🚘

نفحات الذّات - ج ٣

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٣

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
ISBN: 978-964-397-974-4
🚘 نسخة غير مصححة

بالإنسان إلى متاهات الاستبداد والاختناق والتراجع ، إنّه يمنحنا فرصة جديدة للحياة مستقاة من فهم جديد للثابت والأصل ..

إنّ الشرخ الذي تحدثه عمليّة الجذب والإمتاع المزوّرة والأخذ بالمرفوضات ، شرخٌ لا يمكن ردمه باليسر والسهولة ; إذ بديهة سرعة الهدم على حساب البناء قائمة لا تزول ، ورأب الصدع يفتقر مؤن ومناهج وتضحيات تستنزف الكثير من الموارد والطاقات ، وربما تحتاج زمناً طويلاً من الجهد والسعي الحثيث لإعادة الاُمور إلى نصابها الصحيح ..

على أنّ الوقاية هي خيرٌ من العلاج أبدا ، نعني : إنّ القرارات الحاسمة قد تغيّر مصير اُمّة بكاملها ، سلباً إن جاءت على خلاف المعايير العلميّة والعقليّة والمبنائيّة ، إيجاباً إن كانت خاضعة للأنساق والمباني والدراسات السليمة ; خصوصاً إن كانت تلك القرارات تمثّل مفترق طريق يصعب تصوّر العودة والتراجع عنها ، لذا فإنّ المنهج الصحيح يعني استخدام كافّة الأدوات المعرفيّة المتاحة قبل الولوج في فضاء القرار والإقدام عليه ، والندم لا يصنع المعاجز ، والخطأ الواحد قد يقلب الاُمور رأساً على عقب ، ولعلّ من أخطر رواشحه تزلزل المصداقيّة ، الأمر الذي يعني انهدام أركان واسعة من الكيان ، أيّ كيان ، وتكون عمليّة البناء الجديدة أكثر مشقّةً ومعاناة ; ولاسيّما إن كانت عمليّة البناء الاُولى مصحوبة بمتانة المصداقيّة وتوفّر الثقة التامّة ، بخلاف الثانية .... والذي يلحظ آثار كلا العمليّتين يرى ويلمس البون الشاسع بينهما من حيث الحيويّة والآثار والاستمراريّة ..

١٢١

يتحصّل من كلّ ذلك : أنّنا محكومون ـ في كلّ الافتراضات والاحتمالات ـ بالتغيير ، الذي بإمكانه تخفيف وطأة الأخطاء والقرارات المستعجلة ، ويعيدنا إلى دائرة المنافسة من جديد ، ويفوّت الفرصة على سائر الرؤى والمناهج التي تترقّب الشرخ والفجوة لتنفذ بكلّ ثقلها ووجودها كي تنال المرام والمقصود ..

إنّ ثقافة حذف الآخر ونفيه والنيل منه لا تزال حاكمة في كلّ مجال ، وليس في الاُفق ما يلوح بزوالها وضمورها ، ولعلّ ازدياد حدّتها وارتفاع سخونتها هما المتوقّعان ، بل حاصلان واقعاً وحقيقةً ، طبق الاستقراءات والمطالعات الموجودة ، وهذا الفضاء وإن لم يعد يخيفنا كثيراً ـ إذ قد تمرّسنا عليه واكتسبنا الخبرة التاريخيّة إزاءه ـ إلاّ أنّ الذي يخيفنا حقّاً هذا الصراع السلبي الدائر داخل الأنا ، فيقتسمها ويشطّرها إلى دوائر وحلقات وأنصاف ومثلّثات ونقاط تصادم وتناحر ، وهذه الأنا التي نخرها الصراع المعهود ومحاولات الحذف الذاتي كيف لها التماسك والاستقامة قبال الآخر الذي تجاوز مفاهيم الرحمة والسماحة وجعل من «الحذف» نسقاً يأخذنا به إلى حيث يرغب ويريد ..

فمضافاً إلى كوننا محكومين بالتغيير فإنّنا محكومون أيضاً بتقديم تنازلات صعبة لبعضنا البعض كي تظلّ «الأنا الإيجابيّة» محافظة على وجودها وتطلّعها نحو النموّ والانتشار ..

