🚘

نفحات الذّات - ج ٣

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٣

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-974-4
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٤٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

ولو لاحظنا صراع شركتي فايكون Viacom وQvc للاستحواذ على شركة صناعة الاتّصالات الفضائيّة (بارامونت كومينيكشن) بمبلغ قدره عشرة بلايين دولار ـ كأوّل صفقة في التاريخ ـ لوقفنا على عمق الأهمّيّة التي تعوّل عليها الولايات المتّحدة في الهيمنة على الفضاء وصناعاته .. بل لا غرابة حينئذ أن نجد ٦٥% من الاتّصالات في العالم تصدر من أميركا ..

أمّا سيطرة محطّة CNN الأميركيّة ومحاولات محطّة BBCالبريطانيّة اللحاق بها فإنّه بحث وموضوع مترامي الأطراف يضيق به اُفق مقالتنا الموجزة ..

وهذه فرنسا بعظمة إمكانيّاتها التي تحاول الدخول في مواجهة مع أميركا كأوّل دولة اُوربيّة في مجال الصراع بين أميركا واُوربّا ، نجد أسواقها خاضعة بنسبة ٥٥% لسيطرة الأفلام الأميركيّة .. ومع ذلك فقد عارضت أميركا المحاولات الفرنسيّة للحدّ من هيمنتها الفضائيّة الثقافيّة بحجّة حرّيّة الاتّصال والتقاء الثقافات والمعلومات ..

ولقد استخدمت شبكة NBC الأميركيّة جهاز Fly Away لتغطية الانتخابات الفلبينيّة عام ١٩٨٦ التي شابها الاحتيال والتزوير ، الأمر الذي جعل الدعم الأميركي لماركوس يتآكل ويظهر نجم كوروزون أكينو وتسلّمها مقاليد الاُمور ..

نعم ، إنّ معاناة العالم أجمع تكمن في التأثير الثقافي الأميركي ، فكندا ـ مثلاً ـ مع عظمتها هي قزم أمام الاجتياح الثقافي الأميركي وهكذا فرنسا وانگلترا و ....

٢٦١

أصبحوا في كندا لا يميّزون بين الجنديّة الملكيّة والمباحث الأميركيّة ، وكذا القضاء الكندي يعاني الشيء نفسه .... الأطفال الكنديّون لا يدركون أنّهم كنديّون!

يقول شيللر ـ المنظّر في عالم الاتّصال ـ في «المتلاعبون بالعقول» : وسائل الإعلام هي امتداد للامبراطوريّة الأميركيّة التي بدأت تنتشر عالميّاً بعد الحرب العالميّة الثانية ..

أمّا إيغاد فيقول في «غزو العقول» : قوى الثقافة ينبغي أن تكون الغلاف الخلاّب لأيّة بضاعة سياسيّة ..

ويرى فيليب كومبس أنّ : التحرّك الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي للولايات المتّحدة يقترن بالتحرّك الإعلامي والثقافي الذي يكون في مستوى الأبعاد الثلاثة الاُخرى ..

ويجب أن لا ننسى البثّ المباشر DBC الموجّه نحو الشرق الأوسط ، لو بدأ عمليّاً ، ماذا ينبغي لنا أن نفعل ، وهذا المشروع آخذ بالاكتمال؟

هل فكّرنا بإيجاد منظومة أمنيّة ثقافيّة تقف حيال الغزو الثقافي المذكور؟

ماذا قدّمنا في مجال الاتّصالات وصناعات الفضاء ، ولاسيّما أنّ الأخطر في عصرنا الراهن «تثبيت الأفكار» وقد باتت اتّصالات الفضاء تؤدّي الدور الحاسم المصيري في نقل الأفكار وترسيخها في عالم غدا

٢٦٢

قريةً كونيّةً ليس إلاّ؟ إلى ذلك كلّه : ما تلعبه الفضائيّات من أداء مفصلي في مجال الاقتصاد والتربيّة والتعليم ...

إنّهم يسيرون بخطاهم النسقيّة لبلوغ المقصد من جانب ، ومن جانب آخر يخوضون ضدّنا حرباً إعلاميّة واسعة النطاق أوجز ما يقولون فيها : إنّنا ـ الإسلاميّون ـ نبثّ ثقافة التطرّف ونشجّع على الانسحاب من الحياة ونروّج للخرافات ونرسّخ مشاعر الاستسلام ونجانب العلم والتطوّر ..

