🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
المطبعة: جاويد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

أصل ثبوت التكليف الذي لا منجز معه عقلا ، لا الشك في ثبوت التكليف الناشئ من احتمال امتثاله أو سقوط التكليف عنه بعد فرض المنجز له ، فإن تنجيزه حينئذ بالعلم السابق الذي لا يمكن الردع عنه ، لا بالشك لتنهض الاصول برفع تنجيزه.

نعم ، يمكن للشارع الردع عن امتثاله اليقيني بعد فرض تنجزه بالعلم وقد ذكرنا عدم نهوض أدلة الاصول بذلك.

وبالجملة : أدلة الاصول المذكورة مسوقة مساق قاعدة قبح العقاب بلا بيان لا بنحو تنافي قاعدة الاشتغال ، ولذا لا يتوهم اقتضاؤها نفي التكليف المحتمل امتثاله مع العلم التفصيلي به ، كما نبه له بعض الأعيان المحققين قدّس سرّه.

ومن ثمّ لا يكون ما دل على الاعتناء بالشك قبل تجاوز المحل أو قبل خروج الوقت من سنخ المخصص لأدلة الاصول المذكورة.

وقد تحصل من جميع ما ذكرنا : أن ما يصحح الاكتفاء بترك الموافقة القطعية بين ما يمتنع جعله في المقام وما لا تنهض أدلة الاصول به ، فيتعين لذلك البناء على وجوبها ، كما في العلم التفصيلي.

بقي الكلام في ثمرة ذلك ، فاعلم : أن حرمة المخالفة القطعية إنما تمنع من العمل بالأصل الترخيصي مع تحقق موضوعه في جميع الأطراف ، لامتناع العمل به في جميعها ، لأنه مستلزم للمخالفة القطعية ، وفي البعض المعين ، لأنه ترجيح من غير مرجح ، وفي البعض المخير ، لامتناع التخيير في الحكم الظاهري مع عدمه في الحكم الواقعي ، وعدم الدليل على أخذ الاختيار زائدا على الشك في موضوع الأصل ، كما تقدم عند الكلام في الوجه الأول من وجهي استفادة جعل البدل من أدلة الاصول.

أما لو اختص موضوع الأصل الترخيصي ببعض الأطراف مع عدم جريان أصل آخر لا ترخيصي ولا إلزامي فلا تصلح حرمة المخالفة القطعية للمنع من

٢٢١

العمل به ، لعدم لزوم شيء من المحاذير السابقة ، وإنما يمتنع ذلك بناء على وجوب الموافقة القطعية.

ومن ثمّ صرح غير واحد بامتناع جريان الأصل في الفرض ـ لو وقع ـ خلافا لبعض الأعاظم قدّس سرّه وبعض مشايخنا.

ودعوى : أن أدلة الاصول وإن لم تنهض بالترخيص في المخالفة الاحتمالية والردع عن وجوب الموافقة القطعية ، إلا أن ذلك لما كان ممكنا عقلا ـ كما تقدم ـ لم يصلح وجوب الموافقة القطعية للمنع من جريان الأصل الترخيصي في بعض الأطراف معينا في الفرض المذكور ، بل مقتضى عموم دليل الأصل جواز الرجوع إليه وإن لزم منه المخالفة الاحتمالية للتكليف المعلوم بالإجمال ، فهو وإن لم يكن مسوقا للردع عن وجوب الموافقة القطعية إلا أنه يستفاد منه ذلك تبعا.

مدفوعة : بأن مفاد الأصل ليس إلا رفع منجزية الاحتمال وجعل السعة من حيثية الشك ، فهو لا يقتضي إلا الترخيص في الطرف بخصوصيته من الحيثية المذكورة ، وهو لا ينافي لزوم الاحتياط فيه من حيثية وجوب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم بالإجمال بعد فرض عدم ثبوت الردع عنه.

نعم ، لو كان مفاد الأصل الترخيص مع الشك مطلقا ومن جميع الجهات بنحو ينافي وجوب الموافقة القطعية تم ما ذكر.

إلا أنه تقدم عند الكلام في المخالفة القطعية أنه لا مجال لحمل أدلة الاصول على ذلك.

وبعبارة اخرى : المستفاد من الأدلة كون موضوع الأصل حيثية تقتضي الترخيص ، كما أن العلم الإجمالي حيثية تقتضي الإلزام ، وعند اجتماعهما تقدم الحيثية الثانية في مقام العمل ، ولا وجه لكون حيثية الأصل رادعة عن مقتضى حيثية العلم الإجمالي بعد عدم كون مفاد الأصل الترخيص من جميع الجهات

٢٢٢

بنحو يمنع من تأثير الحيثيات الاخرى.

نعم ، لو فرض كون مقتضى الأصل الشرعي أو العقلي في بعض الأطراف معينا هو تنجز احتمال التكليف ، كان موجبا لانحلال العلم الإجمالي ـ كما يأتي توضيحه إن شاء الله تعالى ـ فلا يكون منجزا للمعلوم بالإجمال بنحو يمنع عن المخالفة القطعية ، فضلا عن المخالفة الاحتمالية ، فيتجه العمل بالأصل الترخيصي في بعض الأطراف بلا إشكال.

ومنه يظهر حال ما ذكره بعض مشايخنا من النقض على من يدعي امتناع جريان الأصل في بعض الأطراف ..

تارة : بما إذا علم إجمالا بملاقاة النجاسة لأحد إناءين أحدهما متيقن النجاسة سابقا.

