مقام العمل ، حيث يلزم العمل في الطرف الذي يعلم التكليف فيه تفصيلا على كل حال ، مع قطع النظر عن العلم الإجمالي ، والعلم الإجمالي لا يقتضي العلم بترتب عمل زائد على مقتضاه ، بل يقتضي احتمال ذلك في الطرف الآخر ، فلا يكون منجزا للعمل المذكور ، بل يتعين الرجوع فيه للأصل الترخيصي بعد عدم المانع منه.

ولا يعارض الأصل المذكور بالأصل الجاري في الطرف المعلوم بالتفصيل ، والمقتضي للسعة من حيثية احتمال انطباق التكليف المعلوم بالإجمال عليه ، لعدم ترتب العمل على الأصل الجاري فيه بعد العلم التفصيلي بثبوت التكليف الآخر فيه ، وإنما يكون مقتضى الأصل ـ وهو السعة ـ اقتضائيا لا غير ، فلا يعارض الأصل الجاري في الطرف الآخر المقتضي للسعة فعلا.

هذا ، غاية ما يقرب به سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية في مقام العمل بالنحو المستتبع للموافقة القطعية ، وهو مناسب للمرتكزات المتشرعية والعقلائية في مقام العمل.

ولو فرض التشكيك في ذلك ، فالأمر قد يهون بملاحظة ما تقدم في

٢٦١

القسم السابق من أن المرجع مع الشك هو الأصل الجاري في الطرف المبتلى به المقتضي للسعة فيه. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم وهو ولي التوفيق والتسديد.

ومما ذكرنا يظهر الحال فيما لو كان بعض الأطراف موردا لعلم إجمالي بتكليف آخر ، أو طرفا لعلم إجمالي كذلك. فالأول كما لو علم بنجاسة واحد من عشرة أوان منها خمسة بيض يعلم بوجود مغصوب بينها والثاني كما لو علم بنجاسة واحد من عشرة أوان ، منها ثلاثة بيض قد علم بوجود مغصوب بينها أو بين ثلاثة بيض اخرى خارجة عن العلم الإجمالي بالنجاسة.

فإن العلم الإجمالي القائم ببعض الأطراف في الأول ، والشامل لها في الثاني إذا كان منجزا مقتضيا للعمل بالإضافة الى تلك الأطراف ، منع من منجزية العلم الإجمالي الآخر الشامل للأطراف المذكورة ، فلا يصلح لتنجيز بقية أطرافه ، فيجوز الرجوع في غير البيض من العشرة في المثالين إلى الاصول الترخيصية الجارية فيها.

من دون فرق بين احتمال اتحاد التكليفين المعلومين بالإجمال موردا ، وعدمه ، كما لو علم بأن النجس على تقدير وجوده في البيض من العشرة فهو في غير المغصوب منها.

وذلك لأن المانع من منجزية العلم الإجمالي ليس هو اتحاد التكليفين المعلومين بالإجمال موردا ، بل هو كون أحد التكليفين مقتضيا لعمل المكلف بنحو لا يكون المعلوم بالإجمال مما يعلم بترتب العمل عليه بنحو زائد على ما اقتضاه العلم الأول ، ولا يفرق في ذلك بين كون العمل ناشئا من كون الطرف موردا للتكليف الآخر عينا وكونه طرفا للعلم الإجمالي به.

بقي في المقام أمر ينبغي الكلام فيه وهو أن عروض ما يمنع من فعلية التكليف في بعض الأطراف ..

٢٦٢

تارة : يكون قبل طروء التكليف الإجمالي أو مقارنا له.

واخرى : يكون متأخرا عنه.

كما أن العلم به ..

تارة : يكون قبل حصول العلم الإجمالي ، أو مقارنا له.

واخرى : يكون متأخرا عنه.

فالصور أربع ..

الاولى : أن يكون المانع سابقا على التكليف الإجمالي أو مقارنا له ، كما أنّ العلم به سابق أو مقارن للعلم الإجمالي.

ولا ريب هنا في عدم منجزية العلم الإجمالي ، لما تقدم ، بل هذه الصورة هي المتيقن من جميع الصور المفروضة في المقام بالإضافة للوجه المتقدم لعدم المنجزية.

نعم ، ما تقدم من عدم منجزية العلم الإجمالي مع كون بعض أطرافه طرفا لعلم إجمالي آخر مفارق له في بعض الأطراف مختص بما إذا كان العلم الإجمالي المانع متقدما ، أما مع تقارن العالمين فلا مجال لمانعية أحدهما من منجزية الآخر ، لعدم المرجح لأحدهما في التنجز ، كي يصلح لمنع الآخر منه ، بل حيث كان كل منهما مقتضيا في نفسه للتنجز في تمام أطرافه لزم تأثيره.

ومجرد اشتراكهما في بعض الأطراف لا ينفع بعد عدم كون مراعاة احتمال التكليف فيه موجبة للموافقة القطعية لأحد العالمين ، ليتنجز على كل حال بنحو يمنع من منجزية كل منهما لبقية أطرافه ، بل حال الطرف المذكور حال بقية الأطراف في احتمال انطباق التكليف المعلوم بالإجمال عليه ، فلا يتنجز إلا تبعا لمنجزية العلم الإجمالي في تمام أطرافه ، وحيث لا مرجح لأحد العالمين اتجه منجزيتهما معا في تمام أطرافهما ، غايته أن الطرف المشترك يتنجز من جهتين.

