🚘

نفحات الذّات - ج ٣

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٣

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-974-4
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٤٠
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

لِمَ نخاف ونخشى؟

لِمَ نخاف ونخشى؟! لِمَ نرهب الكلمة والصوت والصورة؟! حتى الهمس والإشارة .... بل السكوت أحياناً ، نرتاب بالنوايا ونتوجّس الأحاسيس والمشاعر ، وكثيراً ما تزعجنا لغة العيون والقلوب ... القلم ، الخطاب ، الانترنت ، القرص المضغوط ، السكون ، الحركة ، الحضور ، الغياب ... نهابها ونضطرب وتصفّر وجوهنا منها ..

لِمَ نحن هكذا؟! ألا نمتلك الرصيد الكافي ، الثقة التامّة ، الاطمئنان الكامل ، المصداقيّة الواضحة ، الشفّافيّة ، البيّنة الراسخة ، الخلفيّة اللامعة ، العلم ، المعرفة ، الثقافة ، الوفاء ، الصدق ، الفكر الشامل ، التراث النفيس ، الأعلام الزاهرة ... ألسنا ندّعي هكذا؟! ألسنا من يتغنّى بكثافة المادّة المعرفيّة والأدوات المنهجيّة والنسق العلمي الرصين؟! ألسنا الذين ننقض كلّ المدارس الفكريّة والمذاهب الفلسفيّة ولا نقول إلاّ بمقولتنا التي نرى فيها المخطّط البارع والمنقذ الوحيد والمجيب الفريد عن سؤال الحياة الكبير؟! ألسنا الذين نؤمن بعقلنة الأفكار والعلوم وندعو إلى الحوار الهادئ الهادف الشفّاف ، ونعتقد بالمراجعة والنقد والفحص والتأمّل

٢٢١

والتدبّر؟! ألسنا الذين نحترم حقوق المرأة والطفل والأقليّات؟! ألسنا ...

إذن نحن نمتلك الرصيد الكافي الذي يبعث على الثقة والاطمئنان .. فلِمَ نخاف ونخشى ونرتهب ونرتاب وننزعج ونضطرب؟! لا أقصد شخصاً بالذات ، أعني الجميع بلا استثناء ، أيّاً كان العنوان دينيّاً أو سياسيّاً أو اجتماعيّاً ..

أين المشكلة يا تُرى؟ أين مربط الفرس «كما يقال»؟ أين الخلل؟ إمّا فينا نحن الذين نحمل وندّعي أنّنا حملة هذا الفكر والمنهج والرسالة ، أو في ذات الفكر والمنهج والرسالة؟ والقول الثالث معدومٌ هنا ..

ولا نختلف نحن في صحّة الفكر والمنهج والرسالة وسلامتها من الخلل والنقص والاضطراب والتهافت ، وبذلك البحث والكلام يتّسع ويطول ..

إذن الخلل فينا والنقص والاضطراب والتهافت عندنا ، طبق ما نعتقد ونسلّم ..

أمّا الآخرون فيقولون : إنّ الخلل فيكم وفي فكركم ومنهجكم ورسالتكم وفي هذا أيضاً بحث وكلام يطول مقامه ..

فالإجماع منّا ومنهم منعقد على كون الخلل فينا نحن دعاة الفكر وحملة نهجه ورعاة رسالته .... نخاف ونخشى ونرتهب ونرتاب وننزعج ونضطرب لأ نّنا ضعاف في تدينّنا ، في سياستنا ، في اجتماعنا ، نفتقد الثقة والاطمئنان بأنفسنا ; ضعافٌ لأ نّنا حملة رسالة غير حقيقيّين ، غير

٢٢٢

صادقين ، غير شفّافين ، غير معرفيّين ، شعاريّون ليس إلاّ ، كاريزميّون حتى الهامة وفي أضيق حلقاتنا ; إذ نبيع ونشتري بالموهبة أنّى شئنا وأردنا ، صنميّون بشكل رهيب ، مراهقون لذائذيّون دوماً .... والنادر فينا يبقى نادراً وهو كالمعدوم الذي يذوب بلا شكّ وسط هذا السيل الهادر من الزيف والانفلات العَقَدي الأخلاقي ..