واخرى : بما إذا علم المكلف إجمالا بأنه لم يأت بإحدى الصلاتين ، إما صاحبة الوقت أو التي مضى وقتها ، حيث أنه في الأول لا إشكال في جريان أصالة الطهارة أو استصحابها في الاناء الذي لا يعلم نجاسته سابقا ، وفي الثاني لا ريب في جريان قاعدة الحيلولة في التي مضى وقتها ، وإن لزم منهما المخالفة الاحتمالية.

فإنه يندفع : بانحلال العلم الإجمالي في الأول باستصحاب النجاسة في متيقنها سابقا ، وفي الثاني بقاعدة لزوم الاعتناء بالشك قبل خروج الوقت بالإضافة إلى صاحبة الوقت ، فلا منجز فيهما للمعلوم بالإجمال حتى يجب الفراغ عنه.

ونظير ذلك : ما لو كان ثبوت التكليف في بعض الأطراف من آثار نفيه في الطرف الآخر شرعا ، بحيث يكون الأصل النافي فيه صالحا للتعبد بالتكليف في صاحبه ، كما لو احتمل واجد مقدار الاستطاعة ثبوت دين في ذمته يمنع منها ، حيث يعلم إجمالا بوجوب أحد الأمرين من الحج ووفاء الدين ، إلا أن

٢٢٣

استصحاب عدم تحقق الدين لما كان منقحا للاستطاعة التي هي موضوع وجوب الحج كان موجبا لانحلال العلم الإجمالي المذكور.

هذا ، وأما ما ذكره بعض الأعاظم قدّس سرّه في وجه إمكان جريان الأصل الترخيصي في بعض الأطراف معينا لو اختص به موضوعه ..

تارة : من كونه موجبا لكون الطرف الآخر بدلا قهريا عن المعلوم بالإجمال وبه يحصل الفراغ التعبدي عنه.

واخرى : من كونه موجبا لانحلال العلم الإجمالي ، لأن العلم الإجمالي كما ينحل بالمنع من بعض الأطراف ، ينحل بالترخيص في بعضها ، لأن الأصل النافي يوجب التأمين عن الطرف الذي يجري فيه ، ويبقى الطرف الآخر بلا مؤمن.

فيندفع بكلا وجهين ..

أما الأول ، فلأن الترخيص في بعض الأطراف لا يكفي في كون الآخر بدلا عن المعلوم بالإجمال ، ولا في حصول الفراغ التعبدي ، ما لم يكن ناظرا للمعلوم بالإجمال وشارحا له ، كما تقدم في أول الكلام في جعل البدل.

وأما الثاني فلأن الأصل الجاري في بعض الأطراف إنما يوجب التأمين عنه من حيث كونه مشكوكا ، ولا يوجب التأمين عن التكليف المعلوم بالإجمال المنجز في نفسه بعد عدم نظره إليه ولا شرحه لإجماله.

بل الطرف المذكور من ناحية المعلوم بالإجمال كالطرف الآخر الذي لا يجري فيه الأصل ، فإن الإقدام على كل منهما موجب لاحتمال الوقوع في مخالفته ، فمع فرض تنجز المعلوم بالإجمال ، ولزوم إحراز الفراغ عنه يتعين الاجتناب عن كلا الطرفين ، المستلزم لعدم العمل بالأصل الترخيصي الجاري في بعض الأطراف.

هذا ، مضافا إلى اختلاف مبنى الوجهين ، لابتناء الأول على منجزية العلم

٢٢٤

الإجمالي مع اقتضاء الأصل التعبد بالامتثال الذي هو مقتضى قاعدة الاشتغال ، وابتناء الثاني على عدم منجزية العلم الإجمالي بسبب انحلاله ، فلا موضوع للقاعدة.

ومثله ما ذكره بعض مشايخنا من أن العلم الإجمالي لا يزيد على العلم التفصيلي ، فكما يجوز أن يكتفي الشارع مع العلم التفصيلي بالامتثال الاحتمالي ـ كما في موارد قاعدة الفراغ والتجاوز ـ كذلك يجوز له الاكتفاء به مع العلم الإجمالي بطريق أولى.

لاندفاعه : بأنه إن اريد من الاكتفاء بالفراغ الاحتمالي التعبد بالفراغ في ظرف الاحتمال ـ كما يظهر منهم في مورد قاعدة الفراغ ـ فقد تقدم عدم صلوح الأصل له. وإن اريد به الاكتفاء به مطلقا ولو مع عدم التعبد بالفراغ فهو وإن كان ممكنا ـ كما تقدم منا ـ إلا أن أدلة الاصول لا تنهض به ، كما عرفت.

هذا ، مضافا إلى النقض على ذلك بما أشار إليه بعض الأعاظم قدّس سرّه ، وهو ما لو علم إجمالا بنجاسة أحد إناءين أحدهما متيقن الطهارة سابقا دون الآخر ، فإن استصحاب الطهارة في متيقنها يعارض بأصالة الطهارة في الآخر ، وبعد تساقطهما تتعارض أصالة الطهارة في الأول مع أصالة الحل في الآخر ، وبعد تساقطهما تجري أصالة الحل في الأول بلا معارض ، فيلزم جواز ارتكابه ، مع أنه لا مجال للالتزام به.

وقد أجاب قدّس سرّه عن ذلك : بأن ملاك التعارض بين الاصول لما كان هو تعارض مؤدياتها وما هو المجعول فيها وكان مفاد استصحاب الطهارة وأصالة الطهارة واحدا لزم سقوطهما معا بالمعارضة لأصالة الطهارة في الإناء الآخر.

ومجرد حكومة الاستصحاب في مورده على قاعدة الطهارة لا يوجب سقوط استصحاب الطهارة أولا ، ثم انفراد أصالة الطهارة فيه بالجريان.