٢٦٣

وهذا بخلاف ما لو كان أحد العالمين أسبق ، فانه لما كان منجزا في نفسه ، ومقتضيا للعمل في تمام أطرافه كان مانعا من منجزية العلم الثاني المتأخر ، إذ لا يعلم معه بترتب العمل على الثاني بنحو زائد على ما اقتضاه الأول.

وهل المعيار على سبق العلم أو المعلوم؟ يظهر الكلام فيه مما يأتي في الصورتين الأخيرتين.

وكذا لو كان بعض الأطراف موردا لعلم تفصيلي أو إجمالي أخص ، فإنه يتنجز على كل حال ويمنع من منجزية العلم الإجمالي الأكثر أطرافا ، وإن كان مقارنا له. فلاحظ.

الصورة الثانية : أن يكون المانع متأخرا عن التكليف الإجمالي حدوثا ، والعلم به متأخرا عن العلم الإجمالي به.

والظاهر عدم الإشكال بينهم هنا في عدم سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية.

وقد اختلفت كلماتهم في توجيهه في مسألة الاضطرار إلى بعض معين من الأطراف. والظاهر عدم الفرق بين الاضطرار وغيره مما يسقط التكليف ويمنع من منجزية العلم الإجمالي.

وكيف كان فقد يوجه بوجوه ..

الأول : ما ذكره بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه من تحقق العلم الإجمالي التدريجي بالتكليف في الطرف المبتلى بالمانع قبل طروئه ، أو في الطرف الآخر مطلقا ، وهو كاف في المنجزية.

وفيه : ـ بعد إصلاحه بأنه كالتدريجي من حيثية تحقق بعض الأطراف بعد ارتفاع بعضها ، لا من حيثية تحقق بعض الأطراف قبل تحقق بعضها ، لفرض اجتماع الأطراف سابقا قبل طروء المانع في المقام ـ أن العلم الإجمالي التدريجي إنما يوجب تنجيز التكليف إذا علم الابتلاء بتمام الأطراف ، ومن

٢٦٤

الظاهر في المقام أن العلم بالتكليف في كل طرف مشروط بعدم طروء المانع فيه ، فلا يعلم به إلا حين العلم بعدم طروء المانع ، أما مع الشك في طروئه في الزمان اللاحق فيشك في التكليف ، وينحصر العلم به بحال العلم بفقد المانع في الطرفين فهو المنجز لا غير.

نعم ، بعد طروء المانع يعلم بالتكليف إما في طرف المانع سابقا أو في الطرف الآخر فعلا. لكن مثل هذا العلم الإجمالي التدريجي لا أثر له ، لأنّه حادث بعد خروج بعض الأطراف عن الابتلاء بانتهاء أمده.

كما أنه لو فرض العلم قبل طروء المانع بطروئه في ما بعد في بعض الأطراف دون بعض اتجه منجزية العلم الإجمالي المذكور. فتأمل جيدا.

أن منجزية العلم الإجمالي التدريجي قبل خروج الطرف الأول عن الابتلاء بنحو تمنع من الإقدام عليه مبنية على ما يأتي من كفاية العلم بالابتلاء بالتكليف في وقته في تنجزه قبل وقته ، ولا دخل لذلك في المقام.

أما منجزيته بعد خروج الطرف الأول عن الابتلاء بمضي وقته ، فهو مبني على الكلام هنا في وجه منجزية العلم الإجمالي ، لوضوح أنه مع العلم بعدم التكليف ببعض الأطراف لخروج وقته أو وجود المانع فيه لا يعلم بالتكليف إجمالا. فما وجه تنجز بقية الأطراف؟! فافهم.

الثاني : أن الشك في المقام في انطباق التكليف المعلوم بالإجمال على مورد المانع راجع إلى الشك في سقوط التكليف بعد العلم بثبوته وانشغال الذمة به ، والمرجع فيه الاشتغال ، بخلاف الصورة الاولى ، حيث كان مرجع الشك المذكور فيها إلى الشك في أصل ثبوت التكليف ، والمرجع فيه البراءة.

وفيه : أن المانع لما كان من حدود التكليف العقلية أو الشرعية ، فالشك فيه شك في التكليف ، فهو يوجب ارتفاع العلم الإجمالي المفروض كونه هو المنجز ، ومعه لا مجال لقاعدة الاشتغال ، لأنها فرع وجود المنجز للتكليف.

٢٦٥

ومن ثمّ لو شك في طروء المانع في فرض العلم التفصيلي بالتكليف لم تنفع قاعدة الاشتغال في لزوم مراعاة احتمال التكليف ، بعد فرض ارتفاع العلم به ، بل لا بد من منجز للتكليف ، من أصل موضوعي ، كاستصحاب نجاسة الماء ، المحرز لحرمة شربه ، أو حكمي إحرازي ، كاستصحاب حرمة شرب الماء ـ لو تم في نفسه ـ أو غير إحرازي ، كما في موارد انقلاب الأصل ، كالشك في القدرة وغيره. ولو لا ذلك لتعين الرجوع للبراءة من التكليف بعد فرض ارتفاع العلم به.

الثالث : استصحاب بقاء التكليف أو عدم طروء المانع منه ، فلو علم بنجاسة أحد الإنائين ـ مثلا ـ ثم علم بتطهير أحدهما معينا ، فاستصحاب نجاسة ما كان منهما نجسا سابقا يقتضي وجوب اجتنابه بترك الفرد الآخر.