ماذا عسانا أن نفعل إزاء كلّ ذلك ، هل نبقى متمسّكين بأدواتنا التقليديّة وآليّاتنا الكلاسيكيّة في بثّ ثقافاتنا وعقائدنا ورؤانا ، هل نظلّ معشعشين على القشور ونتنفّس مفاخر الماضي ونحيا الأحلام الورديّة بعودة ذلك المجد الغابر ، أم ننفض عن أنفسنا غبار التخلّف والتقاعس والظواهر الصوتيّة ونواجه الواقع ونقبل الحقيقة فنعيد حساباتنا ونراجع ونقوّم ونستقصي ونقرأ ونحلّل ... كي نلحق بركب التطوّر العلمي والتقني ، فننشئ درعاً مضادّاً وشبكة أمنيّة ومنظومة فكريّة دفاعيّة تقينا الغزو الثقافي الألكتروني اللائحة في الاُفق طلائعه والقادم أشدّ وقعاً وأعظم خطراً وأعمق اختراقاً؟!

إنّ أوّل ما ينبغي العمل لأجله هو إيجاد مواطئ قدم ثابتة ومحكمة في الفضاء ، ليس عبر شراء الأقمار الصناعيّة ، فهذه ليست مفخرة نتشدّق بها ، بل الأخذ بزمام المبادرة والدخول في مجال صناعات الفضاء واتّصالاته ، الأمر الذي يستدعي جهوداً علميّة كبيرة وإمكانيّات عظيمة

٢٦٣

من الطاقات والمتخصّصين والأموال والجرأة والثبات والمقاومة .. إنّها الخطوة الاُولى في الاتّجاه الصحيح نحو كيفيّة التعامل مع المعلومة وبها ، فإنّنا اليوم أشدّ ما نعانيه هو سيطرة المعلومة الأميركيّة علينا ، أيّة معلومة ، سياسيّة كانت أم ثقافيّة وفنيّة واقتصاديّة واجتماعيّة ، فالولايات المتّحدة ـ وكما قدّمنا ـ بفعل الهيمنة الفضائيّة والتقدّم التقني في مجال صناعات الاتّصالات الفضائيّة ، تمتلك حصّة الأسد في تصدير المعلومة إلى العالم ، الحقيقة التي لها لوازمها وتأثيراتها وتفاعلاتها ..

لذا بات علينا أن نفكّر في جذر المسألة وأساسها ، لنقف على حقيقة الأشياء بكلّ وضوح وشفّافيّة ، ونعترف بقوّة المعلومة الوافدة علينا ، هذه القوّة يجب أن تقف بوجهها قوّة اُخرى مساوية لها على أدنى تقدير كي تمنعها من التقدّم وتوقفها عند حدّها ، ناهيك عن كونها أقوى منها لتردّها إلى الخلف فتحتلّ مواقعها وتمسك زمام المبادرة بيدها ، من خلال إيصال معلوماتها وقذفها في ساحة المنافس ..

هكذا يجب أن نكون ، أن نمتلك القدرة على ايصال المعلومة التي لا توقف المعلومة المناوئة عند حدّها فحسب ، بل تسيطر على مناطقها فتفرض شروطها عليها كحقيقة على أرض الواقع ، مثلما يفرض المنتصر في أرض المعارك التقليديّة شروطه على الخاسر المنهزم ; إذ إنّنا إن لم نكن هكذا فسنبقى نتلقّى الكثير من الهجمات والضربات بلا أيّة مقاومة حقيقيّة ، وهذا يعني سقوطنا في فخّ الغزو الثقافي الذي يحسب له المناوئ ألف حساب في تركيعنا وسلخ هويّتنا وإملاء أفكاره علينا بلا حروب

٢٦٤

ودماء وقتل ، إنّما هي السبل الناعمة والأدوات الجذّابة والآليّات الظريفة والأشياء المثيرة التي تجعلنا متلقّين ومتابعين جيّدين ، وهذا أوّل الغيث ، ثم ينهمر التأثير والترسيخ وتثبيت الرؤى ..

بذات الآليّة والنسق والأدوات التي يعتمدها الندّ في إيصال المعلومة ، علينا أن نوصل معلومتنا ، كحدٍّ أدنى من حدود المقاومة والتصدّي لثقافة الغزو الجديدة ، وإلاّ فإنّنا ينبغي أن نكون أكثر جذّابيّةً واستقطاباً وإثارةً وترفيهاً سليماً في عرض وإيصال ثقافتنا وأفكارنا ومبادئنا ، وهذا الأمر يتطلّب جهداً عظيماً وطنيّاً وإمكانيّات هائلة على مستوى الدول والحكومات ومحاور الاُمّة الرئيسة كالمرجعيّات الدينيّة والعلميّة والتقنيّة والثقافيّة ، ويحتاج تعبئةً شاملةً لشتّى القطاعات المختصّة وإرساء المقدّمات والأوّليّات اللازمة ، مسبوقةً بمناقشة وتثبيت الخطط القريبة والبعيدة المدى ، وإن تحرّكت بعض الدول الإسلاميّة وقدّمت مؤخّراً نماذج طيّبة في مضمار صناعات اتّصالات الفضاء وغيرها ، فإنّها خطوة على جادّة الألف ميل تستدعي خطوات كثيرة اُخرى ..