١٢٢

التغيير حاجة

الكلّ ينشد التغيير ، فالحياة تبدو مملّة ورتيبة إن سارت على نسق ولحن واحد .. وتختلف عناوين التغيير من شخص إلى آخر ومن جماعة إلى اُخرى ، فمنهم من يطلق عليه «المراجعة» وآخر «البعثرة» وثالث «التمسّح» ورابع «النقد» وخامس «الجدولة» وسادس «إعادة انتشار» وهكذا تعدّدت العناوين واتّحد المفهوم ..

نتنوّع في المأكل والملبس والاستماع والمشاهدة وربما في الأحاسيس والأصدقاء ولوازم الحياة .. ولكن هل نوّعنا التفكير أو تنوّعنا في الفكر؟ هذا أيضاً ممكن ، فالكثيرون قد اختاروا مسالك ومناهج ورؤى تختلف عن سابقاتها ، والذي لصالحه سمّاه استبصاراً والذي بضرره نعته بالانحراف ..

إلاّ أنّ الذي ظلّ على نهجه ونسقه وانتمائه هل غيّر اُسلوب تفكيره ، سواء بالمراجعة أو البعثرة والتمسّح والنقد والجدولة وإعادة الانتشار؟

أشدّ ما يعاب علينا تقليديّتنا المفرطة ، ممّا حدا ببعض رموزنا أن

١٢٣

يحكموا على الخارج عليها بأحكام شديدة ، والخارجون هم ألوانٌ ونوايا ومراتب ودواعي مختلفة ، والذي يهمّنا من كلّ ذلك : الذي انتفض على النمط التقليدي لا لهدف سوى السموّ والرقي وحفظ القيم وديمومة فاعليّتها وذياع مضامينها مع الالتزام بالثوابت ، فهو عمل بالمتغيّر طبق الثوابت ، فاختار حلاًّ وسطاً يجمع بين التقليديّة والتجدّد ، ولعلّه أمرٌ يرضي الجميع ..

ولعلّني أجد أصعب وأدقّ وأخطر ما يواجهه هذا النمط من التغيير بين الملتزمين قضيّة الانتفاخ والتورّم الفكري العقائدي التي غدت من أشدّ الذرائع التي يتمسّك بها المناوئون ، بل منّا ومن دائرتنا مَن لم تحلّ عنده إشكاليّة الانتفاخ والتورّم الفكري العقائدي ..

يلزم بنا أن ننأى بقيمنا ومفاهيمنا عن الهرطقة والاُسطورة والخيال ، عن الغثّ الدخيل الذي أساء لنا ولرؤانا السامية ، إنّنا اُمّة ورسالة تؤمن بالعلم ودور العقل وتتكيّف بمؤنها مع واقع الناس وحقائقهم ، اُمّة تدّعي ـ بمبادئها التكامليّة ـ نقل الإنسان إلى ضفاف العزّ والطمأنينة والفلاح ، ادّعاءٌ لا موضوعيّة له بلا أدلّة وبراهين «إقناعيّة» ولاسيّما نحن نواجه المذاهب والحضارات ذات الباع الطويل في ميادين المعرفة والفلسفة والثقافة ، فمنهم من لا يرتضي بغير التجريبيّة طريقاً للنموّ والنجاح وقد فعلتها اُوربّا في عصر النهضة فحصدت ما حصدت وهكذا أميركا ، ومنهم من لا يرتضي إلاّ بالمادّيّة والجدليّة التاريخيّة والعلّيّة الطبيعيّة ، وهكذا .. بل هناك من يعتقدنا فرقةً شاذّةً ضالّةً خارجةً عن إجماع الاُمّة وقيمها .. ومن

١٢٤

أبناء جلدتنا وهويّتنا مَنْ يتملّكه القلق والوسواس والتراجع والتردّد ..

إنّنا أمام اختبار إن لم أقل «محنة فقدان الإقناع الفاعل» وتفشّي «الإسكات القاتل» ذي الجرعة التسكينيّة ليس إلاّ ، فسرعان ما يعود الألم ومعاناة الغموض والضياع والشتات ، إنّه الموت البطيء ..