٢٢٣

لماذا الإلهيات؟

لا اُنكر على «الأكاديميات» ضرورتها أبدا ، وليس مثلي ـ بجهله ـ مَن يعلم مدى حاجة البشرية لها ، لكنّي انموذج الطالب الجامعي سابقاً والمتواصل ـ بمقدار ما ـ مع العلوم الحديثة حاليّاً أودّ أن أعترف وأقول :

لم تفتح لي «الأكاديميات» اُفقاً معرفيّاً واضحاً ولم تعطني نفعاً ثقافياً كافياً ولم تمنحني حصانة انتمائية أفخر بها .. أمّا الكلّيات التي تعلّمتها منها ـ وحتى بعض التفصيليات من علومها وفنونها التي ضاع غالبها بين الطيش الفكري والغرور الكاذب وضبابية الهدف ـ فلم ترو غليلي أو تَسدّ رمقي ....

بخلاف «الإلهيات» التي فتحت لي اُفقاً معرفياً رحيباً وأعطتني كسباً علمياً ثقافياً ملموساً ومنحتني حصانة انتمائية قوية ، فكنت ولازلت أشعر بل أعتقد بزيادة رصيدي العلمي يوماً بيوم ، بل ساعة بساعة ، إنّها كرّمتني حيث أهدت لي عين الثقة بالنفس ..

صرتُ ألمس قدراتي وحدود إمكانياتي بلا غرور وغلوّ وقشور ..

٢٢٤

صرت اُمارس شعارات روحي وضميري حين يهتفا بي : «إنّ الإنسان موقف وكلمة» بكلّ فخر واعتزاز ، واُحاول بلورتها عملياً ، حتى منحتني شعوراً بالراحة والطمأنينة ، فبعد معاناة وآلام ومخاطر يطول بيانها بتُّ أختار واُقرّر الفعل أو الترك ، ولا أشتري أو أبيع بأيّ ثمن ..

صرت أهتمّ بوقاري وسلوكي وتدبيري ، فأنشد الحكمة والفطنة والكياسة والتعلّم بكلّ لهفة وشغف ..

صرت أمقت الأساطير والخرافات والأوهام وأنزع إلى الدليل والحجّة والبرهان ..

صرت أترنّح طرباً لأيّة مؤنة معرفية تثير طمعي الفكري وتشبع نهمي الثقافي ..

صرت أجد في القرآن الكريم غير ذاك الذي اُرتّله في شهر رمضان فقط لتُحسَب لي الختمة والختمتان ; حين علمت أنّه نصّ متكيّف موّار وصنعة سماوية متكاملة ونسخة وقاية وعلاج لكلّ الأحقاب والأمصار ..

صرت أجد في محمّد بن عبدالله أسمى من ذاك الذي درسناه في المدارس والجامعات وكونه ـ على الإجمال ـ نبيّاً جاء بدين وكتاب ، حين علمت فيه الكمال الإلهي والتجلّي الربّاني والمنقذ الحقيقي بأرقى المعاني وأجمل الصور ..

صرت أجد في عليّ بن أبي طالب فوق الشجاعة وقلع باب خيبر وقتل عمرو بن ودّ ... حين علمت أنّه القرآن الناطق والوليّ السماوي

٢٢٥

والعدل المتجسّد والحركة التي لا تعرف التوقّف ، حين علمت أنّه يهزّني من العمق هزّا ..

صرت أجد في الزهراء البتول فوق الضلع المكسور وفدك والمسمار الملعون ; حين علمت أنّها الشرف الإلهي والطهر القدسي والكمال الروحاني بألمع معانيها وأبهى تجلّياتها ، فلا غرو أنّها قطب أنيني ولوعتي وشكواي ..

