🚘

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم

المحكم في أصول الفقه - ج ٤

المؤلف:

السيّد محمّد سعيد الطباطبائي الحكيم


الموضوع : أصول الفقه
الناشر: مؤسسة المنار
المطبعة: جاويد
الطبعة: ١
الصفحات: ٤٦٩
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣ 🚘 الجزء ٤ 🚘 الجزء ٥ 🚘 الجزء ٦
🚘 نسخة غير مصححة

أما الطهارة فليس موضوعها غير المذكى بما هو أمر عدمي ، بل الميتة ، وليست هي خصوص ما مات حتف أنفه ، ولا مطلق ما لم يذك ـ لتكون أمرا عدميا محرزا بالأصل ، كما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه ـ بل هي في عرف المتشرعة مطلق ما استند موته إلى سبب غير شرعي. فهي أمر وجودي مضاد للمذكى ، فلا تنهض بإثباته أصالة عدم التذكية ، بل مقتضى الأصل عدمه.

ولعله نزّل المقابلة في النصوص ، المشار إليها ـ بين المذكي والميتة على مجرد التضاد من دون أخذ عدم التذكية في مفهوم الميتة.

كما أن الإجماع الذي تقدّمت دعواه على أن غير المذكى بحكم الميتة لا يراد به إلا عدم اختصاص أحكام الميتة بما مات حتف أنفه ، وهو لا ينافي كون موضوع الأحكام هو الميتة بالمعنى المتقدم ، ولا مجال لاستفادة عنوان الحكم من الإجماع ونحوه من الأدلة اللبية غالبا.

وأما النصوص ـ المشار إليها أيضا ـ المتضمنة لإلحاق غير المذكى بالميتة فهي مختصة بحرمة الأكل واللبس في الصلاة ولم ترد في النجاسة.

هذا ، ويشكل ما ذكره : بأنه لا مجال لأخذ الوجه الشرعي للموت في مفهوم الميتة ، لانه إن كان المراد بالوجه الشرعي ما يحل إحداث الموت به ويحرم بغيره تكليفا ، فمن الواضح أنه يجوز إحداث الموت للحيوان بأكثر الطرق التي يجري معها حكم الميتة ، كالجرح في غير المذبح.

وإن كان المراد بالوجه الشرعي هو الوجه المصحح لترتيب الغرض من

__________________

ويشهد به النصوص المتضمنة عدم جواز الصلاة في ما لم يحرز تذكيته ، مع أن الأصل إنما يحرز عدم تذكيته لا الموت بالمعنى الذي ذكره هنا.

لكن هذا موقوف على رفع اليد عن النصوص الكثيرة الظاهرة في مانعية الموت ، وتنزيلها على أن مانعيته بالعرض لملازمته لعدم التذكية ، وهو صعب جدا. وكفى بهذا موهنا لما ذكره من الفرق بين الأمرين ، ومقربا لما ذكره غيره من رجوع أحدهما للآخر ، كما سيأتي الكلام فيه.

(منه. عفي عنه).

١٢١

الحيوان كالأكل ، واللبس ، والبيع ونحوها كان عنوان الميتة من العناوين المنتزعة من الأحكام الشرعية ، المتأخرة عنها رتبة ، وامتنع أخذها في موضوعها ، مع وضوح أخذها في أكثر الأحكام المذكورة ، وهو كاشف عن كون عنوان الميتة من العناوين المتقررة في أذهان العرف المتشرعي مع قطع النظر عن الأحكام المذكورة ، ولا يناسب المعنى الذي ذكره.

فالظاهر أن المأخوذ في الميتة التي هي موضوع الأحكام هو عدم التذكية.

وحينئذ يقع الكلام في أن أخذه بنحو يقتضي كون الميتة من العناوين الوجودية المضادة للتذكية؟ بأن يكون الميتة ما مات بسبب لا يوجب التذكية ، أو بنحو يقتضي كونها من العناوين العدمية؟ بأن تكون عبارة عما مات ولم يذك ، فيكون التقابل بين الميتة والمذكى من تقابل العدم والملكة ، كما صرح به سيدنا الأعظم قدّس سرّه في مبحث لباس المصلي.

والذي ينبغي أن يقال : لا ريب في أن الميتة بحسب أصل اللغة ما اتصف بالموت المقابل للحياة ، فيصدق على المذكى وغيره ، كما أنه قد يستعمل في خصوص ما مات حتف أنفه ، إلا أنه لا ريب عندهم في قصور أحكامها عن المذكى وشمولها لكل ما لم يذك.

وكأنه لما ارتكز عندهم من أن الأحكام المذكورة إنما ثبتت للميتة بلحاظ خبث الموت وقذره ، وذلك يقتضي اختصاصها بصورة عدم التذكية الرافعة لقذر الموت ، كما تقدم. وهذا مناسب لكون التذكية من سنخ الرافع للأحكام المذكورة أو المانع منها ، فالأحكام المذكورة ثابتة لولاها.

وهو يقتضي أخذ عدم التذكية في مفهوم الميتة أو في أحكامها ـ كما ذكره شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره ـ فموضوع الأحكام هو الميتة بمعنى ما لم يذك ، على أن يكون التقابل بين الموت ـ الذي هو موضوع الأحكام ـ والتذكية تقابل العدم والملكة ، لا الضدين.

١٢٢

ويؤيد ذلك امور ..

الأول : أن أخذ أحد الضدين الوجوديين في مفهوم الآخر غير مألوف ولا معهود ، بل المعهود أخذ عدم أحد المتقابلين في الآخر كالعمى والبصر والغنى والفقر.

