🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
المطبعة: جاويد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

السابقة ، حيث تكون على الأول ، دالة على حكم اصولي ، وعلى الثاني والثالث دالة على حكم فرعي.

وينبغي الكلام ..

تارة : في الثمرة بين الأقوال.

واخرى : في تحقيق الحق منها.

وثالثة : في فروع ذلك ولواحقه.

المقام الأول : في الثمرة بين الأقوال ..

لا يخفى أن الوجوه المذكورة تختلف في مقام العمل ، فعلى الأول يشرع الإتيان بالعمل لداعي أمره الواقعي الذي تضمنه الخبر المتضمن لثبوت الثواب عليه ، لفرض حجيته في مضمونه بنحو يصح الجزم به تعبدا ، ولا مجال لذلك على بقية الوجوه ، لعدم ثبوت الأمر المذكور شرعا ، بل لا مجال لقصده إلا رجاء.

نعم ، على الثاني والثالث يتجه الجزم باستحبابه من جهة النصوص المتقدمة ، أما على الرابع فلا مجال للجزم بالأمر الشرعي مطلقا.

كما أنه على الأولين يكفي الإتيان بالفعل الذي بلغ عليه الثواب بقصد عنوانه الذي اخذ في ترتب الثواب ـ كعنوان الصلاة والدعاء ـ ولو لا بداعي بلوغ الثواب عليه ، وورود الأمر الواقعي المحتمل به ، لثبوت استحبابه بعنوانه المذكور بهذه الأخبار على الثاني ، وبالخبر المتضمن للثواب ـ المفروض حجيته بهذه الاخبار ـ على الأول.

أما على الأخيرين فلا بد من قصد بلوغ الثواب والأمر المحتمل داعيا للعمل ، لفرض أخذ ذلك قيدا في ما هو المستحب شرعا على الثالث ، ولتوقف ترتب الثواب وتحقق الانقياد على الرابع.

هذا وربما توجه الثمرة بوجهين آخرين ..

الأول : أنه على الأول يتجه للفقيه الفتوى باستحباب العمل بعنوانه

١٤١

بمجرد عثوره على خبر يدل على استحبابه من دون أن ينبه العامي على ورود الخبر المذكور ، إذ بعد فرض حجية الخبر يكون كسائر الحجج التي يصح للفقيه الاعتماد عليها. ولعله لذا جرى الأصحاب على ذلك. وعن شيخنا الأعظم قدّس سرّه أن ذلك منهم ظاهر في اختيار الوجه المذكور.

أما على الثاني والثالث فلا مجال لفتواه بالاستحباب اعتمادا على الخبر الذي دل على الثواب ، لعدم حجيته ، ولا على أخبار المقام ، لأن وظيفته بيان الأحكام الفرعية الكلية ، واستحباب العمل الخاص حكم فرعي جزئي مستفاد من الأخبار المذكورة ، وليس الحكم الكلي إلا نفس ما تضمنته هذه الأخبار من استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب ، فله الفتوى به على عمومه ، كما له الإخبار بموضوعه ـ وهو ورود الثواب على العمل ـ كما يخبر عن سائر الموضوعات الخارجية التي يطلع عليها ، كمسجدية المسجد ،.

بل يكون إخباره بذلك محققا للموضوع ، لصدق البلوغ به حقيقة ، وليس كإخباره بسائر الموضوعات متمحضا في الكشف عنها.

أما على الرابع فليس له إلا التنبيه على ورود الخبر ، ليتحقق البلوغ الذي هو موضوع النصوص ، من دون إخبار بحكم شرعي كلي ، ولا بموضوع شرعي.

لكن تشكل الثمرة المذكورة : بأن ظاهر نصوص المقام اختصاص مؤداها بمن بلغه الثواب ، فلو فرض دلالتها على حجية الخبر الدال على الثواب فهي لا تدل على حجيته في نفسه مطلقا ، كما اقتضت السيرة حجية خبر الواحد في نفسه ، بل على حجيته في حق خصوص من بلغه ، وهو المجتهد المطلع عليه ، دون العامي ، وحينئذ لا مجال لفتوى المجتهد للعامي بمؤداه ، ليرتب عمله عليه ، لأن وظيفة العامي الرجوع للمجتهد في تشخيص مؤدى الحجج الثابتة في حقه ، لا الثابتة في حق المجتهد نفسه دونه.

فلو فرض أن الخبر الموثق حجة على الرجال دون النساء ، لم يكن لهن

١٤٢

الرجوع للمجتهد الرجل في تشخيص أحكامهن التي يتضمنها الموثق ، وإن جاز للمجتهد نفسه الرجوع إليه في تشخيص أحكامهن المتعلقة به ، فله أن يطأ المرأة التي دل الموثق على نقائها ، وإن لم يكن لها تطبيق عملها على ذلك.

ودعوى : أن الحجج لا تكون حججا في حق العامي بعد تعذر أخذ حكمه منها عليه ، وليس الحجة في حقه إلا فتوى المجتهد ، واللازم على المجتهد الفتوى اعتمادا على ما هو الحجة في حقه.

مدفوعة : بأنه ليس المتعذر على العامي إلا أخذ حكمه من الحجج بلا واسطة. أما أخذ حكمه منها بتوسط المجتهد فلا يكون متعذرا عليه ، ومعه لا وجه لسقوط حجيتها في حقه ، كما لا وجه لرجوعه لفتوى المجتهد المبنية على ما هو حجة في حق المجتهد دونه ، لقصور بناء العقلاء ـ الذي هو عمدة أدلة التقليد ـ عن ذلك.