وفيه : أن استصحاب بقاء التكليف لا ينفع في اجتناب الطرف الآخر الخالي عن المانع ، إلا بناء على الأصل المثبت ، لملازمة بقاء التكليف الإجمالي لتحققه فيه.

إن قلت : مراعاة احتمال التكليف في الطرف الخالي عن المانع ليس لإحراز كونه هو مورد التكليف المستصحب ، ليبتني على الأصل المثبت ، بل لاحتمال تحققه فيه وتوقف الفراغ عنه عليه ، فيجب مراعاة ذلك بمقتضى قاعدة الاشتغال بعد فرض تنجز التكليف بالاستصحاب ، فالاستصحاب بالإضافة إلى الطرف المذكور كالعلم الإجمالي بالإضافة إليه ، لا يقتضي تنجزه إلا بضميمة قاعدة الاشتغال ، ولا فائدة فيه إلا تنجيز التكليف على إجماله بدلا عن العلم به المفروض ارتفاعه بسبب طروء المانع.

قلت : لا مجال لجريان الاستصحاب بنحو يقتضي التعبد بالتكليف المعلوم بالإجمال ، لأن مقتضاه التعبد بالمستصحب ظاهرا تنجيزه على كل حال ، كما هو الحال في سائر موارد التعبد بالمضمون شرعا ، وهو لا يجتمع مع اليقين بثبوت الحكم الواقعي في مورده على تقدير اتحاد متعلقه مع الطرف المبتلى

٢٦٦

بالمانع.

مثلا : لو علم بنجاسة إناء زيد ، واشتبه بين الخزف والنحاس ، ثم طهر الخزف ، فاستصحاب نجاسة إناء زيد يقتضي التعبد بنجاسته وحرمة شربه على كل حال حتى لو كان هو الخزف ، وهو لا يجتمع مع العلم بطهارة الخزف وجواز شربه ، فالحكم الظاهري بإطلاقه مناف للعلم الذي يترتب عليه العمل لحجيته ذاتا

وأما ما هو المعروف من عدم التنافي بين الحكم الظاهري والواقعي ، فهو مختص بما إذا لم يكن الحكم الواقعي بنحو يترتب عليه العمل ، لعدم وصوله للمكلف ، لا في مثل المقام مما فرض فيه وصول الحكم الواقعي وترتب العمل عليه بنحو يمتنع معه جعل الحكم الظاهري عقلا وإن فرض تحقق موضوعه.

وبعبارة اخرى : التنافي بين الحكم الواقعي الواصل والحكم الظاهري يوجب امتناع جعل الحكم الظاهري في المقام ، لأنه يؤدي إلى احتمال اجتماع المتنافيين ، وهو ممتنع كاليقين به.

ويشهد بما ذكرنا أنه لو فرض خطأ القطع التفصيلي بعدم التكليف في بعض الأطراف ، وبقاء التكليف الذي كان معلوما بالإجمال فيه لزم من جريان الاستصحاب المذكور استحقاق العقاب بارتكابه ، لمخالفة التكليف الواقعي والظاهري معا فيه ، مع أنه لا مجال له قطعا ، لمنافاته لحجية القطع التفصيلي وإن كان خطأ.

ولا فرق في ما ذكرنا بين جميع ما يطرأ على بعض الاطراف مما يمنع من بقاء العلم الإجمالي ، سواء كان رافعا شرعيا للتكليف الفعلي ـ كالاضطرار والحرج ـ او لموضوعه ـ كالتطهير في المثال السابق ـ أم عقليا ـ كالامتثال ، والمعصية ، والخروج عن الابتلاء ، وتنجيس أحد الأطراف معينا ، وغير ذلك ـ وذلك لامتناع جعل الحكم الظاهري معها ، فيمتنع التعبد به بالإضافة إلى المعلوم

٢٦٧

بالإجمال المحتمل انطباقه على الطرف الواجد للمانع قطعا ، فيلزم منافاة الحكم الظاهري باطلاقه للعلم.

نعم ، لو رجع مفاد الاستصحاب إلى تنجيز مضمونه على تقدير انطباقه على خصوص الطرف الخالي عن المانع لا مطلقا ، أمكن جريانه في المقام ، لعدم منافاته للعلم المفروض.

لكن هذا خلاف مقتضى أدلة الاستصحاب وجميع أدلة الأحكام الظاهرية التعبدية ، فإن مقتضى التعبد بالتكليف تنجزه على كل حال بحكم العقل.

وإنما يمكن تنجز التكليف على خصوص بعض التقادير إذا كان مفاد الجعل الشرعي مجرد وجوب الاحتياط فيه ، من دون تعبد به وإحراز له ، وهو خارج عن مفاد دليل الاستصحاب محتاج إلى دليل خاص مفقود في المقام.

ويأتي إن شاء الله تعالى في الجواب عن الشبهة العبائية ما ينفع في المقام.

إذا عرفت هذا ، فالظاهر أن وجوب الاحتياط في المقام يبتني على منجزية العلم السابق بعد ارتفاعه بسبب طروء المانع.

ولا ينبغي الريب فيه لو كان ارتفاعه ناشئا عن امتثال بعض الأطراف ، لما هو المعلوم من أن وجوب الموافقة القطعية لا يختص بالحكم التحريمي ، بل يجري في الحكم الوجوبي ، الذي يكون الشك في امتثاله ملازما للشك في بقاء التكليف وارتفاع العلم به ، فلو ارتفعت منجزية العلم تبعا لارتفاعه بذلك لم يبق موضوع لوجوب الموافقة القطعية ولا لقاعدة الاشتغال بالتكليف ، من دون فرق في ذلك بين العلم التفصيلي والإجمالي ، ففرض اقتضاء العلم للموافقة القطعية ارتكازا ملازم لفرض منجزيته بعد ارتفاعه في المقام.

