🚘

نفحات الذّات - ج ٣

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٣

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
ISBN: 978-964-397-974-4
🚘 نسخة غير مصححة

الفقر إلى الأبد ، وهذا القرار يعني سلسلة برامج ومقدّمات وجهود ومعاناة وآلام ، تمخّضت كلّها عن قفزة نحو الاكتفاء المالي وبلوغ الإمساك بزمام المبادرة وعدم الخضوع والتأ ثّر بأيّة ضغوط وإلزامات تصادر الاستقلال والحرّيّة ..

ولقد منحني الاكتفاء المالي فرصة التفكير بتحقيق الطموحات التي طالما عطّلها الفقر ، أخصّ منها الطموحات الثقافيّة والخيريّة والاجتماعيّة .. ولعلّ قربي من مصادر الثروة والمال والدعم المتنوّع والخدمات الجليلة قد ساعدني في تجربة الحفاظ على المال ـ ولاسيّما المال العام ـ وصرفه في موارده ومستحقّيه من الفقراء والأيتام والمحتاجين ..

نعم ، لقد اجتهدت في مواطن كثيرة ، فتصرّفت بدفع الأموال إلى هذه الطبقات المسحوقة التي قد لا يفكّر بها هذا وذاك أبداً ، ولا أطلب من ذلك العمل أيّ نفع وفائدة ومغنم سوى رضى المولى تبارك وتعالى ، وقد صرّحت في مناسبات مختلفة بكوني لا أملك لنفسي شيئاً ، وكلّ ما عندي أمانة بيدي ، لأ نّي لا أطلب سوى كفافي ، الكفاف المناسب بالطبع ، الذي يخرجني من دائرة الفقر وآثاره ..

أعتقد أنّ إدخالي السرور والفرح على قلب اليتيم والفقير والمحتاج فيه من النشوة والراحة ما لا يقدّران بثمن مطلقا ، وعسى الله سبحانه أن يسامحني في اجتهادي هذا ويدفع عنّي وأهلي ومن آزرني البلاء وسوء العذاب ويحسن عواقب الاُمور ، إنّه غفور رحيم ..

٤٢١

كان لتواصلي الفاعل والإيجابي مع مركز المؤسّسة في قم أثره الكبير في رغبة رئيسها ومؤسّسها بالانتقال ، وقد عبّر عن ذلك خلال اتّصال هاتفي أواسط سنة ١٤١٥ هـ .. ق واقترح عملاً مزدوجاً في المؤسّسة ومكتب المرجعيّة ، لكنّي فضّلت البقاء على تخصّصي بدعم من أصدقائي في اللجنة الإداريّة ..

ومع أنّي كنت أرغب بفضاء التخصّص في مدينة قم لكنّ الرغبة شيء والواقع والفعل شيء آخر ; إذ الأمر يحتاج إلى تفكير وتأمّل ومقارنة ومراجعة واستقراء ، وقد طال ذلك حوالي السنة ، مرّت أيّامٌ قرّرت فيها البقاء ، واُخرى صمّمت فيها على الرحيل .. وثالثة كنت متردّداً فيها بين هذا وذاك .. ولعلّي كنت أنتظر الحجّة المناسبة للعزوف عن الذهاب ، حيث مثّل لي التحوّل تحدّياً ومجازفةً واختباراً صعباً ، فالمركز يختلف عن الفرع اختلافاً شاسعاً ، على شتّى الأصعدة والمجالات ، كمّاً وكيفاً ، والنجاح في محيط محدود كفرع مشهد لا يعني حصوله في محيط كبير جدّاً ، ولاسيّما في ظلّ الظروف التي أعيشها أنا كشخص جديد قادم من مكان بعيد جاء ليدير تحقيق النصوص في مركز الكيان المعروف والمشهور بمكانته ونتاجه وطاقاته .. لكنّي ـ كما ذكرت مراراً ـ اُصارع التحدّي وأسعى لإثبات قدراتي مع ما في العمليّة من موانع وأخطار ..