وعلى ذلك فاللازم على المجتهد تحقيق موضوع الحجية في حق العامي بنقل الخبر له ، ثم الفتوى له بمضمونه ، كما هو الحال على الوجه الثاني والثالث.

وقد ذكرنا نظير ذلك في أخبار التخيير ، فإن مقتضاها لو كان هو حجية الخبر الذي يختاره المكلف فلا وجه لعمل العامي بالحكم المستنبط من الخبر الذي يختاره المجتهد.

ودعوى : أن المجتهد يقوم مقام العامي في الفحص عن الأدلة ، وينوب عنه فيه ، فيتعين الاكتفاء ببلوغ الخبر للمجتهد في حجيته في حق العامي ، كما يتعين الاكتفاء باختيار المجتهد له.

مدفوعة : بأن المجتهد إنما يقوم مقام العامي في تشخيص الأدلة الثابتة في حق العامي بملاك كونه من أهل الخبرة ، لا في تحقق موضوع الحجية من البلوغ والاختيار ونحوهما.

نعم ، لو استفيد من نصوص المقام حجية الخبر المتضمن للثواب في

١٤٣

نفسه ، بحمل البلوغ فيه على محض الطريقية من دون أن يؤخذ في موضوع الحجية كان للمجتهد الفتوى بمضمونه في حق من لم يطلع عليه.

لكنه ـ مع مخالفته لظاهر التقييد بالبلوغ ، ولا سيما مع دخله ارتكازا ـ يقتضي جواز الفتوى على الوجه الثاني أيضا ، غايته أنه يكون منه بيانا للحكم الجزئي لا الكلي ، وهو مما لا بأس به بعد تشخيص موضوعه ، نظير فتواه بنجاسة الكحول بعد تشخيص كونه مسكرا.

نعم ، لا مجال لذلك على الوجه الثالث ، لاختصاص الاستحباب بما يكون بداعي حصول الثواب الوارد ، المتوقف على التفات المكلف لورود الثواب على العمل.

وكذا الحال على الرابع ، بل هو أولى ، لعدم الاستحباب الشرعي ، كي يفتي به المجتهد.

الثاني : أنه بناء على الوجوه الثلاثة الاول يتجه البناء على مشروعية العمل الذي بلغ عليه الثواب بالوجه الذي دل عليه الخبر المتضمن للثواب وترتيب آثار ذلك.

فلو ورد خبر باستحباب غسل مسترسل اللحية في الوضوء جاز المسح ببلله ، لأنه ـ كبلل الحاجبين ـ من بلة الوضوء بمقتضى نصوص المقام المقتضية لاستحبابه ، أو لحجية الخبر الدال على استحبابه ، ولو ورد خبر باستحباب غسل خاص اجتزئ به عن الوضوء ، بناء على إجزاء جميع الأغسال عن الوضوء ، إلى غير ذلك.

أما بناء على الوجه الرابع فلا مجال لشيء من ذلك ، لعدم ثبوت المشروعية ، فلا تترتب آثارها.

وفيه : أنه بناء على الوجه الأول فنصوص المقام وإن اقتضت حجية الخبر الدال على الاستحباب والمشروعية ، إلا أنه لا إطلاق لها يقتضي حجيته في تمام

١٤٤

مدلوله وآثاره ، بل من حيثية الاستحباب وترتب الثواب لا غير ، ولذا لو دل الخبر الضعيف على وجوب الشيء الذي تضمن الثواب عليه لا يكون حجة في إثبات الوجوب بلا إشكال ، بل في أصل الطلب المستلزم للثواب.

والتفكيك في الحجية بين أجزاء المدلول وآثاره غير عزيز ، وإنما يلتزم بعموم الحجية مع عموم دليلها وإن كان هو بناء العقلاء ، كما في خبر الثقة ، لا في مثل المقام مما كان دليل الحجية فيه تعبديا لا عموم فيه.

وأما بناء على الوجه الثاني والثالث فنصوص المقام وإن اقتضت استحباب الفعل ومشروعيته إلا أنها حيث لم تثبت مشروعيته بالعنوان الأولي ، بل بالعنوان الثانوي ، وهو عنوان البلوغ ، فلا بد من الاقتصار على الآثار الثابتة لمطلق الفعل المشروع ، دون خصوص ما ثبت لما كان مشروعا بالعنوان الأولي ، كما هو الظاهر في الأثرين المشار إليهما ، فإن المسح إنما يجوز ببلة الوضوء المشروع بعنوان كونه وضوء ، لا بعنوان كونه قد بلغ عليه الثواب ، وكذا الحال في إجزاء الغسل عن الوضوء. فتأمل جيدا.

المقام الثاني : في تحقيق ما هو الحق من الأقوال ..

قد يقرب دلالة النصوص المتقدمة على الوجه الأول بظهور ذكر ترتب الثواب الموعود به في الحث على العمل بالخبر المتضمن للثواب ومتابعته عملا ، والأمر بمتابعة الطريق والعمل به كناية عن حجيته في نفسه.

ودعوى : أن نصوص المقام بصدد بيان ترتب الثواب على العمل الذي بلغ عليه الثواب ، لا بيان ما يتحقق به البلوغ ، فلا إطلاق لها ينهض بعدم اعتبار شرائط الحجية في الخبر الذي يتحقق به البلوغ ، بنحو يقتضي حجية الخبر الضعيف ، بل مقتضى أدلة اعتبار تلك الشروط اعتبارها في الخبر المتضمن للثواب أيضا.

مدفوعة : بأن البلوغ ليس أمرا شرعيا ، بل هو أمر وجداني يتحقق بالخبر

١٤٥

الضعيف وغيره ، ومقتضى إطلاق نصوص المقام الحث على العمل بجميع أفراد البلوغ. وما دل على عدم حجية الخبر الضعيف لا ينافي تحقق البلوغ به الذي هو الموضوع في هذه النصوص.

