أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق

محمد علي صالح المعلّم

أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق

المؤلف:

محمد علي صالح المعلّم


المحقق: محمد علي صالح المعلّم
الموضوع : رجال الحديث
الناشر: المؤلّف
المطبعة: نمونه
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٠٦
  نسخة غير مصححة

ويمكن أن يستشهد أيضا لهذه الدعوى بما رواه النجاشي ، عن الكشّي ، عن نصر بن الصباح ، قال : ما كان أحمد بن محمد بن عيسى يروي عن ابن محبوب من أجل أنّ أصحابنا يتّهمون ابن محبوب في روايته عن أبي حمزة ـ وفي نسخة : ابن أبي حمزة ـ قال : ثمّ تاب ورجع عن هذا القول. قال ابن نوح : وما روى عن ابن المغيرة ـ وهو عبد الله كما نصّ عليه الكشّي ـ ولا عن الحسن بن خرّزاذ. انتهى (١).

والحال انّ الحسن بن محبوب ، وعبد الله بن المغيرة ، والحسن بن خرّزاذ ، من الثقاة الأجلّاء ، أمّا عدم روايته عن ابن محبوب ، فإن كان المقصود من أبي حمزة الذي يروي عنه ابن محبوب هو الثمالي فهو من السابقين وابن محبوب أصغر سنّا من أن يروي عن الثمالي ، ولذلك تستبعد روايته عنه ، وعلى فرضها يكون ابن محبوب حينئذ موردا للاتّهام ، وقد تقدّم نظير هذا في بعض المعاصرين للنجاشي ، وإنّ كان المقصود هو البطائني فلأنّه ضعيف في نظره ، وعدم رواية الأشعري عن ابن محبوب لأنّه يروي عن البطائني الضعيف.

والأظهر انّ المقصود هو الأوّل ـ أي الثمالي ـ ولذلك كان ابن محبوب موردا للاتّهام ، إلّا أنّ الأشعري تاب وانكشف له الخلاف ، وصار يروي عنه بعد ذلك ، وأمّا مناط التوبة وكيفيّة الانكشاف فهذا أمر آخر كما ذكرنا في حاله مع البرقي.

وأمّا عدم روايته عن عبد الله بن المغيرة ، وعن الحسن بن خرزّاذ فلم يذكر وجهه ولا بد من البحث.

والحاصل انّ أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري لا يروي عن الضعيف

__________________

(١) رجال النجاشي ج ١ ص ٢١٧ الطبعة الاولى المحققة.

٤٦١

أو المتّهم بشيء ، أو المطعون في روايته وإن كان في نفسه ثقة ، وبناء على ذلك فهو لا يروي إلّا عن الثقاة.

هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به على المدّعى.

إلّا أنّ هذا الدليل مخدوش من جهتين :

الأولى : من جهة الدلالة ، فإنّ أقصى ما يفيده الدليل أنّه لا يروي عن الضعيف أو المتّهم ، أمّا دلالته على أنّه لا يروي إلّا عن ثقة فلا ، وبينهما فرق كما لا يخفى.

ولا دلالة فيما فعله أحمد بن محمد من إخراجه للبرقي من قم ، وكذا عدم روايته عن ابن محبوب أو غيره على ذلك ، نعم هذه الامور تدلّ على انّه لا يروي عن الضعيف أو المتّهم كما ذكرنا فهنا واسطة في البين ومع تحقّقها فلا دلالة على الحصر ، فلا تكون الدعوى تامّة لقصورها عن إفادة المدّعى.

الثانية : انّ هذا منقوض بما ثبت من أنّ أحمد بن محمد بن عيسى قد روى عن الضعفاء ، كما ذكر ذلك السيد للاستاذ قدس‌سره في المعجم فإنّ الأشعري قد روى عن محمد بن سنان ، وعلي بن حديد ، وإسماعيل بن سهل ، وبكر بن صالح (١) ، ولكن يمكن أن يقال : انّ محمد بن سنان وعلي بن حديد هما ممّن وقع الخلاف فيهما ـ وسيأتي الحديث عنهما ـ.

وأمّا إسماعيل بن سهل فهو وإن قال عنه النجاشي : «ضعّفه أصحابنا» إلّا أنّه واقع في اسناد تفسير علي بن إبراهيم القمّي (٢) فيكون من موارد التعارض.

ثمّ انّ قول النجاشي : «ضعّفه أصحابنا» لا يتلاءم مع رواية أحمد بن محمد

__________________

(١) معجم رجال الحديث ج ١ ص ٦٧ الطبعة الخامسة.

(٢) تفسير القمي ج ١ ص ٣١٥ الطبعة الاولى المحققة.

٤٦٢

بن عيسى عنه ، إلّا أن يجمع بينهما بأنّ التضعيف إنّما هو لعقيدته لا في روايته ، وإن كان هذا خلاف الظاهر لأنّ مورد الكلام هو الرواية لا العقيدة.

وعليه فإن أمكن الجمع بهذا فلا ينقض على الدعوى وإلّا فهو أحد مصاديق النقض.

وأمّا بكر بن صالح فهو وإن ضعّفه النجاشي أيضا ولم يذكر الشيخ والبرقي في حقّه شيئا إلّا أنّه واقع في أسناد القمّي (١) ، فيكون حاله حال إسماعيل ابن سهل.

