أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق

محمد علي صالح المعلّم

أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق

المؤلف:

محمد علي صالح المعلّم


المحقق: محمد علي صالح المعلّم
الموضوع : رجال الحديث
الناشر: المؤلّف
المطبعة: نمونه
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٠٦
  نسخة غير مصححة

ويجاب عنه : ان هذه الرواية وإن لم تكن مسندة إلى المعصوم ، الّا أنّ مضمونها وارد في الروايات السابقة عليها في نفس الباب ، وهشام إنما نقل مضمون قول المعصوم عليه‌السلام ، فأصل الكلام وارد عن المعصوم ، وليس من كلام هشام .. نعم أضاف هشام فروعا للمسألة.

والمؤكد لذلك أن هشاما روى نفس المضمون في رواية صحيحة (١) ، فيكون أصل الكلام من المعصوم عليه‌السلام ، مضافا إلى أن هشام قد أمر بالكلام من قبلهم عليهم‌السلام ، كما ورد في مناظرته مع عمرو بن عبيد في القضية المشهورة في البصرة ، وغيرها من المناظرات.

ويمكن ان تكون عناية الكليني بنقله هذا المضمون عن هشام لأن هشاما ممن رمي بالقول بالتجسيم ، فنقل هذا المضمون عنه لدفع هذه الشبهة وتبرئة ساحته ، كما أشار اليه في البحار عن السيد المرتضى قدس‌سره (٢).

المورد الثاني : ما رواه عن أبي أيوب النحوي وفي طريق آخر : عن النضر بن سويد انه قال : بعث إليّ أبو جعفر المنصور في جوف الليل ، فأتيته ودخلت عليه وهو جالس على كرسي ، وعليه شمعة ، وفي يده كتاب ... (٣) الخ ، فهذه القضية التأريخية لم يروها عن المعصوم ، فكيف نقلها الكليني قدس‌سره في الكافي؟

ويجاب بأنه ذكر في آخر الرواية أنّه أوصى إلى خمسة ، وأحدهم أبو جعفر المنصور ... ولا شك ان هذا القول رواية عن المعصوم عليه‌السلام ، وان كان صدر الرواية لم يسند إليه عليه‌السلام ، فكيف يقال بأنها ليست رواية عن المعصوم عليه‌السلام؟

المورد الثالث : ما أورده عن أسيد بن صفوان صاحب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

__________________

(١) البحار ج ٤ ص ٥٤ ح ٣٤.

(٢) البحار ج ٣ ص ٢٥٤.

(٣) الكافي ج ١ ص ٣١٠ ح ١٣.

٤١

لما كان اليوم الذي قبض فيه امير المؤمنين عليه‌السلام ارتجّ الموضع بالبكاء ... (١) الخ.

وهذا كما ترى ، ليس مسندا الى المعصوم.

والجواب أن هذا من حديث الخضر عليه‌السلام ، لوجوده في بعض الروايات ، فإن الشيخ الصدوق قدس‌سره والعلامة المجلسي قدس‌سره نقلا هذه الرواية ، وقال المجلسي : أوردت الخبر لأنه كلام الخضر عليه‌السلام ، ولذلك جعل كلامه عليه‌السلام إحدى الزيارات التي يزار بها أمير المؤمنين عليه‌السلام ، فيدخل تحت عنوان الآثار الصحيحة عن الصادقين عليهم‌السلام.

المورد الرابع : ما أورده عن ادريس بن عبد الله الاودي (الأزدي) قال : لما قتل الحسين عليه‌السلام ... (٢) الخ ، وهى تتضمن قضية فضة واستجازتها من زينب عليها‌السلام وتوجهها نحو الأسد ، واعلامها له بعزم القوم على رضّ جسد الحسين عليه‌السلام بالخيل ... الخ ، فهذه الرواية لم تسند الى المعصوم.

والجواب أنّ هذه الرواية تتضمن نقل معجزة ظهرت من جسد الحسين عليه‌السلام ونقل المعجزة رواية ، لأن الرواية تشمل قول المعصوم وفعله وتقريره ، فالمورد داخل في الرواية.

المورد الخامس : ما أورده عن الفضيل ، قال : صنائع المعروف وحسن البشر يكسبان المحبة ، ويدخلان الجنة ، والبخل وعبوس الوجه ، يبعدان من الله ويدخلان النار (٣) ، والرواية لا تنتهي الى المعصوم.

والجواب أنّ ذلك هو الظاهر ، ولكن الواقع أن الرواية مضمرة ، لاشتمالها على الاخبار عن الجنة والنار وليس للفضيل حق الاخبار عنهما ، ولهذا قال

__________________

(١) الكافي ج ١ ح ٤ ص ٤٥٤ باب مولد أمير المؤمنين ط الاخوندي.

(٢) الكافي ج ١ ح ٨ ص ٤٦٥ باب مولد الحسين عليه‌السلام.

(٣) الكافي ج ٢ باب حسن البشر ح ٥ ص ١٠٣ ط الاخوندي.

٤٢

العلامة المجلسي رحمه‌الله في مرآة العقول : إنّ الضمير في «قال» راجع إلى أحدهما (الباقر او الصادق) عليهما‌السلام كأنه سقط من النساخ أو الرواة (١).

أقول : وقد وجدنا في بعض نسخ الكافي قال : قال ، فكرر لفظ القول ، وهو صريح في المقصود ، وعليه فالرواية مضمرة ، وشاهدها ذيل الرواية.