نعم ، قد يقال : على ذلك تكون النسبة بين نصوص المقام وما دل على اعتبار شروط الحجية من الثقة أو العدالة أو غيرهما العموم من وجه لا العموم المطلق ، لأن نصوص المقام وإن اختصت بالاستحباب ونحوه مما يتضمن بلوغ الثواب ، إلا أنها تعم الخبر الواجد لشرائط الحجية ، فيرجع في مورد التعارض إلى أصالة عدم الحجية.

لكنه يندفع : بأن عمدة الدليل على اعتبار الشروط المذكورة هي الإجماع الذي لا يشمل المستحبات ، وسيرة العقلاء التي تنهض نصوص المقام ـ لو تمت دلالتها ـ بالردع عنها في المستحبات.

نعم ، لا يبعد ثبوت الإطلاق لبعض النصوص بنحو يشمل المستحبات ، مثل ما عن الكاظم عليه السّلام : «لا تأخذن معالم دينك عن غير شيعتنا ، فإنك إن تعديتهم أخذت دينك عن الخائنين الذي خانوا الله ورسوله ...» (١).

إلا أنه لو تم سنده فنصوص المقام أرجح منه ، لأنها أكثر عددا وأصح سندا وأشهر رواية.

هذا ، مع أنه لا يبعد كون نصوص المقام أقوى دلالة من الإطلاق المذكور ، لأن حملها على خصوص الخبر الواجد لشرائط الحجية عملا بالإطلاق المذكور مستلزم لإلغاء خصوصية موردها ، بخلاف حمل الإطلاق على غير المستحبات عملا بالنصوص المذكور. وذلك من أهم المرجحات الدلالية بين العامين من وجه.

هذا حاصل ما يوجه به دلالة نصوص المقام على الوجه الأول.

__________________

(١) الوسائل ، ج ١٨ ، باب : ١١ من أبواب صفات القاضي ح : ٤٢.

١٤٦

ويندفع : بأن الأخبار المذكورة لا ظهور لها في الحث على العمل بالخبر المتضمن للثواب الذي هو بمعنى الاعتماد عليه لتكون ظاهرة في حجيته ، بل غاية ما تضمنته الحث على موافقته عملا ولو لرجاء إصابة الواقع ، ولا ظهور لذلك في الحجية ، بل ما تضمنته من التنبيه على احتمال خطأ الخبر لا يناسب لسان الحجية المبنية على إلغاء احتمال الخلاف وغض النظر عنه.

وأما مجرد ترتب الثواب فهو ليس من لوازم الحجية ، بل هو من لوازم الإطاعة الحقيقية أو الحكمية ، والاولى منوطة بإصابة الواقع لا بقيام الحجة ، والثانية منوطة بالانقياد الحاصل بالموافقة الاحتمالية وإن لم يكن هناك حجة.

وأما الوجه الثاني فقد يوجه حمل النصوص عليه بأن الوعد بالثواب فيها على العمل الذي بلغ عليه الثواب ظاهر في الأمر به واستحبابه ، كما يستفاد الأمر في سائر الموارد المتضمنة للوعد بالثواب على العمل كالحج وزيارة المعصومين عليهم السّلام والإحسان للمؤمنين ونحوها.

لكن من الظاهر أن هذا لو تم لا يقتضي الوجه الثاني ، بل الثالث ، لوضوح أن الوعد بالثواب لم يترتب على ذات الفعل الذي بلغ عليه الثواب ، ليكشف عن استحبابه مطلقا ، بل المتيقن منه خصوص الفعل المأتي به بداعي تحقق الأمر الواقعي وتحصيل الثواب البالغ ، كما هو مقتضى التفريع في مثل صحيحي هشام المتقدمين ، لظهوره في تفرع العمل على البلوغ الظاهر في كون البلوغ علة له ، بلحاظ داعويته له ، بل هو صريح مثل خبر محمد بن مروان المتقدم.

على أن الوجه المذكور غير تام في نفسه ، لأن الوعد بالثواب إنما يشكف عن الأمر المولوي إذا لم يكن للثواب منشأ غيره ، كما في الموارد المشار إليها ، بخلاف المقام ، لقرب كون ترتب الثواب بلحاظ الانقياد الناشئ من بلوغ الثواب ورجاء تحصيله ، نظير الوعد بالثواب على الطاعة ، من دون أن يكون لازما للأمر المولوي ، ولا كاشفا عنه.

١٤٧

بل لو كان الثواب الموعود به في هذه النصوص ناشئا عن أمر مولوي سيقت هذه النصوص لبيانه لزم عدم ترتبه في حق من لم يلتفت لمفاد هذه النصوص ـ لجهلة بها أو لغافلته عنها ـ وأتى بالفعل الذي بلغ عليه الثواب لمحض الانقياد رجاء تحقق الأمر الواقعي وترتب الثواب البالغ ، لوضوح عدم قصده امتثال الأمر الثانوي المستفاد من هذه النصوص ، كي يستحق ثوابه ، بل ليس منه إلا الانقياد الحاصل في سائر موارد الاحتمال.

ولا يظن من أحد الالتزام بذلك. وما ذلك إلا لظهور هذه النصوص في أن منشأ الثواب الموعود به مجرد الإتيان بالعمل برجاء تحصيل الثواب الذي بلغ ، لا لأجل كونه إطاعة لأمر مولوي آخر ، وذلك حاصل في حق من غفل عن مفاد هذه النصوص ، وهو راجع إلى الإرشاد لحكم العقل بحسن الانقياد ، كما هو مقتضى الوجه الرابع. ولا أقل من كونه المتيقن بعد عدم القرينة على إرادة الوجوه الاخرى.