ومن ثمّ ذكر قدّس سرّه أنه لم يعثر على مورد لجريان الأصل في بعض الأطراف

٢٢٥

دون الآخر.

لكن ما ذكره قدّس سرّه لا يناسب مسلكه في تقدم الاصول الحاكمة على المحكومة ، كما ذكره شيخنا الاستاذ (دامت بركاته).

ولا ينبغي تطويل الكلام في ذلك بعد ما تقدم مما يقتضي المنع عن العمل بالأصل في الفرض.

بقي الكلام في ما نقله شيخنا الأعظم قدّس سرّه عن بعضهم من الرجوع للقرعة في المقام.

فاعلم : أنه لا ريب في صلوح القرعة لتمييز المعلوم بالإجمال وشرحه بنحو يرجع إلى التعبد بالامتثال في بعض الأطراف ، الذي هو مقتضى قاعدة الاشتغال ، والذي تقدم أن جعل البدل راجع إليه.

ولا فرق في ذلك بين كونها من الطرق وكونها من الاصول ، لأن الأصل إنما لا يصلح لتشخيص المعلوم بالإجمال إذا تمحض في تشخيص الوظيفة العملية من دون نظر للواقع ، أما إذا كان ناظرا إليه وواردا لشرحه فاللازم العمل به على حسب مقتضاه.

ولعله لذا ورد الإرجاع للقرعة في مورد العلم الإجمالي في ما روي عن محمد بن عيسى عن الرجل عليه السّلام ، أنه سئل عن رجل نظر إلى راع نزا على شاة ، قال : «إن عرفها ذبحها وأحرقها ، وإن لم يعرفها قسمها نصفين أبدا حتى يقع السهم بها فتذبح وتحرق وقد نجت سايرها» (١).

هذا ، ولم ينقل شيخنا الأعظم قدّس سرّه القول بالرجوع للقرعة إلا في الشبهة الموضوعية التحريمية ، وربما يتعدى عنها للشبهة الموضوعية الوجوبية ، وأما الشبهة الحكمية فقد ادعى المحقق الخراساني قدّس سرّه الإجماع على عدم الرجوع

__________________

(١) الوسائل ، ج ١٦ ، باب : ٤ من أبواب الأطعمة المباحة ، ح : ١.

٢٢٦

فيها للقرعة ، وظاهر غير واحد ممن تأخر عنه التسالم على ذلك.

ويشهد به المعلوم من سيرة الأصحاب في الاصول والفقه من عدم كون القرعة من أدلة الأحكام.

وحينئذ يقع الكلام في وجه الرجوع إليها في الشبهات الموضوعية خروجا عما عرفت من القاعدة المقتضية للاحتياط ، وهو موقوف على النظر في عموم أدلة القرعة ونهوضها بالحجية في المقام فنقول :

نصوص القرعة على طوائف ثلاث

الاولى : ما تضمن الارجاع لها في موارد خاصة ، هي بين ما لا تعين فيه للواقع ، مثل من أوصى بعتق ثلث مماليكه (١) ، أو نذر عتق أول مملوك يملكه فملك أكثر من واحد (٢) ، وما يكون الواقع فيه متعينا في نفسه ، إلا أنه لا تجري فيه الاصول الشرعية أو العقلية ، مثل ما لو وطأ الجارية جماعة فجاءت بولد (٣) ، وما لو انهدمت الدار وبقي صبيان اشتبه الحر منهما بالعبد (٤) وما يكون مجرى لأصالة الاحتياط ، كالرواية المتقدمة.

الثانية : ما تضمّن تشريعها في موارد التنازع كما في صحيح عاصم بن حميد عن أبي بصير عن أبي جعفر (ع) : «ليس من قوم تقارعوا ثم فوضوا أمرهم إلى الله الا خرج سهم المحق» (٥) وغيره.

__________________

(١) الوسائل ، ج : ١٨ ، باب : ١٣ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء ، ح : ١٠ و ١٦.

(٢) الوسائل ، ج : ١٨ ، باب : ١٣ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء ، ح : ٢ و ١٥.

وباب : ٥٧ من أبواب العتق.

(٣) الوسائل ، ج : ١٨ ، باب : ١٣ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء ، ح : ١٠ و ١٤.

(٤) الوسائل ، ج : ١٨ ، باب : ١٣ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء ، ح : ٧ و ٨ وج : ١٧ ، باب : ٤ من أبواب ميراث الغرقى والمهدوم عليه.

(٥) الوسائل ، ج : ١٨ ، باب : ١٣ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء ، ح : ٦.

٢٢٧

الثالثة : ما تضمن تشريعها في المجهول ، ولم أعثر له إلا على رواية محمد بن حكيم (حكم. ج. ل) أو حسنته ، سألت أبا الحسن عليه السّلام عن شيء ، فقال لي : «كل مجهول ففيه القرعة» ، فقلت له : إن القرعة تخطئ وتصيب قال : «كلما حكم الله به فليس بمخطئ» (١).

وأما ما في بعض كلماتهم من ورود تشريعها في كل مشكل فلم أعثر عليه في النصوص ، ولعله متصيد من النصوص المتقدمة.

أما الطائفة الاولى ، فهي مختصة بمواردها ، ومجرد ورود بعضها في مورد أصل الاحتياط لا يكفي في عموم الرجوع إليها في موارده والخروج عن القاعدة المتقدمة ، ولا سيما مع اختصاصها بصورة لزوم الضرر المالي المعتد به من الاحتياط.

بل ما ورد في الإنائين والثوبين المشتبهين كالصريح في عدم الرجوع إليها.