المورد السادس : ما أورده عن أبي حمزة ، قال : المؤمن خلط عمله بالحلم ، يجلس ليعلم ، وينطق ليفهم ... الخ (٢) ، وهذه الرواية لا تنتهي إلى المعصوم.

والجواب أن الظاهر منها عود الضمير إلى أبي حمزة ، إلّا أنّ هذه الرواية ذكرها الكليني في باب المؤمن وعلاماته وصفاته ، وأوردها هكذا : «عن أبي حمزة ، عن علي بن الحسين عليهما‌السلام المؤمن يصمت ليسلم وينطق ليغنم (٣) ...» وصدر الروايتين مختلف إلا أن آخر كل منهما متفق بنفس الالفاظ ، فكلاهما رواية واحدة تنتهي إلى المعصوم.

المورد السابع : ما أورده عن اليمان بن عبيد الله ، قال : رأيت يحيى بن امّ الطويل ، وقف في الكناسة ، ثم نادى بأعلى صوته ... (٤) الخ ، وهي لا تنتهي إلى المعصوم عليه‌السلام.

والجواب : ان يحيى ، من خواص أصحاب الامام السجاد عليه‌السلام ، المخلصين في اعتقادهم وولائهم ، حتى عدّ من الحواريين ، ومن الذين لم يرجعوا عن الحق طرفة عين ، وهذا الكلام صدر منه في آخر لحظات حياته ، حينما اراد بنو أمية

__________________

(١) مرآة العقول ج ٨ ص ١٥٩ الطبعة الثانية.

(٢) الكافي ج ٢ باب الحلم ح ٢ ص ١١١.

(٣) الكافي ج ٢ ص ٢٣١ ح ٣.

(٤) الكافي ج ٢ ص ٣٧٩ ح ١٦ باب مجالسة اهل المعاصي.

٤٣

القضاء عليه ، ومضامين كلامه مستفاد من الأئمة عليهم‌السلام ، فمع منزلته عند الائمة عليهم‌السلام وصلابة إيمانه لا يصدر منه ما يخالفهم عليهم‌السلام ، واحتمال ان كلامه صادر عن نفسه ، بعيد جدا.

المورد الثامن : ما أورده عن اسحاق بن عمار قال : ليست التعزية الّا عند القبر (١) ، فليست الرواية مسندة إلى المعصوم.

والجواب : إن هذه الرواية منقولة عن أبي عبد الله عليه‌السلام في أول الباب ، والعجب من المستشكل كيف خفي عليه؟!

المورد التاسع : ما أورده عن يونس ، قال : كل زنا سفاح ، وليس كل سفاح زنا ... الخ (٢) ، وعن يونس أيضا قال : العلّة في وضع السهام على ستة ، لا أقل ولا أكثر ... الخ ، وعنه أيضا قال : إنما جعلت المواريث من ستة أسهم ... الخ (٣).

وقد عقد الكليني بابا مستقلا للحديث الاول ، وبابا آخر للحديثين الآخرين ، وهذه الروايات الثلاث غير مسندة إلى المعصوم.

والجواب : هذا هو الظاهر ، ولكنّ الروايات الثلاث تفسيرية ، ولم يقل الكليني إننا لا نفسر بغير قول المعصوم ، فلا يرد النقض بها ، وبامثالها عليه ، بل قد يستشهد بأشعار الجاهلية ، وأحيانا يورد تفسيرا من عنده ، فلا يبقى وجه للنقض عليه ، وفي الكافي موارد كثيرة ورد فيها تفسير للروايات والخطب.

ومما يشهد على ما ذكرنا ، ما عنون به الباب ، فقال : «باب تفسير ما يحلّ من النكاح وما يحرم ، والفرق بين النكاح والسفاح والزنا ، وهو من كلام يونس» فهل بمثل هذا ينقض على الكليني؟

__________________

(١) الكافي ج ٣ باب التعزية وما يجب على صاحب المصيبة ج ٣ ص ٢٠٤.

(٢) الكافي ج ٥ باب تفسير ما يحل من النكاح وما يحرم ج ١ ص ٥٧٠.

(٣) الكافي ج ٧ باب العلة في ان السهام لا تكون أكثر من ستة ج ١ ، ٢ ص ٨٢.

٤٤

المورد العاشر : ما أورده عن ابراهيم بن أبي البلاد ، قال : أخبرني العباس بن موسى ... الخ (١) ، وذكر في هذه الرواية رؤيا عن أبيه ، فهي ليست مسندة إلى المعصوم.

والجواب : أن هذه الرواية وردت في خاصية السعد ، وفائدته ، وانه مفيد لعلاج الاسنان ، ويحتمل أن يكون الشخص هو أبو شيبة الخراساني فيكون من أصحاب الباقر عليه‌السلام ، وقد نقل مضمون الرواية. وفي السعد روايات أخرى وردت بهذا المضمون ، كما يحتمل أيضا ان هذا غير داخل في كلام الكليني ، إذ الرواية لا توجب العمل فيمكن إخراجها من كلامه ، فلا تكون موردا للنقض.

المورد الحادي عشر : ما أورده عن أبي نعيم الطحان ، عن زيد بن ثابت ، قال من قضاء الجاهلية ان يورث الرجال دون النساء. وهو كلام عن غير المعصوم.

والجواب : إن هذا مجرد استشهاد ، كما مر في كلام يونس ، فهو ليس رواية ، وانما هو استشهاد بقول زيد على ما يفعله أهل الجاهلية ، والكليني في مقام تفسير العصبة ، وقد أورد هذا الباب لبيان الفرائض كلها ، كما أن الشيخ الطوسي قدس‌سره استشهد بهذا القول في باب الفرائض من كتاب التهذيب.