نعم ، قد يشكل الحمل على ذلك ..

تارة : بأن أمر الشارع هنا بالاحتياط يكشف عن أهمية الواقع بنحو لا يدركه العقل ، فلا مجال لحمله على الإرشاد.

واخرى : بأن الحمل على الإرشاد موقوف على حكم العقل باستحقاق الثواب على الانقياد ، والتحقيق عدمه ، وأن الثواب معه تفضل من المولى غير لازم عليه ، وحينئذ يكون وعد الشارع بفعلية الثواب راجعا إلى أمره به ، لتضمنه أمرا زائدا على ما يحكم به العقل ، فهو كالوعد بالثواب على سائر المستحبات المولوية.

وثالثة : بأن تحديد الثواب بخصوص ما بلغ أمر زائد على ما يحكم به العقل ، فيدل على الأمر المولوي.

ورابعة : بأن البناء على الإرشاد يستلزم إلغاء خصوصية البلوغ ، لأن

١٤٨

الانقياد لا يختص به ، بل يجري في كل احتمال وإن كان حدسيا في الشبهة الموضوعية.

لكن الجميع في غير محله ..

أما الأول فلما تقدم في أوامر الاحتياط من أن أمر الشارع بالاحتياط وإن كشف عن أهمية الواقع بنحو لا يدركه العقل ، إلا أنه لا يقتضي المولوية ، بل يقتضي حكم العقل بتأكد حسن الانقياد به.

بل لا يبعد عدم سوق نصوص المقام لبيان أهمية الملاك الواقعي المحتمل في مورد بلوغ الثواب ، بل لمحض الإرشاد لحسن الانقياد والحث عليه من حيث هو ، لظهورها في أن منشأ الحث والثواب ليس اهتمام المكلف بالحكم الشرعي وطلب قول النبي صلّى الله عليه وآله الذي هو عين الانقياد الحسن بحكم العقل بملاك شكر المنعم.

وأما الثاني فلأن العقل وإن لم يستقل باستحقاق الثواب على الانقياد إلا أنه يحكم بأهلية الفاعل له ، كما هو الحال في الإطاعة الحقيقية ، وحينئذ لعل الوعد بالثواب في هذه النصوص بلحاظ ذلك ، كما هو الحال في الوعد به على الإطاعة الحقيقية.

مع أنه لو تم ما ذكر في هذا الوجه فالنصوص وإن لم تصلح للإرشاد ، إلا أنها لا تقتضي الأمر المولوي ، لإمكان أن يكون الوعد بالثواب محض تفضل لا يستتبع الأمر ، ولا قرينة على كونه ناشئا عن أمر بحيث يقتضي إضافة الفعل للمولى وحسابه عليه زائدا على ما يحكم به العقل من حسن الانقياد.

وأما الثالث فلأن تحديد الثواب ليس من وظيفة العقل حتى في الإطاعة الحقيقية ، فتعرّض الشارع له هنا كتعرّضه له في بعض موارد الإطاعة الحقيقية لا ينافي الإرشاد في أصل الحث على الانقياد المستفاد من ذلك.

ومنه يظهر اندفاع الرابع ، إذ لا مانع من اختلاف مراتب الانقياد في

١٤٩

الأهمية وفي مقدار الثواب بالنحو الذي يدركه الشارع ، فلا مانع من اختصاص الانقياد في مورد بلوغ الثواب بمزية تقتضي الوعد بتمام الثواب البالغ وإن لم يتم ذلك في سائر موارد الانقياد.

وبالجملة : الوجوه المذكورة لا تنهض بإثبات الأمر المولوي الثانوي ، لملاك خاص بنحو يقتضي إضافة الفعل للمولى وحسابه عليه مع قطع النظر عن حسن الانقياد ذاتا بلحاظ الأمر الأولي المحتمل ، بل يتعين الحمل على الإرشاد ، كما هو مفاد الوجه الرابع.

بقي شيء ، وهو أنه قد يدعى صرف نصوص المقام إلى ما لو كان البالغ بالخبر الضعيف مقدار الثواب ، مع كون أصل الاستحباب والمشروعية معلوما ، لامتناع التقرب بالعبادة مع عدم إحراز الأمر ، ولا مجال لحملها على التوصليات مع كون الشائع من موارد بلوغ الثواب هو العبادات.

ويقتضيه أيضا ما يأتي من ظهور نصوص المقام في فرض تحديد الثواب الموعود على العمل ، لا في بلوغ أصل ترتب الثواب على العمل.

وعليه فتكون النصوص واردة للإرشاد إلى حسن الطاعة في فرض إحراز الأمر ، لا إلى حسن الانقياد في فرض احتماله.

وفيه : أن التقرب مع احتمال الأمر غير متعذر ، كما سيأتي إن شاء الله تعالى بعد الفراغ من هذه القاعدة ، وكفى بنصوص المقام شاهدا على ذلك.

وظهور هذه النصوص في فرض تحديد الثواب ـ لو تم ـ لا ينافي شمولها لما إذا لم يكن أصل الاستحباب والأمر مفروغا عنه ، لإمكان انحصار دليل الاستحباب بالخبر الضعيف المحدد للثواب.

بل هو المناسب لتفريع العمل على البلوغ الظاهر في عدم ترتبه لولاه. ولا سيما مع قوله عليه السّلام في بعضها : «ففعل ذلك طلب قول النبي صلّى الله عليه وآله» الظاهر في أن منشأ الاستحقاق ليس إلّا الرغبة في إصابة قول النبي صلّى الله عليه وآله وطلب سنته

١٥٠

الحاصل مع الشك في أصل المشروعية ، فلا موجب للخروج عما ذكرنا.