صرت أجد في الحسين أسمق من قطيع الرأس وذابل الشفاء ومبضّع القلب بذاك المثلّث الغدّار ; حين علمت أنّه سيّد الإصلاح والتغيير بلا منازع ، ومحرار الفلاح وثار الله المنتقم الجبّار ..

صرت أجد في عليّ بن موسى الرضا فوق مُكرَه على الولاية ; حين علمت أنّه عالم آل محمد بذاك النهج والنسق ورشاقة البيان ، إنّه المولى الذي أنار قلبي وعقلي وحوّلني من جاهل مغرور إلى جاهل يبحث عن الحقيقة بجدٍّ دون ملل وفتور ..

صرت أجد في سيّد الأمل الحجّة ابن الحسن المنتظر فوق الغياب والانتظار ; حين علمت أنّني كلّما ضعت وتاهت بي الدروب أعثر على ذاتي في أروقة بركاته ونسمات فيوضاته ..

صرت أجد في آل العباء كلّهم دون استثناء سادتي وأئمّتي ومناري ومعتمدي في ديني ودنياي ..

من هنا مال قلبي وعقلي إلى فضاء الإلهيات كلّ الميل والهوى بأرفع مراتب القناعة والرضى ..

٢٢٦

حقّ التاريخ

تسالم المعرفيّون على أنّ «المعرفة» مستندة إلى القوائم الشهيرة الثلاث : اللغة ، التاريخ ، الفكر .... كما تسالموا ونظراؤهم على كون التاريخ ليس مجرّد سرد جافٍّ للأحداث ، إنّما هو ضبطٌ برؤية فاحصة وتحليل علمي وقراءة منهجية ومراجعة غائرة ضاربة في الأعماق ، تستحضر الماضي وتفكّك الحاضر وتستشرف المستقبل ..

وإنّه لمن المؤسف والمؤلم حقّاً أنّ جلّ ما بأيدينا من نتاجات ومدوّنات في علم التاريخ هي حاصل جهد المناوئ والمخالف والمعادي الذي راح بسطوة السلطة الحاكمة والإمكانيات الهائلة يضربنا بسيف الحقد والحذف ضَرْبَ المحرِّف المضلِّل ، ولا تزال هذه الذراع الغادرة تحكم بظلم وتقبّح وجه التاريخ دون أن ننبري لمشروع جادّ يعيد صياغة التاريخ طبق رؤية مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) رغم تغيّر الظرف لصالحنا نسبيّاً وتوفّر المستلزمات المطلوبة ..

إنّ النقص الكبير الذي نعاني منه في هذا المضمار الحسّاس شكّل عبئاً ثقيلاً على كاهل الجهد المعرفي عندنا وحفر فجوةً فكريةً طالما حالت بيننا وبين الفهم الدقيق والاستيعاب الصحيح لمقاصد ومعارف أهل

٢٢٧

البيت (عليهم السلام) .... هذا النقص الذي جرّنا وسحبنا طوليّاً بنحو مماثل إلى التعثّر في التعامل السليم مع العديد من الرؤى والمفاهيم والقضايا ، منها على سبيل المصداق لا الحصر : مفهوم «المرجعية الدينية» عموماً من حيث الوجود والامتداد والنيابة العامّة ، ومطالباتها وإيجاباتها وتوقيتاتها و ... على وجه الخصوص ..

لاغرو أنّ مراجعة محطّات التاريخ مراجعةً علميّةً منهجيّةً تكشف لنا حصيلة نوعيّة مؤدّاها : أنّ الصوت المغرّد خارج السرب مهما علا وارتفع فهو خافت إزاء صوت المرجعية الدينية الصادح بمصالح الدين والعباد ..

