🚘

نفحات الذّات - ج ٣

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٣

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
ISBN: 978-964-397-974-4
🚘 نسخة غير مصححة

الابتعاد ، لتزلزل الثقة والمصداقيّة ..

على أنّي أقول مؤكّداً بكلّ حزن وأسف : أنّ هذه الطبقة الشريفة الجليلة ، طبقة رجال الدين ، طبقة الفقهاء والعلماء والفضلاء ، لا يمكن أبداً أن تُصنَّف هذا التصنيف النوعي الظالم بفعل ممارسات القلّة منها ، التي أوجدت فضاءً سلبيّاً نال من مكانة وسمعة واعتبار رجال الدين النبلاء ، ولست في مقام بيان تاريخ ومناقب ومواقف وتضحيات ومساعي رجال الدين ، فإنّها لا تعدّ ولا تحصى ، بل في مقام تشخيص المشكلة والإشكاليّة التي تتعرّض لها المؤسّسة الدينيّة بشكل عام ورجال الدين على الخصوص ; كي يأتي العلاج والوقاية بأثر فاعل يعيد الاُمور إلى نصابها الصحيح ..

وللخروج من الواقع الراهن لابدّ من حركة منهجيّة علميّة منسجمة تعيد الاُمور إلى نصابها ، ولا يحصل ذلك إلاّ عبر خطوات تمنح القواعد والاُصول والمحتوى عميق المكانة في ذات رجل الدين ، وهذا يعني الفهم الفاعل الصحيح لقيم ومبادئ واُسس الدين الفكريّة والأخلاقيّة والعلميّة ، فتختفي حينئذ السطحيّة والقشوريّة والمنافع الذاتيّة وسمات التعالي والغطرسة ... وتحلّ محلّها البدائل المطلوبة المترشّحة من الاُصول والثوابت ، وبذلك يمكننا العودة والقول : إنّ المتبادر من رجل الدين هو ذا حقّاً ولا غير ..

٢٠١

الفرقة الناجية

كيف يخلد للنوم من عزم على تهذيب نفسه وبناء ذاته ، كيف يرقد بهناء دون أن يستعرض شريط آناته التي تصرّمت ولحظاته التي قضت ، استعراضاً علميّاً معرفيّاً واقعيّاً ممزوجاً ـ بداهةً ـ بالنقد والتحليل والمراجعة والمقارنة ، من أجل نتائج تخلق فرصاً ليوم آخر أفضل من سابقه ، ليوم أكثر ثقة ووعي أعمق ، بشعور أرقّ وإحساس أرهف ، خصوصاً إن كان الإنسان ينتمي إلى مجموعة قيَميّة محدّدة المعالم والمحتوى بوضوح وشفّافيّة ، فإنّها من المفروض أن تغدق عليه مؤنها وأدواتها وآليّاتها وأنساقها التي تضيء له درب التهذيب والبناء.

ولا نحسب الأمر خالياً من الدموع والآلام والمعاناة والمصائب ، فكثيراً ما يجد سالك هذا الطريق ذاتَه في غربة ووحدة وعزلة بين أهله وعشيرته وأصحابه يودّ لو يهرب إلى مكان نائي ... وغالباً ما يرى أنّه لا يفقه شيئاً ، أو مردّداً بين التفكير الخاطئ والتفكير الصحيح الذي يأخذ به إلى القرار الحاسم ... إنّها بلا شكّ محطّات الفرز والانتخاب المصيري ، الانتخاب الذي يقوده إلى أحد النجدين ; فلابدّ له من التزوّد بالمؤن

٢٠٢

السليمة التي تجتاز به «المفترق» إلى مساحات الأمان والطمأنينة الذاتيّة ..

وفي «التزوّد» هذا ومؤنه نقاشٌ وعراكٌ صعبٌ ومرير قامت عليه المذاهب والتيّارات والانتماءات الإنسانيّة المتفاوتة ، كلٌّ يرفع لوائح الإنقاذ وصكوك الغفران والفلاح ; ولكنّ أيّاً منها هو المنقذ الحقيقي الذي يأخذ بالإنسان ليبني ذاته ويهذّب نفسه؟ إنّها معضلة البشريّة المنحصرة أساساً في معركة «الفرقة الناجية» ..