والحاصل : إنّه إن قلنا إنّ هؤلاء الأربعة هم محلّ الخلاف ، فالجهة الثانية من الاشكال غير واردة ، ولا مجال للنقض بها على الدعوى ، لاحتمال أن يكون هؤلاء الأربعة ثقاة في نظر أحمد بن محمد بن عيسى ، وإن كانوا ضعافا في نظر غيره ، وهو غير ضائر ، إلّا أنّ الجهة الاولى من الاشكال واردة فإن الدلالة قاصرة عن إثبات المدّعى ، ولا يمكن الالتزام بالدعوى في حقّه.

__________________

(١) ن. ص ج ١ ص ٦١.

٤٦٣

المبحث الثالث

بنو فضّال

وقد أدّعي علاوة على وثاقتهم في أنفسهم ، وثاقة مشايخهم أيضا ، واستدلّ على ذلك بما روي عن الامام الحسن العسكري عليه‌السلام أنّه قال : خذوا ما رووا ، وذروا ما رأوا (١).

واعتمد الشيخ الأنصاري قدس‌سره على هذه الرواية وحكم بصحّة روايات بني فضّال ، وقال في أوّل كتابه الصلاة بعد ذكره مرسلة داود بن فرقد ، والرواية وإن كانت مرسلة ، إلّا أنّ سندها إلى الحسن بن فضّال صحيح ، وبنو فضال ممّن أمرنا بالأخذ بكتبهم ، ورواياتهم ، اعتمادا على الرواية المتقدّمة (٢) ، وذكر نظيره في مسألة الاحتكار من خاتمة كتاب البيع (٣).

وبناء على ذلك فيحكم بوثاقة داود بن فرقد ، والارسال غير ضائر.

وقد استشكل السيّد الاستاذ قدس‌سره في الرواية سندا ودلالة :

أمّا من حيث السند فبأن هذه الرواية أوردها الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة بهذا السند : عن أبي محمد المحمدي ، قال : حدّثني أبو الحسين بن تمام ، قال : حدّثني عبد الله الكوفي خادم الشيخ الحسين بن روح رضي‌الله‌عنه ، قال : سئل الشيخ ـ يعني أبا القاسم رضي‌الله‌عنه ـ عن كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذمّ

__________________

(١) كتاب الغيبة الطبعة الثانية ص ٢٤٠.

(٢) كتاب الصلاة ص ٢ الطبعة القديمة.

(٣) المكاسب ـ كتاب البيع ص ٢١٢ الطبعة القديمة.

٤٦٤

وخرجت فيه اللعنة ، فقيل له : فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء؟ قال : أقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضال ، فقالوا : كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء؟ فقال عليه‌السلام : خذوا ما رووا ، وذروا ما رأوا (١).

والاشكال في عبد الله الكوفي فإنّه لم يترجم في الكتب الرجاليّة ، ولم تعلم حاله ، فلا يمكن الركون إلى هذا الخبر للجهالة في سنده ، ومثله أبو الحسين بن تمام فإنّه لم يذكر بشيء.

وأمّا الاشكال من حيث الدلالة ، فلأنّ الرواية في مقام بيان فساد عقيدة بني فضّال ، وفساد عقيدتهم لا يستلزم عدم حجّية الرواية عنهم ، لكونهم ثقاة في أنفسهم ، وأمّا أنّهم لا يروون إلّا عن الثقاة ، وأنّ كلّ رواياتهم صحيحة ، فلا دلالة للرواية عليه (٢).

ويحتمل أن يكون المراد أنّ بني فضّال كانوا على الاستقامة ، ثم تبدّل حالهم إلى الانحراف ، وفسدت عقيدتهم ، فورد السؤال عن كتبهم التي صنّفوها حال استقامتهم ، فأجاب الامام عليه‌السلام بما أجاب به ، فإنّهم وإن فسدت عقيدتهم إلّا أنّ ما رووه يمكن الأخذ به ، وفساد العقيدة لا يضرّ بالرواية ، إذ كانوا على الاستقامة في زمانها ، وبعد الانحراف تبقى الروايات على حالها من الاعتبار ولا يضرّ بها انحرافهم.

ولا تتعرّض الرواية المتقدّمة إلى حكم الأخذ بجميع كتبهم ، ورواياتهم ، وإن اشتملت على ضعف أو جهالة أو إرسال ، وعليه فدلالة الرواية قاصرة عن

__________________

(١) كتاب الغيبة الطبعة الثانية ص ٢٣٩.

(٢) معجم رجال الحديث ج ١ ص ٦٨ الطبعة الخامسة.

٤٦٥

إفادة المدّعى ، ويؤيّد هذا الاشكال ـ وهو قصور الدلالة ـ ما ذكره الشيخ في العدّة حيث قال : ولأجل ما قلنا ـ أي وثاقة الراوي ـ عملت الطائفة باخبار الفطحيّة مثل عبد الله بن بكير ، وغيره ، وأخبار الواقفه مثل سماعة بن مهران ، وعلي بن أبي حمزة ، وعثمان بن عيسى ، ومن بعد هؤلاء بما رواه بنو فضّال ، وبنو سماعة ، والطاطريّون ، وغيرهم (١).

فالطائفة إنّما عملت بأخبار هؤلاء لأنّهم ثقاة لا أنّ جميع رواياتهم صحيحة ، والذي يمكن استظاره من قول الامام عليه‌السلام ـ هو ما أشرنا إليه ـ من قوله عليه‌السلام : خذوا ما رووا ، وذروا ما رأوا ، يعني انّ بني فضّال كانوا على الاستقامة ، فكانت رواياتهم محلّ اعتماد ، ثمّ بعد أن انحرفوا وفسدت عقيدتهم استشكل الشيعة في العمل برواياتهم وكتبهم ، فأجاب الامام عليه‌السلام بذلك بيانا منه عليه‌السلام انّ فساد عقيدتهم لا يضرّ برواياتهم حال استقامتهم.