وليس اليوم بمختلف عن الأمس ، فهاهي المرجعية الدينية تداري وتنصح وتقف على الأخطاء فتعالج وتصحّح وتطرح الحلول الجليّة والسبل الكفيلة بتغيير الأوضاع صوب الأفضل ، فنادت بمبدأ «القبول الواسع» و «تدارك الأخطاء» و «عدم التشبّث بالمنصب» و «العمل بالتوقيتات الدستورية» و «احترام القانون» ... مثلما دعت إلى وحدة الصفّ ونبذ العنف والاصطفاف الطائفي وحماية الأقليّات الدينية والعرقيّة ; كلّ ذلك من أجل الخروج من المأزق الحالي وتفويت الفرصة على الغرباء الذين استغلّوا الوضع الهشّ فتمدّدوا بشكل خطير ومثير ..

إنّ مواقف المرجعية المباركة ما هي إلاّ انعكاس حىّ للمبادئ والقيم الأصيلة التي أكّدت عليها مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) المتضمّنة أرقى معاني

٢٢٨

الحبّ والسلام واحترام كرامة الإنسان وطموحه بحياة حرّة يسودها العدل والأمان .... تلكم المواقف التي ستبقى محفورةً على صفحات التاريخ بأحرف من نور .... دونها التشبّث بالمصالح الخاصّة التي سرعان مايغادرها التاريخ أو يكتبها بأحرف الظلمة والعتمة القاتمة ..

ما أجمل الاستماع إلى نداء العقل والحكمة ، وما أروع أن يتأمّل من يهمّه الأمر ويمنح الحنكة والذكاء فرصةً قد لا تعوّض أبدا ، فيخرج من ذلّ الرغبة العابرة إلى عزّ الذاكرة الخيّرة بإتاحة المجال للآخرين كي يأخذوا دورهم في عملية التغيير والتصحيح وتدارك الأخطاء ، الخطوة التي تعني ترجيح منافع الاُمّة على المنافع الضيّقة والتناغم مع مطلب المرجعية الدينية الذي نال التأييد الكاسح على شتّى الأصعدة والمستويات ... حينها سيكون للتاريخ وقفة اُخرى يحلّق بصاحبها إلى آفاق الأجيال الآتية بكلّ ألق وفخر واعتزاز ..

وللتذكير نقول : إنّ المرجعية الرشيدة أدّت وتؤدّي دورها بما تراه في صالح الدين والعباد ، ولن تخسر شيئاً مادامت تقصد الخير وتعمل من أجله ، سواءٌ قوبلت مواقفها بالاستجابة أو عدمها ، بخلاف الذين يجازفون بمنافع الاُمّة وقيمها النبيلة ، فإنّهم مهزومون لا محالة ، فقد يخسر الإنسان شيئاً ما ولكن أن يُهزَم فالهزيمة تعني خسران كلّ شيء ..

وللتذكير أيضاً بما صدّرنا به البحث نقول : إنّ ضبط مجريات الأحداث ليس كسابق عهده ، حيث التقنية الحديثة العالية ومضامير

٢٢٩

التواصل الواسعة التي جعلت من العالم قريةً كونيةً واحدة ، قد أعطت وما سواها الفرصة الكافية لتدوين التاريخ بأوسع مجال من الحرّيّة ، ولكنّنا لازلنا نراوح مكاننا في واحد من أهمّ أركان مثلّث المعرفة وأكثرها خطورةً وحسّاسيّة ، وحقّ التاريخ علينا أن تنهض به مشاريع كبرى تقلّص الهوّة العميقة التي تفصلنا عن السطح المطلوب وتحدّ من النقص الهائل الذي يشكّل حاجزاً شاهقاً بيننا وبين الكثير من الحقائق .... آنذاك نستطيع الادّعاء بإمكانيّة منح الفضاءات المعرفيّة نتاجات علميّة أرقى ورواشح فكريّة أسمى ..

٢٣٠

فهم التاريخ

اليوم يوم الغدير وكذا كان بالأمس وسيكون غداً ...

الشدو يغمر قلب المحبّ الموالي لأميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب وأهل البيت عليهم السلام ... كلٌّ يعبّر عن تمسّكه بالولاية من خلال المفردات والصياغات التي حفظها ظهراً عن قلب ...