وما التنافرات الهامّة والصراعات الدمويّة والحضاريّة والمعرفيّة التي كانت ولازالت فإنّها تدور ضمن هذا الإطار ، ولا تنتهي قريباً ..

وما يطرحه البعض من حلول ومقترحات لتجنّب المنازعات ـ مثل : استخدام أدوات العقل العملي والقيم الأخلاقيّة في ترويضها ثم حذفها من دائرة الوجود ـ تحوم حوله استفهامات وتتجاذبه تباينات تجعل منه مجرّد أمانيّ لا تلج حيّز الواقع والتطبيق ، فتبقى حبيسة الفضاء الرومانسي لا تجد سبيلاً تسلكه إلى باحات ممارساتنا وأروقة أفعالنا ..

فلو سكّنّا الآلام بوصفة : «التعدّديّة مطلب ومطمح إنساني» فكيف لنا أن نؤمن بأنّ حقّ الآخر في الاختيار معتقدٌ أخلاقي ، من أجل الوصول إلى نتائج إيجابيّة؟! وكيف للدين الوقوع في وحل «الفرقة الناجية»؟!

ثم إنّ افتراض الدرس الفقهي واللاهوتي والكلامي لكون التعدّديّة ضرورة إنسانيّة أخلاقيّة ، لا يعني وجوب تحقّقها خارجاً ، بل مجرّد الافتراض كاف في إبصار الإيجابي ، مع أنّ إبصار الإيجابي لا يفتقر إلى

٢٠٣

هذا الافتراض حتى ، فكيف بتحقّقه؟!

فالدين إمّا وصفة كاملة أو ناقصة ، ولا ثالث .. وعقيدتنا القائمة على القول الأوّل لا تقبل بكلّ هذه المقترحات والحلول التي تجعل من الدين مجرّد رقم ـ سواء رقماً ذهبيّاً أم غيره ـ بين سائر الأرقام وفارساً بين سائر الفرسان ; إنّها ترى الدين أسمى وأجلّ من كلّ الصراعات القائمة ..

نعم ، علينا تجديد رؤانا وبصائرنا بتجديد أدواتنا المعرفيّة وآلياتنا العلميّة في «استحلاب» ثدي الدين الكريم ، والكريم لا يبخل في العطاء ، ولاسيّما إن كان كرمه متّصلاً بمبدأ الجود والسخاء المطلق .. ونعني بالعطاء : أنّنا إن قرأنا وراجعنا واستقرأنا وقارنّا وحلّلنا لاستنتجنا أنّ القول الأوّل ليس مجرّد شعار وأحلام وطموحات ، بل حقيقة سامية لا تقبل القسمة على اثنين .. فلا فرار من الاختيار حينئذ وهذا الاختيار لا يقع إلاّ على واحد من الطرق الموجودة .... لذا يكون مفهوم «الفرقة الناجية» عقلانيّاً واقعيّاً ..

نعود إلى ما صدّرنا به البحث فنقول : إنّ بناء الذات وتهذيب النفس يجب أن يخضع إلى نظم معرفي روحي شعوري ، نظم يبلور الأفهام والمساعي العلميّة والاعتقادات والأحاسيس في سبيل الوصول إلى النتائج المطلوبة ..

والإنسان إذا ما تمكّن من بناء ذاته وتهذيب نفسه سيتحوّل لا إراديّاً إلى معلّم ومربّي وقطب إشعاع يفيض على من حوله بل على الناس

٢٠٤

جميعاً من مكارم سلوكه وفضائل عطائه ، وتغدو حركاته وسكناته مصداقاً للإنسان السامق صوب قلل الكمال ، الإنسان الذي أغدق عليه مبدأ الفيض المقدّس بأنواره وبركاته السرمديّة ، وأيّ لذّة أطيب وأشهى وأسمى من لذّة الإيمان ، لذّة الاطمئنان القلبي والأمان الذاتي ..

(الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللهَ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ) ..

٢٠٥

التشيّع وحدة مفهوم (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

صفونة التشيّع وعربنة التسنّن ، أحدث موضات الجناح المناوئ ضمن مسلسل حملته الإعلامية المضلّلة التي لا زال يمارسها منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا ، وقد قرأنا له من قبل : التشيّع السياسي ، التشيّع الاجتماعي ، التشيّع الديني ، التشيّع العلوي ...