ويؤيد هذا جواب الشيخ أبي القاسم الحسين بن روح حينما سئل عن كتب الشلمغاني.

إلّا أن يقال إنّ هذا لا ربط له باستقامة بني فضّال وعدمها ، وإنّما ورد السؤال عن الكتب بما هي ، فأجاب عليه‌السلام بأنّ كتبهم معتمدة.

وعلى أيّ تقدير فلو افترضنا تمامية دلالة الرواية على المدّعى ، فهي تختصّ بكتبهم ورواياتهم ، وأمّا مشايخهم وكونهم ثقاة ، فلا دلالة للرواية على ذلك.

ويبقى الاشكال من جهة السند ، فإنّ السيّد الاستاذ قدس‌سره ناقش في كلّ من عبد الله الكوفي والراوي عنه فحكم بجهالتهما.

__________________

(١) عدة الاصول ج ١ ص ٣٨١ الطبعة الاولى المحققة.

٤٦٦

وإن أمكن أن يقال إنّ عبد الله الكوفي هو خادم الشيخ أبي القاسم ولو كان كاذبا لردّه الشيخ ، إلّا أنّ هذا لا يرفع الاشكال ، فإنّ الراوي عن عبد الله وهو الحسين بن تمام محلّ نقاش ـ كما مرّ ـ وقد ذكره السيّد الاستاذ قدس‌سره في غير المقام ، وناقش في وثاقته (١) ، الا أنه نقل في المعجم توثيق النجاشي له ، وانه من مشايخ الصدوق ، وأن طريق الشيخ إليه صحيح ، وقد أورد الشيخ الأنصاري قدس‌سره هذه الرواية في كتاب الرسائل ، وعبّر عنها بقوله : ومثل ما في كتاب الغيبة بسنده الصحيح إلى عبد الله الكوفي خادم الشيخ ... الخ (٢) فهو يصحّح الرواية إلى عبد الله ومعناه : أنّ أبا الحسين بن تمام معتبر عنده ، وهو الصحيح ، فإنّ أبا الحسين بن تمام قد وثّقه النجاشي (٣) ، فلا إشكال فيه ، وإنّما الاشكال في جهالة عبد الله الكوفي فقط ، فإن أمكن الأخذ بما ذكرنا من التوجيه ، فلا إشكال على الرواية من حيث السند ، ويبقى الكلام في الدلالة وإلّا فمن الجهتين.

__________________

(١) معجم رجال الحديث ج ١٧ ص ٣٦٢ الطبعة الخامسة.

(٢) فرائد الاصول ص ٨٧ الطبع القديم.

(٣) رجال النجاشي ج ٢ ص ٣٠٥ الطبعة الاولى المحققة.

٤٦٧

المبحث الرابع

أصحاب الصادق عليه‌السلام

وقد ادّعي أنّ كلّ من ذكر من أصحاب الصادق عليه‌السلام في كلام النجاشي والشيخ فهو ثقة إلّا من نصّ على تضعيفه ، ومعناه : انّ من لم يذكر بمدح ولا ذمّ فهو محكوم بالوثاقة.

وذهب إلى هذا المحدّث النوري (١) ولم يستبعده صاحب الوسائل (٢).

واستدل على تمامية ذلك بمقدّمتين :

الاولى : ما ذكره كلّ من الشيخ المفيد قدس‌سره وابن شهراشوب والطبرسي وغيرهم ، وخلاصة ما أفادوه أنّ أصحاب الامام الصادق عليه‌السلام بلغ عددهم أربعة آلاف شخص ، كلّهم ثقاة.

قال الشيخ المفيد في الارشاد : إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة عنه عليه‌السلام من الثقاة ـ على اختلافهم في الاراء والمقالات ـ ، فكانوا أربعة آلاف رجل. (٣)

وقال ابن شهراشوب في المناقب : نقل عن الصادق عليه‌السلام من العلوم ما لم ينقل عن أحد ، وقد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة من الثقاة ـ على اختلافهم في الآراء والمقالات ـ وكانوا أربعة آلاف رجل.

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج ٣ ص ٧٧٠ الطبع القديم.

(٢) أمل الآمل ج ١ ص ٨٣ الطبعة الاولى المحققة.

(٣) الارشاد ص ٢٧١ الطبعة الثالثة.

٤٦٨

وقال ان ابن عقدة مصنّف كتاب الرجال لأبي عبد الله عليه‌السلام عدّدهم فيه (١).

وقال الشيخ الطبرسي في إعلام الورى : إنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسامي الرواة عنه عليه‌السلام من الثقاة (٢) ... الخ.

وقال الشيخ الفتّال في روضة الواعظين : قد جمع أصحاب الحديث أسماء الرواة عنه عليه‌السلام من الثقاة ـ على اختلافهم في الآراء والمقالات ـ فكانوا أربعة آلاف (٣) وعبارته عين عبارة الشيخ المفيد.

وذكر هذا في المعتبر ، إلّا أنّه عبّر بالفقهاء الافاضل ، بدلا من الثقاة (٤).

فهذه كلمات الأعلام من القدماء ، وفيها التصريح بأنّ أصحاب الصادق عليه‌السلام كانوا أربعة آلاف رجل من الثقاة.