الثاني : ما في كلام غير واحد من اللغويين ، ففي الصحاح والقاموس : «الميتة ما لم تلحقه الذكاة» ، وفي لسان العرب : «والميتة ما لم تدرك ذكاته» ، وفي مفردات الراغب : «والميتة من الحيوان ما زال روحه بغير تذكية» ، وفي مجمع البيان : «حرمت عليكم الميتة : أي حرم عليكم أكل الميتة والانتفاع بها ، وهو كل ما له نفس سائلة ... فارقه روحه من غير تذكية. وقيل : الميتة كل ما فارقته الحياة من دواب البر وطيره بغير تذكية ...» وقريب منه ما في تفسير الطبري. فان هذه الكلمات ـ كما ترى ـ متفقة على أخذ عدم التذكية في الميتة ، إما بنفسها أو من حيث كونها موضوعا للأحكام الشرعية.

نعم ، نسب بعض مشايخنا التصريح بالمعنى الذي ذكره إلى مجمع البحرين تارة ، وإلى المصباح اخرى (١).

لكن لم اعثر في مجمع البحرين على تعرض لشرح مفهوم الميتة. كما أن ما في المصباح لا ينهض به ، لأنه قال : «والميتة من الحيوان ما مات حتف أنفه ... والمراد بالميتة في عرف الشرع ما مات حتف أنفه أو قتل على هيئة غير مشروعة» ، وهو ظاهر في بيان مصاديقها ، وأنها أعم من المعنى اللغوي الذي ذكره ، لا في شرح مفهومها ، لينافي ما ذكرنا.

الثالث : أن التفكيك بين الأحكام المذكورة بعيد جدا عن مساق أدلتها

__________________

(١) نسب الى مجمع البحرين في تقرير درسه الاصولي المسمى بكتاب (الدراسات) ، ونسبه الى المصباح في تقرير درسه الفقهي المسمى بكتاب (التنقيح) في شرح العروة الوثقى ج ١ ، من كتاب الطهارة ، ص ٣٤ من الطبعة الثانية ، فراجع. (منه. عفي عنه).

١٢٣

لجريها على نسق واحد ، إذ من الصعب جدا الالتزام بأن أخذ الميتة في أدلة النجاسة من حيث كونها بنفسها موضوعا لها ، ولا دخل لعدم التذكية فيها ، أما في أدلة حرمة الأكل والمانعية من الصلاة فأخذها من حيث كونها ملازمة لعدم التذكية الذي هو الموضوع في الحقيقة.

وكيف يمكن ذلك في مثل صحيح الحلبي ، سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن الخفاف التي تباع في السوق ، فقال : «اشتر وصل فيها حتى تعلم أنه ميتة بعينه» (١) وكذا في أدلة تحريم أكل الميتة الكثيرة ، لظهور جميع ذلك في دخل عنوان الميتة بنفسه ، وهو لا يلائم ما يظهر منه من كون الدخيل عدم التذكية إلا بارجاع أحدهما للآخر ، كما ذكرناه.

الرابع : أنه قد وردت نصوص كثيرة (٢) في الصيد والذباحة قد تضمنت لزوم العلم باستناد الموت للسبب المذكي.

والظاهر المفروغية عند الأصحاب على ترتيب جميع أحكام الميتة ، ومنها النجاسة ، لا خصوص حرمة الأكل والمانعية من الصلاة ، مع أن الاصل لا يحرز استناد الموت لغير سبب التذكية ، وهو شاهد بالمفروغية عما ذكره من عرفت من كفاية أصالة عدم التذكية في إثبات جميع الأحكام المذكورة.

الخامس : أن عدم جواز البيع في ظاهر الأدلة من أحكام الميتة ، لا من أحكام عدم التذكية ، وبناء على ما ذكره بعض مشايخنا يجوز بيع ما يشك في تذكيته ، لأصالة عدم كونه ميتة ، الحاكمة على أصالة فساد البيع ، وهو لا يناسب ما تضمنته النصوص الكثيرة من جعل سوق المسلمين أمارة على التذكية بنحو يجوز ترتيب أحكامها من الأكل واللبس في الصلاة وغيرهما.

فالإنصاف : أن التأمل في جميع ما ذكرنا شاهد برجوع الميتة لغير المذكى

__________________

(١) الوسائل ، ج ٢ باب ٥ ، من أبواب النجاسات ح ٢.

(٢) الوسائل ، ج ١٦ باب ٥ ، ٤ ، ١٨ ، ١٩ ، ٢٢ من أبواب الصيد وباب ١٣ من أبواب الذبح.

١٢٤

ونهوض الاصل المحرز لأحدهما في إثبات الآخر وفي ترتيب الأحكام المذكورة. فلاحظ وتأمل جيدا.

المقام الثاني : في الشبهة الموضوعية

اعلم أن الشك في حلية اللحم بنحو الشبهة الموضوعية يكون ..

تارة : للشك في حليته بعد العلم بوقوع التذكية عليه ، كما لو دار الأمر بين كونه من الأرنب وكونه من الغنم.

واخرى : للشك في قبوله للتذكية ، كما لو تردد بين كونه من الكلب وكونه من الغنم.

وثالثة : يكون للشك في وقوع التذكية عليه ، كما لو شك في ذبح الحيوان ، أو كون الذابح مسلما.

أما في الاولى فالمرجع أصالة الحل ، بناء على ما تقدم في المقام الأول من عدم جريان استصحاب حرمة الأكل الثابتة حال الحياة.

ولا مجال هنا لتوهم الرجوع لعموم الحل أو الحرمة ، لأنه لو فرض تماميته في نفسه وجواز الرجوع إليه في الشبهة الحكمية فلا مجال للرجوع اليه في الشبهة الموضوعية ، لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من طرف المخصص على التحقيق.

كما لا مجال لتوهم الرجوع لأصالة عدم كونه من النوع المحرّم ، كالأرنب ـ كي يبقى تحت عموم الحل لو تم ـ أو أصالة عدم كونه من النوع المحلل ، كالغنم ـ كي يبقى تحت عموم التحريم لو تم ـ لأن الخصوصية النوعية من شئون الذات التي ليست لها حالة سابقة معلومة في الحيوان ، فلا مجال لجريان الاستصحاب فيها ولو بنحو استصحاب العدم الأزلي.