ولداي كانا صغيرين لا يستطيعان إبداء الرأي ، أمّا زوجتي فما كانت تخفي رغبتها بل ربما فرحتها بالانتقال ; لوجود أهلها في قم ، ولانتعاش الآمال بتحسّن الأوضاع ، إلى ذلك فلقد عانيتُ التوتّر في العلاقات مع

٤٢٢

بعض الأقارب والناس ، لا أدري لعلّي أنا المخطئ أم هم ، لا اُريد خوض التفاصيل التي قد تجرّني إلى التهمة والغيبة والبهتان ، لذا أكتفي بذكر هذا الأمر على كونه أحد العوامل التي دفعت بي إلى الرحيل ..

«جفاءٌ بحقّ الإمام (عليه السلام) إذا انتقلت» عبارةٌ سمعتها من أكثر من شخص محترم ، وكنت قبلها منهمكاً بكيفيّة مغادرة أرض طاهرة وموطن مقدّس ضمّني واحتضنني ومنحني بركات وخيرات من فيض الموجود العظيم ، عليّ بن موسى الرضا عليه السلام ، فبفضله اهتديت وتعلّمت وتقدّمت وصرت أفهم الأشياء واُدرك الاُمور بنحو أكثر عمقاً وجوهريّةً وأصالة .. وكيف لي الرحيل عن مدينة عشقتها لما فيها من القدسيّة وأنفاس العصمة والنجابة والطيب؟! لقد أرّقني «الجفاء» وأقضّ مضجعي .... لكنّي إن قرّرت الرحيل إنّما بأمل الرجوع يوماً ما إلى أنيس النفوس ومهوى الأفئدة ، سيّدي ومولاي أبي الحسن الرضا عليه السلام ، أملاً مفعماً بالدعاء لم يخفت ولم يأفل ، بل يزداد عنفواناً كلّ يوم ، ولن يشتاق القلب ويهفو كما يشتاق ويهفو إلى مشهد الرضا ، عسى ربّي أن يستجيب لي دعائي ويحقّق لي مناي ..

ولا أرى المولى عليه السلام غاضباً عليّ وقد اتّخذت من مدينة اُخته فاطمة المعصومة عليها السلام موطناً ، مركز الإشعاع العلمي الديني والثقافي ، حصن آل محمّد عليهم السلام ، وما ورد في «قم» وأعلامها من روايات وأقوال وتاريخ مجيد كثيرٌ لا يمكن لهذه الصفحات استغراقه مطلقاً ..

٤٢٣

وتمثّل «قم» اليوم حاضرة التشيّع ومعلمه الكبير ; لما تقوم به من دور محوري في الذود عن مدرسة آل البيت (عليهم السلام) وعلومها السامية ... وحركة النشر والتحقيق فيها والتأليف ومراكز الثقافة ومعاهد العلم ودور الانترنت ونظائرها دؤوبةٌ شامخةٌ دائمة النموّ والازدهار ..

نحن في مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث جزء من هذه الحركة الهائلة التي تسعى إلى بثّ قيم ومبادئ ومفاهيم بيت العصمة والطهارة .. وهذا ما يخفّف من وطأة الإحساس بالبعد والجفاء ، ولاسيّما أنّي قد واصلت دراساتي الحوزويّة العليا بمجرّد الاستقرار في قم ، وهذا الدرس والتحقيق كلاهما يصبّان في رضى آل محمّد (عليهم السلام) إن شاء الله تعالى ..

انتقلت في الثامن من ذي القعدة الحرام عام ١٤١٦ إلى قم ، غادرت مشهد بالدموع والقلق وخشية الفشل ، في ليلة شديدة المطر ، عزمت على الرحيل ولا أعلم المصير ولا أدري ماذا سيحلّ بي هناك ، ومن منّا يقبل الشماتة والتشفّي في حال السقوط؟! لذا قرّرت عدم الرجوع قطّ إلى مشهد لو أصابني الفشل ، فالنكسة يمكن معالجتها وإدارتها لكن تربّص البعض الشامت مرير مؤلم ..

وأقولها بالضرس القاطع والاعتقاد الراسخ : إنّني ما جفوت سيّدي الرضا (عليه السلام) أبداً في رحيلي عنه ، إنّما نويت الخدمة أكثر لقيم ومفاهيم تعلّمناها وأخذناها منهم عليهم السلام ، والواقع خيرُ دليل على ما أدّعي ; إذ لي الفخر أن حقّقتُ وكتبتُ وراجعتُ وأشرفتُ وساهمتُ في عشرات

٤٢٤

الكتب والآثار والرسائل والمقالات التي تروّج وتبيّن شموخ وأصالة وعمق مبادئ أهل البيت (عليهم السلام) ، إلى ذلك حضور الدروس الحوزويّة في أعلى مراحلها .. كلّ ذلك موثّق بالسندات والشهادات والإمضاءات ..