المورد الثاني عشر : ما أورده عن اسماعيل بن جعفر قال : اختصم رجلان الى داود عليه‌السلام في بقرة ... الخ (٢) والرواية غير مسندة إلى المعصوم.

والجواب : ان اسماعيل بن جعفر أسند ذلك إلى النبي داود ، فالرواية مرفوعة ، ومن المحتمل أنه نقل ذلك عن آبائه عليهم‌السلام ، فالرواية على كل تقدير تنتهي إلى داود عليه‌السلام ، فلا ينقض به على الكليني.

والحاصل ان هذه الموارد مسندة إلى المعصوم ، إلا موردين أو ثلاثة ، منها

__________________

(١) الكافي ج ٦ باب الاشنان والسعد ج ٥ ص ٣٧٩ ط الاخوندي.

(٢) الكافي ج ٧ باب النوادر ح ٢١ ص ٤٦٣.

٤٥

ما هو تفسير ، ومنها ما هو مضمون رواية نقلها الراوي ، فلا يمكن النقض بهذه الموارد على كلام الكليني ومع التنزيل والتسليم ، فهو يضرّ بالشهادة على أنها عن الصادقين عليهما‌السلام ، وأما بالنسبة الى الصحة فلا.

وأما ما ذكره المستشكل من القطع ببطلان رواية أبي بصير الواردة في تفسير قوله عزوجل «فإنّه (لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ ..)» وان الذكر هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأهل بيته هم المسؤولون وهم أهل الذكر (١) ، فقال قدس‌سره : لو كان المراد بالذكر في الآية المباركة هو رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فمن المخاطب؟ ومن المراد من الضمير في قوله تعالى لك ولقومك؟ وكيف يمكن الالتزام بصدور مثل هذا الكلام عن المعصوم عليه‌السلام فضلا عن دعوى القطع بصدوره (٢).

والجواب : إن هذه الرواية ذكرها صاحب مصابيح الانوار (٣) وعدها من الروايات المشكلة ، وقال في آخر كلامه : لعل هذه الرواية توهّم من الراوي فإن هذا التفسير وارد في بيان آية الذكر ، فالراوي توهم وذكره في هذه الرواية ، فذكر تفسير تلك الآية في ذيل هذه الآية (٤) ، وهذا أقوى الاحتمالات التي ذكرها في توجيه الرواية كما يظهر من مراجعة سائر الروايات الواردة في تفسيرها ، فالرواية قابلة للتوجيه ، وحملها على المعنى الصحيح ، مضافا إلى أنه لا يمكن للمستشكل على مبناه رد مثل هذه الرواية بعد كونها جامعة لشرائط الحجية وصحة السند فيلزمه توجيهها (٥).

__________________

(١) الكافي ج ١ باب أن اهل الذكر هم الأئمة عليهم‌السلام ج ٤ ص ٢١١.

(٢) معجم رجال الحديث ج ١ الطبعة الخامسة ص ٣٥.

(٣) مصابيح الانوار في حل مشكلات الاخبار ج ١ ص ٣٦٣ مطبعة الزهراء بغداد.

(٤) مصابيح الانوار في حل مشكلات الاخبار ج ١ ص ٣٦٤ مطبعة الزهراء بغداد.

(٥) ذكر الحر العاملي في فوائده الطوسية (الفائدة ٣٤) وجوها ستة لتوجيه الرواية ص ١٠٥ ، فراجع.

٤٦

والذي يسهل الخطب أنّ الرواية بعينها مذكورة في البحار (١) ، عن بصائر الدرجات ، مع وحدة السند وفيها : أن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله والائمة عليهم‌السلام ، هم أهل الذكر وهم المسؤولون ، ولم يرد فيها ان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الذكر ، فيعلم أن الزيادة وقعت في نسخة الكافي ، فلا إشكال في الرواية.

واما الشاهد الثاني وهو أن الكليني لم يكن يعتقد بصحة جميع روايات كتابه ، لما أورده من المرجحات لرواية على أخرى عند التعارض ، وقد اشار الكليني في المقدمة إلى أن معرفة الصحيح غير متيسرة ، وقال : نحن لا نعرف من جميع ذلك الا أقلة.

فالجواب : اولا : إن المرجحات التي ذكرها الكليني ثلاثة ، وهي : موافقة الكتاب ، ومخالفة العامة ، والشهرة ، والكليني قدس‌سره إنما ذكر ذلك جوابا لسؤال السائل عن اختلاف الروايات ، مشيرا الى قاعدة كلية تطبق في باب التعارض ، والترجيح ، ولم يصرح بأن هذه القاعدة جارية في روايات كتابه.

ثانيا : لو سلمنا أن قاعدة التعارض جارية في روايات الكافي ، فتارة نقول بأن رواياته مقطوعة الصدور ، وأخرى نقول بأنها مقطوعة الحجية ، فإن قلنا بالأول فللمناقشة مجال لأن من يقول بقطعية الصدور ، لا يناسبه ذكر المرجحات ، فإنّ من جملة المرجحات موافقة الكتاب ، لما ورد من أنّ ما خالف الكتاب فهو زخرف ، أو لم نقله ، وهو ظاهر في أن ما خالف الكتاب لم يصدر عنهم قطعا ، وهذا بخلاف المرجحين الآخرين ، فان الظاهر منهما حجية إحدى الروايتين دون الاخرى ، لما ورد عنهم من أن ما خالف القوم فيه الرشد ، وان المجمع عليه مما لا ريب فيه ، ولا يقتضي ذلك عدم صدور الاخرى عنهم عليهم‌السلام ،

__________________

(١) البحار ج ٣٦ : ص ١٥٤.