المقام الثالث : في فروع هذه القاعدة ولواحقها ..

المهم في هذا المقام هو الكلام في عموم نصوص المقام لبعض الموارد وعدمه ، تبعا لما يستفاد من ظواهرها ، ومن قرائن المقام ، وحيث كان ذلك لا يوجب اليقين غالبا فهو إنما ينفع بناء على تضمن النصوص المذكورة حكما شرعا اصوليا أو فرعيا ـ كما هو مقتضى الوجوه الثلاثة الاول ـ لأن الظاهر لما كان حجة أمكن الاعتماد عليه في إثبات الحكم الشرعي والتعبد به.

وهذا بخلاف الحال على الوجه الرابع ، فإن حسن الانقياد عقلي قطعي لا يختص بمورد النصوص ، فلا أثر لعموم مفادها أو خصوصه فيه ، ولا تمتاز إلا بالوعد بفعلية الثواب في موردها ، وليس هو حكما شرعيا ، كي تنهض الحجة بإثباته وتحديده ، بل هو أمر واقعي لا دخل لقيام الحجة فيه بوجه ، حتى ينفع تحديد مؤداها.

ولا مجال لدعوى : أن قيام الحجة على الوعد بالثواب ملزم للمولى بتنفيذه وإن كانت مخطئة.

لأن أدلة الحجية منصرفة إلى التعبد بمضمون الحجة في مقام العمل ، المقتضي لمعذريتها ومنجزيتها ، لا إلى التعهد بتنفيذ مؤداها وتحقيقه على كل حال وإن كانت مخطئة.

بل ليس ملاك لزوم تنفيذ الوعد بالثواب في ظرف قيام الحجة عليه إلا حسن الوفاء من المولى بوعده ، فلو فرض خطأ الحجة وعدم صدور الوعد منه واقعا فلا ملزم له بالتنفيذ.

ومن ثمّ كان ما تضمنته نصوص المقام من ثبوت نفس الثواب الموعود به في الأخبار وإن كانت كاذبة تفضلا غير لازم عليه حتى لو كانت تلك الأخبار حجة في نفسها ، ولا يلزم بمقتضى حجيتها.

١٥١

نعم ، قد ينفع تشخيص الظهور في قوة احتمال الوعد بالثواب الموجب لقوة الداعي للانقياد وإن لم يتيقن بترتب الثواب ، كما قد يقوى الاحتمال المذكور لأسباب أخر غير الظهور ، بل قد يقوى الداعي المذكور مع ضعف الاحتمال ، لأهمية نفس الثواب البالغ.

وحيث عرفت هذا ، يقع الكلام في امور ..

أحدها : أنه تقدم في آخر الكلام في المقام الثاني الإشارة إلى اختصاص نصوص المقام بما إذا تضمن الخبر تحديد ثواب العمل ، لا أصل ترتب الثواب عليه من دون تعيين له.

وهو ظاهر قولهم عليهم السّلام : «من بلغه شيء من الثواب» ، وقولهم عليهم السّلام : «من بلغه ثواب من الله على عمل فعمل ذلك التماس ذلك الثواب» ونحوهما. وحمل (من) في الأول على أنها بيانية خلاف الظاهر جدا.

لكن ذكر شيخنا الأعظم قدّس سرّه في صحيحة هشام بن سالم المحكية عن المحاسن عن أبي عبد الله عليه السّلام : «من بلغه عن النبي صلّى الله عليه وآله شيء من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يقله» (١) أن المراد من : «شيء من الثواب» بقرينة ضمير : «فعمله» وإضافة الأجر إليه هو الفعل المشتمل على الثواب. وحينئذ يمكن فرض الإطلاق له بنحو يشمل العمل الذي بلغ ترتب الثواب عليه من دون تحديد.

ويعضده إطلاق ما عن الإقبال عن الصادق عليه السّلام : «من بلغه شيء من الخير فعمل به كان له ذلك وإن لم يكن الأمر كما بلغه» (٢).

لكن صحيح هشام كما يمكن توجيهه بما تقدم يمكن إبقاء الثواب فيه على حقيقته ، وحمل ضمير : «فعمله» على الاستخدام ، بأن يراد منه فعلم ما

__________________

(١) الوسائل ج ١ ، باب : ٨ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ٣ ..

(٢) الوسائل ج ١ ، باب : ٨ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ٩. ٩.

١٥٢

يوجبه ، ويتجه حينئذ إضافة الأجر إليه ، ولعله الأنسب ولو بملاحظة نصوص الباب. ولا أقل من الإجمال المانع من الاستدلال.

وأما ما عن الإقبال فإرساله مانع من الاستدلال به ، ولا سيما مع قرب رجوعه إلى بعض النصوص المسندة وأنه منقول بالمعنى.

والحاصل : أنه لا مجال لاستفادة التعميم من نصوص المقام.

نعم ، قد تلغى خصوصية تحديد الثواب لعدم دخلها عرفا بعد ظهور ورود النصوص مورد الامتنان والحث على فعل الخير والتأسي بالنبي صلّى الله عليه وآله وطلب قوله ، إذ الفرق حينئذ بين بلوغ أصل الثواب وبلوغ مقدار خاص منه بعيد جدا ، بل الأول أولى بالامتنان ، لأن الانقياد فيه اكد.

لكنه مبني على حمل النصوص على الإرشاد لحسن الانقياد ، أما بناء على حملها على بيان حكم اصولي أو فرعي فحيث يكون مضمونها تعبديا مخضا فلا مجال لإعمال القرينة الارتكازية المذكورة فيه.