وأما الطائفة الثانية ، فهي أجنبية عما نحن فيه ، لوضوح عدم الرجوع في شيء من موارد التنازع لقاعدة الاحتياط في فصل الدعوى ليتوهم منافاة تشريع القرعة لذلك ، لعدم جواز المطالبة ممن له الحق فيما لو اشتبه حقه بين أمرين بمقتضى الاحتياط ، لأنه أكثر من حقه.

وأما بقية الاصول ـ كالاستصحاب ونحوه ـ بل الأمارات ـ كاليد والبينة ونحوهما ـ فقد يدعى أن إطلاق أدلتها معارض لإطلاق هذه الطائفة ، لأن النسبة بينها العموم من وجه ، لاختصاص أدلة الاصول والأمارات بخصوصيات موضوعاتها ـ كالحالة السابقة في الاستصحاب والشك في التكليف في البراءة وغيرهما ـ واختصاص هذه الطائفة بموارد التنازع.

__________________

(١) الوسائل ، ج : ١٨ ، باب : ١٣ من أبواب كيفية الحكم وأحكام الدعوى من كتاب القضاء ، ح : ١١.

٢٢٨

وربما يدفع : بأن ذكر تفويض الأمر إلى الله تعالى في هذه الطائفة يوجب اختصاصها بما إذا رضي الخصمان بالرجوع إليها ، فهي نظير الصلح لا تشرع بنحو الإلزام حتى تكون في عرض الحجج والاصول ، بل في ظرف رضا صاحب الحق ، فلو لم يرض وكان له أصل أو حجة تعضده لم يصلح دليلها لرفع اليد عنه والزامه بها.

وفيه : أن ورود هذا المضمون من النبي صلّى الله عليه وآله في مقام إمضاء ما فعله أمير المؤمنين عليه السّلام من إجراء القرعة بين المتنازعين ، الظاهر في عدم استئذانه عليه السّلام منهم وعدم اصطلاحهم عليها ، يوجب ظهوره في عدم اعتبار رضا الخصمين بها ، وأنها مشرعة بنحو يلزمان بها ولو لكون الحاكم قائما مقامها.

نعم ، ذكر التفويض إلى الله تعالى ظاهر في أن الرجوع إليها في ظرف الاحتياج إلى حكمه لعدم حكم له في الواقعة ، فلا يشمل ما لو كان له تعالى حكم فيها ظاهري أو واقعي مغن عن الرجوع إليها.

وإن شئت قلت : لا إطلاق لهذا اللسان يقتضي مشروعية القرعة في مطلق صورة جهل الحق ، بل هو منصرف إلى ما إذا لم يكن لمعرفته طريق شرعي ظاهري أو واقعي ، حتى يحتاج إلى تفويض الأمر إليه تعالى وطلب كشف الحال منه ، فأدلة الطرق والاصول تكون واردة على العموم المذكور لا معارضة له ، ولا سيما مع عدم تضمن العموم المذكور الإلزام بتفويض الأمر إليه تعالى بالاقراع ، بل مجرد مشروعية ذلك ، فلا ينهض بمعارضة أدلة الطرق والاصول الظاهرة في الإلزام بمؤدياتها. فلاحظ.

مضافا إلى ما هو المعلوم من ظهور أدلة أحكام المدعي والمنكر في عدم الرجوع للقرعة مع فرضهما في مورد النزاع ، لمطابقة قول أحدهما للحجة ومخالفة الآخر لها ، فلا بد من اختصاص عموم القرعة بما إذا لم يكن هناك مدع ومنكر ، لمخالفة كلا المتنازعين للحجة ، وهذا كاف في تقديم عمومات أدلة

٢٢٩

الطرق والاصول على العموم المذكور. فتأمل جيدا.

وأما الطائفة الثالثة ، فهي وإن كانت شاملة لما نحن فيه ، إلا أن عمومها لكل مجهول موجب لكثرة تخصيصها ، لوجوب الخروج عنها في جميع موارد الاصول الشرعية ، لأنها أخص منها ، وفي الشبهات الحكمية من موارد الاصول العقلية ، لما تقدم من تسالمهم على عدم الرجوع إليها في الشبهات الحكمية ، وفي كثير من موارد الاشتباه الآخر ، كاشتباه درهم الودعي بين شخصين ، وميراث الغرقى والمهدوم عليهم والخنثى المشكل ، واشتباه القبلة ، والثوبين ، والإنائين المشتبهين وغير ذلك مما دل الدليل الخاص على عدم الرجوع فيه للقرعة ، وذلك يوجب طروء الاجمال على العموم المذكور بنحو يسقطه عن الحجية ، فلا يمكن الاستدلال به في ما نحن فيه.

ولا سيما مع إعراض الأصحاب عن العموم المذكور ، واشتهار القول بوجوب الاحتياط بينهم ، وورود بعض النصوص به في بعض الموارد ، مثل ما ورد في الإناءين المشتبهين ، والثوبين المشتبهين ، واشتباه القبلة ، فإن ذلك كله موهن للعموم المذكور ومانع من الخروج به عن مقتضى القاعدة التي عرفتها.

هذا تمام الكلام في مقتضى العلم الإجمالي بالتكليف. والحمد لله رب العالمين.

٢٣٠

تنبيهات

التنبيه الأول : فيما لو ثبت التكليف إجمالا بتعبد شرعي

إن من أهم المقدمات التي ابتنى عليها ما سبق من حرمة المخالفة القطعية ووجوب الموافقة القطعية وامتناع جريان الاصول الترخيصية في الأطراف هو حجية العلم الإجمالي الذاتية غير القابلة للتصرف الشرعي ، وذلك مختص بالعلم الإجمالي الحقيقي ، ولا يجري في العلم الإجمالي التعبدي الراجع إلى التعبد الشرعي بالتكليف ظاهرا في بعض الأطراف إجمالا ، كما في موارد قيام الطريق الشرعي على ثبوت التكليف في بعض الأطراف إجمالا ، أو قيام الأصل عليه ، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الإناءين ثم احتمل تطهيره ، حيث يقتضي الاستصحاب نجاسته.

