أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق

محمد علي صالح المعلّم

أصول علم الرجال بين النظريّة والتطبيق

المؤلف:

محمد علي صالح المعلّم


المحقق: محمد علي صالح المعلّم
الموضوع : رجال الحديث
الناشر: المؤلّف
المطبعة: نمونه
الطبعة: ١
الصفحات: ٧٠٦
  نسخة غير مصححة

الفصل الثالث

طرق تحمل الرواية وكيفية نقلها ومصادر الروايات

من المباحث التي لا يستغني عنها الفقيه ، ولها مدخلية في عملية الاستنباط المرتبطة بالروايات والأخبار الواردة عن الائمة المعصومين عليهم‌السلام ، وكيفية تحمل الحديث ، وطرقه ، ومعرفة مصادره ، ولذا ينبغي التعرض لهذه المطالب المهمة بشيء من التفصيل ، فنقول :

إن الكلام في هذا البحث يقع في مقامين :

المقام الأول : طرق تحمل الرواية وكيفية نقلها.

المقام الثاني : بيان مصادر الروايات التي هي مدارك للأحكام وطرق صحتها

٢٤١
٢٤٢

المقام الأول

ويقع الكلام فيه من جهتين

الأولى : طرق تحمل الرواية.

الثانية : كيفية نقل الرواية.

أما الجهة الاولى فالاقسام المتصورة لتحمل الرواية ثمانية :

١ ـ السماع. ٢ ـ القراءة. ٣ ـ الاجازة. ٤ ـ المناولة.

٥ ـ الاعلام. ٦ ـ الكتابة. ٧ ـ الوصية. ٨ ـ الوجادة.

الطريق الأول : السماع

وهو سماع الحديث من الشيخ مباشرة ، بلا فرق بين أن يكون المستمع واحدا أو أكثر ، وبين كونه هو المخاطب أو غيره ، ولا فرق أيضا بين كون الشيخ يتلو الحديث من حفظه أو من كتاب مصحّح عنده ، أو عند أحد الحاضرين وإن كان بعضها أولى من الآخر.

وهذا الطريق هو أعلى وأرفع طرق التحمل عند الجمهور ، فإن الشيخ المحدّث أعرف بوجوه ضبط الحديث وتأديته ، واحتمال الغفلة فيه أو السهو بعيد جدا ، وعلى هذا يمكن للسامع أن يحدث بما سمع ويقول : حدثني فلان ، أو سمعت فلانا ، أو أخبرني ، أو أنبأني ، أو قال فلان أو روى أو ذكر ، والتعابير الثلاثة الاولى هي الأولى هنا ، وأعلاها الأول ، لاحتمال الاجازة في الآخرين ، كما سيأتي.

هذا كله فيما إذا كان السامع سمع الحديث من نفس الشيخ المحدّث ،

٢٤٣

وهكذا فيما إذا سمعه بواسطة من يملي عن الشيخ كما في حالة عدم بلوغ الصوت واضحا لكثرة الحضور ، كما نقل ذلك عن مجلس صاحب بن عباد رحمه‌الله : من انّ فيه ستة أشخاص يملون على الحاضرين ، إلّا أنّ هذا أعمّ من السماع المباشر إذ يجوز فيه الاسناد إلى الواسطة ، كما يجوز فيه الاسناد الى نفس الشيخ فيمكن للسامع ان يقول حدثني الشيخ ، فلا فرق في الاسناد إلى نفس الشيخ ، أو إلى الواسطة.

الطريق الثاني : القراءة

وهي قراءة التلميذ للرواية على شيخه ، ويطلق عليه العرض أيضا ، لعرض التلميذ الرواية على شيخه ، ويكون دور الشيخ تصحيح الرواية ، سواء كان من حفظه ، أو بالمطابقة على كتاب عنده ، أو عند غيره من الحاضرين ، وهذا الطريق وإن كان معتبرا ، إلّا انّه لا يرقى إلى مستوى السماع ، وإن ذهب بعضهم إلى تفضيله على السماع ، كما ذهب آخرون إلى تساويهما.

وبهذا الطريق يمكن للقارىء أن يقول : حدثني ، وأخبرني ، والأولى أن يضيف كلمة ـ قراءة ـ تمييزا له عن الطريق الأول ، بلا إشكال ، خلافا للسيد المرتضى علم الهدى قدس‌سره.

الطريق الثالث : الاجازة

وهي في الأصل (١) من أجاز بمعنى سقى الأرض أو الماشية ، وتأتي بمعنى الاذن والتسويغ ، فمعنى أجزت له روايته : أذنت له ، ومعنى أجزت له

__________________

(١) معجم مقاييس اللغة ج ١ ص ٤٩٤ ـ مكتب الاعلام الاسلامي ـ قم.