إنّ صياغة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لطبيعة التشكيلة القيادية وبناءه الهيكلية الرائدة في إدارة الأُمّة أوجدا تحفّظاً وامتعاضاً لدى شريحة اعتقدت أنّها الأجدر والأكفأ في تسلّم المهام ، ورغم وجوده (صلى الله عليه وآله) بين ظهرانيهم كانت تطفح بين الفينة والأُخرى مواقف ترسم توجّهاً مستقبليّاً للانقضاض على الحكم واستلابه من رجاله الشرعيين ; إنّها نار الخيبة التي ما اختبأت تحت الرماد حتى بحضوره (صلى الله عليه وآله) ، فراحت تسوّق الأوهام والإشكاليّات عبر

__________________

١ .. كلمة العدد ٨٩ / السنة ٢٣ / فصليّة «تراثنا» / تصدرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ..

٢٠٦

شتّى الوسائل والآليّات ، وكان المصطفى (صلى الله عليه وآله) يدحضها في كلّ مرّة بمختلف دلائل الدعم والإسناد لعليّ بن أبي طالب (عليه السلام) ..

شفّافية الخطاب النبويّ في تفهيم الأُمّة أصل الولاية المتجلّي في غدير خمّ لم تثن القوم عن مواصلة الطموح وترجمة الأماني إلى حقيقة تقفز على كلّ المعايير والقيم المقدّسة التي صاغتها إرادة السماء ، وللأسف فإنّ طيفاً كبيراً قد ضاع وسط أفكار هلامية ضبابية نادى بها التيّار الممتعض من قرارات الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) ولاسيّما المختصّ منها بشؤون إدارة الأُمّة ومستقبلها ..

رغم كلّ ذلك نقول : الاختلاف في الفهم طبيعة غريزية في الجنس البشري ، فقد اختلف الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس في فهم القيم والمبادئ التي نادى بها المسيح (عليه السلام) ، واختلف ماركس وهيغل وفيورباخ في فهم المذهب الوجودي الإلحادي ... واختلفنا نحن المسلمون في فهم الإسلام ، فاعتقدته الشيعة كما ترى واعتقده الآخرون كما يرون .. ويلعب العقل عندنا كما لدى الكثيرين من غيرنا دوراً محورياً في فهم النصّ والحدث ، فنشأت فينا الفرق والمذاهب والتيّارات المختلفة ، ونشأنا نحن أتباع التشيّع على الاعتقاد بكون الفكر الشيعيّ هو المعنى الصحيح للإسلام ، انبثاقاً من الأدلّة والبراهين والشواهد التي تؤكّد أنّ النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) أولى أصل الولاية اهتماماً خاصّاً بالقول والفعل والتقرير ، وجسّد (صلى الله عليه وآله) وجوب العمل بها من بعده في شامخة غدير خمّ (وَمَا يَنطِقُ

٢٠٧

عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى) .. (١)

لذا فإنّ محاولة النيل من التشيّع عبر نعته بالسياسيّ تارةً والدينيّ أُخرى والاجتماعيّ ثالثةً والصفويّ رابعةً ... أو قراءته من خلال بعض التجارب التاريخية والرؤى الفكرية المعيّنة .... أو دراسة الإسلام دراسة انتقائية ... كلّها جناية صارخة بحقّه ; إذ كلّ تجربة أو رؤية في هذا السياق لابدّ من عرضها على مفهوم التشيّع فإن وافقته وإلاّ يُضرَب بها عرض الحائط ..

وما مصطلحات : تقيّة المجاهد ، اجتهاد وانفتاح ، رجوع إلى العالم المختصّ ، إنسانية ، وحدة ، توحيد ، سنّة ، مقارعة الظالمين ، انتظار إيجابي ، عَبرة ... والمصطلحات المعاكسة لها ... التي تقال في التشيّع ، إلاّ جهدٌ آخر للطعن والنيل من وحدة مفهومه وسلامة انتمائه ..

إنّ صفونة التشيّع وعربنة التسنّن يافطة جديدة لن تجرّ لهم نفعاً أيضاً ، فلقد رفعوا من قبلُ غيرَها في عكاظ تضليلاتهم وما ربحوا وعادوا بخفّي حنين ، بل مارسوا أشدّ أنواع الظلم والتعسّف والاضطهاد بحقّ التشيّع منذ البدء حتى يومنا هذا ، وهذه الذراع التي تمتدّ الآن لقتل الأطفال والنساء والشيوخ الآمنين وتهجّر الناس قسراً من ديارهم وتنعت الشيعة بالكفر والضلال هي ذات الذراع التي امتدّت لتغتال أميرالمؤمنين (عليه السلام) في محراب الصلاة وتذبح ريحانة الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله)

__________________

١ .. سورة النجم : ٣ ـ ٤ ..