لا يمكن مقارنة أجواء العمل في فرع مشهد الصغير مع ما هي عليه في مركز قم الكبير من حيث الحجم والسعة والنشاط والتنوّع والإمكانيّات والموضوعيّة ، أمّا العلاقات والارتباطات والتنسيقات فهي في أعلى مراحلها أيضاً .. ولقد لاحظت بشكل ملموس في أوائل قدومي أنّ المؤسّسة التي كنت اُشاهدها كزائر لبضعة أيّام وأرسم انطباعاتي المحدودة عنها ، إنّما تختلف عمّا أنا عليه كمقيم دائم بها ; حيث تكوّنت في ذهني بعد توطّني فيها صورٌ ومصاديق وتوفّرت معلومات ومشاهدات وانطباعات هائلة جدّاً ..

أرجو درك كوني إنساناً جاء من الفرع الصغير ليدير تحقيق النصوص في المركز الكبير جدّاً بعنوانه وأفراده وطاقاته ، مع تلك الهالة العظيمة المحيطة به ، بفعل المحوريّة التي يتمتّع بها ، نتيجة وجود السيّد جواد الشهرستاني صاحب الإدارة الفذّة والنفوذ القوي والاستقطاب الساحر ..

عانيت بداية المشوار كثيراً وأنا أشرع تدريجيّاً باستلام مهامّ المسؤوليّة ، وربما لم يرق للبعض حضوري وأنا القادم من الفرع لإدارة التحقيق في المركز ، لكنّي كنت أستفاد غاية الاستفادة من كلّ الفرص التي

٤٢٥

تسنح لي كي اُثبت بها الجدارة والاستحقاق ..

أوّل ما حاولت فهمه ومعرفته أسماء الأفراد واحداً واحداً وحجم مستوياتهم العلميّة والتحقيقيّة وخصائصهم ومزاياهم وطبيعة شخصيّاتهم ونفسيّاتهم ; كي يتسنّى لي التعامل معهم بالشكل المناسب ، لذا كنت أتصرّف بحذر مع الجميع بلا استثناء حتى أستطيع الإشراف والإمساك والتوغّل في الميادين الإداريّة والعلميّة رويداً رويدا .. صادفتني بعض المشاكل والتعكيرات ـ ربما متعمّدة أو غير متعمّدة ـ لكنّي تمكّنت من احتوائها وإثبات قوّتي في مواجهتها ، ولا أنسى أبداً دعم الإدارة لي في ترسيخ وجودي واستمراري ..

بذلتُ جهدي كي أكون في ميدان العمل رقماً فاعلاً مؤثّراً ، فكنت أجلس مع الجميع للاستماع منهم ، الأمر الذي زاد من معلوماتي عن واقع التحقيق ومشكلاته ، فصرت أنطلق شيئاً فشيئاً إلى مسائل أكبر وقضايا أهم ..

انتظمت الجلسات التي كان يتفاعل معها السيّد الشهرستاني ، ومن خلالها استطعنا حلّ الكثير من المشاكل التي تعترض سير العمل وتطوّره ..

كنت اُحاول قدر الإمكان الدفاع عن إدارة المؤسّسة من جانب وعن مطالب المحقّقين والموظّفين من جانب آخر ; لاعتقادي بضرورة الجمع بينهما كي نواصل العمل والإنتاج بكيفيّة أرقى وكمّيّة أكثر ..

انهمكت انهماكاً كاملاً في المؤسّسة وأعمالها ومتابعة كلّ ما يخدم

٤٢٦

وجودها ومستقبلها ; لقناعة راسخة بكونها تمثّل وجهاً ناصعاً ومعلماً بارزاً من معالم الطائفة وقيمها الحقّة ..

وما كان يثلم من وقتي في خدمتها سوى الدرس ولوازمه ، حيث نلت شرف حضور خارج اُصول الاُستاذ الوحيد دام ظلّه ثم خارج الفقه .. وبالتلفيق بين ما حضرته من درس الاُستاذ المرحوم الشيخ الفلسفي (قدس سره) ودرس الاُستاذ الوحيد دام ظلّه أكون قد أكملت حوالي دورة اُصول كاملة والحمد لله ..