وإن كان عمل الأصحاب على التعميم. وعليه يبتني الكلام في جل الفروع الآتية أو كلها. ولعله لفهم عدم الخصوصية. فتأمل جيدا.

ثانيها : أنه لما كان الموضوع في نصوص المقام هو بلوغ الثواب فلا فرق بين بلوغه صريحا وبلوغه ضمنا والتزاما ـ كما يظهر من بعض عبائرهم المفروغية عنه ـ لإطلاق النصوص في ذلك ، ولا سيما بملاحظة الارتكاز المشار إليه في الأمر الأول.

ومن هنا يتجه الاكتفاء بالأخبار المتضمنة للأحكام وإن لم يصرح فيها بالثواب ، لما هو المفروغ عنه من ملازمة امتثال الحكم الشرعي للثواب.

كما أن مقتضى إطلاق النصوص العموم لجميع الأحكام الاقتضائية التي يترتب الثواب بامتثالها حتى الحرمة والكراهة ، ولا وجه لتخصيصها بالوجوب والاستحباب ، فضلا عن خصوص الاستحباب.

١٥٣

وأما ما يظهر من غير واحد من اختصاص الأخبار بهما ، لاختصاصها بالخير والعمل الذي بلغ عليه الثواب ، وهو ظاهر في الأمر الوجودي ، كما يشهد له التفريع بقولهم عليهم السّلام : «فعمله» و «فصنعه» فلا يشمل بلوغ الثواب على الترك.

فهو غير ظاهر ، لأن المراد بالعمل مطلق فعل المكلف وإن كان عدميا ، خصوصا بلحاظ أن فعله هنا بمعنى حمل النفس عليه ، لا بمعنى محض تحققه ، لأن ذلك هو الذي يكون موضوع الثواب.

ولذا لا ريب ظاهرا في شمولها لما إذا دل الخبر على استحباب الترك وترتب الثواب عليه صريحا ، وذلك هو المناسب للارتكاز المشار إليه آنفا.

نعم ، أشرنا في المقام الأول إلى أن القول بحجية الخبر المذكور لا يستلزم حجيته في تمام مدلوله ، لعدم الإطلاق في دليل الحجية ، بل المتيقن منها حجيته في ترتب الثواب بالنحو المستلزم للرجحان من دون أن تحرز خصوصية الإلزام أو الندب.

وحيث كان هذا متفقا عملا مع الاستحباب اتجه منهم التسامح والتعبير بحجية الخبر في الاستحباب في مثل ذلك. وإلا فلا معنى لحجية الخبر الظاهر في الوجوب أو الحرمة أو الكراهة في الاستحباب ، كيف وقد يقطع بعدم الاستحباب لدوران الأمر بين أحد الاحكام المذكورة والإباحة.

ومنه يظهر أنه لا مجال للإيراد عليهم : بأن ضعف الخبر الدال على الوجوب لا يكون قرينة عرفا على حمله على الاستحباب.

هذا كله بناء على دلالة نصوص المقام على حجية الخبر المتضمن للثواب.

أما بناء على دلالتها على استحباب متابعته ـ كما هو مفاد الوجه الثاني والثالث ـ فالمتعين البناء في الجميع على الاستحباب الثانوي بسبب البلوغ ، وليس هو من باب مخالفة الحكم الظاهري للواقعي ـ كما يظهر من الآشتياني في

١٥٤

حاشية الرسائل ـ بل من باب ارتفاع الحكم الواقعي الأولي بالحكم الواقعي الثانوي ، كما لعله ظاهر.

ثالثها : أن موضوع النصوص لما كان هو بلوغ الثواب وسماعه كان مختصا بالخبر المبني على الحكاية دون سائر الطرق الكاشفة ، كالأولوية ، وتنقيح المناط ، ونحوهما. كما أن الظاهر عمومها للخبر الحسي والحدسي ـ كفتوى المفتي ـ ولا يختص بالأول ، لإطلاق بعض النصوص المتقدمة.

ولا مجال لدعوى انصرافها للخبر الحسي قياسا على أدلة حجية الخبر ، للفرق بينها : بأن أدلة الحجية لما كانت ظاهرة في إمضاء سيرة العقلاء المختصة بالخبر الحسي كانت تابعة لها ، بخلاف نصوص المقام ، لأنها إن حملت على الانقياد فهو يناسب العموم ، وإن حملت على حجية الخبر للثواب أو استحباب العمل على مقتضاه كانت أدلة تعبدية لا تصلح السيرة لتقييدها.

نعم ، ما تضمن من النصوص تقييد البلوغ بكونه عن النبي صلّى الله عليه وآله قد يوهم الاختصاص بالحسي ، لإشعاره بالإشارة إلى الروايات المتعارفة ، إلا أن مناسبة العموم للارتكاز تقتضي إلغاء خصوصيتها عرفا.

على أنه يكفي إطلاق النصوص الأخر الخالية عن التقييد ، التي لا مجال لرفع اليد عنها بنصوص التقييد ، لعدم التنافي بينها.

ولذا لا ريب ـ ظاهرا ـ في شمولها لفتوى الفقيه في حق من يجب عليه تقليده ، ولا فرق بينه وبين غيره من العوام والمجتهدين إلا بقصور دليل الحجية ، الذي لا يضر في شمول نصوص المقام ، كما شملت الخبر الضعيف.

نعم ، لو فرض الاطلاع على مستند الخبر الحدسي كانت النصوص منصرفة عنه ، لظهورها بقرينة التفريع في صلوح الخبر لإحداث الداعي من حيث كونه مثيرا لاحتمال التكليف ، والخبر الحدسي بعد الاطلاع على مستنده لا أثر له في إثارة الاحتمال ، ولا في إحداث الداعي على طبقه ، بل الأثر لمستنده ،

١٥٥

فإن صدق على مستنده البلوغ شملته نصوص المقام ، وإلا خرج عنها.