نعم ، لو كان احتمال التحريم ناشئا من احتمال طروء سببه فيه بعد العدم ـ كالوطء ـ أمكن استصحاب عدم حصول سببه ، فيحرز به حل الحيوان ، ويكون

١٢٥

حاكما على أصالة الحل ومغنيا عنها.

كما أنه لو فرض انقلاب الأصل في اللحوم بدعوى تعليق الحل فيها على عنوان وجودي ـ كالطيب ـ ومع عدم إحرازه يبنى على الحرمة امتنع الرجوع هنا لأصالة الحل. لكن أشرنا في المقام الأول إلى منع ذلك صغرى وكبرى.

وأما في الثانية فالمرجع أصالة عدم التذكية التي تقدم في المقام الأول جريانها حتى مع الشك في القابلية ، بناء على ما هو التحقيق من أن التذكية متقومة بالأثر المسبب عن الذبح.

ولا مجال هنا للرجوع إلى عموم قابلية الحيوانات للتذكية ـ لو فرض تماميته في نفسه ـ لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ، كما لا مجال للرجوع لأصالة عدم كونه من النوع الذي لا يقبل التذكية ـ كالكلب ، نظير ما سبق في الصورة الاولى.

نعم ، بناء على ما تقدم احتماله من قابلية كل حيوان للتذكية حتى نجس العين ، وأن عدم طهارته لأن التذكية ترفع خبث الموت دون النجاسة الذاتية يتجه البناء على تذكية الحيوان في المقام ، والرجوع إلى أصالة الطهارة فيه عن النجاسة الذاتية. فتأمل.

كما أنه لو كان احتمال عدم قابلية الحيوان للتذكية لاحتمال طروء ما يمنع عنها ـ كالجلل ـ اتجه استصحاب عدمه ، ليحرز وقوع التذكية عليه. ولا مجال لاستصحاب القابلية بنفسها ، لما تقدم من أنها من الامور الانتزاعية ، وليست هي موضوعا لأثر شرعي.

وأما في الثالثة فلا إشكال في الرجوع لأصالة عدم التذكية حتى بناء على كون التذكية أمرا مركبا من الذبح والتسمية ونحوهما مما يؤخذ فيها ، إذ لا إجمال في المستصحب حينئذ حتى يمتنع استصحابه.

بل قد تظافرت النصوص بترتيب آثار عدم التذكية عند الشك فيها ، كما لو

١٢٦

شك في استناد الموت إلى سبب التذكية من الصيد والذبح ـ على ما تقدمت الإشارة إليه ـ وكما لو اخذ من غير المسلم.

نعم ، قد يظهر من بعض النصوص البناء على الحل مع الشك ، وهو محمول على صورة وجود الأمارة على التذكية ، كسوق المسلمين ونحوه على ما يذكر في الفقه مفصلا.

هذا ، وقد تقدم أن أصالة عدم التذكية لو جرت احرز بها حرمة الأكل والبيع والمانعية من الصلاة والنجاسة ، خلافا لما تقدم من بعض مشايخنا من عدم ترتيب النجاسة ، بل عرفت ان لازم ما ذكره جواز البيع أيضا. فتأمل جيدا. والله سبحانه وتعالى العالم العاصم. وله الحمد. ومنه نستمد العون والتوفيق.

التنبيه الرابع : في حسن الاحتياط

لا ريب في حسن الاحتياط في الشبهة البدوية عقلا ـ وإن يكن لازما ، لما تقدم ـ لأنه نحو من الانقياد للمولى ومظهر من مظاهر العبودية له ، كما تشهد بذلك المرتكزات العقلية والعرفية. وهو موجب لاستحقاق الثواب ، لا بمعنى لزومه على المولى ، لأنه لا يجب حتى مع الإطاعة الحقيقية ، بل بمعنى أهلية المحتاط والمنقاد للتفضل بالثواب المبني على الشكر والجزاء ، وليس ثوابه ابتداء تفضل كالابتداء به على من لم يعمل شيئا أو كان عاصيا. كما تقدم في آخر مبحث التجري.

إن قلت : هذا إنما يتم بناء على أن الإرادة التشريعية التي تنتزع منها الأحكام الشرعية من سنخ الإرادة التكوينية ، لوضوح أن تحصيل ما يحتمل إرادة المولى له كتحصيل ما يعلم بإرادته له من مظاهر العبودية والفناء في ذاته والاهتمام بشأنه.

أما بناء على ما هو التحقيق من أنها سنخ آخر متقوم بجعل السبيل على

١٢٧

المكلف وتحميله المسئولية فلا موضوع لها مع فرض عدم المنجز ، لان جعل الحكم ليس علة تامة لتحقق السبيل ، بل هو مشروط بوجود المنجز له ، فمع فرض عدم المنجز لا يتحقق السبيل على المكلف قطعا ، فلا موضوع للاحتياط.

وليس معنى فعلية الأحكام الواقعية في ظرف عدم المنجز لها إلا فعلية ملاكاتها ، ومن الظاهر أن مجرد الاهتمام بتحصيل الملاك والسعي له لا يكون انقيادا للمولى ولا يحسن بملاك حسن إطاعته ما لم يكن مضافا إلى المولى لتكليفه به.

قلت : عدم فعلية السبيل لفرض عدم المنجز لا ينافي تحقق موضوع الانقياد ، بلحاظ احتمال جعل الحكم الذي هو المقتضي في جعل السبيل ، وهو معنى فعلية الحكم ، وبه يكون الملاك مضافا للمولى ، وليس معنى فعليته مجرد كون ملاكه فعليا من دون أن يكون مضافا للمولى.

ولا مجال لدعوى اختصاص موضوع الانقياد بفعلية السبيل الموقوفة على المنجز ، فانها مدفوعة : بالمرتكزات العقلائية والمتشرعية على حسن الاحتياط لاحتمال التكليف غير المنجز ، المؤيد بمثل نصوص قاعدة التسامح في أدلة السنن الظاهرة في الإرشاد إلى حسن الاحتياط.