كان التفاعل في ذروته ، وقضينا أوقاتاً رائعة وأيّاماً ساخنة ونحن نكافح ونجهد ونتابع ونتحمّل الصعاب من أجل الارتقاء بسطح العمل التحقيقي كمّاً وكيفاً ، وتكللت الجهود بنتاجات ثمينة جليلة رفدنا بها المكتبة الإسلاميّة والأوساط العلميّة والثقافيّة ..

وما كانت الأعمال العلميّة والثقافيّة الجانبيّة لتعوق مساعينا نحو بذل المزيد ، وهذه الأعمال الجانبيّة هي بالعشرات وتنهمر علينا بلاانقطاع ; لما تمثّله المؤسّسة من ثقل علمي وتحقيقي أكسبها ثقة الفضلاء والعلماء والمراكز المختصّة ، فصارت الفلتر المطمئنّ والمستشار الأمين والداعم الكبير الذي تهوي إليه الآثار المختلفة كي تخضع للإشراف والمراجعة والتدقيق ; ثمّ لتأخذ طريقها للطبع والنشر فيما بعد ..

لم يعد الوقت ملكاً لي ; إذ فرض الواقع الجديد مجموعة التزامات لا يمكن التخلّي عنها ، وتغيّرت الحياة بشتّى صورها ، وصرت أتمنّى لو

٤٢٧

تعلّمت أكثر في مشهد كي استثمره أكثر هنا في قم ، وعدت أشعر شعوراً آخر خلاف ما كنت عليه هناك ، حيث لم أجد هناك ما يدفعني بالشكل الفاعل للاستفادة ممّا تلقيته من علوم ودروس ، بخلاف ساحة قم التي وجدتُ فيها فضاءً رحباً وميداناً عملاقاً للعلوم والمعلومات والتخصّصات ، فهي بحقّ بورصة التفاعلات العلميّة والثقافيّة والمعرفيّة ، وما وجود المراجع العظام والفضلاء الكرام والنخب والطاقات الشهيرة ثم سموّ مئات المراكز والمعاهد والمؤسّسات المختصّة إلاّ مؤشّر جلي على سخونة الأجواء وديناميكيّة الحركة العلميّة ... وأمّا الكمّ الهائل من النتاجات المتلوّنة على شتّى السطوح والمستويات وفي مختلف الثقافات والمعارف فهو راشح هذه الحركة الفريدة التي انطلقت بعد انتصار الثورة الإسلاميّة .. غدت قم معقل العلم الأوّل وملاذ الوافدين من كلّ أصقاع العالم ليتزوّدوا من معين معارفها المستقاة من اُصول ومناهج آل البيت (عليهم السلام) ..

ولسنا مستثنين من هذا الفضاء المفعم بالحركة والفاعليّة ، فقد أثّر في اندفاعنا الجمعي والفردي نحو بذل المزيد برفد الأوساط المعرفيّة باُمّهات المصادر والمراجع والآثار خير تأثير ..

ازدادت مراكز ومؤسّسات التحقيق ازدياداً عجيباً ، ورغم السمعة والمكانة التي تمتاز بها مؤسّستنا لكنّنا أصبحنا رقماً بين الأرقام الموجودة بعد ما كنّا رائد الميدان وفرس الرهان الأوّل .. كان علينا صرف الجهد المضاعف للمحافظة على الاعتبار والمنزلة ..

٤٢٨

أسّسنا مجلّة تراثنا الفصليّة التي لاقت ترحيباً وإعجاباً كبيرين ، أسّس الآخرون أيضاً فصليّات وشهريّات و ...

افتتحنا شبكة رافد الثقافيّة المعلوماتيّة الانترنيتيّة ، افتتح الآخرون شبكات انترنت أيضاً ..

فزنا بالجوائز وفاز الآخرون ...

وهكذا تستمرّ الحركة والنشاط والابتكار والإبداع والمنافسة من أجل خدمة القيم والمبادئ ..