لكن هل نحن حقّاً من الشيعة المتمسّكين بولاية أميرالمؤمنين عليه السلام بلا تفصيل؟ أم التفصيل حاكم ، فمنّا من أخذها من سيرة الآباء والأجداد ، ومنّا من ليس في هذه الفضاءات أبداً ، ومنّا من يماشي فقط ، ومنّا من يسعى لفهم معنى الغدير والولاية ، ومنّا من فهم وتأ لّق في مراتب الفهم والبيان بشتّى أدواته وآلياته حتى غدا محوراً ومصدر إشعاع وتنوير يهفو إليه الضامي والصادي ليروي ويرتشف ..

.... اليوم يوم العاشر من محرّم وكذا كان بالأمس وسيكون غداً ...

الحزن يغمر قلب المحبّ الموالي لأبي الأحرار الحسين بن علي وأهل البيت عليهم السلام ... كلٌّ يعبّر عن ولائه حسب طريقته ونهجه ..

٢٣١

وتعود «هل» لتفرض نفسها ثانيةً وثالثةً ...

كما يعود دوماً حديث الإمام الصادق عليه السلام : «شيعتنا منّا ، خلقوا من فاضل طينتنا ، يفرحون لفرحنا ويحزنون لحزننا» ليجعلنا في بحث معرفي عن معنى الشيعي والخلق والفرح والحزن وماهيّة المقصود من النصّ ..

اليوم يوم الخامس عشر من شعبان وكذا كان بالأمس وسيكون غداً ...

الفرح يغمر قلب المحبّ الموالي للإمام الحجّة صاحب العصر والزمان عجّل الله تعالى فرجه وأهل البيت عليهم السلام ... كلٌّ يفصح عن الشوق والانتظار والدعاء لتعجيل فرج ظهوره عليه السلام طبق اُسلوبه وآليته ...

وهكذا تعود «هل» لتسائلنا عن مفهوم الغيبة والانتظار والظهور و ....

اليوم يوم شهادة سيّدة نساء العالمين فاطمة الزهراء عليها السلام وكذا كان بالأمس وسيكون غداً ...

قلوبٌ تعتصر ألماً لما حدث من فاجعة بين الحائط والباب نفّذتها أفكار الحقد والكراهيّة ... كلٌّ يكشف عن مكنون شجنه طبق أدواته وسبله ...

وأيضاً تعود «هل» لتختبر فهمنا لمكانة الزهراء عليها السلام وشأنها ومحاولات طمس حقيقة ما جرى ...

٢٣٢

يمرّ بنا التاريخ وتمرّ أيّامه وأحداثه ومواطن الخير والشر فيه ونظلّ نحن نسرده سرداً أجوفاً طالما يكون بمنأىً عن المراجعة والتحليل والبحث والاستقراء والمقارنة المنهجيّة ، فتظلّ الأحداث في ذاكرتنا وقلوبنا ووعينا جثثاً هامدة لا تنطق ولا تتحرّك ولا نأخذ منها شيئاً ، ونبقى نحيا الفرح والحزن باجترار وتكرار لا تغيير فيه ، الأمر الذي يجعلهما عرضةً للملل والتعب ..

نعم ، ينبغي فهم التاريخ على أنّه أحداث وتحليل ونتائج وحركة نحو الأمام ، حركة تفتح سبلاً وآفاقاً معرفيّة ، بمعنى : أنّنا حيث نتمكّن من فهم الأحداث فهماً مستنداً إلى الأدوات والمناهج العلميّة ، حينها سنعرف المعنى الحقيقي للغدير وكربلاء والنصف من شعبان وظلامة الزهراء عليها السلام ، ونعرف معنى التاريخ والدين والحياة وتقرير المصير ...

غاية الألَق والشموخ أن يتصاعد الشعور والوعي تصاعداً منسجماً تذوب معه الثنائيّة وتنصهر في بوتقة الوحدة الذاتيّة ، وحدة العقل والإحساس ، فإنّنا حينئذ نحفظ الاُصول والمبادئ حفظاً منهجيّاً معرفيّاً ..