بل ذكرنا في مسألة الضد في تقريب إمكان التقرب بالملاك أن الملاك إذا بلغ مرتبة جعل الحكم كان صالحا للمقربية وإن ارتفع واقعا بسبب المزاحم ، فصلوحه للمقربية والانقياد في المقام أولى بلحاظ احتمال وجوده وفعلية الحكم الواقعي على طبقه. فتأمل جيدا.

وبالجملة : لا إشكال ظاهرا في حسن الاحتياط عقلا في مورد البراءة ، بل في مطلق احتمال التكليف الواقعي وإن قامت الحجة على خلافه ، ولذا جرت سيرة الفقهاء ـ خصوصا في العصور المتأخرة ـ على التنبيه للاحتياط ، بل الحث عليه في موارد الفتوى بخلافه ، وحيث عرفت ذلك ينبغي التعرض لامور متعلقة بالمقام ..

١٢٨

الأمر الأول : الاحتياط وإن كان حسنا في نفسه عقلا ، لما فيه من الانقياد للمولى ، كما تقدم ، إلا أنه قد يزاحم بما هو الأهم عقلا ، كالإطاعة الحقيقية في التكاليف المنجزة الالزامية أو غيرها ، فيلزم تركه عقلا ، أو يرجح وإن لم يخرج عن كونه حسنا في نفسه ، كما هو الحال في تزاحم الاحتياطين غير اللازمين أو تزاحم التكليفين المنجزين.

كما أنه قد يردع عنه شرعا ، لعدم وفائه بالغرض لتوقف الغرض على الجزم بالتكليف ، أو لاستلزامه محذورا لازم الدفع ، كما أشرنا إليه في أواخر مبحث التجري.

لكن الظاهر أن الردع المذكور راجع إلى تقييد التكليف الواقعي أو المكلف به ، بغير صورة الاحتياط فلا يكون الاحتياط إطاعة له ، كي يكون انقيادا وحسنا ، فالردع عن الاحتياط مخرج له عن الانقياد وعن موضوع الحسن ، لا أنه ردع عن بعض أفراد الانقياد ، بل هو في الحقيقة موجب لسد باب الاحتياط.

وتوضيح ذلك : أن قوام التكليف باقتضائه للعمل وداعويته له ، وحينئذ فان تنجز صار موردا للمسئولية ولزم عقلا إطاعته بملاك أهلية المولى لها ، أو بملاك دفع الضرر ، وامتنع ردع الشارع عن إطاعته ، لمنافاته لمقتضى التكليف ، إلا أن يرجع إلى رفع التكليف نفسه.

وإن لم يتنجز قصر عن مقام المسئولية لكن حسن عقلا الاهتمام بموافقته بالاحتياط انقيادا للمولى بملاك أهليته وإن لم يترتب الضرر.

وحينئذ كما يمتنع الردع عن الإطاعة في فرض تنجز التكليف إلا برفع التكليف نفسه ، كذلك يمتنع الردع عن الاحتياط في فرض عدم تنجزه إلا بتقييد التكليف أو المكلف به بنحو لا يشمل حال الاحتياط ، ليخرج عن مورد التكليف ، فلا يكون احتياطا ولا انقيادا. وإلا فمع فرض شمول التكليف له وفعلية التكليف به يكون الاحتياط انقيادا للمولى ، فيمتنع الردع عنه ، لأنه علة

١٢٩

تامة في الحسن كالإطاعة ، وإن افترقا باللزوم وعدمه.

نعم ، قصور التكليف الواقعي عن شمول الاحتياط لا بد أن يكون بنتيجة التقييد ، وإلا فالاحتياط متفرع عن التكليف ومتأخر عنه رتبة ، فلا يعقل أخذه قيدا في موضوعه.

كما أن خروج مورد الاحتياط عن التكليف إن كان لخروجه ملاكا كان مقتضيا لعدم الإجزاء لو فرض مصادفته لثبوت التكليف واقعا ، وإن كان لأجل محذور خارج مع كونه واجدا لملاك التكليف الواقعي اتجه الإجزاء ، إلا أن يكون عبادة ، ويكون الردع بنحو التحريم ، فيمتنع التقرب معه ، وينسد باب الاحتياط حتى بلحاظ الملاك ، ولا يتصور الإجزاء إلا مع الغافلة عن النهي ، كما يذكر نظيره في مبحث اجتماع الأمر والنهي.

إذا عرفت هذا ، فربما يستظهر من بعض النصوص عدم حسن الاحتياط ، ففي خبر الحسن بن الجهم ، قلت لأبي الحسن عليه السّلام : اعترض السوق فأشتري خفا لا أدري أذكي هو أم لا. قال : «صل فيه» ، قلت : فالنعل؟ قال : «مثل ذلك». قلت : اني أضيق من هذا ، قال : «أترغب عما كان أبو الحسن عليه السّلام يفعله؟!» (١) ، وفي صحيح البزنطي : «سألته عن الرجل يأتي السوق ، فيشتري جبة فراء لا يدري أذكية هي أم غير ذكية. أيصلي فيها؟ فقال : «نعم ، ليس عليكم المسألة ، إن أبا جعفر عليه السّلام كان يقول : إن الخوارج ضيقوا على أنفسهم بجهالتهم ، إن الدين أوسع من ذلك» (٢) ، ونحوه غيره مما تضمن النهي عن السؤال ، ومرسل الفقيه ، سئل علي عليه السّلام : أيتوضأ من فضل وضوء جماعة المسلمين أحب إليك أو يتوضأ من ركو أبيض مخمر؟ فقال : «لا ، بل من فضل وضوء جماعة المسلمين ، فإن

__________________

(١) الوسائل ، ج ٢ باب ٥٠ ، من أبواب النجاسات ح ٩.

(٢) الوسائل ، ج ٢ باب ٥ ، من أبواب النجاسات ح ٣.

