🚘

نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

من مقدّمة تحقيق كتاب نقد الرجال (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الحكم العدل ، العليّ الكبير ، اللطيف الخبير ، والصلاة على السراج المنير ، البشير النذير ، محمّد الأمين ، وآله الدررالميامين.

لا ريب أنّ الاشتغال بالعلم الديني هو خير الأعمال وأفضلها ، وأخصّه فضيلةً وأعظمه بركةً هو تمييز ومعرفة الصحيح الوارد عن أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام).

والمتتبّع الخبير والمدقّق الفهيم تراه محيطاً بالخصوصيات والسمات التي تلازم الأدلّة الاجتهادية الأربعة :

فالكتاب الكريم ، غير متكفّل ببيان جميع الأحكام ، بل لا يتكفّل بخصوصيات ما تكفّل ببيانه من العبارات.

والعقل ، فموارد إدراكه للأحكام الشرعية قليلة ، تنحصر في إدراك

__________________

١. للعلاّمة التفرشي ، تحقيق وطبع مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، صدر في خمسة مجلّدات.

٤١

الملازمة بين حكم شرعي وحكم آخر.

أمّا الإجماع ، فالكاشف منه عن قول المعصوم شاذّ نادر ، وغير الكاشف لا يمكن له أن يكون حجّة ; حيث إنّه لا يخرج عن إطار الظنّ غير المعتبر.

فتحقّق أنّ استنباط الحكم الشرعي يتمّ غالباً عبر الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) ، إلاّ أنّ إثباته من خلالها يتوقّف على أمرين :

١ ـ إثبات حجّية الخبر.

٢ ـ إثبات حجّية ظواهر الروايات.

ولا نسلّم الكلّية القائلة بحجّية كلّ خبر عن المعصوم ، بل إنّ دائرة الحجّية تتضيّق هنا لتختصّ بالخبر الثقة أو الحسن. وإثبات كونه ثقةً أو حسناً يتحصّل بمراجعة علم الرجال ومعرفة أحوالهم ، فهو نصف العلم كما قيل.

ثم إنّ الذي يضاعف الحاجة إلى هكذا علم هو عدم قطعية صدور روايات الكتب الأربعة ، التي أدّعى جماعة من المحدّثين قطعيتها ، الأمر الذي كان أحد المحاور المهمّة التي أجّجت شعلة الخلاف المرير بين الأخباريين والاُصوليين ، ولاسيّما زمن الشيخ يوسف البحراني صاحب كتاب الحدائق الناضرة ـ أحد كبار الأخباريين آنذاك ـ ورائد مدرسة الاجتهاد الوحيد البهبهاني ـ قدّس سرّهما ـ فانبرى الأخير ليثبت بالدليل القاطع سقوط دعاوى الأخباريين الواحدة تلو الاُخرى ـ التي منها دعوى

٤٢

قطعية صدور روايات الكتب الأربعة ـ فاستطاع بذلك دحرهم وتحجيم دائرتهم.

وبذلك اتّضح أيضاً بطلان الرأي القائل بعدم الحاجة إلى علم الرجال بذريعة حجّية كلّ رواية عمل بها المشهور ، وعدم حجّية ما لم يعمل به المشهور ، سواء وُثّقوا رواتها أم ضُعّفوا.

فلو سلّمنا الكلّية المذكورة ، تبقى الحاجة إلى هذا العلم على حالها ، فكثيرٌ من المسائل لا منفذ لنا إلى معرفة فتاوى المشهور فيها ، لعدم إيرادهم لها في عباراتهم ، واُخرى لا شهرة فيها على أحد الطرفين ، فيتساويان ، أو أشهرية أحدهما دون الآخر ، وليس كلّ مسألة فقهية يكون فيها أحد القولين أو الأقوال مشهوراً وما يقابله يكون شاذّاً.

ولقد تجلّت أهمّيّة علم الرجال منذ العصر الأوّل ، حيث عبيدالله بن أبي رافع كاتب أميرالمؤمنين (عليه السلام) كان قد دوّن أسماء الصحابة الذين بايعوه (عليه السلام) وشاركوه حروبه في الجمل وصفّين والنهروان.