الثانية : أنّهم ذكروا أنّ أبا العبّاس المعروف بابن عقدة وضع كتابا جمع فيه أسماء أربعة آلاف شخص من أصحاب الصادق (٥) عليه‌السلام ، وفي عبارة الشيخ المفيد وابن شهراشوب إشارة إلى ذلك.

وأمّا الشيخ فقد صرّح به ، حيث قال في الرجال : ولم أجد لأصحابنا كتابا جامعا في هذا المعنى إلّا مختصرات ، قد ذكر كلّ إنسان منهم طرفا ، إلّا ما ذكره ابن عقدة من رجال الصادق عليه‌السلام فإنّه بلغ الغاية في ذلك ، ولم يذكر باقي رجال الأئمّة عليهم‌السلام ، وأنا أذكر ما ذكره ، وأورد من بعد ذلك ما لم يذكره (٦).

وهكذا النجاشي ، فإنّه يشير بعد ذكر الراوي إلى ذلك بقوله : ذكره أبو

__________________

(١) مناقب آل ابي طالب ج ٤ ص ٢٤٧ المطبعة العلمية ـ قم.

(٢) اعلام الورى ص ٢٨٤ الطبعة الثالثة.

(٣) روضة الواعظين ص ٢٠٧ طبع النجف الاشرف.

(٤) المعتبر في شرح المختصر ص ٥ الطبع القديم.

(٥) رجال العلامة ص ٢٠٣ الطبعة الثانية.

(٦) رجال الشيخ ص ٢ الطبعة الاولى.

٤٦٩

العبّاس ، أو ذكره في رجاله ، أو في كتابه ... (١)

وبانضمام هاتين المقدّمتين يستنتج أنّ كلّ من ذكره الشيخ من أصحاب الامام الصادق عليهم‌السلام ، فهو مذكور في كتاب ابن عقدة ، وانّهم ثقاة.

وقد يستشكل بأنّ مجموع ما ذكره الشيخ من أصحاب الصادق عليه‌السلام لم يبلغ أربعة آلاف شخص ، بل هو أقلّ من هذا العدد.

والجواب : أنّ ابن عقدة أورد أسماء كلّ من أدرك الامام الصادق عليه‌السلام ، وإن كان معدودا في أصحاب الباقر عليه‌السلام ، أو أصحاب الكاظم عليه‌السلام ، بينما الشيخ ميّز أصحاب كلّ إمام ، ولا بدّ حينئذ أن يقلّ العدد عند الشيخ ، وبهذا يمكن الجمع ويرتفع الاشكال.

والحاصل : انّ كلّ من ذكره الشيخ من أصحاب الصادق عليه‌السلام ، فهو مذكور في كتاب ابن عقدة ، وعليه فالتوثيق الوارد في كلام الشيخ المفيد ، وابن شهراشوب ، والطبرسي ، شامل لهولاء.

وأمّا النجاشي فهو وإن تعرّض لكلام ابن عقدة ، إلّا أنّه جعله على ثلاثة أقسام ، فوثّق قسما ، وسكت عن قسم ، وضعّف القسم الثالث.

أمّا من وثّقه فلا كلام فيه ، وأمّا من سكت عنه ولم يذكر في حقّه شيئا فهو محلّ الكلام ، وأمّا القسم الثالث فهو بحاجة إلى بحث ـ وسيأتي ـ.

وبناء على كلام النجاشي ، فإن قلنا بأنّ الدعوى تامّة ، فهي إنّما تنفع في القسم الثاني فقط ، فإذا ذكر شخصا وعبّر عنه بقوله : «ذكره ابن عقدة» فهو مشمول للتوثيق.

ثم إنّ هذه الأقسام الثلاثة مذكورة في كلام الشيخ ، ويكفي للحكم بوثاقة الشخص عنده عدّه من أصحاب الصادق عليه‌السلام ، لأنّه قرّر أن يذكر جميع ما ذكره ابن عقدة من أصحاب الصادق عليه‌السلام.

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج ٣ ص ٧٧١ الطبع القديم.

٤٧٠

هذه هي خلاصة الدعوى ، وما يترتّب عليها.

وقد ناقش السيّد الاستاذ قدس‌سره في ثبوت اصل الدعوى ، وخلاصة ما أفاده قدس‌سره :

انّ المراد من هذه الدعوى لا يخلو إمّا أن يكون معناها انّ جميع أصحاب الصادق عليه‌السلام أربعة آلاف شخص فقط ، وكلّهم ثقاة ، وهذا نظير دعوى العامّة بأن أصحاب النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله كلّهم عدول.

وإمّا أن يكون معناها أنّ أصحاب الصادق عليه‌السلام أكثر من هذا العدد إلّا أنّ الثقاة منهم هو هذا المقدار ، وعلى كلا التقديرين فالاشكال وارد.

أمّا على التقدير الأوّل فواضح ، فإنّ الدعوى حينئذ باطلة ، لأنّ زمان الصادق عليه‌السلام اشتمل على من لا يمكن الحكم بوثاقته ، ومن بينهم المنصور الدوانيقي ، فقد عدّه الشيخ من أصحابه عليه‌السلام ، مضافا إلى أنّ الشيخ قد ضعّف جماعة منهم إبراهيم بن أبي حبّه ، والحارث بن عمر البصري ، وعبد الرحمن بن الهلقام ، وعمرو بن جميع ، وغيرهم ، فيستحيل عادة أن يكون جميعهم ثقاة.