٢٤٤

مسموعاتي : أذنت له في التحدث بها ، واختلف في أن الاجازة كالسماع أو دونه ، وقيل بأنها أفضل.

والصحيح انّها دون السماع والقراءة ، وذلك لأن الاجازة وإن كانت في اللغة بمعنى الإذن ، إلا أنها بحسب الاصطلاح تحمّل القراءة والسماع إجمالا ، بمعنى أن الشيخ المحدّث يتكفّل بتصحيح الرواية ، وخلوها عن التصحيف ، وضمان صدورها من دون التكفل بمضمونها.

وبعبارة أخرى ان الاجازة هي نفس الرواية عن طريق السماع أو القراءة بنحو اجمالي لا تفصيلي فتكون الاجازة أدون مرتبة من السماع والقراءة.

ثم إن الاجازة على أقسام كثيرة ، فقد يكون المجيز واحدا ، وقد يكون أكثر ، من العلماء ، أو من المحدثين ، كما أن المجاز له قد يكون واحدا ، وقد يكون أكثر ، حاضرا أو غائبا ، ابتداء من المجيز أو بطلب ، كما أن المجاز فيه قد يكون رواية معينة ، وقد يكون روايات ، كتابا واحدا أو كتبا ، إلى غير ذلك من الأقسام الكثيرة التي أنهاها بعضهم إلى خمسمائة قسم (١).

وقد وقع الخلاف بينهم في الرواية عن طريق الاجازة ، فذهب بعضهم الى عدم جواز قول المجاز له : حدثني ، واخبرني ، لأن ذلك مخصوص بالسماع والقراءة وذهب آخرون إلى جواز ذلك مقيدا بلفظ إجازة.

وذهب غيرهم الى الجواز مطلقا.

والصحيح هو القول الأخير ، وإن كان الأولى إضافة القيد دفعا للالتباس بالقراءة والسماع ، لما ذكرناه من أن الاجازة سماع وقراءة على نحو الاجمال ، لا التفصيل ، كما وقع الخلاف في اعتبار الاجازة ، فقال بعض باعتبارها ، وآخر

__________________

(١) مقباس الهداية في علم الدراية ج ٣ الطبعة الاولى المحققة ص ١١٥.

٢٤٥

بعدمه ، وثالث بالتفصيل بين مقام العمل فاعتبرها وبين مقام التحدث فلم يعتبرها ، ورابع بالعكس ، والصحيح انها معتبرة مطلقا على نحو الاجمال لما ذكرناه من تكفلها بالتصحيح الاجمالي بلا فرق بين مورد وآخر.

الطريق الرابع : المناولة

وهي عبارة عن إعطاء الشيخ كتابه ، أو مجموعة من الروايات ، تلميذه فتارة يقول أنت مجاز في روايته فيلحق ذلك بالاجازة ، واخرى يعطيه إياه من دون أن يقول له ذلك وإنّما يقول : هذا كتابي رويته عن شيخي ، وهذه المناولة المحضة ، ولا إشكال في اعتبار الأول ، وأما الثاني فقد وقع الخلاف فيه فالمحكى عن الفقهاء وأصحاب الأصول هو عدم الجواز (١) ، بمعنى أنه لا يصحّ له أن يروي الكتاب ، أو الروايات بدعوى أنه مجاز له في روايته. ونسب إلى جماعة جواز ذلك (٢).

والظاهر هو الجواز ، لتضمن المناولة للإجازة ، وذلك يكفي للرواية عن الشيخ ، ويشهد على ما ذكرناه رواية أحمد بن عمر الحلال «قال : قلت لأبي الحسن عليه‌السلام» : الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ولا يقول : اروه عنه ، يجوز لي أن أرويه عنه؟

قال فقال : اذا علمت ان الكتاب له فاروه عنه (٣).

نعم لو ناول الشيخ الكتاب غير متعهد بصحته ، فلا إشكال في عدم الاعتبار.

__________________

(١) مقباس الهداية في علم الدراية ج ٣ الطبعة الاولى المحققة ص ١٤٥.

(٢) مقباس الهداية في علم الدراية ج ٣ الطبعة الاولى المحققة ص ١٤٣.

(٣) الكافي ج ١ كتاب فضل العلم باب ١٧ ح ٦.

٢٤٦

الطريق الخامس : الاعلام

وهو اخبار الشيخ تلميذه مشيرا إلى كتاب معين ، أو روايات كذلك ، بأنه كتابه ، أو رواياته ، من دون إجازته بالرواية.