ثم في القرن الثاني كتب في الرجال : ابن جبلّة وابن فضّال وابن محبوب وغيرهم.

وهكذا إلى أن تمّ تدوين الاُصول الرجالية الخمسة الشهيرة : الاختيار من كتاب الكشّي والفهرست وكتاب الرجال لشيخ الطائفة الطوسي ، وكتاب الرجال للنجاشي وكتاب الرجال للبرقي. (١)

__________________

١. وإن كان البعض قد عدّها ستّة ، وذلك بإضافة رجال العقيقي.

٤٣

واستمرّ العطاء المبارك يزداد نموّاً وازدهاراً عصراً بعد عصر ، إدراكاً من علمائنا لمدى أهمّيّة هذا العلم وما يترتّب عليه من الآثار الحسّاسة والمصيرية على مختلف الأصعدة والمجالات.

إلاّ أنّ نوعاً من الإهمال قد أصاب علم الرجال في العصور المتأخّرة ، وبقول أحد جهابذة أعلامنا : حتى كأ نّه لا يتوقّف عليه الاجتهاد واستنباط الأحكام الشرعية.

فكان اللازم معالجة هذا التراجع الخطير بالخوض في هذا العلم تصنيفاً وبحثاً وتحقيقاً.

هذا ، ويعدّ كتابنا «نقد الرجال» للعلاّمة المحقّق السيّد ميرمصطفى الحسيني التفرشي من أبرز الكتب الرجالية التي صنّفت في القرن الحادي عشر الهجري ، ساعين إلى تسليط الضوء خاطفاً على سيرة وترجمة مؤلّفه ، ثم بيان ما يتعلّق من مميّزات ومختصّات أفردته عمّا سواه من المصنّفات الرجالية.

٤٤

من مقدّمة تحقيق كتاب منتخب الأمثال (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على المَثَل الأعلى والانموذج الأسمى الخاتم المصطفى محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وعلى آله أسياد الورى وأنوار الهدى (عليهم السلام).

المَثَلُ ، بغضّ النظر عن :

معناه اللغوي وهل كونه الشبه ، النظير ، الحديث (الشعار) ، المثال ، التمثيل ، الصفة ، الخبر ، المقدار ، الانتصاب ، الحذو ...

و ـ عن معناه الاصطلاحي ، وأنّ العرب عرّفوا ثلاثة أنواع من الأمثال هي : المثل السائر ، المثل القياسي ، المثل الخرافي.

و ـ عن أقسامه الثلاثة : الفصيح ، المولَّد ، العامّي.

__________________

١. للملاّ حبيب الله الشريف الكاشاني ، تحقيق وطبع مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، صدر منه ثلاثة مجلّدات.

٤٥

و ـ عن مدى تلاقيه وافتراقه عن الحكمة والعبارة التقليديّة والنادرة.

و ـ عن الوقوف على تاريخ نشأته من عدمه.

و ـ عن الإسلامي منه وأقسامه الثلاثة : أ ـ ما كان القرآن الكريم السبب في استحداثه. ب ـ ما كانت السنّة الشريفة أصلاً له. ج ـ ما قاله الصحابة والتابعون.

و ـ عن الناجم منه عن حادثة ، المرويّ في قصّة ، الناجم عن القرآن الكريم ، الناجم عن التشبيه ، الذي في أصل وصفه كنايات وعبارات اصطلاحيّة تقال في مناسبات معيّنة ، الناجم عن شعر.

و ـ عن مميّزات أساليبه ، كالبلاغة والإيجاز وإصابة المعنى وحسن التشبيه وجودة الكناية والاستعارة والسجع والمبالغة والطباق والموسيقى وتنوّع الصيغة اللغويّة وعدم تغيّره ـ أي المثل ـ مهما اختلفت الأحوال التي يُضرَب فيها وتعدّد روايات المثل الواحد.