وبتكثّر فرص الوعي وأدوات النضج بفضل التقنية الحديثة أضحت الشفّافيّة حاجة ملحّة وبات انكشاف الغطاء أمراً لابدّ منه ، لذا علينا أن نشمّر عن ساعد الجدّ المعرفي العلمي كي نفهم فهماً صحيحاً ونقتنع قناعةً برهانيّة علميّة لنُفهم الناس ونقنعهم قناعةً فاعلةً لا أن نُسكتهم إسكاتاً آفلاً سرعان ما يضمحل ويزول ويُزيل ..

إنّ محاور الاعتقاد شامخة عظيمة لكنّ أدواتنا وأساليبنا هشّة ضعيفة ..

فمحاور الفقه مثلاً عندنا تتخلّلها الفجوات والخلل ولاسيّما عندما نجعل الناس يتيهون في الحيرة والتردّد إثر عدم اتّضاح وغموض العديد من القضايا ، كعدم تحديد موضوع الغناء مثلاً أو ترك مسألة الهلال الهامّة بعهدة الناس بحجّة عدّها من الموضوعات ومثلها قضية المسعى التي استجدّت أخيراً واُحيل أمرها إلى العرف لذات الحجّة ..

وسوى مسألة الموضوعات ، تطرح قضيّة الزمان والمكان مثلاً ومدى تأثيرهما على الفتوى ، إلى سائر المحطّات الفقهيّة التي تستدعي الوضوح والحسم ، خصوصاً أنّ غالب الناس يأخذون معالم دينهم من

١٢٥

أقطاب الدين ، المراجع والفقهاء والعلماء الربانيّين ، يريدونها أشبه بالوصفة الكاملة الجاهزة لا الناقصة المعلّقة .. مع أنّ إشكاليّة التعبّديّة المحضة لها مجالها الواسع ومحلّ بحثها الخاصّ الذي يستدعي بسط مائدة النقاش على غاية من الوضوح والشفّافيّة ; نظراً لتغيّر حياة الإنسان وتطوّر طموحاته وأفكاره الناهدة نحو فهم الحقيقة بالبرهان والدليل لا بالتعبّد المحض «والإسكات الآفل» ..

وعلم الرجال عندنا يعاني ممّا يعاني ، فحتى اُصولنا الرجاليّة ـ مثلاً ـ تختلف اختلافاً بيّناً في الرجل الواحد بين توثيق وتضعيف وإهمال وتجهيل ... الأمر الذي يجعل جوانب من هذا العلم محلّ السؤال والاستفهام ممّا ينسحب على الرواية ومصيرها .. بل مصير أحد أدلّتنا الأربعة الأساسيّة وهي السنّة ، على أنّ بعض الكبار ـ وهو الحقّ ـ يرى محاكاة متن الرواية لنا ولقيمنا ومناهجنا وعقولنا وانتمائنا إن كان صادراً من المعصوم (عليه السلام) ، وإلاّ فلا يصدر كذا متن منه عليه السلام ... من هنا يطرح البعض ضعف علم الرجال أحياناً في المساهمة للوصول إلى المراد ..

كتابة التاريخ أيضاً بقيت عندنا مجرّد محاولات فاشلة ، هذا العلم الكبير الذي سبقتنا فيه مختلف الاُمم والحضارات وخصومنا ، وبقينا نحن نراوح في مكاننا ، ولاسيّما إذا عرفنا أنّ علم التاريخ ليس مجرّد وصف المعلومات والأحداث التي توالت عبر الحقب والأزمان الماضية ، بل هو تحليل ومناقشة ومنطق وإناسة وبنيويّة وسيكيولوجيا وميثودلوجيا وانثروبولوجيا وسوسولوجيا وسائر محاور الحياة والإنسان ...

١٢٦

أمّا العلوم الحديثة والمعارف الأكاديميّة فالمأساة أكبر من أن تتناولها مقالة بهذا الاختصار والطرح الخاطف ..

نعم ، نحن نفاخر بماضينا الزاهر وتاريخنا المضيء ، ولا أدري كم نبالغ وننفخ بماضينا الزاهر هذا ... ولو سلّمنا بذلك فإنّها ممّا يعدّ من التجارات الخاسرة والأوهام البائسة التي لا تغيّر من حالنا شيئاً ولا ترجع بنا إلى ماضينا الزاهر المضيء ..