الطريق السادس : الكتابة

وهي كتابة الشيخ لتلميذه الروايات ، فتارة تقرن بالاجازة ، وحينئذ لا إشكال في الاعتبار بشرط العلم بخط الشيخ ، وهي لا تقل درجة عن السماع ، وإن كان عند المشهور أدون من السماع (١) ، واخرى بدونها ، ولا إشكال حينئذ في عدم الاعتبار.

الطريق السابع : الوصية

وهي أن يوصي الشيخ عند موته أو سفره لشخص بكتاب يرويه نفس الشيخ ، والاكثر منع الرواية عن هذا الطريق (٢) والظاهر هو الصحة.

ولا يبعد أن الطرق الأربعة الأخيرة يمكن إلحاقها بالاجازة لتضمنها الاجازة بالرواية ، فإن تم فتصبح الطرق أربعة ، وإلا فثمانية.

الطريق الثامن : الوجادة

وهي أن يجد الانسان كتابا أو حديثا معلوم النسبة إلى صاحبه أو رواية من دون سماع ، أو إجازة ، كما هو الحال في العصور المتأخرة.

وقد وقع الخلاف في جواز رواية ذلك ، والعمل به ، بدون إجازة مع

__________________

(١) مقباس الهداية في علم الدراية ج ٣ الطبعة الاولى المحققة ص ١٥٦.

(٢) ن. ص ص ١٦٣.

٢٤٧

الاتفاق على عدم صحة قول الواجد حدثني فلان ، أو قال فلان ، مع عدم الاجازة للزوم التدليس.

والأقوال في المقام ثلاثة ، فذهب : بعض إلى لزوم الاجازة ، للرواية والعمل بها (١) ، وذهب آخر : الى عدم الحاجة إليها ، إلا من باب التيمن والتبرك (٢) ، وذهب ثالث الى الاحتياط كما هو رأي المحدث النوري (٣) ، وهناك قول رابع سيأتي.

ولما كانت المسألة موردا للابتلاء فهي بحاجة إلى شيء من التفصيل ولذلك نقول :

إن الخبر الواصل إلينا إما متواتر أو آحاد ، والآحاد إما أن يكون مقترنا بالاجازة الضمنية أو لا.

أما المتواتر والمقترن بالاجازة الضمنية ، فلا إشكال في اعتبار الرواية في مقامي التحدث والعمل ، لكفاية الاجازة الضمنية في المقامين ، وعدم الحاجة الى الاجازة في ما تواتر من الروايات.

وأما غير المقترن بالاجازة فهو مورد الخلاف ومحل الكلام ، وفيه أقوال :

الأوّل : ما نسب إلى عدة منهم العلامة الميرزا خليل الطهراني قدس‌سره من عدم الجواز الا مع الاجازة (٤) ، وربما يستفاد هذا من كلام الشيخ إبراهيم القطيفي في إجازته لشاه محمود الخليفة ، وكذلك لشمس الدين محمد بن التركي ، وأيضا يظهر من اجازة المحقق الثاني للمولى عبد العلي الاسترابادي بقوله : وقد استخرت الله تعالى فأجزت له ان يروي جميع ما للرواية فيه مدخل

__________________

(١) مستدرك الوسائل ج ٢ الطبعة القديمة ص ٣٧٤.

(٢) ن. ص ص ٣٧٣.

(٣) ن. ص ص ٣٧٧.

(٤) مستدرك الوسائل ج ٣ الطبعة القديمة ص ٣٧٤.

٢٤٨

مما يجوز لي وعنّي روايته (١) ـ ، وأيضا يظهر من إجازة الشيخ محمد بن مؤذن الجزيني : ... وقد التمس من العبد إجازة متضمنة ما اجيز لي من مشايخي قرائة واجازة لعلمه بان الركن الأعظم في الدراية هو الرواية .. (٢)».

الثاني : ما ذهب إليه بعض القدماء من العامة كالشافعي ، وأصحابه ، وهو المشهور بين الخاصة (٣) ، من عدم الاحتياج إلى الاجازة إذا وجد الكتاب وعرف صاحبه ، فيصح العمل على طبق ما فيه.

الثالث : ما يظهر من كلمات المحدث النوري قدس‌سره من القول بالاحتياط (٤).

الرابع : القول : بأنّ الاجازة أمر مستحب شرعي مؤكد.

وقد استدل لكل من هذه الاقوال بأدلة.