٤٧

فيمكن أن يكون مراد الكليني أن المرجح الاول غير موجود في كتابه ، وأما المرجحان الآخران فيمكن وجودهما ، وهما غير منافيين لقطعية صدور رواياته عنهم عليهم‌السلام ، فذكر هذه المرجحات فى آخر كلامه ليس دليلا على أن ما رواه في الكتاب غير قطعي الصدور.

وإن قلنا بالثاني كما هو الظاهر من كلامه ، حيث قال بالآثار الصحيحة ، فذكره للمرجحات لا ينافي حجية الروايات واعتبارها ، لأن الكلام حول المرجحات بعد فرض اثبات حجيتها ، والا لم يقع التعارض بينها ، فلا تصل النوبة إلى المرجحات.

وأما الشاهد الثالث : هو قول الصدوق في جواب من سأله أن يؤلف له كتابا سمّاه من لا يحضره الفقيه ، فلو كان الصدوق يعتقد بصحة جميع روايات الكافي لأرشد السائل إليه ، مضافا إلى انه ذكر رواية في كتابه وقال : ما رأيتها إلا في الكافي اشعارا بعدم صحتها (١).

فالجواب : ان السائل سأل الصدوق كتابا خاليا من الروايات المتعارضة ، والكافي ليس كذلك ، ولذا لم يذكر الصدوق في كتابه الروايات المتعارضة ، مضافا إلى أن الكافي مشتمل على روايات الاصول دون من لا يحضره الفقيه. فتصنيف الصدوق لكتابه لا دلالة فيه على عدم صحة الكافي عنده.

وأما بالنسبة إلى المورد المشار إليه فجوابه : أن الصدوق قال : ما وجدت هذا الحديث إلا في كتاب محمد بن يعقوب ، ولا رويته إلا من طريقه ، وانما ذكر ذلك مراعاة لأمانة النقل ، لانه صرح في أول كتابه بأن له طرقا متعددة إلى رواياته ، وحيث أن هذه الرواية ليس لها الا طريق واحد ، نبّه على ذلك ، فكلامه

__________________

(١) معجم رجال الحديث الطبعة الخامسة ص ٢٦.

٤٨

لا إشعار فيه بضعف الرواية ، هذا من جهة.

ومن جهة اخرى أن ذكر الصدوق لهذه الرواية والاستدلال بها لاثبات الحكم الشرعي مع ما قدمه في الكتاب دليل على اعتبارها وحجيتها عنده ، فقد ذكر في اول كتابه ان كل ما يورده من الروايات حجة بينه وبين الله ، ومنه يستظهر أنّ هذه الرواية معتبرة عنده.

وأما الشاهد الرابع : وهو ما ذكره عن الشيخ الطوسي قدس‌سره من عدم اعتقاده بصحة جميع روايات الكافي لمناقشته بعض رواياته في كتابي التهذيب والاستبصار ووصفه بعض الرواة بالضعف (١).

فالجواب : ان ذلك وإن صح عن الشيخ ، الا أنه لا دلالة فيه على المدعى ، وذلك :

أولا : إن مناقشة الشيخ إنما جاءت في الروايات المتعارضة دون غيرها.

ثانيا : إن النقاش مبنائي ، لأن الشيخ الكليني يذهب إلى التخيير في مقام التعارض ، بخلاف الشيخ ، فإنه يقول بالترجيح دون التخيير ، مع اختلاف بينهما في المرجحات إذ أن الكليني يكتفي بالثلاثة دون الشيخ فإنه يتعدى إلى غيرها كالترجيح بصفات الراوي.

ثالثا : إن الشيخ يستدلّ في بعض الموارد ببعض روايات الكافي مع أنها بحسب الظاهر قابلة للنقاش ، فيستفاد منه عكس ما ذهب إليه المستشكل ، مضافا إلى أن الشيخ لم يناقش إلّا في أربعة موارد من الكافي ، كلها في حال التعارض.

والنتيجة أن كل ما اورد على الكافي من جهة المقتضي مدفوع ، وعبارة الكليني ظاهرة ، وهي كالصريحة في : أن روايات كتابه صحيحة.

__________________

(١) معجم رجال الحديث الطبعة الخامسة ص ٢٨.

٤٩

واما عن الاشكال من جهة وجود المانع فنقول :

حاصل الاشكال هو أن إخبار الكليني بصحة رواياته لا يخلو من أحد أمرين ، إما من جهة واجديتها لشرائط الحجية ، وإما من جهة وجود القرائن التي تدل على الصحة ، والأول معلوم العدم ، والثاني غير مفيد لأنّه حدس فلا حجية فيه بالنسبة إلينا ، لعدم معرفتنا بتلك القرائن.

ونجيب اننا يمكن أن نختار الأمر الأول ونقول : إن الروايات الموجودة في الكتاب وإن لم يكن بعضها واجدا لشرائط الحجية لارسالها ، أو لضعف في الراوي ، أو لكونه مجهولا ، إلا أن الكليني أخذها من الكتب والاصول المشهورة المعتمد عليها غير المحتاجة إلى النظر في سندها ، بل إن بعضها عرض على الامام عليه‌السلام وصححها ، ككتاب يونس ، وكتاب الحلبي ، وغيرهما ، وله طرق كثيرة إليها ، وذكره لطريق واحد فقط من باب التيمن ، ولاخراجها عن حد الارسال ، فلم يكن نظره إلى كيفية السند ، وذكره لبعضها دون الأقوى منها سندا لجهات مثل قلة الواسطة ، وعلو السند وغيرهما.