لنترك الماضي يخلد بهدوء وراحة ونترك ظاهرتنا الصوتيّة ، وننهض باُمّتنا ، بقيمنا ، بواقعنا ، إلى مراتب العزّ الحقيقيّة ، عبر الكلمة الصادقة والشفّافيّة المتأ لّقة بالدليل العلمي والبرهان المعرفي الذي يزيل الأوهام والتردّد والحيرة والضياع والشتات والنقص والخلل ، فيرشف الصادي منّا ويروي ضمأنا ـ فنحن ضمأى الحقيقة السرمديّة ـ ويسدّ حاجتنا إلى سبل ومؤن وأدوات الفلاح والإيمان ، فالإنسان طالب كمال ، طالب معرفة ، وكمال المعرفة معرفة الله ، والقرآن وقادتنا عليهم السلام خير الوسيلة والسبيل إلى معرفة الله ، ذلك إن عرفنا القرآن وعرفنا قادتنا عليهم السلام ..

١٢٧

سلطة النصّ ما بين الموروث والمعاصر

بدءاً نشير خاطفاً إلى بعض ما يرتبط ببحثنا في جملة محاور :

أوّلها : يقول علماء اللغة والألسنيّات : من عوامل التطوّر الدلاليّ للّفظ :

١ ـ استعمال بعض الكلمات في مدلولات معيّنة ..

٢ ـ غموض معنى الكلمة ..

٣ ـ التطوّر الصوتي ..

٤ ـ اختصار العبارة ..

٥ ـ كثرة الاستعمال ..

٦ ـ الابتذال أو الانحطاط في الكلمة ..

ثانيها : يقول أبو حاتم الرازيّ (٣٢٢ هـ) رائد دراسة التطوّر الدلالي

ـ كما قيل ـ : أقسام الرصيد اللغويّ العربيّة :

١ ـ قديمة موروثة بألفاظها ودلالاتها ..

٢ ـ ألفاظ قديمة مُنِحت دلالاتٌ جديدة بعد مجيء الإسلام ، أي أنّها

١٢٨

أصابها التطوّر الدلاليّ فعُمّم معناها أو خُصِّص ..

٣ ـ ألفاظ جديدة في صيغها ودلالاتها ..

٤ ـ ألفاظ أعجميّة اقترضتها العرب من لغات الاُمم الاُخرى ..

ثالثها : يقول اللغويّ «اُولمان» تغيّر العلاقة بين اللفظ والمدلول يظهر في صورتين :

١ ـ أن يضاف مدلولٌ جديد إلى كلمة قديمة ..

٢ ـ تضاف كلمةٌ جديدة إلى مدلول قديم ..

ثم يقول : الصورة الاُولى كادت تُنسي الباحثين الصورة الثانية ; على اعتبار أنّ اللفظ ثابت ومعناه هو المتبدّل ..

رابعها : يقول اللغويّون : أهمّ مظاهر التطوّر الدلالي :

١ ـ تخصيص دلالة الكلمة ..

٢ ـ تعميم استعمالها ..

٣ ـ تغيير مجال استعمالها :

أ ـ تارةً بالانتقال من الدلالة الحسّيّة إلى المجرّدة ..

ب ـ واُخرى بالانتقال من المجرّدة إلى الحسّيّة ..

نقول : إنّ الصحيح المعتبر الواصل بأيدينا من الموروث الدينيّ الثقافي الاجتماعيّ السياسيّ الاقتصاديّ العسكريّ ... حقيقةٌ تأريخيّةٌ ثابتةٌ محفورةٌ في عمق الوجدان والضمير الإنسانيّ .... هذا الواصل حقيقةٌ

١٢٩

بسلبيّاته وإيجابيّاته ، بألَقه واُفوله ، بشموخه وهبوطه ، بنجاحاته وانتكاساته ، بحركاته وسكناته ، بنطقه وصمته ، بأنواره وعتماته ..

موروثٌ متنوّعٌ ونتاجٌ مختلفٌ راشحٌ من تنوّع فهم النصّ واختلاف الأنظار في كيفيّة تلقّيه وتحليله واستنباط الأحكام منه ، تبعاً لتباين المقوّمات الشخصيّة والمؤهّلات الذاتيّة ـ بمعنيّيها الأخصّ والأعمّ ـ والمقاصد والأغراض الممنهجة والظروف الزمكانيّة ... مع ادّعاء الكلّ التقيّد بحدود النصّ وعدم تجاوزها .... رافضين إشكاليّة هيمنة الحديث

ـ بصحيحه وسقيمه ـ على النصّ الإلهي ـ القرآن الكريم ـ التي أثارها عددٌ من النقّاد والمفكّرين قديماً وحديثاً ; باعتبار أنّ الحديث لا يشكّل برادوكساً ـ تنافياً ـ معه فحسب ، بل هو وليدُ رحمه البارّ الوفيّ وصنيعة أضلاعه المباركة .... مع أنّ لنا نحن أتباع مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) في هذا المضمار كلاماً يطول بيانه ويقصر مقامنا عن استيعابه واحتوائه ..