٢٠٨

الحسين الشهيد (عليه السلام) وخيرة صحبه وأبنائه في كربلاء وتسبي أطفاله ونساءه ..

إنّ وقفة تأمّل قصيرة مستشرفة ورق التأريخ تظهر شموخ التشيّع ورسوخ قيمه ومبانيه التي تعني الإسلام بأوجز بيان رغم كلّ مساعي الحذف والنفي والتزييف الفكريّ والمادّي ، بل وتظهر حجم الحقد والحسد اللذين أعميا بصرهم وبصيرتهم ، وتثبت أنّ نور الإيمان لا يدرك بهذه الآليّات الدنيئة .. (وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُور) .. (١)

__________________

١ .. سورة النور : ٤٠ ..

٢٠٩

التراث وازدواجية المعايير (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

لمصلحة من يدمّر تأريخنا ، تراثنا ، معالم حضارتنا ...؟! لِمَ تجدّ المساعي الشرّيرة كي تقضي على المكانة الخالدة التي اُقِرَّت لقادة فكرنا وديننا؟! إقراراً رشح إثر عطاء أغدق على الإنسانية حكمةً وعدلاً ونبلاً إلى يومنا هذا .. أليس لكونه عهداً عملياً وخطاباً واعياً يحاكي العقول النيّرة والضمائر الحيّة ، فتجافيه حينئذ تلك التي امتلأت غيضاً وحقداً حتى أنّها لم تألُ جهداً لحذفه ونفي كلّ ما يمتّ له بنوع صلة أو ارتباط؟!

نعم ، لقد فجّر الحقد مرقد الإمامين العسكريّين (عليهما السلام) بمدينة سامرّاء في العراق ، ولن تكون فعلتهم الشنيعة هذه نهاية المطاف ، بل إنّه نهج وفكر يدوم بدوام دواعي الكراهية والعداء لمدرسة آل البيت (عليهم السلام) ورؤاها السامية ..

__________________

١ .. كلمة العدد ٨٥ / السنة ٢٢ / فصليّة «تراثنا» / تصدرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ..

٢١٠

لا نبثّ شكوىً ولا نستعطف أحداً ولا نحمّل غيرنا الفكرة والرؤية عنوةً ، ولسنا بصددها هنا ، فآل بيت المصطفى (عليهم السلام) ـ تأريخاً وسيرةً وعطاءً وتجسيداً لقيم السماء ـ كالشمس في رابعة النهار ، بل أبزغ وأسنى ، حيث لا اُفول لمكانتهم الشامخة وتعالميهم الرائدة .. ولسنا أيضاً في مقام تناول التيّار السلفي التكفيري بالنقد والتحليل ، فأمره كان ولا زال واضحاً ويزيده الله تبارك وتعالى يوماً بعد آخر فضيحةً وهزيمة ..

إنّما ننطلق في إشارتنا لهذه الجريمة من زاوية التراث ، فهو القاسم المشترك ونقطة الالتقاء مع سائر الحضارات والثقافات والأديان ، وقد حظى بعناية واحترام الكلّ بالإجماع ..

نعم ، إنّه ضمير الأُمّة ، المرآة التي ترى فيه الاُمّة تحقّق الممكن .. والمتمسّكون بالتراث لا يتمسّكون به لمجرّد أنّه تراث الآباء والأجداد ، بل لأ نّهم يقرءُون فيه ما ينبغي أن يكون ; إنّه قراءة للمستقبل في صورة الماضي ..

وليس التراث في الوعي المعاصر قطعة عزيزة من التأريخ فحسب ، ولكنّه دعامة من دعامات وجودنا وأثر فاعل في مكوّنات وعينا الراهن ، وأثره قد لا يبدو للوهلة الاُولى بيّناً لكنّه يعمل فينا في خفاء ويؤثّر في تصوّراتنا ..