علينا أن نحاكم المعتقد الغربي القائم على كوننا اُمّة محكومة تكويناً بالتخلّف ومحدوديّة الاستعداد العقلي والعلمي ، من خلال الإثباتات العلميّة العمليّة التي تدحض هذا المعتقد وتنسفه من الأساس .. إنّهم بلا شكّ غاضبون قلقون من بعض الإنجازات التي تحدث في هذا البلد الإسلامي وذاك ، ويبذلون سعيهم الحثيث لمنع وإفشال ومحاصرة أيّ تقدّم نحصل عليه ..

٢٦٥

وبمقدار ما نكون جادّين مخلصين في إنجاز التكاليف الملقاة على عاتقنا ، من خلال حماية ونشر وبيان القيم والمبادئ الحقّة ، عبر أرقى وأفضل الوسائل والآليّات التي تلبّي حاجة العصر ... بهذا المقدار تسري الروح والحيويّة والأمل في نفوس المؤمنين ويسري الحزن والقلق واليأس في نفوس المناوئين ..

إنّ الغزو الثقافي الذي نتعرّض له اليوم لم يخترقنا عبر المحاضرة والخطاب والندوة والمؤتمر والمهرجان ذوات الصبغة المملّة والتوجّه الواحد الذي يهمل ويحذف الرأي الآخر ... إنّما اخترقنا عبر الوسائط الترفيهيّة والأفلام والرقص والغناء والأزياء والدعايات الإعلاميّة الشيّقة والبرامج المسلّية المثيرة وعادات التغذية ونماذج الاحترام واللياقة في التعامل بين الأفراد ... إلى ذلك : الندوات والحوارات التي تقنع المشاهد والمستمع والقارئ وتجعله يشعر بوجود حرّيّة الرأي والاعتراض والشفّافيّة والصدق والواقعية في تناول مختلف الاُمور والقضايا ، بلا تعسّف واستبداد وغطرسة! حيث الشاخص الأوّل فيها الإنسان ومكانته وحرمته التي يحميها القانون ، ونحن بإزاء ذلك لا يبقى لنا سوى أن نغبط الإنسان الغربي والنظام الذي يعيش بكنفه! وننعتهم مجازاً ـ إعجاباً بما فيهم من الصدق والنزاهة والشفّافيّة و .... ـ بالشعوب المسلمة بلا إسلام! أمّا شعوبنا فإنّك تأسى وتألم لما حلّ بها من الابتعاد عن قيم الدين الرفيعة وصفاته الحميدة والتسوّل على أعتاب الحضارات الاُخرى ..

إنّنا بمقدار ما نمتلك من الخزين الثرّ على مستوى الثقافة والمعرفة

٢٦٦

والاُصول الراسخة والمبادئ النبيلة والجوهر العميق والتراث الكبير ومقوّمات النهوض والتكيّف الزمكاني ; فإنّنا على النقيض من ذلك ، لا نمتلك الأساليب والأدوات والآليّات التي ترتقي قطعاً إلى الخزين المشار إليه ، ونعاني ضعفاً مفرطاً في طرق الاتّصال والإيصال وكيفيّاتها وأنواعها ، الأمر الذي ينعكس سلباً على حجم التلقّي وتأثيراته وانفعالاته ، وهذا الضعف ـ بلا شكّ ـ راجع إلى التخلّف التقني العلمي والفكري والإصرار على البقاء على السبل القديمة ، ناهيك عن الخشية المفرطة من ولوج العمق والجوهر والأُصول والمبادئ التي تعني : هجران المظاهر الزائفة والشعارات الفارغة والظواهر الصوتيّة ، وتهديد مصالح المتربّعين على مقدّرات الاُمّة المراهنين على تخلّفها وضآلة وعيها ..

٢٦٧

موقعنا في جدول التواصل التقني

الدنيا بأسرها في استخدام مذهل لتقنيّة التواصل بشتّى مناحيها وسبلها ، على تفاوت في مديات الاستفادة والاستثمار تبعاً لعناصر الفضاءات الحاكمة قوّةً وضعفا ..

إنّ عالَم الاتّصال عالمٌ مثيرٌ بإمكانه إرساء المقدّمات المناسبة لخلق وإيجاد التغيير الأساسي في مجالات الحياة المختلفة ..