وأمّا على التقدير الثاني ، فالدعوى حينئذ وإن كانت في نفسها قابلة للتصديق إلّا أنّ الاشكال من جهة الاثبات وذلك :

أوّلا : وجود الاستدراك على ابن عقدة وإضافة عدد كثير ممّن روى عن الصادق عليه‌السلام ، كما ذكر ذلك النجاشي ، والشيخ في ترجمة أحمد بن نوح (١).

وثانيا : سلّمنا أنّ عدد الثقاة أربعة آلاف إلّا انّ من ذكرهم الشيخ لا يزيدون على ثلاثة آلاف إلّا قليلا.

وثالثا : من أين لنا العلم بأنّ من ذكرهم الشيخ هم المعنيّون بالتوثيق (٢).

__________________

(١) رجال النجاشي ج ١ ص ٢٢٦ الطبعة الاولى المحققة والفهرست ص ٦١ الطبعة الثانية.

(٢) معجم رجال الحديث ج ١ ص ٥٥ الطبعة الخامسة.

٤٧١

ونحن وإن وافقنا السيّد الاستاذ فيما أورده على الدعوى ، إلّا أنّ لنا ملاحظات نسجّلها على مناقشاته :

ففي التقدير الأوّل وإن أورده السيّد الاستاذ قدس‌سره بعنوان الاحتمال ، إلّا أنّه لا مجال لاحتماله أصلا ، وبسقوطه يسقط الاشكال عليه أيضا ، وذلك لأنّ كلام الشيخ المفيد ، وغيره من الأعلام ، ظاهر في أنّ أصحاب الحديث قد جمعوا أسماء الرواة من الثقاة ، لا أنّ جميع الأصحاب كانوا ثقاة ، ولفظة من الواردة في العبارة تبعيضيّة لا بيانية ، وبعبارة اخرى : انّ الثقاة عددهم إمّا أربعة آلاف وإمّا أنّ العدد المجموع من الثقاة أربعة آلاف ، وعلى الثاني يكون عدد الثقاة أكثر من أربعة آلاف ، وإنّما الذي جمع هو هذا العدد ، وعلى كلا الأمرين فهؤلاء هم بعض الأصحاب لا كلّهم.

وفي التقدير الثاني نقول : امّا إشكاله بالزيادة فغير وارد ، لأنّ المقصودين بالتوثيق هم من ذكرهم ابن عقدة لا مطلقا ، وقد ذكرنا أنّ النجاشي ينصّ على من يذكرهم ابن عقدة ، وبهذا يمكن تمييزهم عمّن سواهم.

وأمّا ما ذكره ثانيا ، فقد ذكرنا إمكان الجمع بأنّ الشيخ ميّز رجال الائمّة ، فجعل بعضهم في أصحاب الباقر عليه‌السلام ، وجعل آخرين في أصحاب الكاظم عليه‌السلام نظرا إلى مدّة الصحبة للإمام عليه‌السلام ، فمن كانت له صحبة يعتدّ بها عدّه في أصحاب الصادق عليه‌السلام ، وإلّا عدّه في أصحاب غيره. وقد جمع بهذا المحدّث النوري (١) وحينئذ يرتفع الاشكال.

وأمّا ما ذكره ثالثا ، فقد أجبنا عنه فيما سبق وذكرنا كلمات الشيخ المفيد ، وابن شهراشوب وغيرهما من الأعلام ، مضافا إلى أنّ كلام الشيخ الطوسي نصّ

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج ٣ ص ٧٧٢ الطبع القديم.

٤٧٢

على أن جميع ما ذكره ابن عقدة فهو يذكره في الرجال ، فما أورده السيّد الاستاذ قدس‌سره على الدعوى محلّ تأمّل.

وقد تؤيّد هذه الدعوى بما ذكره العلّامة في الخلاصة ، فإنّه نقل كلام الشيخ ، وأشار إلى أنّ ابن عقدة جمع من أصحاب الصادق عليه‌السلام أربعة آلاف شخص ، وإنّما جعلنا هذا تأييدا للدعوى ، لأنّ العلّامة معدود من المتأخّرين (١).

والحاصل انّ المقدّمتين السابقتين بضمّ إحداهما إلى الاخرى ، وتطبيق كلام الشيخ على ما ذكره ابن عقدة ـ وهو قابل للتصديق ـ تكون النتيجة انّ من ذكرهم الشيخ في رجاله من أصحاب الصادق عليه‌السلام ، ـ وهم الذين ذكرهم ابن عقدة في كتابه ـ هم المعنيّون في كلام الشيخ المفيد ، وغيره ، من الأعلام ، وانّهم ثقاة.

هذا على فرض القبول والتسليم وإلّا فالمقام لا يخلو عن مناقشة ، وهي في نظرنا تعود إلى أنّ أصل الدلالة غير تامة يعني أنّ كلام الشيخ المفيد في أصله لا يدلّ على وثاقة هؤلاء الذين ذكرهم ابن عقدة ، والسرّ في ذلك انّه لم يعلم أنّ مراد الشيخ المفيد من كلامه هو ما ذكره ابن عقدة في كتابه.

وكلام الشيخ المفيد وإن كان ينطبق على ما ذكره ابن عقدة ، وفيه إشعار به ، إلّا أنّ المقام لمّا كان مقام شهادة فنحن بحاجة إلى النصّ الصريح ، ولا نصّ في كلام الشيخ المفيد ، فالدلالة قاصرة عن إفادة المدّعى.