بغضّ النظر عن كلّ ذلك ، فإنّ المَثَل هو النتاج الأدبي الألسني العلمي الثقافي المعرفي الذي تتناغم معه الاُذن الإنسانيّة أيّ تناغم ، وتتناقله الألباب والجوارح برهنةً وتأثيراً أيّ تناقل ، وتتفاعل معه حياة البشريّة بمختلف مجالاتها وطبقاتها وألوانها واُصولها ومذاهبها وأعراقها أيّ تفاعل.

إنّ المَثَل مؤشّر شاخص على حيوية الاُمم ومَعْلَم من معالم تراثها

٤٦

وتاريخها وحضورها ، ولاسيّما أنّه قد شاطر مشاطرةً ملموسةً في أنسنة الفكر وأمدّ يد العون والدعم إلى أواصر الارتباط بين الشعوب والحضارات المتفاوتة.

وما يزيد من مكانة المَثَل وأهمّيّته أنّه فيضٌ لغوي ـ شعوريّاً كان أم لا ـ رشح إثر الحاجة التي مارست ضغطاً كبيراً ألزمت العقل المسؤول ـ بسبب الإدراك الوظيفي الناشئ من حسّ الافتقار إلى ما يردم الهوّة ويعالج المعاناة ـ بضرورة نتاج يلبّي تلك الحاجة ، فهو حينئذ نتاج معرفي ، حيث المعرفة قائمة على : اللغة والتاريخ والفكر ، ولا شكّ أنّ المَثَل عنصرٌ من عناصر التاريخ وأداة من أدواته ومادّة من موادّه.

من هنا أخذ المَثَل منزلته في عالم التدوين والتأليف والتصنيف ، فكُتبت الكتب والموسوعات المختصّة في ميدان جمع الأمثال وشرحها وبيان المراد منها وتبويبها وفهرستها ، والحاصل هو العديد من كتب الأمثال المرموقة الشهيرة التي غدت مصادر ومراجع يعوّل عليها ويستند إليها في مضمار الشاهد والحجّة والاستدلال.

ويعدّ مشروع الفقيه الاُصولي الأديب ، صاحب المصنّفات الرفيعة والآثار الجليلة ، ملاّ حبيب الله الشريف الكاشاني ، القائم على جمع وفهرسة وتبويب وشرح الأمثال في موسوعته المسمّاة «منتخب الأمثال» غرّةً ناصعةً في جبين المعارف الإنسانيّة والعلوم البشريّة ، وجهداً لا غرو أنّه سيثري ـ بتحقيقه وتصحيحه ونشره بحلّة أنيقة جميلة ـ المعاقل

٤٧

الفكريّة والمكتبات الثقافيّة بما هي بحاجة إلى هذا اللون من العلوم والآداب.

مبتهلين إليه تبارك وتعالى قبول هذا القليل بوافر لطفه وبالغ تأييده.

٤٨

من مقدّمة تحقيق كتاب نهاية الوصول

إلى علم الاُصول (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد المصطفى وآله أئمّة الدين والهدى.

إنّ محاولة استكشاف وضبط مآل اللبنة الاُولى لكيان ما لا ريب أنّها إغارةٌ استقرائية ، فردٌ معرفي منبعثٌ من تلك الطبيعة ، طبيعة المعرفة ، ذلك الأساس الذي اختلفت فيه الرؤى باختلاف الايديولوجيات التي تعجّ بها البشرية ، فتباينت المقاصد والمطامح والسبل والآليات ، وتعارضت الخطابات والقراءات ، حتى غدا مجال نظرية المعرفة وتكوّن حياة الإنسان العقلية بكلّ ما تزخر به من قيم وأفكار ومفاهيم الشغلَ الشاغل لأرباب الفلسفة والثقافة والمعرفة ، وأضحت سلسلة التساؤلات المعرفية

__________________

١. للعلاّمة الحلّي ، تحقيق وطبع مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، صدر منه إلى الآن ثلاثة مجلّدات.

٤٩

تنبض بحيوية الاستدلال العلمي الاستقرائي ما دامت هناك حياة تسري وأنفاس تتصاعد.