٢٣٣

نهاية التأريخ

نهاية التأريخ ، الشموخ الايديولوجي النهائي ، الريادة السماويّة الحاسمة ; سواء عبر ظهور المصلح الأعظم وعودة المسيح ، أم طبق قيم فوكوياما وكونفوشيوس ... إنّها مؤشّرات ومضامين الهيمنة والسلطنة على الإنسان ونزعاته الفكريّة .... أمّا التعارض والتباين والتقاطع والتوازي ... فكلّها إشعاعات الذهن التي ترسم على ثرى الحقيقة خطوة الحياة العريضة ، فنروم المشرق والمغرب ونعلو ونهبط كي نعطي الصورة الأقرب لنهاية التأريخ ونحويّة التكلّل العَقَدي ، فنراها ويرونها ، ننطق وينطقون ، نحدّق ويحدّقون ، نتأمّل ويتأمّلون ... إلاّ أنّ عيوننا غير عيونهم وكذا ألسنتنا وتأمّلاتنا وسائر حواسنا ..

رغم كلّ هذه الصعاب والنزاعات فجميعنا مؤمن بتلك النهاية وحتميّة حلولها ، أمّا الكيفيّة فتفرضها الإرادة الأقوى والقيم الأسمى ، ولا شكّ أنّها تلك القدرة العليا التي تكفّلت البدء والشروع فهي التي تضمن النهاية والختام ، ثم لا ريب أنّها ستعلو في الاُفق الرحيب بكلّ متانة وجلال ، وهذا لازم الكمال العلوي ورشح من رشحاته الموعودة ، وإفاضة

٢٣٤

من إفاضاته التائقة لها قلوب العارفين وبصائرهم ، حتى وإن التقت بها القيم الفوكويامويّة أو الكونفوشيوسيّة أو ... فهذا يجري في الطبيعيّات والمفاهيم العريضة كالحبّ والحريّة والازدهار ، ثم فلا غرابة من منبع الفيض الأعظم أن ينتهل منه الجميع في الوقت الذي يحتفظ لذاته القدسيّة بالسموّ والرفعة والوحدانيّة التي لا يدانيه فيها أحد ..

٢٣٥

القياس والإجماع

يقول الشيخ محمّد رضا المظفّر (رحمه الله) : إنّ القياس من الأمارات التي وقعت فيها معركة الآراء بين الفقهاء .. وعلماء الإماميّة ـ تبعاً لآل البيت (عليهم السلام) ـ أبطلوا العمل به ... ومن المعلوم عند آل البيت (عليهم السلام) أنّهم لا يجوّزون العمل به ، وقد شاع عنهم : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول» و : «إنّ السنّة إذا قيست محق الدين» .. بل شنّوا حرباً شعواء لا هوادة فيها على أهل الرأي وقياسهم ما وجدوا للكلام متّسعاً .. ومناظرات الإمام الصادق (عليه السلام) معهم معروفة ..

هذا مضافاً إلى أنّ الحنابلة والظاهريّة لم يكن يقيمون للقياس وزناً كما ذكر الشيخ المظفّر ذلك ..

أقول : ذكرتُ قول الشيخ المظفّر لكونه يمثّل نموذجاً مقبولاً في بيان رأي الإماميّة الإثني عشريّة في مسألة القياس ، وإلاّ فإنّ نوع المصنّفات الاُصوليّة الشيعيّة تذهب إلى نفس الرأي ..

واستثنى الإماميّة الإثنا عشريّة من القياس «منصوص العلّة»

٢٣٦

و «قياس الأولويّة» المعروف بمفهوم الموافقة أو فحوى الخطاب ، فجوّزوا الأخذ بهما وأرجعوا السبب في التجويز : أنّ منصوص العلّة وقياس الأولويّة من الظواهر ، والأخذ بالظواهر ليس من القياس في شيء ..