فإن التعارض هنا بين الاصول الترخيصية الجارية في الأطراف بخصوصياتها والطريق أو الأصل الإلزامي الجاري في البعض الإجمالي منها ، حيث قد يدعى أن رفع اليد عن عموم الأصل الترخيصي في بعض الأطراف ليس بأولى من رفع اليد عن عموم حجية الطريق أو الأصل الإلزامي في بعضها الإجمالي بعد فرض إمكانه لكونه تابعا للشارع ، بل قد يدعى أولوية الثاني ، لأنه أقل تخصيصا.

وتوهم لزوم تقديم الطريق أو الأصل الإلزامي هنا بملاك التقدم الرتبي المقرر في سائر الموارد من جهة الحكومة أو الورود ، فكما يقدم الطريق أو الاستصحاب على أصل البراءة ، مع الاتفاق في الإجمال والتفصيل يقدم عليه في المقام ، وإن تحقق الاختلاف فيهما.

مدفوع : بأنه مع الاتفاق في الإجمال والتفصيل يتحد موضوع الطريق أو

٢٣١

الاستصحاب مع موضوع أصل البراءة مثلا ، فيتجه تقديمهما عليه بملاك الحكومة أو الورود ، لدعوى ارتفاع موضوعه بسببه حقيقة أو تعبدا ، على ما يذكر في محله مفصلا.

ولا مجال لذلك مع الاختلاف في الإجمال والتفصيل ، لاختلاف الموضوع بسبب ذلك ، فارتفاع موضوع الأصل الترخيصي بالإضافة إلى المعلوم بالإجمال لا يستلزم ارتفاعه بالإضافة إلى كل طرف بخصوصه ، كيف وقد تقدم أن العلم الإجمالي الحقيقي لا يوجب ارتفاع موضوع الأصل في الأطراف بخصوصيتها ، فلا بد أن يكون عدم جريان الأصل الترخيصي فيها لتخصيص عموم دليلها ، وليس هو بأولى من تخصيص عموم دليل حجية الطريق أو الاستصحاب أو غيرهما مما يقتضي التعبد بالتكليف إجمالا ، لاشتراكهما في أصالة العموم.

على أن ذلك لو تم فلا مجال له لو كان الأصلان من سنخ واحد ، كما لو كان مقتضى الاستصحاب ثبوت التكليف في بعض الأطراف إجمالا ، وعدمه في كل طرف بخصوصه ، إذ لا مجال لتوهم التقدم الرتبي حينئذ.

هذا ، وقد حاول سيدنا الأعظم قدّس سرّه توجيه تقديم دليل التكليف الإجمالي على دليل الأصل الترخيصي في الأطراف لدعوى حكومته عليه ، لان أصالة الظهور إنما تجري في مورد يحتمل مطابقة مؤداها للواقع ، ومع العلم بعدم مطابقته للواقع يرتفع موضوعها ، وإعمال أصالة الظهور في دليل التكليف يوجب العلم بعدم مطابقة أصالة الظهور في دليل الأصل للواقع ، لأنه يوجب تنجيز التكليف عند العقل فيمتنع الترخيص في مخالفته ، فيعلم بعدم مطابقة ظهور دليل الأصل الترخيصي للواقع ، فيرتفع موضوع حجيته.

أما إعمال أصالة الظهور في دليل الأصل الترخيصي فلا يوجب العلم بعدم مطابقة دليل التكليف للواقع ، وإنما يوجب سقوط ظهوره عن الحجية مع

٢٣٢

بقاء موضوعه ، وهو الشك ، إذ المصحح للترخيص الظاهري عدم الحجة على التكليف لا عدم التكليف واقعا.

وفيه : أن التنافي إن فرض بين نفس التعبدين فمن الظاهر أن كلّا منهما لا يوجب العلم بكذب الآخر ، فكما لا يكون التعبد بالترخيص في كل طرف بخصوصه موجبا للعلم بعدم التكليف الإجمالي ، ولا مستلزما للعلم بكذب التعبد به ، كذلك لا يكون التعبد بالتكليف الإجمالي موجبا للعلم بثبوت التكليف في كل طرف بخصوصه ، ولا مستلزما للعلم بكذب التعبد بالترخيص فيه ، بل غاية الأمر التنافي بين التعبدين عملا.

وإن فرض التنافي بين عمومي دليلي التعبدين ، وهو عموم دليل حجية الطريق أو دليل الأصل الإلزامي المقتضي للتعبد بالتكليف الإلزامي ، وعموم دليل الأصل الترخيصي ، فمن الظاهر أن التنافي بين التعبدين يوجب امتناع الجمع بينهما ، فاعمال أصالة العموم في كل مستلزم للعلم بكذب أصالة العموم في الآخر ، بلا فرق بينهما في ذلك ، فلا ترجيح لأحدهما على الآخر.

وكلامه قدّس سرّه مبني على فرض التنافي بين عموم التعبد بالأصل الترخيصي ونفس مؤدى الطريق الدال على التكليف ، حيث يكون إعماله موجبا لتنجيز التكليف المانع من الترخيص في الأطراف ، والموجب للعلم بكذب عموم دليله فيها ، فيرتفع موضوع أصالة العموم فيه ، وهو الشك ، ولا عكس ، لأن إعمال عموم دليل الأصل الترخيصي لا يوجب العلم بكذب الطريق الدال على التكليف.