أما دليل القول بالمنع فقد استدل له بالكتاب والسنة والسيرة ، فمن الكتاب بالآيات الدالة على المنع عن العمل بالظن (٥) ، إلا ما خرج بالدليل ، كآية النبأ (٦) الدالة على حجية خبر العادل ، والآيات الناهية شاملة لما نحن فيه ، لأنه لا دليل على جواز العمل بما خرج عن الأصل ، إلا ما كان متعارفا بين الرواة ، وهو المقترن بالاجازة ، وأما غير المقترن بها فهو داخل تحت عموم المنع ، مضافا إلى أن الرواية إذا لم تكن عن سماع أو قراءة أو إجازة فهي مقطوعة لا يمكن الاستناد إليها في العمل بها ، والحكم على طبقها ، وتكون حينئذ محكومة بالارسال ، ويؤيد ذلك بما ذكره الشيخ رحمه‌الله في أول مشيخة التهذيب : ونحن نذكر

__________________

(١) البحار ج ١٠٨ ص ٦٥ المطبعة الاسلامية.

(٢) ن. ص ص ٣٥.

(٣) مقياس الهداية في علم الدراية ج ٣ الطبعة الاولى المحققة ص ١٦٨.

(٤) مستدرك الوسائل ج ٣ الطبعة القديمة ص ٣٣٧.

(٥) يونس آية ٣٦ ، والحجرات آية ١٢ ، النجم آية ٢٨.

(٦) الحجرات آية ٦.

٢٤٩

الطريق الذي يتصل بها الى رواية هذه الاصول والمصنفات ، ونذكرها على غاية الاختصار ليخرج بذلك عن حد المراسيل ، ويلحق بباب المسندات الى أن قال : و ... مما ذكرته في هذا الكتاب عن محمد بن يعقوب الكليني فقد اخبرنا ... ـ مع ان كتاب الكليني كان معلوما عندهم.

ومن السنّة الروايات التي دلت على الارجاع الى الرواة في مقامي القضاء والافتاء ، مثل ما ورد في التوقيع المبارك من قوله : «وأما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة أحاديثنا» (١) ، وما ورد في مقبولة عمر بن حنظلة ، من قوله عليه‌السلام : ينظران إلى من كان منكم ممن روى حديثنا (٢) ... ، وما ورد من قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : اللهم ارحم خلفائي ثلاثا ... الذين يأتون بعدي يروون حديثي (٣) ...» ، وغيرها من الروايات الدالة على وجوب الرجوع الى الرواة في القضاء والافتاء (٤).

وبناء على ذلك إذا لم يكن الواجد معدودا من الرواة ، فلا يمكن الرجوع إليه ، ولا يصحّ أن يكون قاضيا أو مفتيا.

وأما السيرة العملية فقد كان ديدن الأصحاب من القديم إلى زماننا على ذلك ، فإنهم كانوا يتحملون المشاق ويسافرون الى البلدان النائية لسماع الحديث عن طريق الإجازة ، وهكذا كان دأبهم ، حتى أنه عدّ من مشايخ الشهيد الأول أربعون شيخا من العامة (٥) ، وليس ذلك خاصا بعلم الحديث وحده بل يشمل غيره من سائر العلوم ، بل ان أمر الاجازة كان متعارفا عليه بين أصحاب

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١٨ باب ١١ من ابواب صفات القاضي ص ١٠١ ح ٩.

(٢) الكافي ج ١ باب فضل العلم ص ٦٧ ح ١٠.

(٣) وسائل الشيعة ج ١٨ باب ١١ من ابواب صفات القاضي ص ١٠١ ح ٧.

(٤) جامع احاديث الشيعة ج ١ المطبعة العلمية ١٣٩٩ ص ٢٢٤ وما بعدها.

(٥) مستدرك الوسائل ج ٣ الطبعة القديمة ص ٤٣٧.

٢٥٠

الأئمة عليهم‌السلام ، فقد كانوا يستجيزون بعضهم بعضا ويسمعون ويقرؤون ، ويشهد على ذلك : الرواية المتقدمة (١) عن احمد بن عمر الحلال ، ففي السؤال الوارد في الرواية إشعار بأن الاجازة مما لا بد منها ، ولهذا لم يرفض الامام عليه‌السلام ذلك بل أجابه بشرط العلم ، وأبلغ من ذلك رواية أحمد بن محمد بن عيسى فإنه سافر إلى الكوفة ، قال : خرجت إلى الكوفة فلقيت الحسن بن علي الوشاء ، فسألته أن يخرج كتاب العلاء بن رزين ، وأبان بن عثمان ، فأخرجهما إلي فقلت له أحب أن تجيزهما لي.

فقال لي : يرحمك الله ، وما عجلتك؟ اذهب فاكتبهما واسمع من بعد ... (٢) فيفهم منها ان الاجازة كانت متعارفة بين أصحاب الأئمة عليهم‌السلام ، فتثبت السيرة بذلك بلا رادع عنها ، وذلك كاف في الحجية.

ومما يؤكد الأمر ما ورد في ترجمة محمد بن سنان ، في رواية أيوب بن نوح ، ورواية الفضل بن شاذان ...