ومنه يظهر قصورها عن الخبر الحسي المعلوم كذبه وإن فرض احتمال تحقق الأمر وترتب الثواب في مورده ، كما لو فرض العلم بكذب الراوي في النقل عن الإمام عليه السّلام واحتمل ثبوت مضمون الرواية في الواقع ، لأن الخبر المذكور لا أثر له في إثارة الاحتمال ولا في تحقق الداعي ، بل المحدث للداعي هو الاحتمال الذي لا يستند للخبر ولا يصدق معه البلوغ.

رابعها : أن بلوغ الثواب ..

تارة : يكون مشفوعا باحتمال الحرمة أو الكراهة.

واخرى : لا يكون مشفوعا بذلك.

أما الثاني فهو المتيقن من نصوص المقام ، وأما الأول فهو محل كلام بينهم.

والذي ينبغي أن يقال : انه مع تنجز احتمال الحرمة ـ بحجة أو غيرها ـ لا مجال للبناء على شمول نصوص المقام ، لقرب انصرافها عنه ، لظهورها في كون البلوغ صالحا للداعوية في نفسه مع قطع النظر عن مفاد هذه النصوص ، كما هو مقتضى التفريع الظاهر في عليّة البلوغ للعمل ، فهي ظاهرة في إمضاء العامل ، لا في تشريعه ابتداء ، ومن الظاهر أن البلوغ إنما يكون صالحا للداعوية في ظرف عدم تنجز احتمال ما ينافيه بنحو يوجب كونه موردا للحظر.

بل بناء على ما ذكرنا من ظهور النصوص للإرشاد لحسن الانقياد لا ينبغي الإشكال في ذلك ، لخروج المورد عنه.

أما قيام الحجة على الكراهة فلا يمنع من شمول الأخبار ، لأنها لما لم تكن حكما إلزاميا ، فلا تكون مخالفتها في ظرف قيام الحجة عليها تمردا ، لينافي الانقياد الحاصل بموافقة احتمال الاستحباب ويمنع من تحقق الداعي به ، ليوجب انصراف النصوص عنه ، كما في الحرمة.

١٥٦

ودعوى : أن قيام الحجة على الكراهة موجب للعلم بها تعبدا ، فتنصرف نصوص المقام عنه.

غير ظاهرة ، إذ لا منشأ للانصراف مع صدق البلوغ المثير للاحتمال والصالح للداعوية ، وعليه يكون المقام من تزاحم الإطاعة الحقيقية لمؤدى الحجة مع الاحتياط ، بناء على أن مفاد نصوص المقام الإرشاد ، ومن تعارض الحجتين الموجب لتساقطهما ، بناء على أن مفادها حجية الخبر الدال على الثواب.

وأما بناء على أن مفادها استحباب العمل الذي بلغ عليه الثواب فيكون المقام من تزاحم الحكم الاولي ـ الذي هو مؤدّى الحجة ـ مع الحكم الثانوي ـ الذي هو مؤدى نصوص المقام ـ المقتضي لفعلية الثاني دون الأول.

نعم ، لو فرض صدق البلوغ على الحجة القائمة على الكراهة كان من تزاحم الحكمين الثانويين ، فلو فرض عدم المرجح لأحدهما تعين الرجوع للحكم الأولي الذي هو مؤدى الحجة ، وهو الكراهة. فلاحظ.

وأما مع عدم تنجز احتمال الحرمة أو عدم قيام الحجة على الكراهة ، فإن كان احتمال الحرمة أو الكراهة مجردا عما يصدق معه بلوغ الثواب فالظاهر شمول النصوص وترتب مضمونها أيضا ، كما عن شيخنا الأعظم قدّس سرّه في رسالته في المقام ، لإطلاق النصوص المذكورة حتى ما تضمن منها التقييد بطلب قول النبي صلّى الله عليه وآله وتحصيل الثواب ، لأن الاحتمال المذكور لا ينافي ذلك.

وحينئذ فإن قلنا بورود هذه النصوص للإرشاد لحسن الانقياد كان المقام من تزاحم الاحتياطين.

كما أنه لو قيل بدلالتها على حجية الخبر المتضمن للثواب يكون من تزاحم الإطاعة الحقيقية لمؤدى الخبر مع الانقياد بالاحتياط في احتمال الحرمة أو الكراهة ، لأن حجية الخبر في الرجحان وترتب الثواب لا يمنع من تحقق

١٥٧

الانقياد بلحاظ احتمال الحرمة. لحسن الاحتياط مع الاحتمال مطلقا حتى مع قيام الحجة على عدم التكليف في مورده. بل ذكرنا أن حجية الخبر المتضمن للثواب ـ لو قيل بها ـ تختص بحيثية الرجحان المستلزم للثواب ، لا في تمام مدلوله بنحو ينهض بنفي احتمال الحرمة والكراهة في المقام ، فيكون المؤمّن من الحرمة هو الأصل ، لا الخبر المتضمن للثواب وإن فرض كونه حجة بهذه النصوص.

وأما بناء على دلالتها على استحباب الفعل الذي دل الخبر على ترتب الثواب عليه فاللازم البناء على عدم الحرمة أو الكراهة ولو لأجل العنوان الثانوي الطارئ ، وهو بلوغ الثواب.

وإن كان احتمال الحرمة أو الكراهة مشفوعا بخبر يصدق معه بلوغ الثواب ـ بناء على ما سبق من شمول نصوص المقام لما دل على الحرمة أو الكراهة ـ كان المقام من تزاحم الاحتياطين ، أو الاستحبابين الثانويين ، أو تعارض الحجتين على الكلام في مفاد نصوص المقام ، كما لعله ظاهر.