ويشهد على ذلك امور :

الأول : أن الذي يظهر عند ملاحظة الكتاب ، أنه قد يذكر طرقا متعددة إلى شخص في مورد ويذكر بعضها في مورد آخر ، مثلا ينقل عن معاوية بن عمار في كتاب الحج ما يزيد على مائة وخمسين موردا ، وفي هذه الموارد قد ينقل عنه بلا واسطة كما في الجزء الرابع باب الاستراحة في السعي وفي باب جلود الهدي ، وقد يذكر طريقه إليه ، ففي أكثر الموارد يقول : علي بن ابراهيم ، عن أبيه ، ومحمد بن إسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن ابن أبي عمير وصفوان بن يحيى ، عن معاوية بن عمار.

وفي بعضها يقول : علي بن ابراهيم ، عن أبيه ، عن ابن ابي عمير ، عن

٥٠

معاوية (١).

وفي بعضها يقول : علي بن ابراهيم ، عن أبيه ، عن صفوان بن يحيى ، عن معاوية (٢).

وفي بعضها يقول : ابن أبي عمير ، عن معاوية (٣).

وفي بعضها يقول : عنه ، عن معاوية (٤).

وفي بعضها يفصّل ويقول : علي بن ابراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، ومحمد بن اسماعيل ، عن الفضل بن شاذان ، عن صفوان بن يحيى وابن أبى عمير ، وعدّة من أصحابنا عن أحمد بن محمد ، عن الحسين بن سعيد ، عن فضالة بن أيوب ، وحماد بن عيسى جميعا ، عن معاوية (٥).

وطرقه في غير كتاب الحج إلى معاوية اكثر من ذلك.

والحاصل أنه لا تنافي بين اختصاره وتفصيله في الطرق ، ولا فرق بين الطريق المفصل والمختصر ، فإن طرقه إلى نفس الكتاب معروفة وكثيرة ، وكتاب الحج لمعاوية بن عمار قد رواه جمع من أصحابه الثقاة ، كابن أبي عمير ، وصفوان بن يحيى ، وفضالة بن أيوب ، وحماد بن عيسى ومحمد بن مسكين ، وغيرهم ، وروى عنهم الثقاة كابراهيم بن هاشم ، والفضل بن شاذان ، والحسين ابن سعيد ، ويعقوب بن يزيد ، وموسى بن القاسم ، ومحمد بن الحسين بن أبي الخطاب ، وغيرهم ، كما يظهر من النجاشي ، إلى أن وصل الى المشايخ الثلاثة ،

__________________

(١) الكافي ج ٤ ص ٤٨٤ ـ ٤٨٥ ـ ٤٨٨ ـ ٤٩٠ ـ ٤٩٧ ـ ٥٠٢ ـ ٥١٣ ـ ٥١٨ ـ ٥٢٦ ـ ٥٦٣ وغيرها.

(٢) الكافي ج ٤ ص ٥٣٧.

(٣) ن. ص ص ٢٩٥ ، ص ٥٥٥.

(٤) ن. ص ص ٤٣٧ و ٤٩٧.

(٥) الكافى ج ٤ ص ٤٣٨.

٥١

ولذلك تراهم يختلفون في ذكر مشايخ اجازات نقل احاديث كتابه ، وكان موجودا عند البرقي ونقل عنه في محاسنه بعدة طرق.

الثاني : أنّا عثرنا (١) على طريق آخر بواسطة طريق الشيخ ولم يذكره الكليني في كتابه ، وذلك في الروايات الكثيرة التي نقلها عن محمد بن اسماعيل ، فإنّ الشيخ قدس‌سره ذكر طريقين إلى هذه الروايات عن الكليني ، مع أنه لم يذكر إلّا طريقا واحدا فيعلم منه أنّ للكليني طرقا متعددة لرواياته في الكتاب ، ومما يؤيد ذلك ، ما أورده العلامة المجلسي في كتابه الأربعين ، حيث قال في شرح الحديث الخامس والثلاثين ، الثالث : ان الظاهر ان هذا الخبر مأخوذ من كتاب ابن أبي عمير كما لا يخفى على من له أدنى تتبع ، وكتب ابن أبي عمير كانت أشهر عند المحدّثين من أصولنا الأربعة عندنا ، بل كانت الاصول المثبة الاربعمائة عندهم أظهر من الشمس في رابعة النهار ، فكما لا نحتاج إلى سند لهذه الاصول الاربعة ، وإذا وردنا سندا فليس الا للتيمن والتبرك ، والاقتداء بسنة السلف ، وربما لم نبال بذكر سند فيه ضعف ، أو جهالة لذلك ، فكذا هؤلاء الاكابر من المؤلفين لذلك كانوا يكتفون بذكر سند واحد إلى الكتب المشهورة ، وإن كان فيه ضعيف ، أو مجهول ، وهذا باب واسع شاف نافع ، إن أتيتها يظهر لك صحة كثير من الاخبار التي وصفها القوم بالضعف ، ولنا على ذلك شواهد كثيرة لا يظهر على غيرنا الا بممارسة الاخبار ، وتتبع سيرة قدماء علمائنا الاخيار ، ولنذكر هنا بعض تلك الشواهد ينتفع بها من لم يسلك مسلك المتعسف المعاند :

الاول : ـ إنك ترى أن الكليني قدس‌سره يذكر سندا متصلا إلى ابن محبوب ، أو

__________________

(١) قد ذكرنا تفصيل ذلك في معجم رجال الحديث في الطبعة الخامسة الحديثة ١٤١٣ ه‍ المصححة مع الاستجازة من السيد الاستاذ قدس‌سره وتأييده لصحة هذه الروايات لهذا الوجه ، فراجع.