ولكنه ليس بأولى من العكس ، فيفرض التنافي بين عموم دليل التعبد بالطريق ـ وهو دليل حجيته ـ ونفس مؤدى الأصل الترخيصي ، فإن الترخيص في الأطراف لما كان منافيا لتنجز التكليف الإجمالي فهو يوجب العلم بكذب عموم دليل حجية الطريق الموجب له ، فيرتفع به موضوع أصالة العموم فيه ، أما

٢٣٣

عموم حجية الطريق فهو لا يوجب العلم بكذب الترخيص في كل طرف بخصوصه ، بل يمنع منه مع تحقق موضوعه ، وهو الشك ، كما لعله يظهر بالتأمل.

هذا ، ويتضح الوجه في تقديم التعبد بالتكليف الإجمالي بملاحظة ما ذكرناه في وجه الجمع بين منجزية العلم الإجمالي وعموم الأصل الترخيصي للأطراف ، من أن الأصل إنما يقتضي الترخيص في كل طرف بخصوصيته من حيثية موضوعه ، وهو الشك المفروض فيه ، وهو لا ينافي لزوم الاحتياط فيه لحيثية اخرى ، وهي حيثية تنجز المعلوم بالإجمال ، فتنجز المعلوم بالإجمال لا يوجب خروج الأطراف عن عموم دليل الأصل تخصيصا ، بل يمنع من فعلية الترخيص مع تحقق مقتضيه ، فإن هذا نحو من الجمع بين دليل الأصل ومنجزية العلم أولى من تخصيص عموم دليل الأصل وإهماله بالمرة.

فإنه بلحاظ هذا الوجه يتعين في المقام تقديم عموم دليل التعبد بالتكليف إجمالا في مقام العمل على عموم دليل الأصل الترخيصي في الأطراف ، لأن إعمال عموم دليل التعبد بالتكليف لا يوجب إهمال دليل الأصل في الأطراف رأسا والخروج عنه تخصيصا ، بل يوجب عدم فعلية العمل بالأصل الترخيصي تحقق مقتضيه ، أما العمل بعموم دليل الأصل الترخيصي في الأطراف والبناء على فعلية مؤداه فهو مستلزم لإهمال دليل التعبد بالتكليف الإجمالي رأسا والخروج عنه تخصيصا ، إذ لو فرض تحقق مقتضيه كان مقدما عملا على مقتضي الأصل الترخيصي عند اجتماعهما ، والأول أقرب عرفا ، لأنه نحو من العمل بالدليلين ، بخلاف الثاني.

٢٣٤

التنبيه الثاني فيما لو اختلفت الأطراف حقيقة أو خطابا

لا فرق في منجزية العلم الإجمالي ومانعيته من الرجوع للاصول الترخيصية بين اندراج الأطراف تحت حقيقة واحدة وعدمه ، فكما يكون العلم الإجمالي بنجاسة أحد الماءين منجزا ، كذلك يكون العلم الإجمالي بنجاسة الثوب أو البدن منجزا.

خلافا لما حكاه شيخنا الأعظم قدّس سرّه عن صاحب الحدائق مما ظاهره عدم التنجز مع اختلاف الحقيقة ، إذ لا وجه له بعد ما تقدم في وجه منجزية العلم الإجمالي.

وقد أشار شيخنا الأعظم قدّس سرّه إلى تفصيل آخر ربما يرجع ما تقدم عن صاحب الحدائق إليه ، وهو أنه لا بد من رجوع التكليف في جميع الأطراف إلى خطاب واحد معلوم تفصيلا ـ ولو مع اختلاف حقيقة الأطراف ـ كما في التردد بين القصر والتمام الراجع إلى العلم بوجوب الصلاة ، والتردد بين نجاسة الثوب أو البدن الراجع إلى العلم بحرمة الصلاة في النجس.

أما لو دار الأمر بين خطابين فلا يكون العلم منجزا ، كما لو دار الأمر بين غصبية أحد الإنائين ونجاسة الآخر ، أو بين كون المائع الخاص خمرا وكون الزوجة حائضا ، بل وكذا لو علم بنجاسة الثوب أو الطعام ، لأن المعلوم بالإجمال وإن كان أمرا واحدا ـ وهو النجاسة ـ إلا أنه في الثوب لا يكون موضوعا إلا لحرمة الصلاة في النجس ، وفي الطعام لا يكون موضوعا إلا لحرمة أكل النجس.

وربما يوجه : بأن منشأ تنجيز العلم الإجمالي هو شمول إطلاق دليل التكليف للواحد المعلوم بالإجمال المردد بين الأطراف ، وهو إنما يتم مع اندراجهما تحت خطاب واحد ، إذ مع التردد بين خطابين لا يعلم شمول إطلاق كل منهما للمعلوم بالإجمال.

وفيه : أن إطلاق الخطاب إنما ينفع لإحراز التكليف المعلوم بالإجمال ،

٢٣٥

وهو مع تعدد الخطاب محرز أيضا ، للعلم بشمول أحد الإطلاقين له ، وذلك وحده لا يكفي ما لم نقل بمنجزية العلم الإجمالي بالتكليف ، فإن قلنا بذلك كفى مطلقا ، وإلا لم يتنجز التكليف حتى مع وحدة الخطاب ، لوضوح أن الخطاب الواحد ينحل إلى تكاليف متعددة بعدد الأفراد. فالعلم بأحد فردين لخطاب واحد راجع إلى العلم الإجمالي بأحد تكليفين ، ولا يكون علما تفصيليا بتكليف واحد.