وممّا استفيد لنظرية المعرفة عندنا : إنّ الذي يجعل المعرفة متكاملة ـ وعلى درجة كبيرة من اليقين من جهة ، ويجعل كلّ عنصر من مصادر المعرفة حاضراً في جميع مجالات الفعل الإنساني ، ممّا يجعله متحرّراً من جميع التناقضات المختلفة في حياته العلمية من جهة ثانية ـ هو إبداع نظرية معرفية تتوفّر على العناصر الثلاثة التالية :

١ ـ إعطاء نظرية المعرفة وظيفتها الحقيقية والتي تكمن في إنتاج معرفة تخدم حركة التكامل الإنساني في جميع ميادين الحضارة ، وبالتالي إخراجها من المجال النظري البحت إلى حيث مجالات الفعل اليومي الإجرائي.

٢ ـ إعطاء الوحي وظيفته الطبيعية والتي تكمن في ترشيد وتأطير عملية التطوّر والتكامل الإنساني معرفةً وسياسةً وعقيدةً ومدنيةً ... وعدم الاقتصار على الطابع الديني المحدود المقرّر له من طرف أرباب الفكر الإنساني العالمي. وبذلك يصبح للوحي المقدّس دور رئيسي في تسيير حياة الإنسان وإخضاع كلّ ما هو نسبي ومتغيّر وغير مقدّس لقوانينه الفاعلة.

٣ ـ إعطاء العقل البشري وظيفته الحقيقية التي خُلق من أجلها ، وهي أن يكون الواسطة الضرورية بين المطلق والنسبي ، والمقدّس وغير

٥٠

المقدّس ، بين المتعالي والتأريخي ، بين الوحي والممارسة العملية اليومية للإنسان ، وبكلمة : بين الحقيقة الربّانية المطلقة والثابتة والحقيقة الإنسانية والنسبية.

وهذا ما يقودنا إلى : أنّ تحقّق هذه الأهداف يستدعي لزاماً إبداع نظرية معرفية تتوفّر على العناصر الثلاثة في بنية مصادرها ثم نقوم بعد ذلك بعملية التركيب للخروج في النهاية بالمنتوج المعرفي متجرّداً عن كلّ عنصر من عناصر النسق ، فلا هو إلهي محض ولا عقلي محض ولا تجريبي ، وإنّما خلاصة الجميع ..

المنتوج الذي سوف يؤمّن لنا فرز وإنتاج معرفة إنسانية راقية وملزمة ، بحيث تنتفي معها وتندثر ظاهرة الجهل وذرائع عدم الوصول إلى المعرفة ، ومعها يتمّ القضاء على ظاهرة الكفر والشرك والإلحاد.

إنّ نظرية نشأة المعرفة لا ينبغي بالضرورة أن نحصل لها على مسمّىً أو عنوان خاصّ في المكتوبات عموماً وخصوص مدوّناتنا نحن المسلمين ، فقد نجدها مبثوثةً مرّة في الأبحاث الفلسفية واُخرى في الكلامية وثالثة في الاُصولية وهكذا.

ونحن إن استحضرنا في تقديمنا الموجز هذا ثلاثة تساؤلات :

١ ـ من أسّس لعلم الاُصول؟

٢ ـ هل اكتسب علم الاُصول الشيعي شخصيّته ومعالمه من علم الاُصول السنّي؟

٥١

٣ ـ إنّ مرحلة تكامل علم الاُصول الشيعي التي نحياها وتعدّ امتداداً لمدرسة الشيخ الأنصاري (قدس سره) :

هل هي حصيلة وثمرة تلك المواجهة المصيرية بين الفكر الأخباري والفكر الاُصولي ، الممتدة لقرنين من الزمان ، والتي حسمها للثاني ـ بكلّ تأ لّق وجدارة ـ الوحيد البهبهاني (قدس سره) (م ١٢٠٥هـ) ، المواجهة التي ترشّحت عنها تلك العقول الفولاذية أمثال : المحقّق القمّي (قدس سره) صاحب القوانين (م ١٢٣١ هـ) ، شريف العلماء (م ١٢٤٥ هـ) ، النراقي (م ١٢٤٥ هـ) ، الأخوين محمد حسين ومحمد تقي الاصفهانيين صاحبي الفصول وهداية المسترشدين (م١٢٦١ هـ ، ١٢٤٨ هـ) ، القزويني صاحب الضوابط (م ١٢٦٥ هـ)؟