٥٢

ابن أبي عمير ، أو إلى غيره ، من أصحاب الكتب المشهورة ، ثم يبتدي بابن محبوب مثلا ويترك ما تقدمه من السند ، وليس ذلك إلا لأنّه أخذ الخبر من كتابه ، فيكتفي بإيراد السند مرة واحدة ، فيظن من لا دراية له أن الخبر مرسل.

الثاني : ـ إنك ترى الكليني ، والشيخ ، وغيرهما يروون خبرا واحدا في موضعين ويذكرون سندا إلى صاحب الكتاب ، ثم يوردون هذا الخبر بعينه في موضع آخر بسند آخر إلى صاحب الكتاب ، أو يضم سندا أو أسانيد غيره إليه ، وتراهم لهم اسانيد صحاح في خبر يذكرونها في موضع ، ثم يكتفون بذكر سند ضعيف في موضع آخر ، ولم يكن ذلك ، إلّا لعدم اعتنائهم بإيراد تلك الاسانيد ، لاشتهار هذه الكتب عندهم.

الثالث : ـ انك ترى الصدوق قدس‌سره مع كونه متأخرا عن الكليني رحمه‌الله أخذ الاخبار في الفقيه عن الاصول المعتمدة ...

الرابع : ـ انك ترى الشيخ قدس‌سره إذا اضطر في الجمع بين الاخبار إلى القدح في سند لا يقدح في من هو قبل صاحب الكتاب من مشايخ الإجازة ، بل يقدح إمّا في صاحب الكتاب أو في من بعده من الرواة كعلي بن حديد وأضرابه ، مع أنه في الرجال ضعف جماعة ممن يقعون في أوائل الأسانيد ... إلى آخر كلامه رفع الله مقامه (١).

والتحقيق ان هذا الاحتمال وإن كان قريبا جدا إلا انّا نرى أن للشيخ طرقا أخرى صحيحة إلى بعض هذه الروايات ، فكيف لا تكون للكليني قدس‌سره؟ مع كونه أقدم زمانا ، وأكثر اشتغالا بهذا الأمر ، وأكثر شيوخا ، وكذا الصدوق يدّعي بأن روايات كتابه مأخوذة من اصول وكتب معروفة ومشهورة ، وهكذا يظهر من

__________________

(١) كتاب الأربعين ـ المطبعة العلمية قم ص ٥٠٩.

٥٣

الشيخ والنجاشي ، كما سيأتي إن شاء الله مفصلا بأن هناك كتبا وأصولا كثيرة مشهورة في زمانهم ، فكيف يخفى مثل هذا على الكليني قدس‌سره؟ إلا أن حصول الجزم واليقين بثبوت ذلك في جميع روايات الكافي مشكل ، نعم يمكن الجزم به في مقامين.

الاول : من علم من جهة الصدوق ، أو النجاشي ، أو الشيخ ، أنّ كتبهم معروفة مشهورة ، وأن الكليني نقلها عن تلك الكتب ، فلا إشكال في الحكم بصحة الخبر وإن أورده مرسلا أو بطريق غير معتبر.

الثاني : ما أحرزناه من وجود طرق أخرى للكليني ، كما في روايات محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان.

هذا بناء على اختيار الامر الاول.

ويمكننا اختيار الامر الثاني وهو أن حكم الكليني بصحة الروايات من جهة وجود القرائن فنقول : إنّ هذا يرجع إلى الحسّ ، دون الحدس ، وذلك لأن القرائن إذا كانت شخصية غير مضبوطة ، وليست معلومة عندنا ، وعند الآخرين ، فالإشكال وارد ، وأما إذا كانت مضبوطة ، معلومة ، محصورة ، قابلة للتطبيق على الرواية ، فالإخبار بالتطبيق وعدمه يكون حينئذ أمرا حسيا ، والمقام من هذا القبيل.

ولإيضاح الأمر لا بد من إيراد كلام الشيخ رحمه‌الله في العدة والاستبصار.

قال في العدة : أما ما اخترته (في الخبر الواحد) فهو أن الخبر الواحد إذا كان واردا من طريق اصحابنا القائلين بالامامة ، وكان مرويّا عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله أو أحد من الأئمة عليهم‌السلام ، وكان ممن لا يطعن في روايته ، ويكون سديدا في نقله ، ولم تكن هناك قرينة تدلّ على صحّة ما تضمنه الخبر ، لأنّه إن كان هناك قرينة تدلّ على صحة ذلك ، كان الاعتبار بالقرينة وكان موجبا للعلم ـ ونحن نذكر القرائن فيما

٥٤

بعد ـ والذي يدلّ على ذلك ، إجماع الفرقة المحقة ، فإني وجدتها مجتمعة على العمل بهذه الاخبار التي رووها في تصانيفهم ، ودوّنوها في أصولهم ، لا يتناكرون ذلك ، ولا يتدافعونه ، حتى أن واحدا منهم إذا أفتى بشيء لا يعرفونه سألوه : من أين قلت هذا؟ فإذا أحالهم على كتاب معروف ، أو أصل مشهور ، وكان راويه ثقة لا ينكرون حديثه سكتوا وسلموا الأمر في ذلك ، وقبلوا قوله ، وهذه عادتهم ... والقرائن التي تدل على صحة متضمن الأخبار التي لا توجب العلم أشياء أربعة.