وهكذا بالنسبة إلى كلمات غير الشيخ المفيد من الأعلام ، وإن كان يظهر أنّ مستندهم هو عبارة الشيخ المفيد ، وسواء قلنا إنّ كلامهم هو نفس كلام الشيخ المفيد أو قلنا بأنّه شهادة مستقلّة فلا نصّ في كلماتهم على الدعوى.

وعبارة ابن شهراشوب وإن كان فيها إشارة ، إلّا أنّ الاشارة لا تنفع في

__________________

(١) رجال العلامة ص ٣٠٤ الطبعة الثانية.

٤٧٣

المقام ، نعم ورد النصّ في كلام العلّامة كما أشرنا ، إلّا أنّه في عداد المتأخرّين كما ذكرنا.

والحاصل انّ الدلالة قاصرة عن إفادة المدّعى ، فإن حصل الاطمئنان بها فهو ، وإلّا فيقتصر على القدر المتيقن.

وقد تتبّعنا موارد عديدة في كلام الشيخ فعثرنا على بعض الأشخاص نصّ عليهم بالضعف ، مثل : إبراهيم بن أبي حبة (١) ، والحارث بن عمر البصري (٢) ، وعبد الرحمن بن هلقام (٣) ، وعمرو بن جميع (٤) ، ومحمد بن حجّاج المدني (٥) ، ومحمد بن عبد الملك (٦) ، ومحمد بن المقلاص (٧).

والنتيجة أنّنا لم نفهم من كلام الشيخ المفيد توثيق من ذكرهم ابن عقدة لعدم تمامية الدلالة فلا تصل النوبة إلى المناقشة بعد عدم تسليمها.

بقي شيء :

وهو انّ السيّد الاستاذ قدس‌سره نسب المحدّث النوري إلى الاشتباه حيث فهم انّ الموثّق لهؤلاء الأشخاص هو ابن عقدة ، وردّه السيّد الاستاذ قدس‌سره بأنّ ابن عقدة هو الذاكر لأسماء الرواة ، والتوثيق إنّما ورد في كلام الشيخ المفيد (٨) :

__________________

(١) رجال الشيخ ص ١٤٦ الطبعة الاولى.

(٢) ن. ص ص ١٧٨.

(٣) ن. ص ص ٢٣٢.

(٤) ن. ص ص ٢٤٩.

(٥) ن. ص ص ٢٨٥.

(٦) ن. ص ص ٢٩٤.

(٧) ن. ص ص ٣٠٢.

(٨) معجم رجال الحديث ج ١ ص ٥٦ الطبعة الخامسة.

٤٧٤

ولكن هذه المناقشة غير واردة على المحدّث النوري قدس‌سره لأنّه أورد الكلام بعنوان ان قلت : قلت ، ونصّ عبارة المحدّث النوري هي :

إن قلت : إنّ كلامه ناظر إلى عمل ابن عقدة وما صنعه في كتبه ، فيكون المراد أنّ جميع الأربعة آلاف من الثقاة عنده ، فيؤل الكلام إلى الاعتماد على المزكي العادل الغير الامامي ـ فإنّ ابن عقدة زيديّ المذهب ـ وفيه من المناقشات ما لا يخفى.

قلت : أولّا إنّه خلاف ظاهر كلام الجماعة ، فإنّ مقتضاه حمل الوثاقة على المعنى الواقعي ، أو على ما فى اعتقادهم لا على معتقده.

الى ان قال وثالثا على فرض التسليم والغض عما ذكرنا ، فنقول : لا شبهة في كون توثيق ابن عقدة الذي وصفوه بالعلم ، والوثاقة ، والامانة ، والجلالة ، والمعرفة بحال الرواة ، من اسباب الوثوق بصدور الخبر ... ألخ (١) وعليه فلا إشكال فيه ، فإنّه وإن كان زيديّا إلّا أنّه مورد الاطمئنان ، فإنّ النجاشي يعتمد على توثيقه مثل الحسن بن فضّال ، وغيرهما.

فالمحدّث النوري قدس‌سره يفرض المسألة فرضا ، ولا يعني ذلك انّه ينسب التوثيق إلى ابن عقدة ، فالإشكال عليه غير وارد.

هذا تمام الكلام عن أصحاب الصادق عليه‌السلام ، وقد ذكرنا في أوائل المباحث أمرا آخر يتعلّق بروايات الصادق عليه‌السلام ، والطرق إليها ، والمتحصّل منهما عدم الموافقة على كلا الدعويين.

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج ٣ ص ٧٧٢ الطبع القديم.

٤٧٥

المبحث الخامس

الرواة في كتابي الرحمة والمنتخبات

لسعد بن عبد الله الأشعري

قال النجاشي في ترجمة سعد بن عبد الله : شيخ هذه الطائفة ، وفقيهها ، ووجهها ... ، صنّف سعد كتبا كثيرة وقع إلينا منها : كتاب الرحمة ، كتاب الوضوء ، كتاب الزكاة ، كتاب الصوم ، وكتاب الحجّ ، ثمّ يذكر بقيّة كتبه إلى أن يقول : وكتاب المنتخبات ، رواه عنه حمزة بن القاسم خاصّة ، ثمّ يذكر طريقه إلى هذه الكتب (١) ، وقال الشيخ عنه : جليل القدر ، واسع الأخبار ، كثير التصانيف ، ثقة ، فمن كتبه : كتاب الرحمة ، وهو يشتمل على كتب جماعة منها : كتاب الطهارة ، وكتاب الصلاة ، وكتاب الصوم ، وكتاب الحجّ ، وكتاب الزكاة ، كتاب جوامع الحجّ ، ثمّ يعدّد بقيّة كتبه إلى أن ينتهي إلى كتاب المنتخبات ، فيقول نحو ألف ورقة أخبرنا بجميع كتبه وروايته عدّة من أصحابنا ، عن محمد بن علي بن الحسين بن بابويه ، عن أبيه ومحمد بن الحسين ، عن سعد بن عبد الله ، عن رجاله (٢).