أم هي حصيلة ذلك العطاء المعرفي والسلسلة المترابطة والعقد المتناسق ، المشادة بأنوار علم أئمّة الحقّ (عليهم السلام) ، المستمرّة بمراحلها وأدوارها ومدارسها على اختلاف عناوينها وتصنيفاتها ورتبها حتى عصرنا الحاضر؟

فليس إلاّ من حيث كونها منضوية تحت لواء فرد من أفراد تلك الطبيعة المشار إليها آنفاً ، طبيعة المعرفة ونظريتها ومبحث نشأة حياة الإنسان العقلية ، بأدنى تناغم وحمل موضوعي ممكن.

ولا نروم الإجابة عن هذه التساؤلات بالنمط الكلاسيكي المعروف ، بل نسلك بالبحث سلوك النسق الموضوعي الموحّد ، كي نحصل على

٥٢

إجابة منطقية مترشحّة عن معرفة إنسانية راقية ملزمة.

* * *

يقول الفخر الرازي : اعلم أنّ نسبة الشافعي إلى علم الاُصول كنسبة أرسطو إلى علم المنطق ونسبة الخليل بن أحمد إلى علم العروض (١).

ويقول الزركشي : الشافعي ـ رضي الله عنه ـ أوّل من صنّف في اُصول الفقه (٢).

ويقول الشيخ محمد أبو زهرة : نشأ علم اُصول الفقه مع علم الفقه ، وإن كان علم الفقه قد دُوِّن قبله ; لأ نّه حيث يكون الفقه يكون حتماً منهاج للاستنباط ، وحيث كان المنهاج يكون حتماً لا محالة اُصول الفقه (٣).

ويعلّق الدكتور محمد الزحيلي على قول أبي زهرة قائلاً : ولكن هذه المبادىء وتلك القواعد كانت متناثرة في الكتب ، وتختلف من عالم إلى آخر ، ومن مدرسة إلى اُخرى ، ولا ينتظمها سلك ، ولا يحوطها سور ، ولا تشكّل علماً مستقلاًّ ، إلى أن جاء الإمام الشافعي فجمع شتاتها ودوّن قواعدها ، وصنّف أوّل كتاب في علم اُصول الفقه ، وهو الرسالة.

ثم يضيف : فأصّل الاُصول ـ أي الشافعي ـ وقعّد القواعد ; ليعصم أهل الاجتهاد والخلاف والمناظرة من الخطأ والانحراف في الاستنباط ،

__________________

١. مناقب الشافعي : ٥٦٠.

٢. البحر المحيط في اُصول الفقه ١ : ١٠.

٣. اُصول الفقه (أبو زهرة) : ١٠.

٥٣

ويضع بين أيديهم الموازين لبيان الخطأ والصواب ، فكان بحقّ أوّل من وضع علم الاُصول (١).

لكنّ السيّد حسن الصدر (قدس سره) يرتئي خلاف ذلك تماماً حين يقول :

فاعلم أنّ أوّل من أسّس اُصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام أبو جعفر الباقر ثم بعده ابنه الإمام أبو عبدالله الصادق (عليهما السلام) ، وقد أمليا على أصحابهما قواعده ، وجمعوا من ذلك مسائل رتّبها المتأخّرون على ترتيب المصنّفين فيه بروايات مسندة إليهما ، متّصلة الاسناد ، وكتب مسائل الفقه المروية عنهما موجودة بأيدينا إلى هذا الوقت بحمد الله :

منها : كتاب اُصول آل الرسول ، مرتّب على ترتيب مباحث اُصول الفقه الدائر بين المتأخّرين ، جمعه السيد الشريف الموسوي هاشم بن زين العابدين الخوانساري الاصفهاني رضي الله عنه نحو عشرون ألف بيت كتابةً.

ومنها : الاُصول الأصلية ، للسيد عبدالله العلاّمة المحدّث الشبّري عبدالله بن محمد الرضا الحسيني الغروي ، وهذا الكتاب من أحسن ما روي فيه اُصول الفقه ، يبلغ خمسة عشر ألف بيت.