إذن كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى ....

ولو تنزّلنا واكتفينا بحاضر الزمان وأنشأنا مقاربةً علميّةً منهجيّة تستحضر مؤن البحث المعرفيّ وأدواته الشهيرة من المراجعة والقراءة والمقارنة والاستقراء والفحص والتحليل ... لوجدنا النتائج تشير إلى استمرار بقاء الخطّين المتوازيين اللذين ما التقيا ولن يلتقيا يوماً ما ; لأسباب وعلل بُذرَت بذرتها من ذلك اليوم ، فضربت جذورها في الأعماق وامتدّت أغصانها وتشابكت فروعها فلا زالت تضلّ ـ بالمعجمة

١٣٠

اُخت الصاد ـ بظلالها السوادَ الأعظم من الاُمّة ....

فحينما ينسدّ باب الاجتهاد وتنشلّ حركة العقل وتفعل المقاصد الدنيئة والأغراض الحاقدة فعلتها في النفوس والأرواح تجد النصّ أسيراً مرتهناً بأيد وعقول تمتهن العنف والترويع والحذف والتضليل ....

وحينما يبقى باب الاجتهاد مفتوحاً وينبض العقل بالحيويّة والنضارة وتؤثّر المقاصد النبيلة والأغراض الحميدة أثرها في النفوس والأرواح تجد النصّ نميراً عذباً تنهل منه الألباب روائع الأنظار وبدائع الأفكار ، فيرشح الحبّ والأمان والتآلف والفلاح والإيمان ..

نعم ، هنا تتجلّى ثمرة التطوّر الدلاليّ للّفظ وما أشرنا إليه خاطفاً في صدر البحث من المحاور الأربعة ..

ولا ندّعي الكمال في فهم النصّ وبلورة مضامينه ، فلنا أخطاؤنا ونقاط ضعفنا وهفواتنا ، لكنّا حاولنا أكثر من مناوئنا ورقيبنا ومنافسنا ، ولازلنا نسعى أن نكون بمستوى المرحلة والظرف من حيث التكيّف والتناسق والتعامل مع المستحدثات تعاملاً مسؤولاً ، بمعنى التماهي مع حاجة العصر في نفس الوقت الذي نحفظ فيه الاُصول والمبادئ والأخلاق التي استللناها من النصّ الإلهيّ المقدّس عبر بوّابة وفضاء فهم أئمّتنا (عليهم السلام) له ، الفهم الذي نعتقد ونتمسّك به انطلاقاً من أنّ القرآن الكريم والعترة الميامين صنوان لا يفترقان ..

فلا خيار عندنا سوى الإقرار والاعتراف وإعلان البيعة لسلطة النصّ

١٣١

وأ نّه هو الملاك في تمييز الغثّ من السمين موروثاً ومعاصراً ، كما نؤمن بأنّ النصّ سيبقى هو الملبّي الوحيد لحاجة الإنسان أبداً ; لصدوره من لدنّ الحكيم العليم تبارك وتعالى ، ولتكيّفه الزمانيّ المكاني ، ثم إجابته عن سؤال الحياة الكبير : من أين ، في أين ، إلى أين ..

إنّ الحكمة والعقلانيّة وحسن التدبير والكياسة والفطانة مثلما نقرؤها : مؤشّراً واضحاً وبرهاناً ساطعاً على الملاحظة الدقيقة والدرك الصحيح والتوقيت السليم في بثّ الأفكار والآراء ثم التحرّك الفاعل والحضور المؤثّر في ميادين التصميم والقرار ودرء الفتن والأخطار ولمّ الشمل ونشر ثقافة الإخاء والسلام ونبذ العنف والتشرذم والإرهاب .... كذلك نقرؤها : فهماً متطوّراً للنصّ يلبّي الحاجة ويحفظ الأصل ..