الاول منها ان تكون موافقة لادلة العقل وما اقتضاه ، لأن الاشياء في العقل إذا كانت إما على الحظر أو الاباحة على مذهب قوم أو الوقف على ما نذهب إليه ، فمتى ورد الخبر متضمنا للحظر او الإباحة ، ولا يكون هناك ما يدل على العمل بخلافه ، وجب ان يكون ذلك دليلا على صحة متضمنه عند من اختار ذلك. وأما على مذهبنا الذي نختاره في الوقف ، فمتى ورد الخبر موافقا لذلك ، وتضمن وجوب التوقف ، كان ذلك دليلا أيضا على صحة متضمنه إلا أن يدل دليل على العمل بأحدهما ...

ومنها : ان يكون الخبر مطابقا لنص الكتاب ، إما خصوصه ، أو عمومه ، أو دليله ، أو فحواه ، فإن جميع ذلك دليل على صحة متضمنه إلا ان يدل دليل يوجب العلم يقترن بذلك الخبر يدل على جواز تخصيص العموم به ، أو ترك دليل الخطاب ، فيجب المصير إليه ...

ومنها : ان يكون الخبر موافقا للسنة المقطوع بها من جهة التواتر ...

ومنها : ان يكون موافقا لما اجتمعت الفرقة المحقّة عليه ، فإنه متى كان كذلك دلّ أيضا على صحة متضمنه ... ـ فهذه القرائن كلها تدلّ على صحة متضمن أخبار الآحاد ولا يدلّ على صحتها انفسها ... وأما القرائن التى تدل على

٥٥

العمل بخلاف ما يتضمّنه الخبر الواحد ... (١) الخ.

والظاهر أن القرينة الأولى إما ليست موجودة خارجا ، أو قليلة الوجود.

فالخبر المتضمن للتوقف نادر جدا.

فالمهم هي الثلاثة الباقية ، ولذلك قال في موضع آخر : إن قيل ما أنكرتم ان يكون الذين أشرتم إليهم لم يعملوا بهذه الاخبار بمجردها ، بل إنما عملوا بها لقرائن اقترنت بها دلتهم على صحتها ، لاجلها عملوا بها ولو تجردت لما عملوا بها ، وإذا جاز ذلك ، لم يكن الاعتماد على عملهم بها؟

قيل له : القرائن التي تقترن بالخبر ، وتدل على صحته أشياء مخصوصة ، نذكرها فيما بعد من الكتاب ، والسنة ، والاجماع ، والتواتر (٢).

وقال في الاستبصار : (اعلم ان الاخبار على ضربين متواتر وغير متواتر ... وما ليس بمتواتر على ضربين ، فضرب منه يوجب العلم أيضا ، وهو كل خبر تقترن إليه قرينة توجب العلم وما يجري هذا المجرى يجب ايضا العمل به ، وهو لاحق بالقسم الاول ، والقرائن أشياء كثيرة ، منها ان تكون مطابقة لأدلة العقل ومقتضاه ، ومنها أن تكون مطابقة لظاهر القرآن ... ومنها ان تكون مطابقة للسنة المقطوع بها ... ومنها ان تكون مطابقة لما أجمع المسلمون عليه ، ومنها ان تكون مطابقة لما اجمعت عليه الفرقة المحقة ، فإن جميع هذه القرائن تخرج الخبر من حيّز الآحاد وتدخله في باب المعلوم وتوجب العمل به ..) (٣) فهنا جعلها خمسا بزيادة اجماع المسلمين.

والذي يظهر من كلامه قدس‌سره في الكتابين ، أن القرائن عندهم لم تتجاوز هذا

__________________

(١) عدة الاصول الطبعة الاولى المحقّقة ص ٣٢٦ ، ٣٦٧.

(٢) عدّة الاصول الطبعة الاولى المحققة ص ٣٥٢.

(٣) الاستبصار ج ١ ص ٣ طبعة الاخوندي.

٥٦

المقدار ، وهو أمر واضح لا يقبل النقاش.

فتحصّل أن ما صححه الكليني معتمدا على القرائن ، ـ ومراده هذه القرائن الخمس ، واعتماده عليها ـ عن حس ، لا عن حدس ، وذلك :

اما القرينة الاولى : وهي مطابقة الرواية للعقل ، إما لاصالة الحظر ، او الاباحة ، وإما لاصالة الوقف كما هو مختار الشيخ ، فالظاهر انها ليست مورد الاعتماد في الروايات ، أما أصالة الوقف فالروايات المتضمنة لها نادرة ، وأما أصالة الإباحة أو الحظر فلا بد من استظهار ذلك من كلماتهم ، والا فالاعتماد عليه ليس معروفا عنهم ، فإن المعتمد من القرائن عادة بل غالبا هي القرائن الثلاث ، وهي موافقة الكتاب ، والسنة ، والاجماع. أما موافقة الرواية للكتاب فهي على أنحاء فتارة تطابق نص الكتاب ، وأخرى عموم الكتاب ، وثالثة خصوصه ، ورابعة دليله ، وخامسة فحواه ، وهكذا مطابقة الرواية للسنة المقطوع بها أو الاجماع.