ومنها : الفصول المهمّة في اُصول الأئمّة ، للشيخ المحدّث محمد بن الحسن بن علي الحرّ المشغري صاحب كتاب وسائل الشيعة.

وحينئذ فقول جلال السيوطي في كتاب الأوائل [ص ١١٧] : أوّل

__________________

١. علم اُصول الفقه : ٢٩ ، ٣٣.

٥٤

من صنّف في اُصول الفقه الشافعي بالإجماع ، في غير محلّه ، إن أراد التأسيس والابتكار ، وإن أراد المعنى المتعارف من التصنيف فقد تقدّم على الإمام الشافعي في التأليف فيه هشام بن الحكم المتكلّم المعروف من أصحاب أبي عبدالله الصادق (عليه السلام).

ويضيف السيد حسن الصدر (قدس سره) : فاعلم أنّ أوّل من صنّف فيه ـ علم اُصول الفقه ـ هشام بن الحكم ، شيخ المتكلّمين في الاُصوليين الإمامية ، صنّف كتاب الألفاظ ومباحثها ، وهو أهمّ مباحث هذا العلم.

ثم يونس بن عبد الرحمن مولى آل يقطين ، صنّف كتاب اختلاف الحديث ومسائله ، وهو مبحث تعارض الحديثين ، ومسائل التعادل والتراجيح في الحديثين المتعارضين ، رواه عن الإمام موسى بن جعفر الكاظم (عليهما السلام) ، ذكرهما أبو العبّاس النجاشي في كتاب الرجال ، والإمام الشافعي متأخّر عنهما.

ويشير (قدس سره) إلى مشاهير أئمّة علم اُصول الفقه : كـ : أبي سهل النوبختي ، الحسن بن موسى النوبختي ، ابن الجنيد ، أبي منصور الصرّام النيشابوري ، ابن داود ، الشيخ المفيد ، السيد المرتضى ، الشيخ أبي جعفر الطوسي ، الشيخ سديد الدين الحمصي الرازي ، العلاّمة الحلّي ، المحقّق الحلّي (١).

إلاّ أنّ الدكتور شعبان محمد اسماعيل لا يوافق السيد حسن الصدر رأيه ، فيقول :

__________________

١. تأسيس الشيعة لعلوم الإسلام : ٣١٠ ـ ٣١٤.

٥٥

ادّعت الشيعة الإمامية : أنّ أوّل من دوّن علم الاُصول هو الإمام محمد الباقر بن علي زين العابدين المتوفّى سنة ١١٤ هـ وجاء بعده ابنه الإمام أبو عبدالله جعفر الصادق المتوفّى ١٤٨ هـ .. قال آية الله السيد حسن الصدر : اعلم أنّ أوّل من أسّس اُصول الفقه وفتح بابه وفتق مسائله الإمام محمد الباقر ، ثم من بعده الإمام أبو جعفر ، وقد أمليا على أصحابهما قواعده ، وجمعوا في ذلك مسائل رتّبها المتأخّرون على ترتيب المصنّفين فيه بروايات مسندة إليهما متصلة الاسناد. [الشيعة وفنون الإسلام ص٥٦ ، عقيدة أهل الشيعة في الإمام الصادق ص ٢٩٣ ـ ٢٩٥ ، الشافعي (للشيخ أبي زهرة) ص ١٧٩].

كما روي أنّ أوّل من كتب فيه الإمامان أبو يوسف ومحمد بن الحسن صاحبا أبي حنيفة رضي الله تعالى عنهم. [الفهرست لابن النديم ص ٢٨٦ في ترجمة الإمامين المذكورين].

وهذا لا يعارض ما قلناه من أنّ الإمام الشافعي ـ رضي الله تعالى عنه ـ هو أوّل من دوّن علم الاُصول ، ففرّق بين الكتابة المتناثرة والقواعد التي ترد في مسألة فقهية عارضة ، وبين علم متكامل ومصنّف مستقل ، فالقواعد التي يشير إليها السيد حسن الصدر في العبارة المتقدّمة إنّما هي من قبيل مناهج الاستنباط وطرق الاستدلال كما قلنا سابقاً ، وهذه كانت موجودة حتى في عصر الصحابة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.