قال ابن بابويه ـ الصدوق ـ إلّا كتاب المنتخبات فإنّي لم أروها عن محمد ابن الحسن ، إلّا أجزاء قرأتها عليه وأعلمت على الأحاديث التي رواها محمد بن موسى الهمداني ، وقد رويت عنه كلّ ما في كتاب المنتخبات ممّا أعرف طريقه من الرجال الثقاة (٣).

__________________

(١) رجال النجاشي ج ١ ص ٤٠١ الطبعة الاولى المحققة.

(٢) الفهرست ص ١٠١ الطبعة الثانية.

(٣) ن. ص ص ١٠١ الطبعة الثانية.

٤٧٦

والمستفاد من عبارة الشيخ أمران :

الأول : انّ كتاب الرحمة يشتمل على خمسة كتب : وهي الطهارة ، والصلاة ، والصوم ، والزكاة ، والحجّ ، ونحن وإن ذكرنا كتاب الرحمة فيما سبق إلّا أننا لم نذكر اشتماله على هذه الكتب الخمسة ، وذكر الصدوق في أوّل الفقيه أنّ كتاب الرحمة من الكتب المشهورة التي عليها المعوّل ، وإليها المرجع ، ولا يحتاج إلى طريق ، ورواياته كلّها صحيحة (١).

وكلّ ما يرويه الصدوق في الفقيه عن سعد بن عبد الله في العبادات فهو من كتاب الرحمة ، إلّا ما يورده في الحجّ فيحتمل انّه من كتاب الرحمة ، كما يحتمل انّه من كتاب جوامع الحجّ ، فلا بدّ من التمييز في خصوص روايات الحجّ ، بل يمكن أن يستفاد مما ذكره بالنسبة الى كتاب المنتخبات ـ من استثناء بعض رواته ورواياته ـ أنّ روايته لبقية كتبه بدون استثناء قرينة على أن جميع رواياتها معتبرة ، وطريقها عن الرجال الثقاة ، والا فلا وجه لاختاص الاستثناء بكتاب المنتخبات ، فلاحظ.

الثاني : وثاقة من ورد ذكره في كتاب المنتخبات ، ممّن وقع في السند بعد سعد ابن عبد الله بشهادة الصدوق التي نقلها الشيخ عنه.

وأمّا من وقع قبل سعد ، فهو أيضا لا إشكال فيه ، فإنّ طريق الشيخ إلى الصدوق صحيح (٢) ، كما أنّ طريق الصدوق إلى المنتخبات صحيح أيضا (٣).

والحاصل أنّ أسناد كتاب المنتخبات ومن بعده صحيحه ، ورجالها ثقاة ، وبقى كيفيّة التعرّف على رجال المنتخبات المعنيّين بتوثيق الصدوق ، وهم الواقعون بعد سعد بن عبد الله.

__________________

(١) من لا يحضره الفقيه ج ١ ـ المقدمة ـ ص ٧٢ دار التعارف للمطبوعات.

(٢) الفهرست ص ١٨٦ الطبعة الثانية.

(٣) مشيخة الفقيه ص ٨ الطبعة الاولى.

٤٧٧

ثم أنّنا بعد التتبع وجدنا أنّ تلميذ الشهيد وهو الشيخ حسن بن سليمان ابن خالد ، قد اختصر كتاب بصائر الدرجات سمّاه كتاب مختصر بصائر الدرجات ، وقد يقال منتخب البصائر تخفيفا ، وأضاف إليه روايات اخرى من غيره ، وقد ذكر طريقه إلى روايات سعد (١) وقد أسماه صاحب كتاب صحيفة الابرار بالمنتخبات (٢) ، وعليه فكلّ رواية وردت في هذا الكتاب عن الصدوق إلى سعد بن عبد الله فهي من كتاب المنتخبات ، فتكون فائدة كتاب مختصر بصائر الدرجات في هذا المقام التعريف بأسماء الرواة الذين عناهم الصدوق بالتوثيق ولكن في اثبات اتحاد المختصر مع المنتخبات بتسمية شخص آخر له بالمنتخبات اشكال واضح وذلك :

أولا : تصريح المؤلف بأن الكتاب اسمه كتاب مختصر البصائر ، فانه قال في أوله : (نقلت من كتاب مختصر البصائر ، ، تأليف سعد بن عبد الله بن أبي خلف القمي رحمه‌الله) (٣) ، وهو الظاهر من كلام الشيخ الحر العاملي أيضا ، حيث قال في ترجمة المؤلف : (الحسن بن سليمان بن خالد الحلبي ، فاضل عالم فقيه ، له مختصر بصائر الدرجات لسعد بن عبد الله ، يروي عن الشهيد) (٤).

وثانيا : ان الظاهر من كلام الشيخ (٥) والنجاشي (٦) ان كتاب المنتخبات من نفس سعد ويقع في ألف ورقة ، وأما الكتاب الذي انتخبه تلميذ الشهيد رحمه‌الله فهو لا يصل الى مائة ورقة والفرق بينهما بيّن والله العالم.