وتراثنا الإسلامي قد سلّم به قسم كبير من العالم منذ أكثر من ألف عام واستطاع أن يزوّد الإنسانية بحضارة حقيقية وعلم صحيح ورجال

٢١١

عظام ما زالوا إلى يومنا هذا هم الانموذج الأرفع .. فهو عالمي ، بمعنى أنّه تراث حضارة عالمية ، حضارة الإنسانية ، فالثقافة الإسلامية تمثّل ثقافة على المستوى العالمي ; كونها غير محدودة ولا منغلقة ، بل متفتّحة قابلة لاستيعاب كلّ الثقافات التي احتكّت بها ..

وخلاصته : إنّه تفاعل الناس مع القرآن والنبي وآله الأطهار وصحبه الأخيار ..

أقلّ ما يقال في حقّ مرقد الإمامين العسكريين (عليهما السلام) : إنّه تراث محترم لدى كافّة الاُمم والشعوب والحضارات والثقافات .. وعليه ، فهل نالت جريمة تفجير هذا المرقد الطاهر الحدّ الأدنى من اهتمام المحافل الدولية والمنظّمات المختصّة؟! مثلما نال الانحراف المستمرّ في برج بيزا الإيطالي متابعة هذه الدوائر التي طالما عبّرت عن قلقها حياله ، بل إنّ المقطوعة الموسيقيّة المسروقة من إحدى سمفونيّات بيتهوفن بقيت ليومنا هذا مورد عناية ومتابعة تلك الجهات ، وهكذا لوحة الموناليزا .... ومنظّمة الثقافة والعلوم «اليونسكو» التابعة للاُمم المتحدة راقبت عن كثب وعملت ما بوسعها من أجل الحصول على نتائج لائقة بهذا الشأن ، بل وذرفت دموع التماسيح من أجل تمثال «بوذا» الذي دمّرته حكومة الطالبان في أفغانستان ، التمثال الذي يجسّد الشرك والكفر بأجلى مصاديقه ، لكنّها لم تنبس ببنت شفة ـ حتّى يومنا هذا ـ تضامناً أو اهتماماً بقضية تفجير المرقد المقدّس للإمامين العسكريّين (عليهما السلام) ، هذا الصرح الذي يمثّل بكلّ شموخ مفاهيم العدل والحرّية والإنسانية بأروع مضامينها ..

٢١٢

إنّ هذه الأزدواجية في التعامل مع القيم والأحداث ما هي إلاّ إفرازة من التراكمات التأريخية والمصالح السياسية والاقتصادية والثقافية لقوى الهيمنة والتسلّط العالمي ..

ولن تزيدنا هذه الظلامة إلاّ عزماً وتصميماً في الذود عن مبادئنا السامية وديننا الحنيف وفكرنا الحقّ ..

(يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللهَ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .. (١)

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ..

__________________

١ .. سورة الصفّ : ٨ ..

٢١٣

كونوا زيناً لنا

لمّا يستطيل البحث عندنا وتتكثّر القراءات وتتكرّر المراجعات وتزدحم أروقة الثقافة بنتاجات تحكي للعالم بأسره : أنّا أتباع رسالة سماوية وشريعة إلهية ذات محتوى ونهج متكاملين ضامنَين حياة البشرية بشقّيها الدنيوي والاُخروي ، قادتنا : محمّد بن عبدالله خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) والمعصومون الطاهرون (عليهم السلام) ، الذين بغياب آخرهم عجّل الله تعالى فرجه الشريف نتشبّث ـ حسب النظم الموجود ـ بنوّابه العامّين ، قدّس الله أرواح الماضين منهم وأدام ظلّ الباقين على رؤوس الأنام ....

نعم ، لمّا يكون الأمر كذلك فهذا يعني : أنّنا نبعث برسالة واضحة مفادها : نحن أتباع ذلك «الإنسان الكامل» ، ومن البديهي أن يغدو التابع ـ طبق المدّعى ـ على نسق المتبوع إطاراً ومحتوىً ....