١٣٠

أحب دينكم إلى الله الحنيفية السمحة السهلة» (١) ، وما عن تفسير النعماني باسناده عن علي عليه السّلام : «قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إن الله يحب أن يؤخذ برخصه كما يحب أن يؤخذ بعزائمه» (٢) ، فإن النصوص المذكورة ونحوها مما يتضمن الحث على التيسير ظاهرة في عدم رجحان الاحتياط ، بل بعضها ظاهر في مرجوحيته.

لكنها ـ مع ضعف سند أكثرها ـ لا تدل على ذلك.

لظهور الأول في الردع عن ضيق النفس عن العمل بأمارية السوق ، وهو راجع إلى عدم سكون النفس للحكم الشرعي ، المنافي للتسليم الكامل به ، وهو لا ينافي رجحان الاحتياط برجاء إدراك الواقع لمحض الانقياد مع التسليم والاطمئنان بالرخصة ، كما قد يشهد به خبر أبي بصير ، سألت أبا عبد الله عليه السّلام عن الصلاة في الفراء؟ ، فقال : كان علي بن الحسين عليه السّلام رجلا صردا ... فكان يبعث إلى العراق فيؤتى مما قبلكم بالفرو فيلبسه ، فإذا حضرت الصلاة ألقاه وألقى القميص الذي يليه ، فكان يسأل عن ذلك فقال : إن أهل العراق يستحلون لباس جلود الميتة ويزعمون أن دباغه ذكاته» (٣).

كما أن صحيح البزنطي وأمثاله بصدد التأكيد على حجية السوق والردع عن التزام التضييق كالخوارج ، فلا ينافي حسن الانقياد بالاحتياط.

وأما مرسل الفقيه فلا ظهور له في مرجوحية الاحتياط بتجنب احتمال النجاسة في فضل وضوء جماعة المسلمين ، إذ لعل السؤال فيه من حيثية استعمال الماء لتوهم كراهة الوضوء من فضل وضوء الغير ، فهو مسوق لبيان عدم كراهة الوضوء فيه ، بل استحبابه بلحاظ مصلحة التيسير.

__________________

(١) الوسائل ج ١ ، باب : ٨ من أبواب الماء المضاف والمستعمل حديث ٣.

(٢) الوسائل ج ١ ، باب : ٢٥ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ١.

(٣) الوسائل ج ١ ، باب : ٦١ من أبواب لباس المصلي حديث : ٢.

١٣١

مع أنه لو كان رادعا عن الاحتياط في مورد احتمال النجاسة ، فلا يدل على الردع عنه ذاتا ، بنحو ينافي حسنه عقلا ، بل عرضا لمنافاته لمصلحة التيسير ، لظهوره في أن مصلحة التيسير المقتضية للسعة عملا مما يهتم الشارع به ، بحيث تكون أهم من مصلحة المحافظة على طهارة الماء في ظرف الجهل ، وحيث أنه لا إشكال في لزوم الوضوء بالماء الطاهر واقعا المستلزم لحسن الانقياد عقلا بالاحتياط فيه كان المقام من مزاحمة حسن الانقياد بحسن الطاعة بالإضافة إلى مصلحة التيسير الاستحبابية ، وحيث كان الثاني أهم كان هو الأرجح عقلا وإن كان الاحتياط باقيا على حسنه ، فيكون مرجع الردع الشرعي في المقام إلى إحداث حكم شرعي تكون طاعته مزاحمة للاحتياط عقلا من دون أن ترفع حسنه ، كما تقدم في أول الكلام في هذا الأمر.

ومنه يظهر الحال في ما عن تفسير النعماني ونحوه مما تضمن الأمر بالتيسير ، فإنه راجع إلى استحباب الإتيان بالرخص ، ويكون الحكم المذكور مزاحما لحسن الاحتياط ، لا رافعا لحسنه.

فتحصل أن النصوص المذكورة لا تنافي حسن الاحتياط ذاتا ، بملاك الانقياد ، وإنما تدل على أمرين لا ينبغي الاستهانة بهما ..

الأول : أن الاحتياط قد يكون مرجوحا بالعرض لو كان ناشئا من عدم سكون النفس للترخيص الشرعي وعدم ركونها للعمل به ، لمنافاة ذلك للتسليم الكامل به.

الثاني : أنه ينطبق على ترك الاحتياط عنوان راجح شرعا يحسن عقلا الإتيان به بداعي إطاعة الشارع وانقيادا له ، كما يحسن الانقياد له بالاحتياط ، وهو عنوان التيسير واستعمال الرخصة. فتأمل جيدا.

الأمر الثاني : حيث عرفت حسن الاحتياط عقلا فقد وقع الكلام بينهم في حسنه شرعا والأمر به مولويا. فقد استفاضت النصوص المتقدمة التي استدل بها

١٣٢

الاخباريون على وجوب الاحتياط بالأمر به والحث عليه ، وبعد فرض عدم حملها على الوجوب وتحكيم أدلة البراءة ، فهل تحمل على الإرشاد لحسنه عقلا بملاك الانقياد ، أو على الاستحباب المولوي ، كما هو الأصل في الأوامر الشرعية؟

ولا يخفى أن نصوص الاحتياط على قسمين :

الأول : ما تضمن الأمر به بملاك تحصيل الواقع المحتمل من دون أن يتضمن أثرا زائدا على ذلك ، كما هو مفاد التعليل بمثل قولهم عليهم السّلام : «من أخذ بالشبهات ارتكب المحرمات وهلك من حيث لا يعلم» (١).

الثاني : ما تضمن الأمر به بملاك أمر آخر غير تحصيل الواقع المشتبه ، مثل قولهم عليهم السّلام : «فمن ترك ما اشتبه عليه من الاثم فهو لما استبان له أترك» (٢).

أما الأول فقد ذكر شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره أنه ظاهر في الإرشاد لحسن الاحتياط عقلا ، بملاك الانقياد من حيث كونه تحصيلا لمصلحة الحكم الواقعي.