١٣٢

زمن الانحطاط الفكري (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

حينما يكون الدافع الأكبر لإبقاء الحياة رفيعة ، شريفة ، مهيبة ، هو الفكر ، الذي لولاه ما استحقّ الوجود عناية ، ولا سمت آياته ألِقةً فوق التراب ، ولكانت حياتنا كالطبل الأجوف الصوبين ، فلا صوتٌ ولا أثر ....

حينما يُتغنّى بجدّ في واقع الفكر وينُعت هكذا ، بل ويوصف أنّه الوعي الأضخم الأغور ، الوعي الضارب في الطول والعرض والعمق ، ذلك المتدفّق الهائل الذي يجرف دفعةً كلّ هذا ...

فالمراد والمقصود به الفكر الذي يتناول ما فات وما حضر وما هو آت من حياة الإنسان فرداً ومجتمعاً ، الفكر الذي يستقطب كلّ نواحي اللطيفة البشرية ، على أنّها وحدة لا تتكسّر ، لا تنفرط أقساماً ، لا تتجزّأ ..

ولمّا لم يزل يعني بمفهومه ومحتواه إلاّ النظرة الشاملة في الوجودين الأصغر والأكبر ، فهو الفكر العقائدي الذي بفضله تشرف الحياة وتشمخ

__________________

١ .. كلمة العدد ٨١ / السنة ٢١ / فصليّة تراثنا / إصدار مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.

١٣٣

برفعة وسموٍّ ، من علو ..

ولِمَ لا يكون إذن ـ كما قيل ـ أقوى وأمضى سلاح على الإطلاق يملكه الإنسان في حربه مع المجهول؟! فلولا أن يعمل الفكر ويتأمّل في السكينة لكنّا لازلنا قابعين في غياهب المغاور .. وهذا السلاح يصدأ بالإهمال وقلّة الاستعمال ، أو بالاستعمال في الأغراض التي ليس لأجلها وُجد .. ونحن عندما نكثر الكلام في توافه الأُمور إنّما نسدّ على الفكر المنافذ إلى جليلها ، فنعطلّه عن العمل المثمر بدلاً من أنّ نشحذه وندفعه ، ونحن إذ نلهي الفكر بالقيل والقال فكأ نّنا نسخّر العاصفة لنقل قشّة من هنا إلى هناك ، نسخّر الصاعقة لقتل ذبابة أو بعوضة .. ومثلما لا يتمّ الحمل ولا ينمو الجنين إلاّ في سكينة الأرحام وظلماتها ، كذلك لا يحبل الفكر بعظائم الأُمور إلاّ في سكينة الخلوات والتأمّلات ..

وعليه ، فقد أصّلوا للفكر :

أنّه أذا جرى مجراه الطبيعي المستقيم أن يكون حواراً بين «لا» و «نعم» وما يتوسّطهما من ظلال وأطياف ، فلا الرفض المطلق الأعمى يعدّ فكراً ولا القبول المطلق الأعمى يعدّفكراً ، ففي الأوّل عناد الأطفال ، وفي الثاني طاعة العبيد ...

وأ نّه ليس ترفاً يلهو به أصحابه ، بل مرتبطٌ بالمشكلات التي يحياها الناس حياةً يكتنفها العناء ، فيريدون لها حلاًّ ..

وفكرنا الإسلامي يقال فيه :

١٣٤

إنّه يوجب على معتنقيه النظر والتبصّر والاعتبار بتقلّبات الزمن والبحث المستمرّ عن اتّجاهات الحياة ، ومحاولة التحكّم في سير الأشياء وفقاً لما تستدعيه مصلحة الإنسان الذي أُنزل لهذه الأرض كي يخلف الإله فيها بالعمارة والإصلاح ...

ـ وهو الانتباه والحذر والحركة الدائبة والتجديد المستمرّ في الأُسلوب ، خصوصاً في الآلة النفسية التي تبعث على انتحاله ، وفي الحركة ولا سيّما في فهم العوامل الداخلية والخارجية التي تدعو إليها ، وهو أكثر من ذلك وازع الثورة على الخمود والاستنكار للجمود والامتلاء بروحانية العمل والكفاح للتمتّع بالحقّ والشعور بالعدل وتذوّق معاني الحرّية ..