فهل نحن هكذا يا تُرى؟! فهل نحن على ذات المضمون والنهج والسيرة التي ورثناها من قادتنا (عليهم السلام) وأقطابنا وأركاننا؟ أم أنّا مجرّد ظاهرة صوتية؟ فإن رفضنا الثاني أيمكننا إثبات ما يلي ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ :

٢١٤

١ ـ حين تزاحم المظهر والاستعراض والقشر مع العمق والمحتوى ، أنّنا نقدّم الثاني من أجل الحقّ؟

٢ ـ حين تزاحم البذخ والراحة والترف والرغبة الذاتية والشهوة النفسانية مع الزهد والتعب والمعاناة والمصالح العامّة ، أنّنا نقدّم الثاني من أجل الحقّ؟

٣ ـ أنّنا لا نداهن ولا نساوم على المبادىء السماوية والملاكات العَقَدية والضوابط الدينية والقيم الأخلاقية والموازين العلمية ، فلا نحذف الآخر ولا نسقّط ولا ننافق ولا نتزلّف ولا نُصنِّم ولا نتلوّن ولا نتناحر ولا نتغطرس ولا نستبدّ ولا نغتاب ولا نكذب ولا نسرق ولا نخون ولا نخدع .... نجلّ الصالحين ونحترم العلم وأهله ، فلا نخيّب آمال المؤمنين والعلماء والنخب بنا لمّا نرفض ترجيح الرغبة على الملاك الحقّ والشهوة على الميزان الحقّ ، ولا نكون كالتي نقضت غزلها بعد قوّه أنكاثا ، فنظلّ نعتزّ ونفخر بالسليم من الموروث الديني والتاريخي والمعرفي ، ولا نفرّط به ـ غروراً وجهلاً ـ جملةً وتفصيلاً بمجرّد خلل هناك ونقص هنا دون الالتفات إلى المخاطر والعواقب الوخيمة المترتّبة على هكذا تفريط وتجاوز مرفوض .... كما لا نكون كذاك الذي أساء إلى المعصوم (عليه السلام) أيّما إساءة فبادره (عليه السلام) بأروع الخُلُق وبالغ الإكرام فبقي لا يدري ما يصنع من فرط الندم والخجل إزاء مقابلة الإساءة بالإحسان؟

وممّا يندى له الجبين حقّاً أنّ مصاديق هتك الموروث الديني

٢١٥

والتعدّي على الثوابت والحرمات والرموز المقدّسة لازالت فاعلة إلى يومنا هذا ..

إنّ اعتزازنا بديننا وقادتنا لا قيمة له إن لم نكن «زيناً» على الدوام قدر ما استطعنا ، وإلاّ فإنّا نكون قد بعثنا برسالة خاطئة كاذبة إلى العالم لا واقع لها أصلاً ، فيصحّ أن يقال فينا : أنتم «شَين» و «الشَّين» لا يستحقّ الاحترام أبدا ..

٢١٦

هذا أنا فمن هم؟

تجمّعوا ، تجمهروا ، تماهوا ، تغنّوا بلحن التمنّي ، أنشدوا نشيد الشماتة والاستفزاز والتشفّي ، ردّدوا مزيّفاتهم المكرّرة وادّعاءاتهم المملّة وتبريراتهم المضلّة ، هتفوا ـ وأنا منهمكٌ أقصد الدرب المبين ـ : فاشلٌ أنت مهزوم ، التقدّم فيك معدوم ، راوح مكانك فالتراجع فيك محتوم ، حريٌّ بك أن تُفنى فلا يظلّ لك ذكرٌ ولا يدوم .... ثم واصلوا التشدّق متغطرسين ـ وأنا أتابع السير بجدٍّ ويقين ـ : شاهقةٌ أسوارنا ، عصيّةٌ موانعنا ، صلبةٌ هممنا ، قويّةٌ عزائمنا .... نحن نحن نحن ...

أمّا أنا فلاخيار لي سوى مواصلة المسير بذاك الوثوق والحماس المثير لأبلغ المطلوب الكبير .... مؤنتي وزادي : كلّ ما رسخ في عقلي وفؤادي من ذاك اللبن الصافي الذي غذّتني به أحاسيس آبائي وأفكاري المستفادة من معين الولاء الجاري في دمي ولحمي وعظمي ومخّي وسائر أعضائي ....

فأنا قلبٌ ينبض بالحبّ والمودّة والهيام بآل العصمة الأطهار ..

٢١٧

أنا عقلٌ يستفيض برؤى وبصائر وهدي بيت النبيّ المختار ..