خامسها : أن قصور سند الخبر لا يمنع من عموم النصوص له ـ كما تقدم ـ بخلاف قصور دلالته ، لعدم صدق البلوغ والسماع معه ، وإن تحقق معه الاحتمال الصالح لإحداث الداعي العمل.

أما لو انعقد ظهور الخبر في ترتب الثواب ، إلا أنه عورض بما هو أقوى دلالة ، بحيث يكون قرينة عرفية على صرفه عن ظاهره ـ كما في العام والخاص ، والحاكم والمحكوم ـ فالظاهر أنه لا يوجب قصور النصوص عنه ، لصدق البلوغ معه ، وليس قصوره عن الحجية في غير المقام إلا كقصور السند لا يوجب الخروج عن موضوع النصوص ، إلا أن يفرض كونه موجبا للعلم بذلك أو الاطمئنان بكذب الظاهر بنحو لا يصلح لإحداث الداعي نظير ما تقدم في الأمر الثالث.

١٥٨

نعم ، بناء على أن مفاد نصوص المقام حجية الخبر المتضمن للثواب يكون المقام من تعارض الحجتين. وكذا الحال لو فرض التعارض بين المثبت للثواب والنافي له من دون ترجيح يقتضي الجمع العرفي. فلاحظ.

سادسها : أنه ربما نسب للمشهور اختصاص نصوص المقام بالإخبار عن الحكم الشرعي الكلي ، دون الموضوع الخارجي ، مثل ما ورد عنهم عليهم السّلام من تعيين بعض المساجد والمراقد ونحوها مما يترتب عليها أحكام شرعية جزئية تستلزم الثواب.

وهو الذي أصر عليه بعض مشايخنا ، بدعوى انصراف النصوص إلى ما يكون بيانه من وظيفة الشارع ، وهو الكبريات الشرعية.

وفيه : أنه لم يتضح المنشأ في الانصراف المدّعى ، لأن وظيفة النبي صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السّلام لا تختص ببيان الأحكام الكلية ، بل تعم بيان موضوعاتها الخفية ، وإن لم يكونوا ببيانها مشرّعين ، وأخذ خصوصية التشريع في نصوص المقام لا شاهد له.

نعم ، مقتضى ذلك شمول النصوص للإخبار بالموضوعات وإن لم يستند للنبي صلّى الله عليه وآله والأئمة عليهم السّلام كأخبار المؤرخين ونحوهم.

اللهم إلا أن يقال أكثر نصوص المقام مختص بالإخبار عن النبي صلّى الله عليه وآله للتقييد فيها بذلك ، والمطلق منها وإن كان بعضه معتبرا سندا كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السّلام : «قال : من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه» (١) ، إلا أن من القريب حمله على النصوص المقيّدة وإن لم يكن بينها تناف ، لارتكاز أن منشأ الحكم في نصوص المقام هو الاهتمام بسنة النبي صلّى الله عليه وآله والاحتياط فيها بمتابعة الاحتمال ، فلا يشمل الاخبار عن غيره.

لكنه لا يخلو عن إشكال ، لقرب أن يكون منشأ الحكم المذكور هو

__________________

(١) الوسائل ج ١ ، باب : ٨ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ٦.

١٥٩

الاهتمام بالواقع ، والحث على الانقياد فيه ، فيعم الإخبار الذي لا ينتهي إليه صلّى الله عليه وآله ، عملا بإطلاق النصوص المذكورة.

سابعها : قال الآشتياني قدّس سرّه في حاشيته على الرسائل : «ذكر غير واحد أنه كما يتسامح في السنن يتسامح في القصص والمواعظ والفضائل. بل استظهر مما عرفت عن الشهيد قدّس سرّه في الذكرى أن اخبار الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم ، كونه مسلما عن القائلين بالتسامح ، وعن ثاني الشهيدين في الدراية التصريح به ، حيث قال : جواز الاكثر العمل بالخبر الضعيف في القصص والمواعظ وفضائل الاعمال ، لا في صفات الله تعالى وأحكام الحلال والحرام. وهو حسن حيث لم يبلغ الضعف حد الوضع والاختلاق».

أقول : لا يبعد أن يكون المراد بالتسامح فيها هو التسامح في نقلها من دون نسبتها إلى الرواية ، فلا يتقيد بثبوتها بطرق معتبرة ، كما عليه ديدن الوعاظ وخطباء المنبر الحسيني في عصورنا هذه.

ولكن الوجه فيه غير ظاهر مع ما هو المفروغ عنه ظاهرا من حرمة الإخبار من دون علم.

وأما الاستدلال عليه بنصوص المقام ـ كما يظهر من الآشتياني ـ بتقريب : أن الإخبار بها إخبار عن ترتب الثواب على نقلها ، بضميمة استحباب نقل ما هو الحق منها ، لما فيه من حفظ الحق وإشاعته وترويجه وتأييده.

ففيه : ـ مع ابتنائه على شمول النصوص للاخبار عن الموضوعات الخارجية التي يترتب الثواب عليها. واختصاصه بما يستحب حفظه وإشاعته وتدوينه لو كان حقا ، كفضائل أهل البيت عليهم السّلام ومصائبهم ومخازي أعدائهم ونحوها ، دون مطلق القصص والفضائل ـ أن نصوص المقام ـ كما تقدم في الأمر الرابع ـ لا تشمل مورد تنجز احتمال الحرمة ، كما في المقام ، لما عرفت من عموم حرمة الإخبار من دون علم.

١٦٠