اما تحصيل الاجماع ، فهو عن حسّ ، ومطابقة الرواية له أيضا أمر حسي ، لا حدسي ، وأما موافقة الرواية للكتاب ، والسنة ، من خصوصهما أو عمومهما ، فهي حسية بلا إشكال ، وأما المطابقة لدليل الكتاب والسنّة ، وفحواها ، فقد يقال إن معرفة فحوى الكتاب ، او دليله حدسية ، للحدس والاجتهاد في فهمها. إلا أن الكلام ليس في معرفتهما ، بل في مطابقة الرواية لهما بعد فرض ثبوت الدليل ، والفحوى.

ومن المعلوم أن عملية التطبيق حسية ، وتصحيح الشيخ الكليني للرواية من جهة مطابقتها لفحوى الكتاب أو دليله الثابتين عند جميع الاصحاب مستند إلى الحس كما لا يخفى نعم أصل الصغرى أي الفحوى ، والدليل حدسي ، واجتهادي ، وكذلك دليل العقل ، وبهما يناقش في ثبوت الاجماع ، ومن ذلك

٥٧

يمكن القول بأن هذه القرينة تعتمد على الحدس.

والحاصل ان هذه القرائن التي ذكرت لتصحيح الروايات مضبوطة ، ومعروفة هذا أولا.

ثانيا : ان موافقة القرائن للرواية ومطابقتها لها عن حسّ لا عن حدس.

ثالثا : سلمنا أن في فحوى الكتاب أو الدليل أو العقل أو الاجماع إشكالا إلا أنّ تحصيل القرائن والتمييز بينها ممكن ـ ، إن كانت موجودة عند القدماء كالكليني ، والطوسي ، وغيرهما عند الرجوع الى كلماتهم ـ أو بمراجعة الجوامع الفقهية ، وكتب اخرى ، كالخلاف ، وغيره ، فلو كان هناك فحوى ، أو دليل ، أو عقل ، أو إجماع ، لذكروه في ضمن الاستدلال على الحكم ، فاذا لم تتم هذه القرائن عندنا ، ولم تتوفر شرائط الحجية في الخبر المطابق من جهة أخرى ، لم يحكم بصحته ، فشهادة الكليني بصحة ما في الكافي اعتمادا على هذه القرائن شهادة حسية ، يجوز الاتكال عليها.

إن قلت : لعلّ اعتماد الكليني على ما أورده في الكافي ، مبني على كون الراوي إماميا ، لا من جهة كونه ثقة اجتمعت في روايته القرائن المذكورة ، فشهادته حينئذ غير معتبرة.

قلت : سيأتي ـ مفصلا ـ بيان دفع الاشكال وقد تقدم في كلام الشيخ أن المعتبر عند القدماء تصحيح الرواية استنادا إلى وثاقة الراوي ، لا لمجرد كونه إماميا.

فإن كان مراد الكليني من تصحيح الروايات اعتمادا على القرائن المشار إليها ـ فشهادته بمطابقة الروايات لتلك القرائن عن حس ، فيجوز الاعتماد عليها الا إذا لم تثبت القرينة عندنا ، كما ثبتت له ، وهذا أمر آخر.

وإن كان مراده أن روايات كتابه واجدة لجميع شرائط حجية الخبر ،

٥٨

فالاشكال مردود ، للاطمئنان بأن القدماء كانوا يعملون بأخبار الآحاد المروية عن الثقاة والعدول ، من دون نظر إلى كونهم إماميين.

فتبين ان دلالة عبارة الكليني على المدعى تامة بلا إشكال.

ولو سلمنا قصور الدلالة ، وان شهادته كانت عن حدس ، الا أن قوله : «والسنن القائمة التي عليها العمل» يشهد على أنّه ذكر الروايات المعمول بها عند الاصحاب ، ومن المعلوم ان ذكر هذه السنن القائمة التي عليها العمل أمر حسي ، فشهادته بصحة رواياته مبنية على الحس ، الّا أن يرد الاحتمال المذكور في قوله «بالاثار الصحيحة» ويقال : إن المراد هو الصحة في الجملة ، لا على نحو الاستغراق والشمول. وقد عرفت ما فيه.

والحاصل : أن الاعتماد على روايات الكافي يبتني على جهتين :

الأولى : الاصول المتفق عليها ، وهي :

١ ـ أن يكون الخبر من حيث السند جامعا لشرائط الحجية.

٢ ـ أن الكتاب الذي نقل الكليني الرواية عنه مشهور ومعروف ، ـ وسنذكر جدولا بأسماء هذه الكتب إن شاء الله تعالى ـ.

٣ ـ أن نعلم بعدم انحصار الطريق بما ذكره في الكتاب ونعلم أن له طريقا آخر في نقل الرواية.

٤ ـ أن يكون الخبر صحيحا من جهة القرائن ، غير الفحوى ، والدليل والاجماع ، والعقل.

٥ ـ أن نحرز عدم وجود القرائن الخمس المذكورة ، فيعلم أن الرواية جامعة لشرائط الحجية إجمالا ، وإن كانت بالسند المذكور في الكتاب فاقدة لها.

الثانية : الاصول غير المتفق عليها بل على وجه قوي ، وهي :

٥٩

١ ـ القول بصحة الرواية إذا كانت موافقة لاجماع المسلمين ، أو الإمامية ، ولم يخدش في الصغرى.

٢ ـ القول بصحة الرواية إذا كانت موافقة للفحوى ، أو الدليل ، ولم يخدش في حجيتهما.

٣ ـ القول بصحة جميع الروايات استنادا إلى قوله : «عليها العمل وبها يؤدى فرض الله تعالى».

٦٠