ففي الأولى : عن الكشي ، عن حمدويه ، أن أيوب بن نوح دفع إليه دفترا فيه روايات محمد بن سنان ، وقال : إن شئتم أن تكتبوا فافعلوا فإني كتبت عن محمد بن سنان ، ولكن لا أروي لكم عنه شيئا ، فإنه قال قبل موته : كلّما حدثتكم به لم يكن لي سماعا ولا رواية وإنما وجدته (٣).

وفي الثانية : قال ابن شاذان : لا أحل لكم ان ترووا أحاديث محمد بن سنان عني ما دمت حيا ، وأذن في الرواية بعد موته (٤).

وذلك كله كاشف عن ثبوت السيرة العملية بين الرواة والمحدثين.

__________________

(١) تقدم ذكرها في ص ١٧٢ من هذا الكتاب.

(٢) رجال النجاشي ج ١ الطبعة الاولى المحققة ص ١٣٨.

(٣) رجال الكشي مؤسسة آل البيت ج ٢ ص ٧٩٥.

(٤) ن. ص ص ٧٩٦.

٢٥١

ولا بأس بإيراد كلمات بعض الاعلام في المقام :

قال صاحب المعالم : قد كان للسلف الصالح رضوان الله عليهم مزيد اعتناء بشأنه (الحديث) وشدة اهتمام بروايته ، وعرفانه ، فقام بوظيفته منهم في كل عصر من تلك الأعصار أقوام ، بذلوا في رعايته جهدهم ، وأكثروا في ملاحظته كدهم ووكدهم ، فلله درّهم إذ عرفوا من قدره ما عرفوا ، وصرفوا من وجوه الهمم ما صرفوا ، ثم خلف من بعدهم خلف أضاعوا حقه ، وجهلوا قدره ، فاقتصروا من روايته على أدنى مراتبها ، وألقوا حبل درايته على غاربها (١) ... الخ.

وقال المحدث النوري : وهذا الاهتمام والاعتناء وتحمل المشاق ، والعتاب على من قنع بالاجازة ، دون ما فوقها من المراتب ، لمجرد التبرك والتيمن! كالتبرك بغسل الأكفان بماء الفرات ، ومسها بالضرائح المقدسة وغيرها ، مما لم يرد به نصّ ، واتّخذه بعضهم شعارا من دون أن يتفق عليه عوام الناس ، فضلا عن العلماء والأعلام ، خلاف الانصاف ، وهذا الاتفاق العملي والتصريح من البعض إن لم يوجب القطع بالاحتياج وعدم كونه للتيمن ، فلا أقل من الظن في مقام إثبات الحجّة المخالفة للأصل ، الكافي فيه الشك فيها ، فضلا عن الظن بالعدم ...

اللهم الا أن يقطع بعدم الحاجة ، ولا يخلو مدعيه من الاعوجاج واللجاجة (٢).

هذا غاية ما يمكن أن يستدلّ به على لزوم الاجازة كتابا وسنة وسيرة.

ويقابل هذا ، القول بعدم لزومها ، بل يكفي وقوع الكتاب أو الرواية في أيدينا مع العلم بنسبته الى صاحبه ، وتوفر شرائط الرواية من دون الحاجة الى

__________________

(١) البحار ج ١٠٩ ص ٤.

(٢) مستدرك الوسائل ج ٣ الطبعة القديمة ص ٣٧٦.

٢٥٢

الاجازة لعدم الدليل عليها ، بل الدليل على العدم (١) فهنا دعويان :

الأولى : انه لا دليل على لزوم الاجازة.

الثانية : الدليل على عدم اللزوم.

أما الدعوى الاولى : فما أورد من الأدلة في المقام محل نظر ، وتفصيل ذلك :

أما آية النبأ فهي مطلقة ، والأصل الاولي وإن كان عدم الجواز ، إلا أنه خرج عن هذا الأصل خبر العادل ، كما هو مسلّم ودليل حجية خبر العادل وهو آية النبأ مطلق غير مقيد بالاجازة ، فإذا كان الخبر عن مخبر عادل ترتب عليه الأثر وأخذ به من غير توقف على الاجازة.

وعند الشك في التقييد بالاجازة ، يتمسّك باطلاق الدليل.

وأما السنة وهي روايات القضاء ، والافتاء ، والارجاع إلى رواة الاحاديث ، ففيها :

أولا : أن حجيّة الفتوى ليست أمرا تعبديا ، وإنّما هي أمر عقلائي من باب الرجوع إلى أهل الخبرة ، فتكون هذه الروايات واردة في مقام الارشاد.

ثانيا : على فرض التسليم وأنها تعبديّة الّا ان التحدّث أو النقل ـ كما هو محلّ الكلام ـ غير مأخوذ في الروايات المذكورة.