ومثل ذلك ما لو كان المانع هو العصيان في بعض الأطراف ، كما لو أخر الصلاة حتى ضاق الوقت عن الجمع بين الصلاتين ، فإن العصيان وإن كان

٢٦٨

مسقطا للتكليف على تقدير انطباقه على مورده ، إلا أن ملاك الحكم بوجوب الموافقة القطعية ، وهو دفع الضرر المحتمل يقتضي تجنب المعصية في الطرف الآخر ، المحتمل كونها معصية للتكليف المعلوم المنجز حذرا من العقاب.

وأما في غير ذلك من الموانع مما يمنع من استمرار التكليف مع اليقين بإطاعة التكليف في الزمان الأول الذي يعلم بتحقق التكليف فيه إجمالا ، فقد يصعب توجيه وجوب الاحتياط بعد فرض ارتفاع العلم الإجمالي من غير جهة الشك في المعصية والامتثال ، ولذا لا ريب في عدم وجوبه مع العلم التفصيلي لو فرض معه احتمال طروء المانع ، إلا بضميمة اصول أخر إحرازية ، كالاستصحاب الذي عرفت عدم جريانه في المقام ، أو غيرها ، كما في موارد الشك في طروء التعذر ، حيث تقدم غير مرة انقلاب الأصل معه ، وتقدم في أول الكلام في هذا التنبيه أنه لا مجال له في المقام ، لاختصاصه بما إذا شك في سعة القدرة لا في حال المقدور.

لكن الإنصاف : أن المرتكزات قاضية بعدم كفاية إعدام موضوع التكليف في بعض الأطراف في جواز ارتكاب بقيتها ، فلا يكفي إراقة أحد الإنائين المعلوم إجمالا نجاسة أحدهما في جواز استعمال الآخر ، ومن ثمّ كان وجوب إهراق الإنائين المشتبهين معا ، والتيمم ارتكازيا لا تعبديا محضا.

ولا منشأ لذلك إلا أن العلم الإجمالي لما فرض تنجيزه للمعلوم بالإجمال على ما هو عليه ، وجب إحراز الفراغ عنه على ما هو عليه. ومجرد العلم بطروء المانع في بعض الأطراف لا يرفع ذلك ، وإن ارتفع معه العلم الإجمالي بالتكليف الفعلي ، فيجب مراعاة احتمال التكليف في الطرف الآخر لاحتمال انطباق المعلوم بالإجمال السابق عليه ، فهو نظير ارتفاع العلم بسبب الشك في الامتثال لا يمنع من منجزيته.

ولا فرق في ذلك ارتكازا بين إعدام الموضوع ، وانعدامه بنفسه ، وفقد

٢٦٩

شرط التكليف وغير ذلك من الموانع. فتأمل جيدا.

هذا كله بناء على منجزية العلم الإجمالي ذاتا بنحو يقتضي الموافقة القطعية.

وأما لو كان منشأ منجزيته في ذلك تساقط الاصول الترخيصية في الأطراف بالمعارضة ، فالأمر أشكل ، فإن طروء المانع من التكليف في بعض الأطراف مانع من جريان الأصل فيه ، لأن ما هو الشرط لجريانه حدوثا شرط لجريانه بقاء ، وبعد سقوط الأصل فيه لا يبقى معارض للأصل في الطرف الآخر ، فلا مانع من جريانه عملا بعموم دليله.

ودعوى : أن عروض المانع من التكليف في بعض الأطراف وامتناع جريان الأصل فيه لا يوجب رجوع الأصل في الطرف الآخر بعد سقوطه ، بل التعارض بينهما في الزمان السابق موجب لسقوطهما إلى الأبد.

مدفوعة : بأن المانع من جريان الأصل لما كان هو التعارض بين الأصلين فلا معنى لبقائه في ظرف سقوط أحدهما ، مهما كان منشأ السقوط.

وأما ما ذكره بعض مشايخنا من أن المحذور العقلي ـ وهو لزوم الترخيص في المعصية ـ كما يقتضي عدم شمول دليل الأصل لكل من الطرفين في زمان واحد يقتضي عدم شمولاه لهما في زمانين ، فالعلم بحرمة أحدهما لا بعينه يقتضي سقوط الاصول في جميع الأزمنة ، كان كلاهما موجودا أو كان أحدهما معدوما.

ففيه : أنه مع فرض سقوط أحدهما لا يلزم من جريان الآخر وحده الترخيص في المعصية ، كما لا يلزم الوقوع فيها إلا بناء على منجزية العلم الإجمالي بالإضافة إلى الموافقة القطعية مطلقا مع قطع النظر عن تعارض الاصول حيث يتنجز المعلوم بالإجمال في الزمان السابق حينئذ على كل حال ، فجريان الأصل في بعض أطرافه بعد سقوط الآخر مما يحتمل معه الترخيص

٢٧٠

في المعصية ، الذي هو قبيح كالعلم به.

وبالجملة : توجيه منجزية العلم الإجمالي على المبنى المذكور في غاية الإشكال ، لكن هذا مما يخدش به المبنى المذكور في منجزية العلم الإجمالي ، وإلا فعدم سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية في المقام مسلم بين الكل ومطابق للمرتكزات ، كما ذكرنا.