وفي باب «الإجماع» يقول الشيخ المظفر (رحمه الله) : ... أمّا الإماميّة فقد جعلوه ـ أي الإجماع ـ أيضاً أحد الأدلّة على الحكم الشرعي ، ولكن من ناحية شكليّة واسميّة فقط ، مجاراةً للنهج الدراسي في اُصول الفقه عند السنيّين ، أي أنّهم لا يعتبرونه دليلاً مستقلاًّ في مقابل الكتاب والسنّة ، بل إنّما يعتبرونه إذا كان كاشفاً عن السنّة أي عن قول المعصوم ، فالحجّيّة والعصمة ليستا للإجماع ، بل الحجّة في الحقيقة هو قول المعصوم الذي يكشف عنه الإجماع عندما تكون له أهليّة هذا الكشف ..

أقول : ممّا ذكر يظهر جليّاً أنّ الشيعة الإماميّة ترى العمل بالقياس باطلاً ، وترى أيضاً أنّ الإجماع المعتبر هو الكاشف عن رأي المعصوم عليه السلام ، وإلاّ فلا قيمة له ولا اعتبار إذا لم يكن كاشفاً عن رأيه عليه السلام ..

إنّنا نروم هنا مناقشة مدى جدّيّة وواقعيّة العمل بهذه الرؤية المشار إليها ، الرؤية المترشّحة من صميم انتمائنا الديني والعقائدي والفقهي والفكري التي لها آثار ولوازم وعواقب شتّى على مختلف مرافق الحياة عندنا ..

بعبارة اُخرى : إنّنا هل التزمنا في ممارساتنا العمليّة المتنوّعة

٢٣٧

باُصولنا الثابتة وثوابتنا الأصليّة أم خرجنا عنها تبعاً لظروف الضغط والمصلحة والفهم وغيرها ، فلم نحتفظ إلاّ بالشعاريّة إزاء قيمنا ومبادئنا وأخلاقنا ، وسخّرناها بأساليبنا الدعائيّة أداةً لمنافعنا وأهوائنا وحاجاتنا ، وزاولنا أرقى مراحل التأويل والتفسير البراغماتي لبلوع مآرب وغايات لابدّ من بلوغها مهما كلّف الأمر حتى وإن كانت «الغاية تبرّر الوسيلة» هذا المبدأ الذي نرفضه رفضاً قاطعاً في قيمنا وأدبياتنا ، لكنّا كثيراً ما عملنا به لنيل ما ينبغي لنا نواله؟

يخطر في ذهني أنّ أحد الفقهاء قدّس الله أرواحهم الزكيّة تعرّض إلى ذكر رواية في أكثر من مورد في كتابه الفقهي الاستدلالي وفي وقت كانت تلك الرواية تدعم مدّعاه وقوله استبسل في تجبيرها وتقويتها وإزالة عوامل الضعف عنها ، وحينما كانت نفس الرواية وفي موضع آخر تدعم مدّعى القول المخالف له راح يعمل على تضعيفها والنيل من حجّيّتها ، وقد أشار كاتب مقدّمة ذلك الكتاب إلى هذه النقطة بكلّ وضوح ..

لست بصدد استقراء الأفراد والمصاديق بقدر ما أهتمّ بالتركيز على أصل المشكلة ، رغم حاجة البحث لبعض العيّنات ودرج بعض الشواهد التي تقرّب الفكرة إلى ذهن القارئ أكثر وتجعلها أيسر فهماً وقبولاً ..

نعم ، إنّنا ارتكبنا مخالفات كبيرة وصغيرة ، كلٌّ بحسب نسبته ومكانته ، من علماء ونخب وكوادر ومتخصّصين إلى عامّة الناس وجمهور الاُمّة ، مخالفات بالخروج على القيم والثوابت والاُصول والمبادئ

٢٣٨

والأخلاق ، خروجاً له علله وأسبابه ودواعيه المختلفة ..

وتمثّلي بالقياس والاجماع ليس إلاّ من باب إيصال الفكرة عبر المصاديق الحيّة الحسّاسّة حتى نبلغ نتائج عامّة وشاملة ..