واستشكل فيه بعض مشايخنا بأن حكم العقل بحسن الانقياد لما لم يكن إلزاميا فهو لا يوجب رفع اليد عن ظهور الأوامر الشرعية في المولوية.

وكأنه لان حكم العقل بحسن الاحتياط قد لا يكون موجبا لانبعاث المكلف ، ويكون الأمر الشرعي المولوي موجبا له ، فلا يكون لاغيا.

وهذا بخلاف أوامر الطاعة فقد ذكر أنه يمتنع حملها على المولوية ، للزوم لغويتها وإن لم نقل باستحالة التسلسل ، لأن الأوامر الشرعية لا تقتضي الانبعاث ما لم تنته إلى الإلزام من جهة العقل بجعل وجوب الطاعة ، فلا بد من صرف أوامر الطاعة الشرعية إلى الإرشاد لذلك.

وفيه : أن مجرد عدم محركية الأحكام الشرعية إلا بانتهائها إلى الدافع

__________________

(١) الوسائل ، ج ١٨ باب : ١٢ من أبواب صفات القاضي ح ٩.

(٢) الوسائل ، ج ١٨ باب : ١٢ من أبواب صفات القاضي ح ٢٢.

١٣٣

العقلي المقتضي للزوم الطاعة عقلا ، لا يلزم بحمل أوامر الشارع بالطاعة على الإرشاد ، لإمكان وجوب الطاعة بحكم العقل والشرع معا ، نظير ما التزم به هنا من حسن الاحتياط شرعا وعقلا.

على أن عدم صلوح الأحكام الشرعية للمحركية إلا بضميمة حكم العقل كما يتوجه في الأحكام المنجزة التي يحكم العقل بلزوم طاعتها ، كذلك يتوجه في الأحكام غير المنجزة التي يحكم العقل بحسن الانقياد بموافقتها ، فانها لا تقتضي الانبعاث لو لا الحكم العقلي المذكور.

ومجرد الاختلاف بين الحكمين بالإلزام وعدمه لا يصلح فارقا ، ولا سيما مع كون إطاعة الأمر الاستحبابي والنهي التنزيهي مع تنجزهما حسنة عقلا غير واجبة ، مع عدم الإشكال بينهم في كون أوامر الشارع بإطاعتها للإرشاد.

فاللازم النظر في الفرق بين الأمر المولوي والإرشادي ذاتا ثم تحديد مصاديقهما ..

فنقول : الأمر والنهي إن صدرا بداعي جعل السبيل على المخاطب بهما ، بنحو يقتضي إضافة الفعل للامر والناهي وحسابه عليه ، انتزع منهما الحكم المولوي الذي يكون موضوعا للطاعة والمعصية وموردا لأهلية المخاطب للثواب والعقاب من قبل الامر.

وإن صدرا لمحض إرشاد المخاطب لآثار الأفعال الثابتة لها مع قطع النظر عن الأمر والنهي من دون أن يقتضيا إضافة الفعل للامر وحسابه عليه ، لم يكونا منشأ لانتزاع الحكم ، ولا يكون الداعي العقلي لموافقتها إلا بحسب داعويته للأثر المستكشف بهما.

فإذا أمر الأب ولده بالتدثر مثلا ، فإن كان أمره لمحض إرشاده لحاجته إليه كان إرشاديا ولا يتحقق الداعي العقلي لموافقته إلا بتبع داعويته لسدّ الحاجة المفروضة. وإن كان أمره مبنيا على جعله مسئولا من قبله بحيث يأتي به لحسابه

١٣٤

استحبابا أو وجوبا كان مولويا وصار موضوعا للداعي العقلي بنفسه ـ مع قطع النظر عن الملاك الموجب له ـ على حسب قوة الداعي لطاعته وضعفه.

ومنه يظهر الوجه في عدم استغناء الحكم الواقعي المولوي المنجز في مقام المحركية عن الداعي العقلي ، فإن الانبعاث عن الأمر المولوي فعل اختياري للمكلف ، فلا يعقل صدوره إلا لغرض دافع له ، من حب موافقة الامر ـ لأهليته ذاتا أو بالعرض ـ أو خوف عقابه أو رجاء ثوابه. والداعوية المذكورة هي مرجع حكم العقل بحسن الإطاعة أو وجوبها في الأحكام الشرعية.

كما ظهر أيضا الوجه في عدم استغناء الحكم الواقعي المولوي غير المنجز في مقام المحركية عن الداعي العقلي ، فإنه لو لا حكم العقل بحسن الانقياد لا داعي للمكلف في الاندفاع عن احتمال الحكم المذكور.

ثم إنه حيث كان الحكم المولوي من أفعال المولى الاختيارية فلا بد من صدوره عن داع وغرض له فيه ، من حفظ ملاك أو غيره على الكلام في ذلك.

إذا عرفت هذا يقع الكلام في أوامر الطاعة والاحتياط. فاعلم : أن الأمر بالطاعة إن كان ناشئا عن ملاك آخر غير ملاك ذات الفعل كان مولويا ، كما لو فرض أن تعلق التكليف بالفعل وصدق عنوان الطاعة عليه موجب لحدوث ملاك آخر فيه غير ملاكه الذي أوجب حدوث أمره ، فان اهتمام الشارع بالملاك المذكور موجب لأمره به مولويا بعنوانه المذكور ، بحيث يكون مضافا للمولى ومحسوبا عليه ، ويكون مؤكدا للأمر المولوي الأول المتعلق بذات الفعل.

ولا مجال معه لتوهم لغوية الأمر الثاني ، لأن تأكد الأمر موجب لتأكد الداعوية المولوية ، الموجب لتأكد الداعوية العقلية ، فكما يكون الفعل موضوعا لحكمين شرعيين أحدهما متعلق بذاته ، والآخر متعلق به بعنوان كونه إطاعة ، كذلك يكون موضوعا لحكمين عقليين في طول الحكمين الشرعيين المذكورين يقتضيان إطاعة كل منهما ، وإن اتحد الحكم الشرعي الثاني والحكم

١٣٥

العقلي الأول موضوعا.

