نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

بهجرها علقم الفراق والفقدان .. وما إن استقرّ في فؤادي ولبّي (عَسَى أَن تَكْرَهُوا ...) حتى وجدت سبيل الخير يتلألأ قبالي كالشمس في رابعة النهار ، فرحت أقطف من نمير العلم والفكر بما تيسّر لي من همّة ونشاط بفضل بركات سادتي الأطهار الأخيار ، بفضل أنوار ثامن الأئمّة الأبرار ومرابع طوسه ، طوس الخير المدرار ، ثم عشّ آل محمّد قم القيام والانتظار ، وله الحمد تبارك وتعالى أن منحني من اللطف ما أعجز عن شكره بأفصح البيان ، وسأبقى ماشياً على ذات الدرب بخطىً ملؤها الشوق والاطمئنان إعلاءً لكلمة الدين وقيم آل الفلاح والرضوان.

أهلي ، وطني ، عراقي ... ستظلّ أمنيةٌ : أن أعود ونعود كسالف الزمان ، حيث لاقتل ولا ترويع ولا أضغان ، حيث تُبنى للمبادئ صروح من العزّ عالية الأركان ، حيث نستعيد الأخلاق طبق فطرة الله التي فطر عليها الإنسان ... ولنا في قدسيّة النجف وكربلاء والكاظمين وسامراء خير اُسوة وكهف أمان.

لا ينتعش العراق إلاّ بإرادة التآزر ولمّ الشمل ونبذ العنف وإرساء الحبّ وقيم السلام ، بالعلم والعمل وعقلنة الرؤى وترويض الجنان .. فغاية الأمر جهادان.

ولنا من الذخائر والمواهب والفضاءات ما يجعلنا نواصل المسير بكلّ جدٍّ وعنفوان.

سلامٌ على العراق ، سلامُ القلب من الأعماق التائقة إلى جذور الخير والفروع الباسقة .. شوقٌ مفعمٌ بالحبّ والآمال بأنقى تضرّع وأطهر ابتهال.

٤٢١

اُوباما رسالة الغرب

ماذا يعني لنا أن تنتخب أميركا رئيساً أسوداً مسيحيّاً شابّاً ، من أب مسلم كيني أسود واُمٍّ بيضاء ، رئيساً درس سنتين في مدرسة إسلاميّة بأندونيسيا ، ذا علاقات طيّبة مع الفلسطيني المعروف إدوارد سعيد ...

قيل اسمه : بركة ـ براقُ ـ اسم أبيه : حسين واللقب اُوباما.

نهض من بيئة فقيرة مرتقياً بذكائه الكبير سلالم الدراسة بكلّ جدّ وعنفوان. وأهل شيكاغو ـ موطنه ـ يعرفونه بصفاته التي مكّنته من الوصول إلى الكونجرس قبل الترشّح للرئاسة عن الحزب الديمقراطي بعد منافسة ماراثونيّة مع هيلاري كلنتون زميلته في الحزب ، ثم الفوز فوزاً تاريخيّاً ساحقاً على خضمه العجوز من الحزب الجمهوري الحاكم جان ماكين ، الذي لم يشفع له تعيين الحسناء «بالين» على بطاقته لمنصب نائب رئيس الجمهوريّة.

ماذا يعني لنا ذلك؟ أيّة رسالة راموا إيصالها لنا ولكلّ العالم ، رسالة مبادئ أم حوار أم تخدير ...؟ هل الاستنطاق والحفر والبعثرة ونظائرها

٤٢٢

أدواتنا هنا؟ أدواتنا في جدولة أفكارنا وإعادة انتشار لمناهجنا ، أم أدواتنا في تحليل مناهجهم وأنساقهم.

ما كان بنا أن نستغرب أبداً من مجيء اُوباما ، فهذا ما يتّفق مع ما يعتقدونه من رسالتهم إلى اُمّتهم والدنيا بأسرها : رسالة حرّيّة وعدالة وقيم إنسانيّة متعالية.

ينشدون التغيير وعمل كلّ ما بوسعهم لإعادة مفهوم نهاية التأريخ إلى رونقه وحيويّته ـ المفهوم الذي تبنّاه فوكوياما وتراجع عنه مؤخّراً ـ فلابدّ حالئذ من جرعة مبادئيّه فرضتها الضرورة ، ضرورة صُنع اُوباما النوعي. وغالب التوقّعات واستطلاعات الرأي كانت تشير إلى تحقّق هذه الضرورة وهذا الصنع النوعي.