__________________

(١) الذريعة الى تصانيف الشيعة ج ٢٠ ص ١٨٢ الطبعة الاولى.

(٢) هو الميرزا محمد تقي بن المولى محمد بن الحسين بن زين العابدين بن علي بن ابراهيم المامقاني التبريزي.

(٣) مختصر بصائر الدرجات ص ١ منشورات المطبعة الحيدرية في النجف الاشرف ١٣٧٠ ه‍ ـ ١٩٥٠ م.

(٤) أمل الآمل ـ القسم الثاني ص ٦٦ الطبعة الاولى المحققة ١٣٨٥ ه‍.

(٥) الفهرست ص ١٠١ الطبعة الثانية ١٣٨٠ ه‍ ـ ١٩٦٠ م.

(٦) رجال النجاشي ج ١ ص ٤٠٣ الطبعة الاولى المحققة.

٤٧٨

المبحث السادس

مشايخ الاجازة

قد اشتهر أنّ مشايخ الاجازات لا يحتاجون إلى التوثيق ، وذهب إلى القول به جماعة ، منهم : الشهيد الثاني وابنه والوحيد البهبهاني (١) ، والسيّد الداماد (٢) والمحقّق البحراني (٣) ، وغيرهم ، واستدلّ لهذه الدعوى بأمور :

الأوّل : ما ذكره الشهيد الثاني في درايته : بأنّ عدالة الراوي تعرف بتنصيص عدلين عليها ، أو بالاستفاضة بأن تشتهر عدالته بين أهل النقل ، أو غيرهم من أهل العلم ، كمشايخنا السابقين من عهد الشيخ الكليني رحمه‌الله ، وما بعده إلى زماننا ، لا يحتاج أحد من هؤلاء إلى تنصيص على تزكية ولا بيّنة على عدالته ، لما اشتهر في كلّ عصر من ثقتهم ، وضبطهم ، وورعهم ، زيادة على العدالة (٤).

وقريب من هذا ما ذكره ابنه صاحب المعالم في فوائد المنتقى (٥).

الثاني : إنّ من المتسالم كما تقدم عليه في البحث حول الكتب ، عدم التعرّض إلّا لأصحاب الكتب ، ومن يروون عنهم ، وأمّا من يقع في الأسناد قبلهم ، فلا يناقشون فيهم ، لاستغنائهم عن التوثيق ، وهذه كانت سيرة الشيخ ومن

__________________

(١) فوائد الوحيد البهبهاني المطبوعة في خاتمة كتاب رجال الخاقاني الفائدة الثالثة ص ٤٥ الطبعة الثانية.

(٢) الرواشح السماوية ص ١٠٤ الراشحة الثالثة والثلاثون.

(٣) فوائد الوحيد البهبهاني المطبوعة في خاتمة كتاب الخاقاني الفائدة الثالثة ص ٤٥ الطبعة الثانية.

(٤) الرعاية في علم الدراية ص ١٩٢ الطبعة الاولى المحققة.

(٥) منتقى الجمان ج ١ الفائدة التاسعة ص ٣٩ الطبعة الاولى ـ جامعة المدرسين ـ.

٤٧٩

تقدّم عليه ، كما أنّ العلامة لا يناقش في المشايخ ، بل في نفس الاسناد ، وما ذلك إلّا لأنّهم مشايخ الاجازة ، ووثاقتهم محرزة.

الثالث : ما يظهر من كلمات النجاشي ، والشيخ ، وغيرهما من الرجاليين أنّهم كانوا يتحرّزون في الرواية عن الضعيف ، وقد تقدّم أنّ النجاشي كان دأبه وطريقته عدم الرواية عمّن يغمز أو يتّهم بشيء ، كما أنّ هذه هي طريقة غيره من المشايخ.

وقد مرّ علينا انّ المشايخ لم يمكّنوا ابن الغضائري من الدخول على أبي طالب الأنباري ، لاتّهامه بالغلوّ والارتفاع ، وهذا دليل على انّهم لا يروون عن الضعفاء.

وأمّا ما يقال : لماذا أغفل الرجاليّون ذكر مشايخ الاجازة ، ولم ينصّوا على وثاقتهم؟ فقد أجاب عنه صاحب المعالم بأنّ الرجاليّين لم يكونوا في صدد ذكر كلّ أحد ، بل كانوا في مقام ذكر المصنّفين ، فلعلّ إغفال ذكر المشايخ بسبب أنّهم لم يكونوا من جملة المصنّفين ، وليس لهم كتب ليذكروا بها ، لا أنّه لعدم الاعتناء بهم (١).

هذا غاية ما يمكن الاستدلال به على هذه الدعوى.

وقد ناقش السيّد الاستاذ قدس‌سره في ذلك بمناقشات ثلاث :

الاولى : وهي حليّة ، وحاصلها أنّ مشايخ الاجازة بماذا يمتازون عن غيرهم من سائر الرواة ، وهل هم إلّا كغيرهم من الرواة؟ وقد ذكرنا فيما سبق أقسام تحمل الرواية ومنها الاجازة ، وفائدتها تصحيح الأسناد إلى المجيز ، والحكاية عنه ، ومعاملته معاملة الراوي ، وعليه فلا يكون للمجيز امتياز على

__________________

(١) منتقى الجمان ج ١ الفائدة التاسعة ص ٣٩ الطبعة الاولى ـ جامعة المدرسين ـ.

٤٨٠