الصورة الثالثة : أن يكون حدوث المانع متأخرا عن التكليف المعلوم بالإجمال ، إلا أن العلم به مقارن للعلم الإجمالي أو متقدم عليه.

كما لو اضطر عند الزوال إلى إناء معين ، وعلم بعده إجمالا بتحريم ذلك الإناء أو إناء آخر من قبل الزوال.

وعن شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره عدم منجزية العلم الإجمالي حينئذ.

وهو متجه بناء على أن المعيار في منجزية العلم الإجمالي تساقط الاصول الترخيصية في الأطراف بالمعارضة ، لوضوح أن الأصل في الطرف المبتلى بالمانع لو جرى قبل حدوث المانع لم يعارض الأصل الجاري في الطرف الآخر ، لعدم العلم الإجمالي حينئذ بالتكليف ، كما أنه حين حدوث العلم الإجمالي حيث لا يجري الأصل في الطرف المذكور ، لفرض سبق حدوث المانع فيه ، فلا معارض للأصل الجاري في الطرف الآخر ، ولا منجز للعلم الإجمالي المذكور.

لكن تقدم ضعف المبنى المذكور ، وأنه لو تم لزم سقوط العلم الإجمالي عن المنجزية في الصورة السابقة أيضا.

وأما الفرق بينهما : بأن الأصل في هذه الصورة يجري في الطرف غير المبتلى بالمانع من أول الأمر ، بخلاف تلك الصورة ، حيث لا يجري الأصل في الطرف المذكور من أول الأمر ، لفرض سقوطه بالمعارضة قبل عروض المانع.

فهو غير فارق ، بعد ما أشرنا إليه آنفا من أن عروض المانع في تلك

٢٧١

الصورة على بعض الأطراف لما كان مسقطا للأصل فيه فهو يوجب ارتفاع المانع عن جريان الأصل في الطرف الآخر ، لعدم المعارض له حينئذ.

وعليه يشكل الأمر بناء على منجزية العلم الإجمالي في نفسه بنحو يقتضي الموافقة القطعية مع قطع النظر عن تعارض الاصول ـ كما هو المختار ـ لأن العلم في المقام صالح للتنجيز بعد فرض كون المعلوم إجمالا هو التكليف الفعلي الخالي عن المانع ، وأن المانع المحتمل طروؤه في مورد التكليف لا يمنع من حدوث التكليف ، لفرض تأخره عنه ، بل غاية ما يقتضي سقوطه بعد حدوثه ، كما في الصورة الثانية.

ودعوى : أنه يعتبر في منجزية العلم الإجمالي العلم بترتب الأثر على المعلوم حين العلم ، فلو لم يعلم بترتيب الأثر عليه ولو لاحتمال سقوطه بعد ثبوته لم يصلح العلم لتنجيزه ، كي يجب إحراز الفراغ عنه. وبه يفرق بين هذه الصورة والصورة الثانية ، حيث كان المفروض في تلك الصورة عدم حدوث المسقط حين العلم بالتكليف ، بل يعلم بترتب الأثر على التكليف حينئذ.

مدفوعة : بأنه لا مجال لاعتبار ذلك في منجزية العلم الإجمالي ، إذ لا فرق بينه وبين العلم التفصيلي في المنجزية ، ومن الظاهر أنه يكفي في منجزيّة العلم التفصيلي العلم بترتب الأثر على المعلوم حين حدوثه وإن احتمل سقوطه حين العلم بطروء المانع من الامتثال ، أو الاضطرار ، أو غيرهما.

اللهم إلا أن يقال : هذا إنما يتم مع الشك في الامتثال ، أما مع كون المانع المحتمل أمرا آخر كالاضطرار ونحوه فليس المنجز مع العلم التفصيلي هو العلم السابق ، بل استصحاب التكليف أو موضوعه ، أو انقلاب الأصل في مورده ، كما تقدم في الصورة الثانية ، وقد تقدم فيها عدم جريان الاستصحاب ولا غيره في مورد العلم الإجمالي ، وأنه لا موجب لمراعاة احتمال التكليف الا قاعدة الاشتغال ، التي هي فرع تنجز التكليف ، والعلم الإجمالي لا يصلح للتنجيز في

٢٧٢

المقام ، بخلاف الصورة الثانية ، لما ذكرناه هنا من الفرق بينهما. وإن كان الأمر لا يخلو عن إشكال.

الصورة الرابعة : أن يكون حدوث المانع متقدما على المعلوم بالإجمال ، أو مقارنا له إلا أن حدوث العلم به بعد حدوث العلم الإجمالي ، كما لو علم المكلف بنجاسة أحد الإنائين حين الزوال ، ثم علم بتعذر استعمال أحدهما من قبل الزوال.

والظاهر هنا عدم منجزية العلم الإجمالي ، فيجوز ارتكاب الاناء الآخر ، لأن العلم بسبق حدوث المانع مستلزم لانكشاف خطأ العلم الإجمالي بالتكليف الذي يترتب عليه العمل ، وإن كان العلم بتحقق مقتضيه مصيبا ، ولا مجال مع ذلك لمنجزية العلم المذكور ، لأنها مختصة بما إذا لم يرتفع وينقلب إلى الشك البدوي في بعض الأطراف.