بسرعة قياسيّة استطعت تثبيت وترسيخ وجودي العلمي والإداري في المؤسّسة ، الأمر الذي سهّل كثيراً في تحقيق جملة من الأغراض والأهداف والمطالب التي كنت أطمح من خلالها إلى تفعيل الفضاء التحقيقي والنشاط العام .. والدعم الذي كنت أتلقّاه باستمرار من السيّد الشهرستاني والهيئة الإداريّة ـ زملائي ـ ساعدني كثيراً في تنفيذ ما كنت اُفكّر به واُخطّط لإنجازه .. وبذلك تجاوزت تماماً مسألة «القادم الجديد من الفرع إلى المركز» ..

ازدادت ثقتي بنفسي كثيراً ، وصرت أطرح آرائي وتصوّراتي بكلّ قوّة ورسوخ ; انطلاقاً من عقيدة ثابتة بكون المؤسّسة منصّة قفز مطمئنّة نحو خدمة الدين والطائفة .. ولقد عاهدت نفسي على البقاء فيها مادامت تخدم الدين والطائفة ، وأعدّ خروجي منها خيانةً وهروباً من تحمّل المسؤوليّة الأخلاقيّة والشرعيّة والعلميّة ..

٤٢٩

وأنا في خضمّ الفضاء الجديد العملاق قياساً إلى ذلك الفرع ، كان عليّ التفكير بالأساليب والآليّات والأدوات التي تجعلني رقماً فاعلاً يقاوم كلّ الأفعال ـ المقصودة وغيرها ـ التي تحاول تهميشه وتضعيفه وعزله ، لذا تعاملت مع الواقع الجديد طبق المناهج والمعايير التي استفدتها من فلسفة التحقيق والدرس ، مجانباً بذلك التهوّر والتسرّع والاستعجال في إصدار الآراء والأحكام ، معتمداً التأ نّي والمراجعة والمقارنة والاستقراء والتحليل والقراءة المعمّقة كي أحصل على النتائج المطلوبة ، ولا اُنكر الأخطاء والهفوات التي كانت ولازالت تقع بين الفترة والاُخرى ، إلاّ أنّ التزامي بالمراجعة يساعدني كثيراً في تقليل نسبة الخطأ .. كما ويعدّ فهم خصائص الآخرين والتعرّف على نقاط القوّة والضعف فيهم أمراً على غاية الأهمّيّة في تحقيق النجاح ..

بدأت الفاصلة تكبر شيئاً فشيئاً بين السيّد جواد الشهرستاني بعنوانه مؤسّس ورئيس المؤسّسة وبين السيّد جواد الشهرستاني بعنوانه الوكيل المطلق لمرجعيّة السيّد السيستاني مدّ ظلّه ; بفعل التزامات ولوازم ومشاغل المرجعيّة التي لا يمكن قياسها بمشاغل المؤسّسة أبداً على شتّى الأصعدة الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والثقافيّة والإعلاميّة وغيرها ..

يرى السيّد الشهرستاني أنّ المؤسّسة قد اجتازت كلّ العوائق والمشاكل التي كانت تعترضها آنذاك وأنّ الفضاء الحالي مهيّأٌ جدّاً لمواصلة السير براحة البال الخالية من أيّ منغّص ومعكّر ..

٤٣٠

ويرى الآخرون أنّ الفاصلة كلّما ازدادت بينه وبين المؤسّسة كلّما أفل النشاط وقلّ الاهتمام بها كمؤسّسة تحقيق ، وهذا ما يضعف نتاجها ..

كما ويرى البعض أنّ المؤسّسة كانت ذراعاً استخدمه واستفاد منه السيّد الشهرستاني لنيل مطامحه ، وقد حقّق آماله ، فالمؤسّسة باتت إذن خارج سلّم أولويّاته رغم كونهاثمرة جهوده الشخصيّة ..

ويعتقد البعض أنّ غلق أحد فروع المؤسّسة أو تضاؤل عمل المركز لم يعد يهمّ السيّد كثيراً ولاسيّما أنّه بات ينظر الملاك والميزان في مقدار نجاحه على مستوى المرجعيّة ..