وتأسيساً على ذلك ، فكون الفكرة أصيلة حسنة جميلة موافقة للأنظمة الطبيعيّة ، تقود صاحبها إلى ذروة الفضائل ، ليست باطلة تافهة ولا مغايرٌ مبدؤها لنواميس الوجود ; فكذا فكرة لابدّ أن نلتمسها في القرآن وسنّة النبيّ والأئمّة الطاهرين (عليهم السلام) ، أُصول تعاليمنا وقيمنا ومفاهيمنا وتشريعاتنا ومعاملاتنا وأخلاقياتنا ، التي من خلالها نفهم العلاقة القائمة بين الخالق والخلق ، الكون والحياة والإنسان ، الإنسان ونفسه ، الفرد والجماعة ، الفرد والدولة ، الجماعات الإنسانية كافّة ، الجيل والأجيال ..

وحصيلة الأمر : أنّ الفكر التربوي والتربية الفكرية ، هما توأمان ينهلان من نمير الايديولوجيا ذاتها ..

١٣٥

فالفكر التربوي والتربية الفكرية عموماً يولدان من رحم العقيدة التي ينضويان تحت لوائها وينموان في أحضانها ويتأ ثّران بكلّ خصائصها ومقوّماتها ، فهما مصداق من مصاديق هويّتها وعنوانها ..

ولو قلّبنا صفحات الفكر والتربية والتأريخ لوجدنا ـ مثلاً ـ في اليونان القديم وفي اسبارطة بالذات أنّه جرى التركيز على إعداد الإنسان القوي القادر على الدفاع عن الدين والدولة ، ممّا مثّل انعكاساً للايديولوجيا والعقيدة القائمة آنذلك ..

وكذا أرسطو لمّا دعا إلى التدرّج في الإنشاء والإعداد ، حيث يبدأ جسمياً ثم خلقياً ثم فكرياً ..

أو المسيحية من خلال استخدامها مناهج عبر الكنيسة ، حيث اتّجهت في القرن الرابع إلى انقاذ المجتمع الروماني من الأزمة المادّية الحادّة ، فكان التوجّه إلى الرهبنة والاعتكاف في صوامع فردية هي الصورة البارزة لوضع المجتمع آنذاك ...

بينما نرى الحركة المدرسية في القرن الحادي عشر بزعامة «توما آلاكويني» قد دعت إلى بناء الحياة العقلية ودراسة الفلسفة والمنطق وتعبئة الذهن البشري بأكبر ما يمكن من هذه المعارف ، مضافاً إلى غرس الرؤى الدينية في نفوس التلامذة ...

حتى قيل : وهذا التناقض والاضطراب والتأرجح في مناهج المسيحية يعني أنّها ـ كديانة ـ جاءت لمعالجة مشكلات محدودة زمنياً ،

١٣٦

فهي غير قادرة إذن على استيعاب كلّ المستجدّات عبر تطوّراتها الزمنية ..

وجاء «جان جاك روسو» ليقول : لنترك الطبيعة تعمل عملها في خلق الشخصية ، بعد أن قسّم مراحل التنشئة إلى أربع مراحل ..

ونرى المنهج الكلاسيكي يؤكّد على ضرورة تنمية العقل ونقل التراث ودراسة العلوم بوصفها علوماً ورعاية أُسس ثابتة وعامّة في التعليم ..

ونلحظ في أحد الاتّجاهات المعاصرة أنّه يصرّ على تجنّب العقاب كأداة في توجيه الإنسان وترشيده ; إذ إنّ هناك قوى أساسية تتحرّك ـ كالإرادة والطاقة الشهوية ـ كي تستخدم العقل أساساً لتبرير معطياتها ، وبما أنّ حوافز الإرادة الأساسية لا يمكن تغييرها ، خاصّة في حالة انغمازها تحت الشعور في منطقة «اللاشعور» فإنّنا لا نستطيع حينئذ أن نحاسب الإنسان على أعماله وسلوكه ، وهذا يعني : أنّنا لا نعاقبه ..

إنّ كلّ هذه المدارس والمناهج الفكرية والتربوية المشار إليها ـ وكذا غيرها ـ تمثّل في الواقع إفرازات وترشّحات عقائدية أثمرت وتجلّت بصور وأشكال وقوالب متفاوتة طبقاً لتفاوت الانتماء الايديولوجي وتباينه مع الانتماءات الأُخرى ..