إنّ أساليب ومناهج الهيمنة والسلطة نجدها قد تحوّرت عن ذي قبل ، فصارت حضاريّةً عصريّةً تناسب الظرف وتستجيب لحاجة الإنسان اليوميّة ، وباتت السيطرة على الأثير والفضاء الشغل الشاغل لقوى النفوذ والقرار ، فلا غرابة أن تُختَرق الفضاءات الفرنسيّة ـ مثلاً ـ بنسبة مئويّة تفوق الخمسين بنتاجات أميركيّة الثقافة والعادات والتقاليد ، فتغلغلت في عمق المجتمع الفرنسيّ الذي طالما عرفناه مجتمعاً متغطرساً متعالياً معتزّاً باُصوله وثقافته وماضيه وحضاريّته ، ناهيك عن سائر المجتمعات الأدون ازدهاراً وتأريخاً ..

٢٦٨

ومن المؤلم حقّاً أن يكون مجتمعنا أيضاً مأسوراً مقلّداً تابعاً لذاك النتاج جملةً وتفصيلا ، حتى اشرأبّت له الأعناق وخضعت له الرؤى والأفكار وغدا ملاك التطوّر وميزان الحضاريّة ..

نحن لا نرفض ذاك النتاج مطلقاً ولا نقبله مطلقاً ، فلنا قولٌ بالتفصيل مفاده : إنّنا بحكم العقل والمنطق نأخذ ما يتناغم مع اُصولنا وثوابتنا ولا يشكّل برادوكساً مع قيمنا ومبادئنا ; ذلك بعد استخدام الأدوات المنهجية السليمة من العرض والقراءة والتحليل والمقارنة والاستقراء ...

أساس البحث يتمحور حول معرفة موقعنا وترتيبنا وفاعليّتنا في ميدان التواصل التقنيّ الذي غزا الإنسان في عقر داره .... فهل استطعنا النهوض بمشروع أو مشاريع تواصليّة تقنيّة تناسب الظرف وتلبّي الحاجة وتطرح الشكل والمحتوى الصحيح لقيمنا ومبادئنا وأخلاق رسالتنا بحلّة جميلة جذّابة استقطابيّة ممتعة؟

نعم ، أنبثقت عشرات بل مئات المشاريع في هذا المضمار لكنّها تفتقر المزيد وتعاني الضعف المشهود والنقص الكبير ، بل البعض منها وبالٌ علينا وشرٌّ ينبغي التخلّص منه ، فلا زال الطرح والإطار والمضمون دون الطموح بكثير ، ولا زال الفرد منّا في ميل ورغبة الى ذلك الوارد الغريب ، ففيه من الجمال والجاذبيّة والإثارة ما يجعله يكتفي ويشبع حاجته به ثم التأ ثّر بمحتواه الأخلاقي والثقافي ; كوننا لم نمنحه الفرصة المناسبة لتلبية ما يريد فذهب إلى البعيد ولربما دون رجعة من جديد ..

٢٦٩

يجب علينا صناعة الفكرة التي تكسب العقل الجمعيّ وتقتحم الميدان العمليّ فتستميل الأنا وتثير الآخر المغوي ، الفكرة الآنيقة الرشيقة التي تُحدِث التأثير وتوجد التغيير ، المستقاة من واقع المبادئ وحقيقة الثوابت ، سلسة الخطاب ، سهلة التلقّي ، بسيطة الأجزاء ، لقمة سائغة ، هنيئة مريئة تمضغها الأفهام والعقول وتترنّم بها الأحاسيس والشعور ; فقد ورد في النصّ الشريف : «خاطبوا الناس على قدر ـ بقدر ـ عقولهم» ..

لابدّ من وضوح الصوت والصورة والكلمة والإشارة .... وضوحاً علميّاً معرفيّاً قيَميّاً تقنيّاً عصريّاً ; كي تنحسر آفاق الضياع وتتضاءل دروب المتاهات ، كي نصنع الفرصة التي تمهّد مقدّمات الإياب إلى فضاء الذات الأصيلة ، فضاء الفطرة التي فطر الله الناس عليها حيث لا معصية ولا جريرة ..

لابدّ أن يفهم الجميع بالإقناع لا بالإسكات : أنّنا اُمّةٌ ورسالةٌ وفكرٌ ونهجٌ متكاملٌ متكيّفٌ متسام فوق المكان والزمان مادامت البشريّة في حركة وحياة وعنفوان .... هكذا هو قدرنا وهكذا هي إرادة السماء حيث خطّتنا ديناً خاتماً لكلّ الأديان وفي ذلك فخرٌ وعزٌّ لا يضاهيه أيّ منصب وعنوان ، والحمد لله المتعال المنّان ..