أما رواية من كان من الفقهاء ... (٢) الخ فواضح إذ لم يؤخذ فيها عنوان التحدث ، وأما روايات القضاء ، فهي ناظرة إلى القاضي المفروض كونه راويا عن المعصوم عليه‌السلام ، وليست ناظرة إلى واجد الكتاب أو الرواية فالتقييد موردي ، مضافا إلى مشهورة ابي خديجة ، وفيها «ولكن انظروا الى رجل منكم يعلم شيئا

__________________

(١) مقباس الهداية في علم الدراية ج ٣ الطبعة الاولى المحققة ص ١٦٨.

(٢) البحار ج ٢ ـ دار الكتب الاسلامية ص ٨٨.

٢٥٣

من قضايانا» (١).

ولم يؤخذ فيها عنوان الراوي.

وأما السيرة العملية ، فالاهتمام بجمع الروايات وتحمل المشاق في سبيلها غير قابل للانكار ، إلا أن هذه السيرة العملية دليل لبّي لا يمكن التمسك باطلاقه ، فإن الاهتمام قد يكون للاجازة في الرواية ، وقد يكون لشيء آخر ككونه من القربات ، او غير ذلك ، فلا يمكن الجزم بأن اهتمامهم إنما كان لأجل لزوم الاجازة فقط ، كما لا يمكن الأخذ بإطلاق السيرة.

وأما الدعوى الثانية : فيمكن القول بعدم اعتبار الاجازة لأمور :

الأول : السيرة العقلائية الجارية على الأخذ بما في الكتب المعلومة النسبة لأصحابها من دون توقف على الاجازة ، وهذه السيرة أقوى من السابقة.

فمن المعلوم أنه إذا وقع الكتاب في أيديهم ، وعلموا بنسبته لصاحبه ، عملوا به من دون توقف على إجازة من صاحبه ، وإلا لانسد باب العمل بالكتب ، وهذه السيرة العقلائية ليست حادثة ، بل هي جارية قبل الاسلام ، وبعده وإلى زماننا ، ومما يؤيد هذه السيرة كلام الشيخ في العدة المتقدم ذكره (٢) ، وحاصله أنه إذا وقع خلاف بين الأصحاب وأحال أحدهم على اصل أو كتاب فإنهم يسكتون ويقبلون ، ولو كانت الاجازة شرطا فكيف يسكت الاصحاب عن ذلك؟

والمستفاد من هذا أن الاهتمام بالاجازة ، إنما هو لأمر آخر لا لتوقف العمل بما في الكتب عليها ، مضافا الى انه يمكن استظهار ذلك من بعض

__________________

(١) وسائل الشيعة ح ١٨ باب ١ من ابواب صفات القاضي ص ٤ ح ٥.

(٢) ص ٥١ من هذا الكتاب وتكرر نقلها فى أكثر من موضع.

٢٥٤

الروايات ، فتكون دليلا على المدعى ، فمن ذلك : ما رواه أحمد بن محمد بن الحسن بن أبي خالد شنبوله قال : قلت لأبي جعفر الثاني عليه‌السلام : جعلت فداك ، إن مشايخنا رووا عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليهما‌السلام وكانت التقية شديدة فكتموا كتبهم فلم يرو عنهم ، فلما ماتوا صارت الكتب إلينا. فقال : حدثوا بها فإنها حق (١).

ومن ذلك الرواية التي ذكرناها سابقا عن أحمد بن عمر الحلال قال : قلت لأبي الحسن الرضا عليه‌السلام : الرجل من أصحابنا يعطيني الكتاب ، ولا يقول اروه عني ، يجوز لي أن أرويه عنه؟ فقال : إذا علمت ان الكتاب له فاروه عنه (٢).

ومنه أيضا ما ذكره الشيخ في الغيبة من رواية السؤال عن كتب ابن أبي العزاقر ، وعن كتب بني فضال ، وكان جواب الامام عليه‌السلام : «خذوا بما رووا وذروا ما رأوا» (٣) ، فهذه الكتب معلومة انها لهؤلاء الأشخاص ، وحسب الفرض أن بني فضال ثقاة.

ومن ذلك أيضا رواية السؤال عن كتاب يونس بن عبد الرحمن ، فعن عبد الله بن جعفر الحميري قال : قال لنا أبو هاشم داود بن القاسم الجعفري رحمه‌الله : عرضت على أبي محمد صاحب العسكر عليه‌السلام ، كتاب يوم وليلة ليونس فقال لي : تصنيف من هذا؟

فقلت : تصنيف يونس مولى آل يقطين.