قال الإسنوي : وكان إمامنا الشافعي ـ رضي الله عنه ـ هو المبتكر لهذا العلم بلا نزاع ، وأوّل من صنّف فيه بالإجماع ، وتصنيفه المذكور فيه

٥٦

موجود بحمد الله تعالى ، وهو الكتاب الجليل المشهور ، المسموع عليه ، المتّصل إسناده الصحيح إلى زماننا ، المعروف بالرسالة الذي أرسل الإمام عبدالرحمن بن مهدي من خراسان إلى الشافعي فصنّفه له ، وتنافس في تحصيله علماء عصره.

على أنّه قد قيل : إنّ بعض من تقدّم على الشافعي نُقل عنه إلمام ببعض مسائل في أثناء كلامه على بعض الفروع ، وجواب عن سؤال السائل لا يسمن ولا يغني من جوع ، وهل تعارض مقالة قيلت في بعض المسائل تصنيف كتاب موجود مسموع مستوعب لأبواب العلم. [التمهيد ص٣ ، ٤].

ويُبرِز الدكتور شعبان محمد اسماعيل تصوّره في نهاية المطاف بهذا الشكل :

فظهر بذلك عدم صحّة ما نقل من أنّ هناك من سبق الإمام الشافعي في تدوين علم الاُصول ، وثبت أنّ الواضع الأوّل لهذا العلم هو الإمام الشافعي ـ رضي الله عنه ـ في كتابه الرسالة (١).

نقول :

إنّ الرقيّ كما نفهمه : سموّ النفس الإنسانية حين تروم الكمال بمعرفة جادّة مقيّدة مصفّاة من شوائب الجهل وذرائع الحجب والانحراف بشتّى أطيافها.

__________________

١. اُصول الفقه تاريخه ورجاله : ٢٢ ـ ٣٣.

٥٧

ولا نبغي ولوج حيّز التبرير بأقسامه المنطقية والفلسفية والعلمية والعملية ولا حتى عالم اليقين بأقسامه : الرياضي والمنطقي والذاتي والموضوعي ، ولا مباحث النزعة الترجيحية باتجاهيها السيكولوجي والفسيولوجي ، ومسائل الانتخاب الإنساني ومشكلة تضادّ المصالح ، وغيرها ; لأنّ ذلك يقودنا إلى بحوث موسّعة معمّقة تخرجنا عن دائرة المقصود ، بل مجرّد الإشارة إليها والتذكير بها وبضرورة أن تكون المعرفة الإنسانية إنسانيةً خالصةً له تبارك وتعالى ، تجعل أمثال السيوطي وأبي زهرة والإسنوي وشعبان والزحيلي وغيرهم قبال تساؤل كبير : أهذه هي المعرفة الإنسانية الملتزمة السائرة نحو الكمال المنشود؟!

أمَا كان ينبغي لشعبان وغيره أن يكمل مقالة السيد حسن الصدر ـ الآنفة الذكر ـ بصحائفها الثلاث ولو بإيجاز؟! انبعاثاً من مفهوم المعرفة الملتزمة؟!

ثم إنّ ادّعاءه : كون الشافعي قد فرّق بين الكتابة المتناثرة والقواعد التي ترد في مسألة فقهية عارضة ، وبين علم متكامل ومصنّف مستقل ..

مرفوضٌ أوّلاً : بأنّ هشام بن الحكم ويونس بن عبد الرحمن قد سبقا الشافعي تخصّصاً ; إذ صنّفا في علم الاُصول بلا أدنى ريب وشبهة ، ولم تعدّ مؤلّفاتهما من الكتابات المتناثرة ولا من القواعد التي ترد في مسألة فقهية عارضة.

ثانياً : إنّ نعت رسالة الشافعي بالعلم المتكامل والمصنّف المستقلّ ، يفتقد الدقّة والموضوعية ..