٢٧٠

الفضائيّات

غدا شبه التزام يومي ونسق برمجي أن اُتابع ـ ولو بسرعة نسبيّة ـ مضامين فقرات الفضائيّات العربيّة والإسلاميّة وغيرهما ..

يتمحور غالب تركيزي الذهني على الفضائيّات المنتمية هويةً لمدرسة آل البيت (عليهم السلام) ، فلم أجد للأسف البالغ فضائيّة واحدةً تكاد تطرح القيم والمبادئ والأفكار والعقائد الشيعيّة بالشكل والمحتوى الجذّاب المقبول .. ناهيك عن استخدام الأدوات العصريّة الحديثة والأساليب الجديدة والمناهج المبتكرة والنسق العلمي ..

لا ترديد في جلالة الفكر وعظمة المضامين ورفعة القيم لكنّ الخطاب الإعلامي الذي نتلقّاه حالياً خطابٌ ضعيف يفتقر المقوّمات التي تتناسب مع الزمان والمكان ، الأمر الذي يشكّل عقبة كأْداء أمام القراءة الصحيحة والاستيعاب السليم والفهم اليسير لمنظومتنا القيميّة السامية ..

فإمّا فضائيّة غارطسةٌ بالحزن حدّ الإفراط واُخرى غالبٌ عليها الانتماء الجغرافي أو السياسي أو الفكري وخامسة تنأى عن شبهة الانتماء

٢٧١

الطائفي وسادسة تسبّح بحمد ذاك وهذا ..

أمّا الفضائيّة التي تمثّل الانتماء المجمع عليه نسبيّاً لمدرسة آل البيت (عليهم السلام) ، الانتماء الذي يمثّل العقلانيّة الشيعيّة ، بأساليب حديثة ومتطوّرة وآليات استقطاب متخصّصة ، فغير موجودة عندنا بتاتاً ، فالفضائية الناجحة تلك الفضائية التي تحرّك المشاهد الزائر للبحث عنها والوصول لها بشوق واهتمام ، وتترك أثرها الواضح على ثقافته وأفكاره وسائر مفاصل حياته ..

علينا أن نتسامى فوق الانتماء الجغرافي والسياسي والاجتماعي والفردي ، علينا أن نطرح الفكر الشيعي الأصيل ، أن نكون وسيلة لعرض الدين لا أن يكون الدين وسيلة لعرض نوايانا والوصول لأهدافنا ..

إنّ هذا الفراغ الكبير في عالم اليوم ، عالم التقنية والانتقال السريع ، يجب أن يُملأ الآن قبل الغد بعد الإعداد المتكامل والبحث والدراسة والمراجعة والاستفادة من أفضل الخبرات والآراء ; لتلبية حاجة ملحّة تفرضها ضرورة نشر القيم الحقّة ، هذا النشر الذي يعدّ بحد ذاته دفاعاً عن الدين ورسالة السماء المباركة ..

٢٧٢

بلا فصل وعنوان

لا أدري هل هو اعترافٌ أم لا موضوعيّة للاعتراف ..

ربما ألزمت نفسي بموارد كان حكمي وقراري فيها عجولاً قشريّاً ، أعني : الدعم والتأييد والانبهار والإعجاب بأشياء ساهمت فيها دغدغةُ طموحات طالما تراود القلوب والأذهان مقرونةً بتلك الأماني والأحلام التي تؤثّر جميعاً في اتّخاذ الموقف وصنع القرار ..

ربما هكذا ، وربما الذي فعلته كان فعلاً صائباً قد يغبطني أو يحسدني عليه الكثير ..

ما أعتقده : أنّي كنت ـ حيث كنت ـ في حال أقرب به إلى الدين والتقوى ; إذ مصاديق الفتنة والابتلاء كالمعدومة آنذاك قياساً إلى ما أنا عليه الآن ، ولا اُخفي تذمّري وامتعاضي من ذلك العسر الدنيوي الذي كان يؤرّقني خشية غد مجهول ، ولاسيّما أنّ التذلّل والتزلّف صفتان لا أرتضيهما لنفسي أبدا ..

نطقتُ بها أكثر من مرّة وقلت : إنّ الفضاء الحالي يتّسم بالحيويّة

٢٧٣

والاُلفة ويبعث أملاً على التطوّر العلمي وبذل المزيد .. نطقاً ألزمتُ به ذاتي وألزمني الآخرون به ..

نعم ، شددتُ الرحال وهجرت بقعةً طاهرةً هي مهوى القلوب ومحطّ الأفئدة واُنس النفوس ، هجرةً لا أسمح أن تُترجَم جفاءً ، وكيف لي الجفاء وأنا التابع لهم سادتي ومواليّ أهل البيت الذين أذهب الله الرجس عنهم وطهّرهم تطهيرا ، فلا اُفكّر ولا أكتب ولا أنطق إلاّ بوعي الانتماء إلى مبادئهم واُصولهم التي تعني لي الدين بمفهومه الصحيح المبين ..