شئنا أم أبينا ، صارت المؤسّسة قربان المرجعيّة وضحيّتها الكبيرة ، خصوصاً إذا أضفنا إلى المذكور أعلاه ـ لو صدق ـ تحوّلها بعين الناس والواقع إلى بيت المرجعيّة ومعقلها الأساس في إيران رغم وجود مكتب سماحة السيّد مدّ ظلّه ، وغدت مهوى ذوي الحاجات والمشاريع والأعمال التي لا تمت بأيّة صلة لمؤسّسة تحقيق .. والكثير بات ينظر لها كمركز مرجعي خيري اجتماعي .. وقد سحب السيّد الشهرستاني إلى فلك مهامّه وشعاع أعماله خيرة طاقات المؤسّسة ليستفاد منها بنحو وآخر في اُمور المرجعيّة ..

تأ ثّر محيط التحقيق سلباً بالواقع الجديد ، والذي زاد الطين بلّةً خيبة أمل الموظّفين عموماً ، حيث كانوا يرجون بالحال الجديد خيراً على مستوى الأوضاع المعاشيّة والاقتصاديّة بعد سنين عجاف قضوها في

٤٣١

خدمة المؤسّسة وأعمالها ، لكنّ الوضع لم يتغيّر كثيراً وبقيت مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) باُجورها من المؤسّسات القليلة العطاء نسبةً إلى نظائرها التي تعلو فيها الاُجور بكثير عمّا هي عليه عندنا ، الأمر الذي جعل أغلب طاقاتنا إمّا أن تلتزم بمشاريع ومؤسّسات اُخرى وتجعل من هنا محطّ رحال ليس إلاّ ، أو تغادر نهائيّاً بلا رجعة ..

إنّ قدماء المحقّقين والموظّفين أصبحوا يرون باُمّ أعينهم اُناساً جدداً يكبرون ويكبر دخلهم ، وحالهم المادّي والاقتصادي في تطوّر دائم من الحسن إلى الأحسن ، أمّا هم الذين بدأوا منذ بدايات المؤسّسة فلا زالوا يراوحون في مكانهم .. أوجد هذا الواقع ردّة فعل ولاسيّما بعد طول انتظارهم للخروج من هذه الأوضاع وأمل بالتحسّن في ظلّ المرجعيّة التي صارت وكالتها المطلقة من نصيب رئيس المؤسّسة ..

رغم كلّ ذلك ـ ورغم انتماء الكثيرين للمؤسّسة مؤخّراً بهدف الحصول على امتيازات وخصائص بفعل الواقع الجديد ـ فقد تمسّك عددٌ لا يستهان به من قدماء المحقّقين المرموقين بالمؤسّسة لمواصلة درب التحقيق وخدمة قيم الدين والطائفة ، واستمرّ العمل والنتاج رغم الاُفول الذي يصيبه بين الحين والآخر .. ولازالت قاعة التحقيق وتوابعها تمثّل جوهر المؤسّسة العلمي الذي يحفظ منزلتها الثقافيّة ومكانتها المعرفيّة بين الأوساط المختصّة ..

إنّنا الآن مؤسّسة كباقي المؤسّسات لا يميّزنا عنها سوى العنوان

٤٣٢

والتاريخ والأسبقيّة .. ولأجل النهوض وبثّ الحيويّة من جديد لابدّ من اهتمام خاصّ وابتكارات جديدة ومرغّبات معتدّ بها ، ومتابعات منتظمة من المؤسّس والإدارة ..

هذا ، إن كانت هناك رغبة حقيقيّة في ذلك تحت ظلّ الظروف الحالية .. ولا أعتقد أنّ الفرص تسنح دائماً لتلافي النواقص والأخطاء .. وإلاّ فالاُفول طبيعيٌّ طبق الشروط الحاكمة ، والأجواء المهيمنة إذا استمرّت على هذا المنوال فإنّها ليست في صالح المؤسّسة ومستقبلها العلمي ..

بذلتُ الجهود والمساعي وتحمّلتُ المشاقّ والصعاب والآلام ودفعتُ ـ كأقراني ـ ولا زلت أدفع ضريبة الوضع الذي أنا فيه بالكيان ولوازمه من آراء وأقاويل وتصوّرات واتّهامات ، وهي قضايا طبيعيّة ; نظراً للأجواء الحاكمة ومستوى الناس الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والديني ..

ولستُ متأ ثّراً كثيراً لهذا الأمر ; لاعتقادي وقناعتي بالخطّ والمنهج الذي اتّخذته في حياتي والذي تتخلّله بلا شكّ الأخطاء والهفوات ونقاط الضعف والنقص الواجب تداركها بالمراجعة والتأمّل والمطالعة ..