وبالجملة : لا أثر لتعدد الخطاب ووحدته في منجزية العلم ، ولذا لا ريب في منجزية العلم التفصيلي بالتكليف وإن تردد المكلف به بين خطابين ، كما لو علم تفصيلا بحرمة أكل طعام خاص إما لكونه نجسا أو لكونه مغصوبا. فالتفصيل المذكور لا يرجع إلى محصل ظاهر يخرج به عما عرفت من القاعدة المقتضية للاحتياط في جميع موارد العلم الإجمالي بالتكليف.

التنبيه الثالث : في المعيار لترتيب الآثار

لما كان معيار منجزية العلم الإجمالي هو العلم بالتكليف المستتبع للعمل فلا بد من الاقتصار على الآثار التكليفية المتيقنة إجمالا ، سواء كانت من سنخ واحد كما في العلم بنجاسة أحد الماءين ، حيث يكون أثر كل منهما حرمة شربه وبطلان الوضوء به وغيرهما ، أم من سنخين ، كما لو علم بغصبية الطعام أو نجاسة الثوب ، حيث يكون أثر الأول حرمة التصرف فيه ، وأثر الثاني بطلان الصلاة به.

وأما الأثر الوضعي فإن كان منتزعا من الأثر التكليفي كان طرفا للتنجيز ، كمانعية النجاسة من الوضوء أو الصلاة المنتزعة من تقييد الواجب بغير النجس ، لأنه يقتضي نحوا من العمل لا يترتب بدونه.

وإن كان مجعولا بنفسه ـ كنجاسة الملاقي وطلاق الزوجة ونحوهما ـ لم

٢٣٦

يكن طرفا للتنجيز بنفسه ، بل يكون التنجيز بلحاظ أثره التكليفي إن كان له أثر فعلي ، فلو لم يكن له أثر فعلي لم يصلح العلم للتنجيز ، لعدم ترتب العمل عليه.

ومنه يظهر عدم منجزية العلم الإجمالي بنجاسة أحد الدرهمين مثلا ، لعدم الأثر لنجاستهما فعلا ، ومجرد استلزامهما نجاسة اليد الملاقية برطوبة المستلزم لبطلان الصلاة معها ـ مثلا ـ لا يكفي ما لم يكن ذلك فعليا.

وكذا لو دار الأمر بين نجاسة أحد الأمرين من اليد والدرهم ، فإن الأثر التكليفي وهو حرمة الصلاة في النجس لما كان مختصا باليد لم يكن معلوما إجمالا ولم يصلح العلم للتنجيز ، بل يجوز الرجوع لأصالة الطهارة في اليد.

هذا ، ولا ريب ظاهرا في أنه لو اشتركت الأطراف في أثر واحد ، أو امتاز كل منها بأثر وجب الاحتياط في الجميع ، للعلم بثبوت ما به الاشتراك أو الامتياز إجمالا.

وإنما الإشكال فيما لو اشتركت في بعض الآثار ، وامتاز أحدها بخصوص أثر له ، كما لو علم الرجل إجمالا بأن أحد الثوبين حرير ، والآخر من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فإنهما يشتركان في المانعية من الصلاة ، ويمتاز الحرير بحرمة اللبس في غير الصلاة ، فهل يتنجز الأثر المذكور أولا؟

ظاهر شيخنا الاستاذ (دامت بركاته) عدم تنجزه ، لأن منجزية العلم الإجمالي إنما هي بلحاظ الآثار التكليفية المتيقنة إجمالا ، والمتيقن في المقام من الآثار خصوص المشترك بين الأطراف ، أما ما يختص به أحدها فحيث لا يختص الآخر بما يقابله لا يكون طرفا لعلم إجمالي ، بل يكون مشكوكا بالشك البدوي ، فلا مانع من الرجوع فيه للأصل.

وفيه : أن الأثر المشترك ليس عبارة عن تكليف تفصيلي يصلح لحل العلم الإجمالي ، كي يرجع في الزائد للبراءة ، بل هو عبارة عن تكليف إجمالي مردد بين الطرفين ، لما هو المعلوم من انحلال التكاليف الكليّة إلى تكاليف جزئية

٢٣٧

متباينة في أنفسها حسب تباين أفراد موضوعاتها ، فالأمر في الحقيقة يدور بين تكليف واحد في أحد الطرفين وتكليفين في الطرف الآخر أحدهما من سنخ التكليف المحتمل في الطرف الأول والثاني مباين له سنخا ، فكلا التكليفين المحتملين في الطرف الآخر في عرض واحد من حيثية كونهما طرفا للعلم الإجمالي.

ومجرد سنخية أحدهما مع التكليف المحتمل في الطرف الأول لا يوجب خصوصيته في كونه طرفا للعلم الإجمالي المفروض ، بحيث يكون التكليف الآخر ـ الذي به الامتياز ـ خارجا عن العلم الإجمالي ومشكوكا بالشك البدوي ، ليرجع فيه إلى الأصل.

فالمقام نظير ما لو علم إجمالا بتكليف واحد في أحد الطرفين وتكليفين في الطرف الآخر ، كلاهما مباين سنخا للتكليف المحتمل في الطرف الأول ، كما لو علم إجمالا بنجاسة المسجد أو الماء ، حيث لا أثر للأول إلّا وجوب التطهير ، وأثر الثاني بطلان الوضوء به وحرمة شربه ، فكما يكون بطلان الوضوء وحرمة الشرب في ذلك معا طرفا للعلم الإجمالي لعدم المرجح بينهما ، كذلك يكون مانعية الصلاة وحرمة اللبس معا في المثال المتقدم طرفا للعلم الإجمالي.