من الطبيعي أن اُعاني أوّل الأمر وأنا أخوض تجربةً جديدةً على نطاق أهمّ وأوسع ، اُعاني الغربة وصراع التكيّف مع الفضاء الذي يختلف كثيراً عن ذلك الفضاء المحدود البسيط ، صراعاً بمثابة إثبات وجود يمنحني الثقة بنفسي أوّلاً لأنطلق بطاقة مضاعفة ، ويمنحني شهادة ارتياح ذاتي ورضى الذين راهنوا على أدائي وإمكانيّاتي ..

ولابدّ لي أن اُشير إلى نقطة هامّة مفادها : أنّني وإن كنت أظهرتُ إعجاباً بالفضاء الحالي لكنّي لم اُعبّر عن رغبة بالانتقال ، إنّما فكرة الانتقال قد طُرِحت ابتداءً بشكل مباشر من الرأس الأساس ، ثم تابعَتَها وأصرّت عليها محاور رئيسة فيه ، ولم أكن معرضاً عنها إلاّ أنّ بعض الصعاب والموانع كانت تحول دون ذلك ، قد ساهم في تذليلها الرأس الأساس مساهمةً ملموسةً مؤثّرة ، فتوفّرت الأسباب والمقدّمات المناسبة للانتقال الذي حصل بالفعل وصار واقعاً ..

٢٧٤

كلّ يوم اُمارس فيه عملي أزداد تجربةً ومعرفةً بالذي يجري من حولي ، وأزداد أيضاً تسلّطاً على إدارة المهامّ الملقاة على عاتقي وأكتشف أكثر فأكثر نقاط القوّة والضعف في نفسي وأسعى منهمكاً في دفع الأعمال إلى الأمام بكيفيّة وكمّيّة أفضل ، وهكذا يتواصل الجهد بين مزاولة التحقيق والكتابة وعقد الاجتماعات التي تهمّ التخصّص ، ومتابعة القضايا المختلفة ... وكنت ألزم نفسي بالحضور الدائم إلى جانب الرأس الأساس واستمرّ الحال على هذا المنوال أكثر من إثني عشر عاماً ، شعرتُ فيها بلذّة الإنتاج والحركة والحيويّة ، مقرونةً بالتنوّع والاُلفة وتحسّن الظرف على أبعاد شتّى ..

اُسجّل اعترافي : أنّ العناوين الاعتباريّة ـ في ظلّ هذا المحيط الهامّ ـ لها الأثر البارز في التفاعل والنموّ والاستمرار وترتّب الآثار ..

رغم الانهماك الكبير في فضاء العمل والإدارة والحضور الدائم إلى جانب الرأس الأساس ، لم أشعر يوماً أنّي صرت كما ينبغي أن أكون ، أي ذاك الذي كنت أتوقّعه ; فلطالما اعتقدتُ أنّي استحقّ ـ نتيجة الإخلاص والوفاء وبذل الجهد ـ أكثر من ذلك ، ولا أعني بالاستحقاق سوى الاعتباري منه ، وإلاّ فإنّي على الدوام ـ سرّاً وعلناً ـ شاكرٌ ممتنٌّ لما يجاد به عليَّ من جود وسخاء ، لذا لا أرى حاجةً كي اُذكَّر بها بين الحين والآخر ، فأنا مقرٌّ على طول الخطّ ، إلى ذلك : فإنّ المنّة لو حصلت فإنّها لا تناسب الشأن مطلقاً ، ولم يخطر ببالي أنّني أنكرت مرّةً جميل وحسن ما صُنِع معي ..

٢٧٥

نعم ، شعوري بوجود الفاصلة وبعض التمييز لم ينقطع عن ذهني وحناياي ، وبقيت إلى الآن لم أعرف السبب ، ولعلّه يعود إلى «مشهديّة» انطلاقتي ، أو لوجود ثغرات وهفوات في أدائي واُسلوبي ، أو لبعض انتقاداتي وملاحظاتي التي تنبعث من مواقع حبّي وحرصي وإخلاصي ، ولعلّه أمر تكويني أعجز عن توفيره في نفسي ... لا أدري ..

مع كلّ هذا الشعور المقترن بنوع معاناة وآلام حافظتُ على جاهزيتي العمليّة والعلميّة ، وأعتقد أنّي قد استطعت نيل الثقة وكسب الموقع التخصّصي المرجوّ منّي في تفعيل المهامّ الملقاة على عاتقي ..