إنّما تأ ثّري من نوع الآلية المفروضة والسياقات التي يدار بها الكيان ، فالعقليّة الحاكمة والثقافة المهيمنة على إدارة شؤونه وسائر المراكز والمؤسّسات التي باشرت فعّاليّاتها بعد المرجعيّة هي عقليّة وثقافة اتّكالية ، فالكلّ يعتمد ـ حتى في جزئيّات القضايا ـ الرجوع إلى الوكيل العامّ .... وكنت قد كتبت كثيراً هنا وهناك وبيّنت الهيكليّة الإداريّة الموجودة

٤٣٣

وخصائصها والسلبيّات المترتّبة عليها بما لا حاجة معه إلى التكرار والإعادة ..

يمكن القول : إنّ مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) كمركمز علمي تحقيقي فقدت سلّم الأولويّة لدى المؤسّس ، وإن حافظت على محوريّتها ومركزيّتها فلأجل كونها مقرّ تواجده وحضوره وتوافد الناس عليه .. وهذا التراجع مشهود لدى الجميع وآثاره سارية على الفضاء داخل المؤسّسة ، ناهيك عن خارجها ; حيث العتب والنقد جرّاء انخفاض الفاعليّة العلميّة وانشغال الوكيل العامّ ومن حوله باُمور المرجعيّة.

نحن نبقى نجدّ بمساعينا كي نحفظ للمؤسّسة وجودها المعرفي والثقافي من خلال تواصل العمل والنتاج ، رغم كلّ الإشكاليّات والمعوّقات والمثبّطات ، رغم كلّ المغريات وأدوات الاستقطاب التي تستخدمها سائر المراكز المشابهة لجذب طاقاتنا ..

أمّا أنا فسائر على المنهج والمبنى الذي شيّدته لحياتي العلميّة والثقافيّة ; إذ «التحقيق» ما عاد هدفي وغايتي ، إنّه منصّة انطلاق نحو مشاريع وأهداف اُخرى ، ولاسيّما أنّ البقاء في إطاره يعني : تحجيم الاستعداد وتخدير الطاقات ومحاصرة الأفهام وحبس الأفكار وتأفيل الإبداع .. نعم ، أجد في الكتابة والمطالعة والمتابعة الثقافيّة المتنوّعة متنفّسي واُفقي الواسع وفضائي الذي اُحلّق فيه بلا قيود وتكبيل ، أمّا التحقيق فرغم الخدمة الجليلة التي أسداها لي فإنّه «بمعناه المعهود» يجعلني أسيرَ رؤى

٤٣٤

الآخرين وتابعاً لرواشحهم العلميّة رغم الذي أكنّه لهم من عظيم الإجلال والإكبار والاحترام ..

لا اُريد أن أدور في فلك آثار الآخرين دوراناً ذيليّاً ، إنّما أهدف إلى التعلّم من أفكارهم لأستثمرها في صقل وبلورة وصياغة أفكاري ، ولذلك حاولت منذ البدء أن أجعل «التحقيق» ـ لما يفرض عليّ من مراجعات ومطالعات وتأمّلات ومناقشات ـ واحداً من المناهج التي أملأ بها فراغاً علميّاً لم تتوفّر الفرصة الدراسيّة في اغتنامه ، مثلاً تمكّنت نوعاً ما من الاستعاضة بالبحوث التحقيقيّة التي اُوكلت لي مهمّة ضبط وتقويم نصوصها ـ ككتاب الحجّ والنكاح والقضاء والشهادات والصوم والخمس والزكاة والإجارة ـ عن بحوث دروس الخارج الفقهيّة التي لم اُوفّق للاشتراك فيها ..