أنا ذاك الذي صاغ من ظلامة الحائط والباب حبرَ الأفكار ويراع الأنظار وأُسّ الآراء فأحفرُ وأُراجع وأُحلّل وأستقرئ وأُقارن فأستنتج : أنّ الزهراء قد رسّخت ـ بإلهامها وعصمتها وثباتها وبيانها ـ مبادئ الدين والأُصول التي جاء بها السراج المنير وعانى من أجلها صعاب الدرب العسير ..

أنا ذاك الذي علّمه سيف الرسالة الأمين وباب علم خاتم النبيّين (صلى الله عليه وآله) أميرالمؤمنين (عليه السلام) بصبره الحكيم طيلة الخمسة والعشرين من السنين .... قواعدَ الإيمان السليم ومعنى الحفاظ على مصالح المسلمين رغم الحقّ السليب وخذلان الخاذلين ..

أنا ذاك الذي جعله المجتبى (عليه السلام) سبط سيّد المرسلين يحلّق عالياً في آفاق معارف وأخلاق الآل وسعيهم الحثيث لحفظ النفس التي حرّم الله إلاّ بالحقّ ، مثلما جعله (عليه السلام) يقف على حقيقة اليد الأُمويّة التي لازالت تعبث بالقيم والدين ..

أنا ذاك الذي علم واستيقن أنّ ملحمة المولى الغريب وما بذله الحسين السبط الشهيد من العطاء والسخاء الكريم بالمهجة في يوم الطفّ العظيم .... هي التي حفظت رسالة سيّد الكونين إلى قيام يوم الدين ..

أنا ذاك الذي فهم انتظار فرج الغائب أرواحنا فداه بأ نّه : الإبقاء على جذوة الإيمان والقبض على جمرة الاعتقاد بكلّ عزيمة وشوق واقتدار ..

٢١٨

أنا ذاك الذي استلهم من أهل بيت التقى النجباء كلّهم بلاستثناء منهج الحياة المتين وسبيل الفلاح الأمين ..

أنا ذاك الذي علّمته حواضر النجف وقم وكربلاء ونظائرها من معاهد الخير والهدى : أنّ عقيدتنا منهجٌ وأُسلوبٌ ومحتوى ، أنّها خطّ الدين الممتدّ منذ النبيّ المصطفى حتى بزوغ راية المرتجى ..

أنا ذاك الذي اختار وانتخب واتّبع مراجع الدين العظام حين علم أنّهم ـ حقّاً ـ نوّاب الإمام بما لهم من الصفات والخصائص التي جعلت منهم ملاذ الخلق وملجأ الناس على مرّ القرون والأعوام ..

أنا ذاك الذي اشرأبّ عنقه إجلالاً وتعظيماً للسيّد الصمصام ، الرمز الهمام ، العارف الحكيم ، المدبّر العليم ، الكيّس الحليم ، محيي الحبّ في النفوس وململم الشمل في الزمن الضروس ومنادي الأمن والسلام رغم كلّ دعوات الحقد والشتات والترويع والعنف الهدّام.

أنا ذاك الذي كسب النزال بالإصرار على صادق الحوار ورفض منطق الإرعاب والتهديد بالحرب والحرمان والحصار ..

أنا ذاك الذي أوغلوا في تشريدي وحرماني وقتلي ، وماحَكُوني طول الدهر قاصدين حذفي ونفيي والقضاء علىّ بما تيسّر لهم من أساليب البغي والتعدّي .... ثم ضلّلوا وحرّفوا الحقائق وإلى الشرك والكفر نسبوني ....

لكنّني غدوت على خلاف ما راموه بي وأرادوني .... عدّةً وعدداً وحضوراً ونفوذاً ونموّاً وتقدّماً ..

٢١٩

فها أنا بعد كلّ ذاك التضييق والأذى شامخٌ في النجف وبغداد وقم وطهران وبيروت ودمشق وصنعاء .. والبقيّة تاتي بلطف السماء ، خطفتُ القلوب وشغلتُ العقول بلا خيل وسيف وركاب ، أزدادُ أمناً وطمأنينةً ويزدادون خوفاً بلا راحة وسكينة .. عنوانهم الإرهاب والذبح والإيلام ، عنواني الحبّ والوئام والسلام ..

إذن ، أنا الربيع الآتي والحقيقة الموعود بها في آيات الكتاب الربّاني : (وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الاَْرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ) (١)

__________________

١ .. سورة القصص : ٣ ..

٢٢٠