فقال : اعطاه الله بكل حرف نورا يوم القيامة (٤) والروايات في هذا المعنى كثيرة. (٥)

__________________

(١) وسائل الشيعة ح ١٨ باب ٨ من ابواب صفات القاضي ص ٥٨.

(٢) ن. ص ص ٥٥.

(٣) ن. ص ص ٧٢.

(٤) ن. ص ٧٢.

(٥) وسائل الشيعة ج ١٨ باب وجوب العمل بأحاديث النبي والائمة عليهم‌السلام ص ٥٢.

٢٥٥

وكذلك يمكن الاستدلال بروايات أخر ، كالروايات الآمرة بالكتابة كما في رواية المفضل بن عمر ، قال : قال لي ابو عبد الله عليه‌السلام : اكتب وبث في أخوانك (١) وغيرها من الروايات.

والحاصل ان المعيار هو العلم بنسبة الكتاب الى صاحبه ، وصحة الرواية فلا يعتبر في حجية العمل بها اشتراط الاجازة.

وأما قول المحدث النوري الذي يرى أن الاجازة مقتضى الاحتياط ، فلم يظهر له وجه معتبر ، وقد نقل المحدث النوري عن بعض العلماء قال : كنت حاضرا في محفل شيخنا الاعظم الانصاري قدس‌سره ، فسأله الفقيه الشيخ مهدي النجفي سبط كاشف الغطاء قال ما معناه : إنه بلغني أن جنابك تحتاط بثلاث تسبيحات كبرى في الركوع والسجود فما وجهه؟ فقال : أنت أدركت أباك الشيخ علي؟

قال : نعم ، قال : كيف يصلي؟ قال : بثلاث تسبيحات كبرى ، قال : أدركت عمك الشيخ موسى؟ قال : نعم ، قال : كيف كان يصلي؟ قال : بالثلاث ، قال : أدركت عمك الشيخ حسن؟ قال : نعم ، قال : كيف يصلي؟ فإجابه بمثل ذلك.

فقال : يكفي في مقام الاحتياط مواظبة ثلاثة من الفقهاء في العمل.

ومما يستغرب من جملة من الأعلام في هذه الاعصار أنهم يحتاطون في كثير من الفروع الجزئية ، لشبهة ضعيفة كمخالفة قليل ، مع عدم ظهور دليل ، بل قيام الدليل المعتبر على خلافه ، ولا يحتاطون في أخذ الاجازة والدخول في عنوان الراوي ، كما دخله كل من تقدم علينا حتى من صرح بكونه للتبرك ، لما مرّ ويأتي من الشبهات ، مع أنه في تركه مع احتمال الاحتياج إليه يهدم اساس فقهه من الطهارة إلى الديات» (٢).

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١٨ باب وجوب العمل بأحاديث النبي والائمة عليهم‌السلام ص ٥٦.

(٢) مستدرك الوسائل ج ٣ الطبعة القديمة ص ٣٧٦.

٢٥٦

والحق في المقام هو القول الرابع ، فإن الاجازة من المستحبات الأكيدة التي لها شأن عظيم ، إلا أنها ليست على نحو المستحبات المتعارفة ، بل هي فوق ذلك لأمور :

الأول : أن في الاجازة تعظيما وتجليلا لشعائر الله تعالى ، إذ الاهتمام بشأن أحاديث المعصومين عليهم‌السلام ، من أعظم الشعائر.

الثاني : ان الاجازة موجبة لاتصال السند بالائمة المعصومين عليهم‌السلام ، ومنهم إلى النبي الاعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، ومنه إلى الله جل جلاله ، وشأن هذا المعنى لا ينكر ، وأهميته لا تخفى.

ويعلم هذا من الروايات الكثيرة الواردة بعنوان «حديثي حديث أبي ، وحديث أبي حديث جدي ... إلى قوله وحديث رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قول الله عزوجل» (١) وبعنوان كل ما اقول من الاحاديث فهو عن هذا الطريق. (٢)

فدخول الشخص في سند هكذا سلسلته أمر مطلوب ومحبوب بلا إشكال.

الثالث : ان الاجازة تقتضي الحفاظ على الروايات من التصحيف ، والضياع ، والنسيان ، فقد يكون الكتاب معلوما في زمن ، ثم يفقد لسبب أو لآخر كما في بعض الكتب التي ادعي انها كانت مشهورة معروفة في زمن سابق ، ثم أصبحت وليس لها ذكر ، فتحمل الرواية عن طريق الاجازة حفظ لهذه الروايات عن الاندراس.

ومما يؤيد ما ذكرنا ما يستفاد من الروايات الكثيرة الدالة على هذا المعنى

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١٨ باب ٨ من أبواب صفات القاضي ص ٥٨.

(٢) ن. ص ص ٩٩.