لم اُشهر سيفَ ثلاثة عقود مارستُ فيها كلّ مراحل التحقيق بكيفيّة وعشق وصبر يخبر عنها الآخرون ، مارستُ مسؤوليّات إداريّة ـ صغيرة وكبيرة ـ بداعي الخدمة وشغف الذود عن حمى علوم آل العصمة والطهارة عليهم السلام .... بقيتُ وبقي حبّ الفضاء يجري في أعماقي وعروقي ، ولا أراني لحظةً منفكّاً عنه ومنسلخاً بلا انتماء إليه ، ولاسيّما أنّه المعقل الذي علّمني الكثير وبذلت حلاوة جهدي وربيع إمكانياتي من أجل ديمومة عطائه وشموخه ....

لم اُشهر سيف المنّة ولم أتجّرأ يوماً على التفكير بها ، فكيف لي بالمنّة على فضاء ساهم مساهمةً فاعلةً في تعلّمي وتعليمي ، على فضاء أجد نفسي جزءاً لا يتجزّأ منه .... ولكن أن يُشهَر سيف المنّة بوجهي أو أن اُ تّهم وتثار بعض الشبهات بدون دليل وسند وبرهان ، بل وبدون التأ نّي

٢٧٦

وانتظار ما تؤول له الأحوال آخر المطاف ، فإنّه شيء أمرّ عليّ من العلقم ..

وأنا في عنفوان الحيويّة والفاعليّة وإذا بجام الغضب والانتقاد يُصَبّ عليّ وكأنّ مشكلات الفضاء كلّها ـ من تعثّر الفصليّة إلى ضعف قسم الأرشيف ، وتفكّك اللجنة الإداريّة وتضاؤل الإنتاج وتراجع الشبكة ... ـ أنا السبب فيها ... آلمني ذلك فاعترضت على ثقافة ومنهج الانتقاد الذي لا يتوقّف ، الأمر الذي جوبهتُ فيه بهجوم عنيف ، لكنّي اُعرب دوماً عمّا في ثناياي عبر الكتابة حيناً أو المشافهة حيناً آخر ، وهذا يكفي ، ولاسيّما أنّ تلك الانتقادات تؤخذ كلّ مرّة أخذ المسلّمات في حضور أفواه ملكومة لا ترى بدّاً إلاّ انتخاب السكوت منفذاً للخلاص والراحة والطاعة وعدم العصيان ..

غاية حرصي أن أكون سنداً لا ذيلاً :

سنداً يذبّ عن الفضاء وتاريخه ومحاوره وعناصره التي بذلت ما عندها لنشر القيم والمبادئ الحقّة ...

سنداً يسعى للتفكير جدّيّاً بإيجاد أفضل السبل والآليات للحفاظ على بقاء الفضاء وفاعليّته وتجدّده ...

سنداً يعيش الفضاء في دمه وشرايينه ولا يرتضي التراجع والنكوص والترهّل ...

سنداً لمّا يقف على فجوة وخلل ونقص ومؤشّر سلبي يدعو إلى الوقاية والعلاج وأخذ الحيطة ، دعوةً بالقلم تارةً والمشافهة اُخرى ... وإن

٢٧٧

كان البعض يعدّه نقداً ، سلّمنا ، إلاّ أنّ النقد البنّاء بنّاءٌ لا هدّام ، خصوصاً إن كان ضمن المعايير والاُسس العلميّة السليمة ..

أمّا الذيليّة فإنّها تعني إخراج الفكر والتفكير من دائرة الفاعليّة والإبداع ، فلا الطاعة العمياء فكرٌ ولا التمرّد المطلق فكر ، إنّه حالة بين «لا» و «نعم» ، وأ نّى لنا تصوّر الوجود الإنساني بلا فكر .. مضافاً إلى ما للذيليّة من لوازم وعواقب وتأثيرات سلبيّة يضيق المقام عن بيانها هنا ..

لكنّ حرصي هذا ربما قد تُرجِم على غير حقيقته ، وتشهد لذلك ردود الفعل التي تعبّر عن حالات رفض واستياء وغضب شديد ، وهذه الردود تجعلني أتأمّل طويلاً في ما يقال غالباً عن الإنسان الكاريزمي النوعي بكونه متفرّداً سلطويّاً يحاول بشتّى الوسائل إقناع الناس بالتخلّي عن رؤيتهم فيه ; الذي عليه بدوره الاشتغال كثيراً كي يدفع عمليّاً إشكاليّة الرغبة الذاتيّة والفرديّة والاستبداديّة التي طالما يتّصف بها ذوو الشخصيّات الخاصّة ..