وما سبق في الصورة الثانية من تنجيز العلم السابق بعد ارتفاعه مختص بما إذا كان ارتفاعه لتبدل حال المعلوم مع عدم ارتفاع العلم بحدوثه ، ولا يجري في مثل المقام مما كان المرتفع هو العلم بالحدوث وأن الواقع ليس على النحو الذي قطع به سابقا.

فالمقام نظير ما لو علم المكلف بملاقاة النجاسة لأحد ماءين كان يعتقد قلتهما ، فاعتقد بنجاسة أحدهما ، ثم علم بسبق كرية أحدهما ، حيث لا ينبغي الريب في عدم المنجز لاحتمال التكليف في الآخر ، بل لا مانع من الرجوع فيه لاستصحاب الطهارة.

ولا فرق في هذا بين جميع الموانع المفروضة في المقام ، لأنها باجمعها تقتضي قصورا في المعلوم ، فبانكشافها يظهر خطأ العلم السابق بوجود تكليف يترتب عليه العمل على كل تقدير ، الذي هو المدار في التنجز ، كما سبق.

٢٧٣

التنبيه الخامس : فيما لو كانت الأطراف تدريجية.

لا ريب في منجزية العلم الإجمالي لو كانت أطرافه في عرض واحد بحيث يبتلى المكلف بها دفعة واحدة ، سواء أمكن مخالفتها في زمان واحد ، كما لو علم بحرمة لبس أحد ثوبين ، حيث يمكن لبسهما معا ، أم لم يمكن ، كما لو علم وهو جنب ، بمسجدية أحد المكانين ، حيث لا يمكن المكث فيهما في وقت واحد.

لأن فعلية الأطراف في الزمان الواحد تستلزم العلم بفعلية التكليف الإجمالي الموجب للموافقة وعدم المخالفة.

وأما لو كانت الأطراف تدريجية الحصول ، كما لو علم المكلف بأنه نذر زيارة الحسين عليه السّلام في إحدى ليلتين ، أو علم بحيض امرأته في خمسة أيام من أول الشهر أو آخره ، فقد وقع الكلام بينهم في منجزية العلم ، وظاهر شيخنا الاعظم قدّس سرّه التفصيل بين المثالين المتقدمين بالتنجيز في الأول دون الثاني ، على إشكال منه في وجه الفرق ، وظاهر المحقق الخراساني قدّس سرّه في حاشيته على الرسائل موافقته في التفصيل المذكور للوجه الآتي في الفرق ، وجزم بعض الأعاظم وبعض الأعيان المحققين قدّس سرّهما وغيرهما بالمنجزية مطلقا.

والذي ينبغي أن يقال : حيث تقدم غير مرة أنه لا بد في منجزية العلم الإجمالي من كون المعلوم أمرا يترتب عليه العمل على كل حال ، بحيث يكون موردا للمسئولية وصالحا لإحداث الداعي العقلي ، ليجب الفراغ عنه بعد تنجزه بالعلم ، فالكلام في المقام يبتني على تحقيق حال الطرف المتأخر ، وأنه صالح للداعوية وموضوع للمسئولية ، أو لا ، بعد الفراغ عن صلوح المتقدم لذلك.

ولا ينبغي التأمل في ذلك بعض الرجوع للمرتكزات العقلية ، إذ لا ريب في قبح تعجيز المكلف نفسه عن امتثال التكليف المتأخر ، بحيث يلزم منه تفويت التكليف التام الملاك في وقته.

٢٧٤

وعليه يبتني وجوب المحافظة على مقدمات المكلّف به المفوتة ، وهي التي لا يمكن تحصيلها إلا قبل الوقت ، حيث يظهر منهم الاتفاق عليه تبعا للمرتكزات العقلائية والمتشرعية ، وإن اختلفوا في وجهه.

فإن ذلك كاشف عن صلوح التكليف بالأمر المتأخر للداعوية العقلية قبل الوقت ، فيصلح لأن يكون طرفا لعلم إجمالي منجز.

ولا يهم مع ذلك تحقيق أن الأمر المتأخر دخيل في المكلّف به مع فعلية التكليف والملاك قبله ، لإمكان التكليف الفعلي بالأمر المتأخر ـ كما في الواجب المعلق عند صاحب الفصول قدّس سرّه ـ أو هو دخيل في التكليف عقلا أيضا ، لاستحالة التكليف بالأمر المتأخر ، إما مع فعلية ملاكه لتمامية موضوعه الشرعي ، كالنذر في المثال الأول ، أو مع عدم فعلية لأخذ الأمر المتأخر في موضوعه شرعا ، كالحيض في المثال الثاني.

نعم ، لو كانت المنجزية موقوفة على فعلية التكليف أو فعلية الملاك ، كان تحقيق ذلك مهما جدا ، وابتنى على الكلام في الواجب المشروط والمعلق.

وكأنه إلى ذلك نظر المحقق الخراساني قدّس سرّه في وجه التفصيل بين المثالين المتقدمين ، فإنه حيث ذهب إلى إمكان كل من الواجب المعلق الذي يكون فيه التكليف فعليا والمكلف به استقباليا ، والواجب المشروط بالمعنى المشهور ، وهو الذي يكون الشرط فيه شرطا للتكليف ، ولا يكون التكليف قبله فعليا ، اتجه منه التفصيل بين المثالين ، لظهور كون النذر الذي هو موضوع وجوب الوفاء فعليا ، وإن احتمل كون المنذور أمرا استقباليا ، أما الحيض الذي هو موضوع حرمة الوطء فحيث لم يكن محرزا لم يحرز فعلية التكليف المعلوم بالإجمال معه ، فلا يكون منجزا بناء على أن المدار في منجزيته العلم بالتكليف الفعلي ، ولا يكفي العلم بأحد تكليفين تدريجيين كل منهما فعلي في وقته ، كما يظهر منه في حاشية الرسائل.