ولا فرق في ما ذكرنا بين أن يكون دليل الأثر المشترك بين الأطراف مختلفا ، كالمثال المتقدم ـ حيث كان دليل مانعية لبس الحرير من الصلاة مباينا لدليل مانعية ما لا يؤكل لحمه منها ـ وأن يكون واحدا كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الماءين المضاف والمطلق ، حيث يمتاز المطلق ببطلان الوضوء به مع اشتراكهما في عموم دليل واحد ، وهو دليل حرمة تناول النجس.

وكذا لا فرق بين كون ما به الامتياز في بعض الأطراف مختلفا مع ما به الاشتراك فيه دليلا ، كالمثال المتقدم ـ لأن دليل مانعية لبس الحرير في الصلاة مباين لدليل حرمة لبسه على الرجل ـ وكونه متحدا معه دليلا ، كما لو علم

٢٣٨

المكلف بغصبية أحد الطعامين او نجاسة الآخر ، حيث يشتركان في حرمة الأكل ، ويمتاز الغصب بحرمة بقية التصرفات كالبذل للحيوانات ، لوضوح أن دليل حرمة أكل المغصوب هو دليل حرمة بقية التصرفات.

كل ذلك لعموم ما ذكرنا من الوجه ، وهو كون الأثر المشترك معلوما بالإجمال لا بالتفصيل ، وطرف الترديد في الواجد للأثرين كلا الأثرين ، لا خصوص ما به الاشتراك منهما.

نعم ، لو كان الأثر المشترك بين الاحتمالات التي هي طرف العلم الإجمالي معلوما بالتفصيل لاتحاد المتعلق لم يتنجز إلا الأثر المشترك ، وجاز الرجوع للأصل الترخيصي في الأثر المختص ببعض الاحتمالات ، لكون الشك فيه بدويا بعد انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي ، كما لو علم إجمالا بأن ثوبا معينا إما حرير أو من أجزاء ما لا يؤكل لحمه ، فإن مانعيته من الصلاة معلومة تفصيلا وليست طرفا لعلم إجمالي ، فلا مانع من الرجوع لأصالة الحل في لبسه في غير الصلاة.

وربما يحمل ما ذكره شيخنا الاستاذ على ذلك ، لاختصاص أمثلته به ، وإن كان عنوان كلامه شاملا لما سبق أيضا.

هذا كله بناء على أن العلم الإجمالي يمنع من العمل بالاصول الترخيصية حتى في بعض الأطراف بملاك اقتضائية الموافقة القطعية ، كما تقدم ، وأما بناء على أنه لا يمنع من جريان الاصول إلا في تمام الأطراف ، لاستلزامه المخالفة القطعية ، وأنه لا مانع من جريانها في بعض الأطراف لو فرض اختصاص موضوعها به كما تقدم من بعض الأعاظم وبعض مشايخنا ـ فالأمر يختلف عما ذكرنا كثيرا ، ففيما لو علم المحدث بنجاسة الثوب أو الماء لا أثر لنجاسة الثوب إلا المانعية من الصلاة ، وأثر نجاسة الماء المانعية من الوضوء وحرمة الشرب ، والمتعين تنجز جميع الآثار ، للعلم إجمالا بامتناع الصلاة في الثوب ، أو امتناع

٢٣٩

الوضوء وحرمة الشرب للماء معا.

أما بناء على المبنى المشار إليه فلا تتنجز حرمة شرب الماء ، لأن العلم الإجمالي وإن أوجب سقوط أصالة الطهارة في كلا الطرفين بالمعارضة ، إلا أنه لا يمنع من جريان أصالة الحل من شرب الماء ، لعدم معارضتها بمثلها في الثوب ، إذ لا يحرم شرب النجس.

لكن بعض الأعاظم قدّس سرّه مع جريه على المبني المذكور منع ـ في ما حكي عنه ـ من الرجوع لأصالة الحل في الفرض. وهو مبني على ما سبق منه في آخر الكلام في الموافقة القطعية من دعوى سقوط جميع الاصول المترتبة في بعض الأطراف بالمعارضة للأصل الجاري في الطرف الآخر وإن كان واحدا ، فتسقط أصالة الطهارة والحل معا في الماء بالمعارضة لأصالة الطهارة في الثوب.

وقد أشرنا هناك إلى عدم مناسبة ذلك لمسلكه في تقدم الاصول الحاكمة على الاصول المحكومة. فراجع.

أما بعض مشايخنا فهو وإن أنكر على بعض الأعاظم قدّس سرّه ذلك ، وحكم بجواز شرب الماء ، لما ذكرنا ، إلا أنه التزم بنظيره فيما لو كان الأصل الجاري في أحد الطرفين مغايرا سنخا للأصل الجاري في الطرف الآخر ، كما لو علم إجمالا بنجاسة أحد الماءين أو غصبية الآخر ، فإن الأصل الجاري في الأول هو أصالة الطهارة ، وفي الثاني أصالة الحل ، وبعد تساقطهما تجري أصالة الحل في الأول ، دون الثاني.

لكنه منع من الرجوع لأصالة الحل في الأول ، بدعوى : أنه لما كان المانع من جريان الاصول في الأطراف منافاتها للعلم الإجمالي بالتكليف ، فالعلم الإجمالي كما ينافي مفاد أصالة الطهارة في الأول في ظرف اجتماعها مع أصالة الحل في الثاني ، كذلك ينافي مفاد أصالة الحل في الأول في ظرف اجتماعها مع أصالة الحل في الثاني ، لأن الترخيص في كليهما ترخيص في المعصية ، وفي

٢٤٠