لذا فإنّنا حينما نفهم القياس ـ مثلاً ـ فهماً مطلوباً نتمكّن من فهم أفراده ومصاديقه والميادين العمليّة التي يتّسعها ، ونفهم أيضاً كلّ ما يمتّ له من صلة وتأثير ، ولا شكّ أنّ المفروض في العلماء والكوادر والنخب وذوي الاختصاص أنّهم قد فهموا «القياس» ـ على سبيل الفرض ـ فهماً عالياً يمكّنهم من التعامل معه تعاملاً مطلوباً يسهل معه فرز الصحيح عن الخطأ وتوضيح الغوامض وحسم المواقف بكلّ جلاء وشفّافيّة ، فإنّها المهمّة الطبيعيّة للمتصدّين المختصّين الملقاة على عاتقهم مهمّة توعية الاُمّة وسوقها صوب قيمها ومبادئها وأخلاقها ..

لذا بات من المسلّمات بيان اُصول الدين وفروعه عبر ألوان الأدوات والآليات المناسبة ، بياناً تستوعبه الاُمّة وتجيد التعامل معه والعمل به بكلّ اطمئنان وشفّافيّة ، ويترتّب على ذلك فهم النظم والقانون وقبلهما فهم الدين والعقيدة والأخلاق فهماً حصوليّاً لا فهماً منقولاً وراثيّاً ..

ولعلّني بتركيزي على «أصل الإمامة» عند الشيعة الإثني عشريّة أكون قد بدأت وضع اللمسات الاُولى لفكرتي التي أروم طرحها هنا ..

إنّنا نعتقد ـ الشيعة الإثني عشريّة ـ كما يقول الشيخ محمّد رضا المظفّر : إنّ الإمامة أصلٌ من اُصول الدين لا يتمّ الإيمان إلاّ بالاعتقاد بها ،

٢٣٩

ولا يجوز فيها تقليد الآباء والأهل والمربّين مهما عظموا وكبروا ، بل يجب النظر فيها كما يجب النظر في التوحيد والنبوّة ... كما نعتقد أنّها كالنبوّة لطفٌ من الله تعالى ... إنّ الإمامة لا تكون إلاّ بالنصّ من الله تعالى على لسان النبيّ أو لسان الإمام الذي قبله ، وليست هي بالاختيار والانتخاب من الناس ... لا يجوز أن يخلو عصر من العصور من إمام مفروض الطاعة منصوب من الله تعالى ... سواء كان حاضراً أم غائباً عن أعين الناس ... ونعتقد أنّ الإمام كالنبيّ يجب أن يكون معصوماً من جميع الرذائل والفواحش ما ظهر منها وما بطن من سنّ الطفوليّة إلى الموت ، عمداً وسهواً ... معصوماً من السهو والخطأ والنسيان ... ونعتقد أنّ الإمام كالنبيّ يجب أن يكون أفضل الناس في صفات الكمال ... أمّا علمه ، فهو يتلقّى المعارف والأحكام الإلهيّة وجميع المعلومات من طريق النبيّ أو الإمام من قبله ... إنّ قوّة الإلهام عند الإمام ـ التي تسمّى بالقوّة القدسيّة ـ تبلغ الكمال في أعلى درجاته ... ونعتقد أنّ الأئمّة هم اُولو الأمر الذين أمر الله تعالى بطاعتهم ..

وفي باب «عقيدتنا في المجتهد» يقول الشيخ محمّد رضا المظفّر (رحمه الله) : «وعقيدتنا في المجتهد الجامع للشرائط : إنّه نائب للإمام (عليه السلام) في حال غيبته ، وهو الحاكم والرئيس المطلق ، له ما للإمام في الفصل في القضايا والحكومة بين الناس ، والرادّ عليه رادّ على الإمام ، والرادّ على الإمام رادّ على الله تعالى ، وهو على حدّ الشرك بالله ... فليس المجتهد الجامع للشرائط مرجعاً في الفتيا فقط ، بل الولاية العامّة ، فيرجع إليه في

٢٤٠