ولا يشذّ الفكر التربوي والتربية الفكرية الإسلامية عن القاعدة العامّة المشار إليها .. وإن تغايرت وتعارضت الرؤى والمناهج داخل البيت الكبير فالأمر الأكثر أهمّيةً يكمن في تحليل الدراسات المختصّة الباحثة في

١٣٧

الإسلام ـ فكراً وتربيةً ـ والتي نجدها ما بين دراسات مخلصة جادّة وأُخرى تحريفية وثالثة مجحفة ورابعة ناقصة وهكذا ; ثم كيفية تناولها وفهمها لمصدريه الرئيسين في الفكر والتربية ـ القرآن والسنّة المباركة ـ اللذين يطرحان الإطار الفكري والتربوي الشامل المكّون للخلفية الايديولوجية لهما ، فالكتاب المجيد وقول المعصوم وفعله وتقريره هما منبع ومصدر كلّ الرؤى والمناهج الإسلامية السليمة ، سواء على مستوى الفكر والتربية أو على مستوى الجوانب الأُخرى ..

إنّ القرآن الكريم والسنّة الشريفة هما الضابط والميزان الذي به تأخذ الفكرة الخاطئة المنحطّة طريقها إلى الهاوية ، فلايجني المحتطب ـ حينئذ ـ في ظلام الأفكار بغياب سراج البصيرة سوى الخيبة والفشل ; بينما تشقّ الفكرة الصحيحة طريقها متلألئةً شامخةً إلى سلالم المجد والفخر ..

وفكرتنا التي تعني الإسلام الأصيل ـ فكراً وتربيةً ـ لا تخشى مساعي الحذف والتغييب والتشويه ، ولا تعدو لاهثةً خلف شعارات الحداثة والحرّية و ... الفارغة ، وذلك بوحي من الأصالة التي تعني التعامل الواعي مع المحاولات والإثارات المذكورة ، آخذةً بعين الاعتبار منجزات الإنسانية الحديثة بلا سحق للقيم والمفاهيم الراسخة ولا تمرّغ على رمال الترف الفكري والميل الذاتي ..

فنحن أُمّة لها كيانها الفكري والتربوي المتكامل المستوعب لعاملَي

١٣٨

الزمان والمكان كلّ الاستيعاب ، فلنا الاستحقاق الأوفر والأهلية الأتمّ كي ننقل الإنسان إلى مرافئ الأمان وقلل العزّ والكمال ..

(كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) (١) ..

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله الطاهرين ..

__________________

١ .. آل عمران : ١١٠ ..

١٣٩

الوسطيّة بين الأصالة والتجديد

حينما يكون النصّ موّاجاً قابلاً للتحاور والتناغم مع المحاولات الجادّة لفهمه ودرك معانيه فهذا يعني : منح الفضاء المعرفيّ مزيداً من الحراك العلمي والحضاري ، شريطة أن يكون بأدوات وآليات تتلاءم وحاجة الظرف .. إنّها خطوة رائدة تعمل على تجاوز الجمود والخمود اللذين أصابا مصانع الفِكَر وقوّضا المساعي الرامية إلى الخروج بها من واقع التبعيّة والاستسلام إلى قلل الإبداع والاستقلال وبلوغ المرام ..

يجب أن نؤمن أوّلاً أنّ كلّ الأفهام والتفسيرات والتأويلات والمعاني التي رشحت بفعل قراءة وتحليل واستقراء ومقارنة النصّ ـ رغم شموخ الكثير منها ـ تبقى في فضاء النسبي إزاء المطلق ، وهذا ما يعني : أنّ ما بُذل لا يمثّل نهاية المطاف أبدا ، إنّها بارقة أمل تفتح آفاق النموّ والفلاح لاُمّة لا خيار لها سوى التمسّك بحركة العقل والفكر والعلم النابضة بالحيويّة والفاعليّة ، بل هي محكومة بهذا الخيار بفعل القيم والمبادئ والمفاهيم التي تدعوها إلى عدم السكون ، بل الاستمرار في الجهد والعطاء اللّذين يمثّلان الركائز المحوريّة لقانون البقاء وإدارة عمليّة الصراع ..

١٤٠