إنّ التحليل العلمي يثبت أنّ الإنسان الكاريزمي يضيق ذرعاً بالنقد والاستكشال ، وإن كان لا يعبّر عن ذلك سريعاً ، إلاّ أنّ التواصل الزمني يسجّل عليه ذلك ..

إنّ هذا الإنسان يسعى جاهداً كي يزيل كلّ الموانع التي تحول بينه وبين تحقّق المطلوب ، فلو كلّفه الأمر فقدان هذا الرمز وذاك الرقم الكبير لفعل بلا تردّد ، بل أراني أعتقد أنّ إزالته الموانع الإنسانيّة وغيرها نابعةٌ من

٢٧٨

استراتيجيّة ثابتة تفيد أنّ «حلقات الصراع» تكمن في وجود العِدْل والندّ ، وبوجود هذا العدل والندّ المزاحم لا يمكن للأهداف أن تتحقّق ، وبإزالته فلابدّ من بديل يتّصف بالمميّزات المطلوبة باعتقاده ، بديل لا يزاحم ولا يعكّر صفو الأجواء بالنقد والاستكشاف ; والمصداق معنا لا يفارقنا ، فلقد فقدنا عمليّاً وخسرنا أرقاماً هامّة ، لكن الذي كسبناه عوامل تهدئة وبؤر طاعة ، مستقبلنا مجهول بها وغير مطمئنّ معها ..

إنّ ثقافة «الإسكات» متفشّية في أروقتنا ، فالهامّ في أساليبنا ومحاوراتنا الإسكات لا الإقناع ، وهذا المنهج يمرّر عبر أدوات وآليات مختلفة ، ولا شكّ أنّ الغلبة غالباً للمسكِت لا المسكَت ، ولاسيّما إن كان الثاني صاحب حاجة ، أو كان لا يجيد خلفيّات القضايا وإدارة الحوار و ....

ومن السذاجة بمكان أن نعتقد في أنفسنا الكسب عبر ثقافة «الإسكات» ، إنّها تجارة خاسرة لا محال ، كونها لا تتجاوز حدّ القشور والرغبات ، ولا تؤسّس لمفاهيم ومعاني راسخة ، الأمر الذي تشهد له شواهد ودلائل وقرائن لا تخفى ..

إنّ «المنّة» لها رائحة حادّة شديدة في فضاءاتنا ، وحيث لا أحد ينكر الجود والسخاء والجهود والخدمات ، وإن أنكرها أو استضألها البعض فالعامّ الغالب يقرّ ويشهد بها .. لكن ما أروع الجود والسخاء والجود والخدمات إن حصلت بلا إضافات تفسدها بل تقلبها بخلاً ونكوصاً وتهاوناً ، والمنّة أبرز مصاديق الإضافات ، فـ : «زعلة العصفور على بيدر

٢٧٩

الدخن» هذا مصطلح وشعار وحالة من عشرات الحالات التي تعبّر عن منّة واضحة .... ولا أستثني أحداً ، فالكلّ باُسلوب وآخر يستعرض منّته على الناس ، متغافلين عن مراعاة أحاسيسهم ومشاعرهم رغم كونهم أصحاب حاجة ..

أمّا الظواهر التي لا تناسب شأن المقام فإنّها قد أقضّت مضاجع المحبّين والحريصين على منزلة الفضاء ووجوده ; محتجّين بأنّ مفروض هكذا فضاءات أن تكون ذا مظاهر مسانخة علميّاً واعتباريّاً ، بفضل حضور الرموز والنخب والطاقات ، حضوراً دائماً متواصلاً ، لا فضاءات تعجّ بمن لا يناسب حضورهم شأن المقام وأهله ..

أثبتت التجربة أنّ ملاك الولاء والقربة يعتمد غالباً الاُسس الظاهريّة حكماً وفصلاً للخطاب ، أعني أنّ الحضور الفيزيائي المقرون بالفنون الببغائيّة والتزلّفيّة والتصنّميّة له السهم والصدارة في نيل الرضا وقبول الأعمال ، أمّا الحضور الذي يعتمد العمقيّات والمعرفيّات فليس له إلاّ الحظّ الأدون ..

ومخطئٌ تماماً من يعتقد أن نوع الإنسان ينسى ويسامح على كلّ شيء ولا يحتفظ في قلبه وأحاسيسه بآلام ومعاناة إزاء موقف هذا وتصرّف ذاك ، مع غضّ النظر عن الأحقّيّة وملابسات الاُمور .. وهذا أمر طبيعي ; فهو إنسان كسائر الناس له مشاعرة وعقله وكرامته .... ومهما أغمض عن هذه وتلك فالقلب والأعماق باقيان ببقاء الحياة .. إنّه مهما

٢٨٠