٥٨

يقول أحمد محمد شاكر في مقدّمة تحقيقه لرسالة الشافعي :

وكتاب الرسالة ألّفه الشافعي مرّتين. ولذلك يعدّه العلماء في فهرس مؤلّفاته كتابين : الرسالة القديمة والرسالة الجديدة. أمّا الرسالة القديمة فالراجح عندي أنّه ألّفها في مكّة ; إذ كتب إليه عبد الرحمن بن مهدي وهو شاب أن يضع له كتاباً فيه معاني القرآن ، ويجمع قبول الأخبار فيه ، وحجّة الإجماع وبيان الناسخ والمنسوخ من القرآن والسنّة. فوضع له كتاب الرسالة.

وقال علي بن المديني : قلت لمحمد بن إدريس الشافعي : أجبْ عبدالرحمن بن مهدي عن كتابه ، فقد كتب إليك يسألك ، وهو متشوّق إلى جوابك. قال : فأجابه الشافعي ، وهو كتاب الرسالة التي كتبت عنه في العراق ، وإنّما هي رسالته إلى عبد الرحمن بن مهدي.

وبعد أن يذكر الاختلاف في محلّ تصنيف الرسالة القديمة ، مكّة أم بغداد ، وأنّ الجديدة ألّفها بمصر ، يقول أحمد محمد شاكر : وأيّاً ما كان فقد ذهبت الرسالة القديمة ، وليس في أيدي الناس الآن إلاّ الرسالة الجديدة ، وهي هذا الكتاب.

ثم يقول : والراجح أنّه ـ الشافعي ـ أمْلَى كتاب الرسالة على الربيع إملاءً كما يدلّ على ذلك قوله في (٣٣٧) : فخفَّف فقال : (عَلِمَ أن سَيَكُون مِنْكُمْ مَرْضى) قَرَأ إلى : (فَاقْرَءوا ما تَيَسَّرَ مِنْه) (١). فالذي يقول «قرأ» هو

__________________

١. المزّمّل ٧٣ : ٢٠.

٥٩

الربيع ، يسمع الإملاء ويكتب ، فإذا بلغ إلى آية من القرآن كتب بعضها ثم يقول «الآية» أو «إلى كذا» فيذكر ما سمع الانتهاء إليه منها ، ولكن هنا صرّح بأنّ الشافعي قرأ إلى قوله : (فَاقْرءوا ما تَيَسَّرَ مِنْه).

إلاّ أنّ شاكر مع كلّ ذلك يقول : وهذا كتاب الرسالة أوّل كتاب أُ لِّف في اُصول الفقه ، بل هو أوّل كتاب أُ لِّف في اُصول الحديث.

ثم يقول في «نُسَخ الكتاب» : لم أر نسخة مخطوطة من كتاب الرسالة إلاّ أصل الربيع ونسخة ابن جماعة. ولكنّا نجد في السماعات ـ التي سيراها القارئ ـ أنّ أكثر الشيوخ وكثيراً من السامعين كانت لهم نسخٌ يصحّحونها على أصل الربيع ، وأنّ نسخة ابن جماعة قوبلت على اُصول مخطوطة عديدة ، فأين ذهبت كلّ هذه الاُصول؟! لا أدري.

وفي «أصل الربيع» يؤكّد أحمد محمد شاكر : من أوّل يوم قرأتُ في أصل الربيع من كتاب الرسالة أيقنتُ أنّه مكتوبٌ كلّه بخطّ الربيع ، وكلّما درسته ومارسته أزددت بذلك يقيناً ، فتوقيع الربيع في آخر الكتاب بخطّه بإجازة نسخه ... نفهم منه أنّه كان ضنيناً بهذا الأصل ، لم يأذن لأحد في نسخة من قبلُ.

حتى أذِنَ في سنة ٢٦٥ بعد أن جاوز التسعين من عمره ، وعبارةُ الإجازة تدلّ على ذلك ; لمخالفتها المعهود في الإجازات ، إذ يجيز العلماء لتلاميذهم الرواية عنهم ، أمّا إجازة نسخ الكتاب فشيءٌ نادرٌ لا يكون إلاّ لمعنى خاصّ ، وعن أصل حجّة لا تصل إليه كلّ يد.

٦٠