وعلى ضوء المجموع الكلّي حصلتُ على مقدار من الخلفيّة العلميّة والثقافيّة التي تمكنّني من صياغة وتدوين الرؤى والأفكار التي أسلك في عرضها وبيانها مسلك «المسافات القصيرة» ; حيث لا أميل إلى التطويل المملّ والإيجاز المخلّ ، خصوصاً أنّ عصرنا والظرف الراهن يحتاج القيم والمفاهيم والمبادئ التي تُنشَر بنحو محتوائي جذّاب استقطابي ، وهذا ما يستدعي الإبداع والابتكار المقترنين بالأساليب الممتعة التي تميل لها الطباع وتأنس لها النفوس وتتقبّلها أواسط العقول والأذهان ، أمّا الموسوعات والمطوّلات والمجاميع والدورات فإنّها اختصاصيّة ليس بمقدور غالب الناس الوصول إليها واقتنائها ومراجعتها وفهمها ; لسعتها

٤٣٥

وعمق مطالبها وغلاء أسعارها وافتقارها الوقت الكثير للإفادة منها .... وعالم اليوم هو عالم السرعة والحركة والاستفادة القصوى من عامل الزمن ، فلعلّ مقالة ما أو بحث أو جملة أو كلمة حتى ، تجد أثرها الفاعل في العقول والقلوب والنفوس أكثر من موسوعة ومجلّدات ...

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على محمّد وآله الطيّبين الطاهرين ..

٤٣٦

أنسنة الفكر والشعور............................................................. ٥

ممّا قيل في الفكر والمنهج........................................................... ٧

ممّا قيل في : الحداثة ، الأصالة ، المعاصرة ، الإبداع ، التجدّد والتجديد ، التقليد ، العقلانيّة الحداثة   ١٧

إشكاليّة الأصالة والمعاصرة..................................................... ٢٧

الأصالة..................................................................... ٢٩

الإبداع..................................................................... ٣٥

التجدّد والتجديد............................................................ ٣٩

التقليد...................................................................... ٤٣

العقلانيّة.................................................................... ٤٥

رواشح التسمية................................................................. ٥٨

الإفلاس الفكري............................................................... ٦٢

الفكر المقارن ، ضرورة الصراع والحوار.............................................. ٦٧

٤٣٧

الفكر لغةً................................................................... ٦٩

أمّا اصطلاحاً :.............................................................. ٧٠

فكرةٌ بلا رسالة............................................................... ١٠٥

ثورة الإبداع.................................................................. ١١١

الإبداعُ إمتاع................................................................. ١١٤

الإبداع قرين الصدق.......................................................... ١١٧

معنى التغيير.................................................................. ١١٩

التغيير حاجة................................................................. ١٢٣

سلطة النصّ ما بين الموروث والمعاصر............................................ ١٢٨

زمن الانحطاط الفكري......................................................... ١٣٣

الوسطيّة بين الأصالة والتجديد................................................. ١٤٠

الإرهاب الفكري.............................................................. ١٦٦

تمرين المعرفة.................................................................. ١٧٢

التدبير الصحيح.............................................................. ١٧٤

من أوهام فرانسس بيكون...................................................... ١٧٦

المالُ : استقلالٌ ونفوذٌ ، سيطرةٌ وقدرة............................................ ١٧٨

مقولتا العمق والقشر.......................................................... ١٨١

٤٣٨

صراع المانع والمقتضي.......................................................... ١٨٤

وقفة عَقَديّة.................................................................. ١٨٧

أمران : سؤال الأنا والآخر...................................................... ١٨٨

برمجة الرؤى المستقبليّة.......................................................... ١٨٨

ماذا نعني بأدوات البحث؟..................................................... ١٩١

نحن وعلم الكلام............................................................. ١٩٥

الفرقة الناجية................................................................. ٢٠٢

التشيّع وحدة مفهوم........................................................... ٢٠٦

التراث وازدواجية المعايير........................................................ ٢١٠

كونوا زيناً لنا................................................................. ٢١٤

هذا أنا فمن هم؟............................................................. ٢١٧

لِمَ نخاف ونخشى؟............................................................. ٢٢١

لماذا الإلهيات؟................................................................ ٢٢٤

حقّ التاريخ................................................................... ٢٢٧

فهم التاريخ.................................................................. ٢٣١

نهاية التأريخ.................................................................. ٢٣٤

القياس والإجماع............................................................... ٢٣٦

٤٣٩

أثر المكان والزمان............................................................. ٢٥٤

الاختراق الثقافي.............................................................. ٢٥٩

موقعنا في جدول التواصل التقني................................................. ٢٦٨

الفضائيّات................................................................... ٢٧١

بلا فصل وعنوان.............................................................. ٢٧٣

المحتويات..................................................................... ٤٣٧

٤٤٠