٢٧٥

أما شيخنا الأعظم قدّس سرّه فلا يتجه منه التفصيل المذكور ، بناء على ما سلكه في الواجب المشروط من لزوم رجوع جميع الشروط للمادة لبا ، وامتناع رجوعها للهيئة عقلا ، حيث يلزمه فعلية التكليف في المثالين معا المستلزم لمنجزية العلم الإجمالي بلا إشكال.

وأما ما ذكره قدّس سرّه في وجه عدم المنجزية في الثاني من امتناع التكليف الفعلي قبل الحيض بترك وطء الحائض ، لأن تركه ناشئ من عدم الابتلاء به ، فلا يطلب بالخطاب الشرعي إلا أن يكون الخطاب به تعليقيا.

فهو ـ مع جريانه في المثال الأول ، ولذا استشكل قدّس سرّه في الفرق بينهما ـ رجوع عما ذكره في الواجب المشروط من لزوم فعلية التكليف وامتناع تعليقيته. فراجع وتأمل.

وكيف كان ، فبعد ما عرفت من أن التكليف الفعلي التام الملاك في وقته صالح للتنجيز والداعوية العقلية ، ولا تتوقف داعويته على فعليته حينها يتعين البناء على المنجزية في جميع موارد العلم الإجمالي التدريجي الأطراف.

إن قلت : هذا مناف لما تقدّم في التنبيه السابق من أن عدم الابتلاء ببعض الأطراف مانع من منجزية العلم الإجمالي ، حيث لا ريب في خروج الأمر المتأخر عن الابتلاء الفعلي.

قلت : عدم الابتلاء المانع من المنجزية هو الموجب للغوية التكليف وعدم صلوحه لإحداث المسئولية عرفا ، بسبب استحكام الدواعي لموافقة التكليف وشدة الصوارف عن مخالفته ، لا مجرد عدم الابتلاء الفعلي الناشئ من الفاصل الزمني مع تحقق الابتلاء بالتكليف في وقته ، فانه لا يمنع من إحداث المسئولية عرفا وعقلا ، ولذا يكون منشأ للسعي نحو المقدمات وفعلية الداعي العقلي لتحصيلها.

هذا ، ولا يخفى أن ما ذكرنا مشروط بالعلم بالابتلاء بالطرف المتأخر في

٢٧٦

وقته ، بنحو صالح للتنجيز لو فرض انطباق المعلوم بالإجمال عليه ، لاجتماع شرائط التنجيز وفقد الموانع المتقدمة. فلو لم يعلم بذلك لا مجال لمنجزية العلم الإجمالي.

نعم ، لو كان عدم العلم ناشئا من احتمال الموت أو العجز المسقط للتكليف فالظاهر منجزية العلم لأصالة السلامة المعول عليها عند العقلاء ، وأصالة الاحتياط مع الشك في القدرة ، إذ الشك في المقام في سعة القدرة ، لا في حال المقدور ، كي لا يجب معه الاحتياط لما تقدم.

والظاهر أنه لا يكفي الاستصحاب ـ بناء على جريانه في الامور المستقبلة ـ لو فرض كون منشأ الشك في الابتلاء هو احتمال ارتفاع ما هو الشرط فيه.

مثلا : لو علم الرجل إجمالا بحيض امرأته في أول الشهر أو آخره ، واحتمل خروجها في آخره بطلاق أو نحوه لم يكف استصحاب زوجيتها إلى آخر الشهر في تنجيز العلم المذكور ، لأن الابتلاء ليس من آثار الزوجية شرعا ، ليمكن التعبد به تبعا للتعبد بها ، كما لا مجال لاستصحاب الابتلاء نفسه ، لعدم كونه حكما شرعيا ولا موضوعا لحكم شرعي ، وإنما هو شرط في منجزية العلم الإجمالي عقلا.

نعم ، لو علم المكلف بالابتلاء في الوقت بسبب الاستصحاب أو غيره من الاصول لزم منجزية العلم الإجمالي التدريجي المذكور ، كما لو احتمل الرجل في المثال المتقدم أن يكون قد حلف على ترك وطء زوجته في آخر الشهر ، فإن استصحاب عدم الحلف المذكور لما كان مقتضيا لجواز وطئه لها ظاهرا ، وقدرته على ذلك عقلا أوجب العلم بالابتلاء في الوقت ، فيتنجز التكليف المعلوم بالإجمال تبعا للعلم بالحيض.

فهو كما لو علم إجمالا بحيض إحدى زوجيته ، وكانت إحداهما

٢٧٧

مستصحبة الزوجية ، حيث يكفي استصحاب زوجيتها في منجزية العلم الإجمالي ، لكونه محققا للابتلاء بها فعلا.

والفرق بينه وبين المثال الأول أن الاستصحاب لا يوجب اليقين بالقدرة على ارتكاب الطرف المتأخر في المثال الأول ، لإمكان انكشاف الخلاف في وقته الرافع للحكم الظاهري ، وللقدرة العقلية المقومة للابتلاء المعتبر في المنجزية ، أما في هذا المثال فالاستصحاب يوجب اليقين بالقدرة ، إذ ليس المانع إلا احتمال اليمين ، والمفروض أن الاستصحاب مؤمن منه في وقته. إلا أن يحتمل معه انكشاف الخلاف في وقته أيضا ، بأن احتمل تذكره لليمين حينئذ ، فيتجه عدم منجزية العلم الإجمالي ، لعدم كون الاستصحاب موجبا لليقين بالابتلاء في وقته.