وإن لم يكن ناشئا عن ملاك مستقل ، بل ليس إلا ملاك الأمر الأول امتنع كونه مولويا ، لعدم الغرض فيه بعد قيام الأمر الأول به ، وتعين كونه إرشاديا لا يبتني على جعل السبيل ، ولا على إضافة الفعل للمولى ، فلا يكون حكما حقيقة ، ولا موضوعا للطاعة والمعصية ، ولا يستتبع عقابا ولا ثوابا غير ما يقتضيه الأمر الأول.

ومن هنا تعين حمل أوامر الشارع بالإطاعة على الإرشاد ، لما هو المفروغ عنه من عدم كون منشئها ملاكا مستقلا ، وعدم استتباعها ثوابا ولا عقابا غير ما يقتضيه الأمر الأول.

مضافا إلى أن ظاهرها الأمر بإطاعة كل حكم ولو كان غير إلزامي ، فلو كان الأمر المذكور مولويا كان ظاهره الوجوب المقتضي لوجوب إطاعة الأوامر الاستحبابية ، وهو مقطوع ببطلانه ، وحمل الأمر بالإطاعة على الاستحباب ، أو على مطلق الطلب ليس بأولى من حمله على الإرشاد بعد كون كل منهما خلاف الأصل في الأمر ، بل الثاني أقرب ارتكازيا.

كما أن ظاهر الأمر بالإطاعة عمومه لكل أمر يفرض حتى نفس وجوب الإطاعة كما هو مقتضى كون القضية حقيقية ، وهو مستلزم للتسلسل ، فحمله على ما عدا أمر الإطاعة دفعا للتسلسل ليس بأولى من حمله على الإرشاد ، بل الإرشاد أقرب ارتكازا. فتأمل جيدا.

وأما الأمر بالاحتياط فإن كان واردا بلحاظ حفظ الواقع والانقياد له ، للتنبيه على أهمية الواقع بنحو ينبغي للمكلف حفظه والاهتمام به كان إرشاديا مطابقا لحكم العقل ، ولا يترتب على موافقته إلا ما يترتب بحكم العقل على الانقياد.

وإن كان واردا بلحاظ غرض خاص قائم بعنوان الاحتياط وإن كان هو حفظ الواقع من جهة الشارع ، لاهتمامه به الموجب لخطابه به ، بنحو يقتضي

١٣٦

إضافة الفعل إليه وحسابه عليه ، كان مولويا واقتضى تأكد الداعي العقلي للاحتياط من حيث كونه انقيادا للواقع المحتمل وطاعة للأمر بالاحتياط المعلوم ، كما أنه يقتضي شدة الثواب لتأكد الجهة المقتضية له. فتأمل.

ولعل منه ما ورد في كراهة مساورة الحائض المتهمة ، وكراهة كسب الغلام ، لأنه إن لم يجد سرق ، وكراهة كسب الجارية لأنها إن لم تجد زنت.

هذا ، والتأمل في نصوص الاحتياط المذكورة يشهد بالأول ، لظهورها في أهمية الواقع بنحو يقتضي اهتمام المكلف به ، كما هو مقتضى التعليل بعدم الوقوع في الهلكة ، لا بنحو يهتم الشارع بحفظه فيكون ملاكا لتشريع الاحتياط مولويا. فليس الاحتياط مرغوبا للشارع تبعا لاهتمامه بالواقع ، بل مما ينبغي للمكلف تبعا لأهمية الواقع في حقه.

إن قلت : حكم العقل بحسن الانقياد ليس كأمر الشارع بالاحتياط ، لكشف الثاني عن أهمية الواقع.

قلت : هذا لا يستلزم كون حفظ الواقع ملاكا يهتم الشارع به ، ليستلزم المولوية ، وإنما يكشف عن أهمية الواقع في حق المكلف ، الموجب لتأكد حسن الانقياد به عقلا. نظير ما في بعض الأدلة الشرعية من بيان أهمية بعض التكاليف الموجبة لتأكد حكم العقل بإطاعتها من دون أن تقتضي الأمر المولوي بها.

وبعبارة اخرى : ظاهر الأمر بالاحتياط ـ سواء كان وجوبيا ، كما يقوله الاخباريون ، أم استحبابيا كما يقوله غيرهم ـ ليس إلا حكما طريقيا لإحراز الواقع كاشفا عن أهمية الواقع في حق المكلف ، من دون أن يقتضي حكما نفسيا في قباله موضوعا للإطاعة والمعصية ومنشأ للعقاب والثواب.

غايته أنه إن كان وجوبيا كان مستلزما لتنجز الواقع ، وصار الواقع به موضوعا لوجوب الإطاعة عقلا ، وإن كان استحبابيا كان إرشادا لحكم العقل

١٣٧

بحسن الانقياد بتحصيل الواقع رجاء.

ومنه يظهر الحال في ما تضمن الأمر بالاحتياط من دون تعليل ، فإن المنسبق من الأمر بالاحتياط ليس إلا الحكم الطريقي بالوجه المذكور.

وأما القسم الثاني من الأخبار : فقد ذكروا أنه ظاهر في المولوية ، لأن الملاك المذكور فيه لا دخل له بملاك الواقع المحتمل ، ليكون إرشادا إلى حسن الانقياد بتحصيله.

لكن الإنصاف : أن الملاك المذكور مناسب للإرشاد جدا. فإن البعد عن الحرام مما يحسن عقلا احتياطا للنفس بملاك حسن الطاعة. ومعه يشكل ظهور الأوامر المذكورة في المولوية الراجعة إلى ابتناء خطاب الشارع على جعل السبيل وإضافة الفعل له وحسابه عليه ليكون موضوعا للطاعة والمعصية ومنشأ للثواب زائدا على الفائدة المذكورة ، بل لا يبعد كونه نظير أمر الطبيب.