٢٥٧

مثل «اعرفوا ـ ارفعوا ـ منازل شيعتنا بمقدار روايتهم عنا» (١).

فمن مجموع هذه الامور يقوى القول بأن الاجازة أمر مرغوب في نفسه ، ومستحب مؤكد ، وليست الاجازة لمجرد التيمن والتبرك ، كما أنها ليست على نحو اللزوم.

والحاصل أن للاجازة فوائد تترتّب عليها ، كاتصال الطريق إلى الروايات والكتب وأصحابها ، كما أنها تكون خلاصة للسماع والقراءة ، وان كانت أدنى رتبة منهما لاجمالها وتفصيلهما ، إلا أن فائدتها لا تقصر عنهما ، وبواسطتها يمكن الاستناد إلى شخص الراوي وصاحب الكتاب لا بدونها.

كما أن الاجازة بمنزلة التصحيح فيما إذا كان متعلقها معلوما لكونها ليست إذنا مطلقا ، بل فيما إذا كان المجيز ملتفتا إلى الرواية من حيث خلوها عن التصحيف ، والخطأ ، والتحريف ، ونحو ذلك ، وبناء عليه تترتب بعض الاحكام المتعلقة بالاجازة وهي :

١ ـ إن الكتاب إذا كان مشهورا أو الرواية إذا كانت متواترة فلا حاجة إلى ذكر التصحيف ، والتصحيح في الاجازة.

٢ ـ في حالة عدم شهرة الكتاب أو تواتر الرواية ، فمع تعدد النسخ لا بدّ من تعيين النسخة المجازة ، والا فلا فائدة فيها إذ الاجازة حينئذ بمنزلة الاذن المطلق ، ولا أثر يترتب عليه.

٣ ـ تظهر فائدة الاجازة في الروايات والكتب الروائية ، أما غيرها من كتب التاريخ واللغة والحكمة وغيرها وإن اجراها بعضهم (٢) فيها إلا أنه إلحاق لها بالرواية والأصل عدمه ، وتظهر الثمرة في حالتي التصحيح والتصحيف ، إذ

__________________

(١) وسائل الشيعة ج ١٨ باب ٨ من أبواب صفات القاضي ص ١٠٨.

(٢) مستدرك الوسائل ج ٣ الطبعة القديمة ص ٣٧٧.

٢٥٨

المجيز يتكفل بخلو الرواية أو الكتاب عن التصحيف والخطأ ، فإن قلنا بشمولها لغير الكتب الروائية فكذلك ، وإلا فلا والذي يهمنا في المقام هي الكتب الروائية المتعلقة بمدارك الأحكام الشرعية إذ هي محلّ البحث والكلام.

ونظرا لأهمية الاجازة ، وما اخترناه في المقام من استحبابها المؤكد استجزنا عدة من الأساتذة الأعلام ، نخص بالذكر : السيد الاستاذ قدس‌سره فإنه شرّفنا بإجازة رواية الكتب الأربعة ، وغيرها من الكتب الروائية ، بطرقه المذكورة في المعجم عن مشايخه المتصلة بالأئمة عليهم‌السلام.

وبهذا ينتهي الكلام عن الاجازة وأهميتها وأثرها وهو تمام البحث عن طرق تحمل الرواية.

٢٥٩

وأمّا الجهة الثانية : وهي كيفية نقل الرواية فعلى أقسام أيضا ، وهي :

١ ـ الكتاب أو الأصل.

٢ ـ النسخة.

٣ ـ الرسائل.

٤ ـ المسائل.

٥ ـ النوادر.

٦ ـ الروايات.

الأول : الكتاب أو الأصل

قد وقع الاختلاف فيهما ، الا أن المتفق عليه عندهم ، أن الكتاب أعمّ من الأصل فكل أصل كتاب ولا عكس.

والأقوال في معنى الأصل خمسة :

١ ـ ما ذهب إليه بعضهم من أن الأصل عبارة عن ما صنفه أصحاب الامام الصادق عليه‌السلام ، وما سمعوه منه مباشرة جوابا لمسائلهم ، وقد بلغت أربعمائة اصل وهي المعروفة بالاصول الأربعمائة (١).

وفيه أن بعض الأجلاء من أصحابه عليه‌السلام ، لا تعد كتبه اصولا مع انه قد سمعها منه بلا واسطة كأبان بن تغلب ، وأبان بن عثمان ، وأحمد بن محمد بن عمار ، وزياد بن المنذر ، وغيرهم.

٢ ـ ان الأصل ما كانت فيه الروايات غير مبوبة ، بخلاف الكتاب (٢).

__________________

(١) مقباس الهداية في علم الدراية الطبعة الاولى المحققة ص ٢٠ ، ٢٦.

(٢) ن. ص ص ٢٥.

٢٦٠