ففي الحقيقة أن الموجب للعلم بالابتلاء هو العلم بجريان الأصل في وقته وصلوحه للعمل حينئذ ، فلو احتمل ارتفاع موضوعه في وقته بنحو لا يصلح للعمل لانكشاف الحال لم يعلم بالابتلاء من مجرد إجراء الأصل في الأول ، بل لا يجري حينئذ لعدم الأثر. فتأمل جيدا.

ثم إن الظاهر أنه لا بد في منجزية العلم الإجمالي التدريجي من الالتفات للاطراف وتحديدها ولو إجمالا. لتكون موردا للتنجيز ، حيث لا يدفع العقل للعمل إلا بعد تحديد موضوعه ، ولا يكفي مجرد العلم بالابتلاء بالحرام والوقوع فيه من دون تحديد للأطراف ، حيث يكثر من المكلف العامل بالاصول الترخيصية ، حيث يتعرض للمخالفة الواقعية ، ويعلم إجمالا بحصولها في ما يبتلى به من الوقائع التدريجية في شهره أو سنته أو مدة عمره ، خصوصا في الاموال والطهارة والنجاسة وغيرهما مما يكثر فيه مخالفة الاصول الترخيصية للواقع. ولو لا ذلك لاختل نظام المعاش والمعاد ، وقلّت الفائدة في جعل الاصول المذكورة.

٢٧٨

فالعلم المذكور نظير العلم بالخطإ في ما يحصل من العلوم التفصيلية في الوقائع التدريجية ، حيث قد يحصل العلم المذكور بسبب الالتفات لتحقق الخطأ في كثير من العلوم السابقة ، مع عدم الإشكال في عدم منجزية العلم المذكور بنحو يمنع من التعرض للفحص في الوقائع وتحصيل العلم التفصيلي مقدمة للتحرز من المخالفة فيها. فافهم.

ومما ذكرنا يظهر الإشكال في ما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه من التمثيل للعلم الإجمالي التدريجي بما إذا علم المكلف أنه يبتلى في يومه أو شهره بمعاملة ربوية ، فإن المعاملات المذكورة حيث لم تكن حين العلم الإجمالي محددة لم يصلح العلم المذكور لتنجيز التكليف فيها بحيث يجب الاحتياط فيها.

نعم ، احتمال كون المعاملة ربوية بنحو الشبهة الحكمية منجز بنفسه مع قطع النظر عن العلم الإجمالي المذكور ، لوجوب الفحص عن الأحكام الشرعية بنحو يمنع من الرجوع للاصول الترخيصية ، وهذا بخلاف ما إذا كان الاحتمال المذكور بنحو الشبهة الموضوعية ، كما لو شك في كون العوضين من المكيل والموزون ، حيث لا مانع من الرجوع لأصالة عدم كونهما كذلك ، المقتضية لصحة المعاملة.

ومجرد العلم بالابتلاء بالمعاملة الربوية في طول الشهر أو السنة من دون تحديد لها لا يصلح للتنجيز بل هو كالعلم بالابتلاء بشرب النجس كذلك.

والأمر محتاج إلى مزيد من التأمل. والله سبحانه ولي العصمة والسداد.

٢٧٩

التنبيه السادس : فيما لو اقترن العلم الإجمالي بما يمنع

من الموافقة القطعية

اعلم أن طروء ما يوجب الترخيص في مورد العلم الإجمالي ..

تارة : بأن يكون العنوان المقتضي للترخيص منطبقا على كل طرف بخصوصه.

واخرى : بأن يكون منطبقا على أحدهما المعين في نفسه.

وثالثة : بأن يكون منطبقا على الجامع بينهما المقتضي للتخيير بينهما في مقام العمل.

أما الأول فهو يوجب القطع بعدم التكليف ، كما لو اضطر إلى ارتكاب جميع أطراف العلم الإجمالي بالحرمة. ولا موضوع معه للاحتياط.

وأما الثاني فهو يوجب احتمال ارتفاع التكليف ، لاحتمال انطباقه على المعلوم بالإجمال ، سواء كان ذلك الطرف معلوما للمكلف تفصيلا ، كما لو علم إجمالا بنجاسة ماء الرمان أو القراح ، فاضطر لاستعمال ماء الرمان ، أم كان مشتبها عنده بين الأطراف ، كما لو علم إجمالا بملاقاة أحد الماءين للنجاسة ، وباتصال أحدهما بالمادة.

والكلام في وجوب الاحتياط في الصورة الاولى بالإضافة إلى الأطراف الخالية عن المانع يظهر مما تقدم في التنبيه الرابع ، حيث تقدم اختلاف ذلك باختلاف الصور من حيث سبق المانع وتأخره عن العلم.

وأما في الصورة الثانية فيختلف الكلام باختلاف الصور المذكورة على تفصيل لا مجال له هنا ، وقد يظهر بالتأمل في ما سبق ، كما يختلف باختلاف العناوين الموجبة للترخيص بما لا مجال للكلام فيه فعلا.

وأما الثالث فهو محل الكلام في المقام ، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الماءين ، واضطر لرفع عطشه بأحدهما ، بلا دخل لخصوصية كل منهما في

٢٨٠