ومن ثمّ لا يبعد حمل كثير من النصوص المتعرضة لآثار بعض الأفعال المرغوب فيها أو عنها على الإرشاد للآثار المذكورة ، من دون أن تقتضي الاستحباب أو الكراهة المولويين.

إلا أن يفرض ظهورها في تبني الشارع للحكم ، فيكون الأثر المذكور ملاكا للحكم الشرعي ومنشأ لتشريعه ، ولا تكون مسوقة لمحض الإرشاد. وإن كان الأمر لا يخلو عن إشكال.

هذا كله بناء على شمول النصوص المتقدمة للاحتياط في موارد عدم تنجز التكليف ، كما يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه وغيره ، لكنه خلاف الظاهر ، لما تقدم عند الكلام في استدلال الأخباريين بها من أن القسم الأول من النصوص ظاهر في وجوب الاحتياط في خصوص موارد منجزية الشبهة ، وليس شاملا لصورة عدم تنجز التكليف ، ليحمل على استحباب الاحتياط ، ولا سيما بملاحظة التعليل فيه باحتمال الهلكة فإنه آب عن الحمل على الاستحباب.

١٣٨

وأما ما يظهر من شيخنا الأعظم قدّس سرّه من حمل الهلكة فيه على مطلق ما يترتب على الاقتحام في الشبهة ومخالفة احتمال التكليف وإن لم يكن لازم الدفع عقلا ، فإن كان التكليف منجزا كان هو ضرر العقاب اللازم الدفع ، وإن لم يكن منجزا كان هو ضرر فوت الواقع الذي يحسن دفعه ولا يلزم.

فهو خلاف الظاهر جدا ، لظهور الهلكة في أهمية الضرر بنحو يجب دفعه ـ كالعقاب ـ دون ما لا يجب دفعه كفوت الملاك الواقعي ، الذي قد يكون عرفا من سنخ فوت النفع ، لا الوقوع في الضرر ، فضلا عن أن يكون وقوعا في الهلكة ، ليكون مشمولا للتعليل المذكور.

نعم ، تقدم في موثقة مسعدة بن زياد تطبيق التعليل المذكور على النكاح في مورد الشبهة الموضوعية التي لا يجب فيها الاحتياط. لكنها مختصة بموردها ، ولا مجال للتعدي عنه ، كما يظهر مما ذكرنا هنا وهناك.

وأما القسم الثاني فالتعليل فيه وإن كان لا ينافي الاستحباب ، إلا أن ظاهر الشبهة فيه خصوص موارد تنجيز الاحتمال ، ولا أقل من كون المتيقن منه ذلك.

وكذا ما تضمن الأمر بالاحتياط ونحوه ، كما يظهر بما تقدم في استدلال الاخباريين بالنصوص المذكورة. فراجع.

بل شمول نصوص الاحتياط للشبهة غير المنجزة لا يناسب أدلة الاصول والقواعد الترخيصية ، بل أدلة الحجج من اليد والسوق ونحوهما ، لظهورها في الحث على العمل بمؤداها بالنحو الذي لا يناسب نصوص الاحتياط ، ولا سيما ما تضمن منها إطلاق الهلكة. بل التأمل في الأدلة المذكورة شاهد بمباينتها موردا لأخبار الاحتياط ، بل هي رافعة لموضوعها عرفا ، لاختصاصها بالشبهات المنجزة ، كما ذكرنا.

وقد تحصل من جميع ما ذكرنا : أنه لا طريق لإثبات حسن الاحتياط شرعا ، وليس حسنه إلا عقليا. ويأتي في الأمر الثالث ما ينفع في المقام إن شاء الله تعالى.

١٣٩

الأمر الثالث : قد تضمنت كثير من النصوص الحث على العمل الذي ورد عليه الثواب. كصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد الله عليه السّلام ، قال : «من بلغه عن النبي صلّى الله عليه وآله من الثواب فعمله كان أجر ذلك له وإن كان رسول الله صلّى الله عليه وآله لم يقله» (١) ، وصحيحه الآخر عنه عليه السّلام ، قال : «من سمع شيئا من الثواب على شيء فصنعه كان له وإن لم يكن على ما بلغه» (٢) ، وخبر محمد بن مروان عنه عليه السّلام ، قال : «من بلغه عن النبي صلّى الله عليه وآله شيء من الثواب ففعل ذلك طلب قول النبي صلّى الله عليه وآله كان له ذلك الثواب وإن كان النبي صلّى الله عليه وآله لم يقله» (٣) وغيرها.

وقد وقع الخلاف في مفاد النصوص المذكورة ، والمحتمل منها بدوا وجوه ..

الأول : حجية الخبر الدال على الثواب مطلقا وإن كان ضعيفا في نفسه. وهو ظاهر التعبير عن مؤدى النصوص في كلماتهم بالتسامح في أدلة السنن لظهوره في أن ما ليس حجة في نفسه فهو حجة في السنن.

الثاني : علّية بلوغ الثواب على العمل لاستحبابه شرعا بعنوانه الأولي الذي اخذ في موضوع الثواب.

الثالث : عليته لاستصحاب العمل شرعا أيضا ، لكن بقيد الاتيان به رجاء إدراك الواقع وترتب الثواب ، لا مطلقا ، كما في الوجه السابق.

الرابع : مجرد ترتب الثواب على العمل الذي ورد عليه الثواب لمن جاء به برجاء إدراك الواقع من دون أن يقتضي استحبابه شرعا والأمر به مولويا ، بل غاية ما يقتضي الحث على الانقياد والإرشاد لحسنه بملاك ترتب الثواب عليه. وعليه فلا تكون النصوص المذكورة دالة على حكم شرعي أصلا ، بخلاف الوجوه

__________________

(١) الوسائل ج ١ ، باب : ٨ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ٣.

(٢) الوسائل ج ١ ، باب : ١٨ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ٦.

(٣) الوسائل ج ١ ، باب : ١٨ من أبواب مقدمة العبادات ، حديث ٤.

١٤٠