دبّت الحركة من جديد في مجتمعهم ولاسيّما بعد إعلان النتائج ، الحركة التي ستزيد من رشقاتهم المبادئيّة والقيميّة ، وسيحتلّون بعدها مناطق أكبر من مساحات أذهاننا وأحاسيسنا ، وعلى العادة المألوفة الغالبة فنحن مجتمع يعيش الانتظار على اختلاف معاييره ومعانيه ، انتظار أن ترحمنا المفاهيم الحديثة بآخر إبداعاتها وخوارق أفكارها التي لا تقهر!! نلتهمها لنذوب فيها وتذوب فينا ، نرتشف نشوة الانفتاح والتنوير التي ما فوقها نشوة ولذّة.

وستبقى الاتّكالية والبطالة المعرفيّة والظواهر الصوتيّة أسياد الموقف مادمنا «أموات الأحياء» وهواة الوصفات الجاهزة ومعتنقي مفهوم

٤٢٣

«الانتظار السلبي».

لا شكّ أنّ الكلّ بالانتظار ، مجتمعات ومذاهب وأفراد ، فهذا الذي يترقّب على الدروب والطرقات علّ الحبيب يأتي أو يعود ، وذاك الذي تهفو حناياه للحظة تجليل أو إطراء ، وثالث نالت منه الفاقة فراحت عيون الفقر فيه تحدّق في مرآة الجود والكرم ...

وفينا مَن ينتظر مَن طال غيابه ، الذي يظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً.

حتى هذا الذي ينتظر الغائب العظيم تتفاوت مصاديقه بتفاوت قراءته لمفهوم الانتظار ، فاختلف منتظرو العودة بين ساكت وناطق ، ساكن وفاعل ، كلا الفريقين يرون النصّ والحجّة تحميهم وتسندهم ، فتخبّطت الاُمّه وضاعت ضياع حيرة وتردّد ، وآل واقعنا إلى التقهقر يوماً بعد آخر ، وليس لنا إلاّ أن نسترجع ونحوقل ونهلّل تارةً ، وتارةً نعزف على وتر الانفتاح والإيمان بالعلم والتقنية الحديثة ، تناقضٌ وتهافتٌ لا يحكي سوى حال اُمّة اختارت الراحة والترافة والوصفات الجاهزة .. اُمّة نامت لتحلم بذلك المنقذ الذي يأتي لينتشلها من القعر إلى القمّة دون أن تحرّك ساكناً ، يأتي ويزيل ثلثي أدعياء القيم والعلم والأخلاق من جادّة انطلاقته الكبرى نحو الإصلاح والفلاح .. اُمّة لازالت إلى الآن تبحث وتنقّب في ماء الكرّ هل ينجّسه شيء أم لا ، في حصى المسجد ... دون أن تستفيق من سباتها العميق كي تقف وتقول مقولتها الفاعلة التي تبدّد غيوم الحيرة والضياع

٤٢٤

والتقليد والجهل القيَمي المعرفي.

إنّ «اُوباما الفكر» رسالةٌ تجتاح عقولنا وقلوبنا وتزيد من سباتنا ومأساتنا.

أميركا أرسلت بيانها لنا ، سواء كان البيان صادقاً أم خادعاً ، لكنّه حقيقة شفّافة ، أميركا انتخبت الأسود «اُوباما» لتعلن أنّها الأرقى بقيمها وأخلاقها ورسالتها ، فماذا نحن فاعلون يا اُمّة القرآن وخاتمة الرسالات وأساس القيم والأخلاق؟

٤٢٥

مات المغنّي

توقّف قلب المعشوق ، رحل محبوب الملايين ، عشرات الاُلوف اصطفّت في تشييع مهيب ، بكاءٌ ودموعٌ وآهاتٌ ونحيب ، محافل تأبين في كلّ مكان ، حزنٌ خيّم على صدور العاشقين ، ثلمةٌ لا يسدّها شيء ، مراثي وأشعارٌ وصرخات : رحلتَ عنّا بعيداً ، تركتَنا وذهبتَ وحيداً ، ما أسرع الفراق ، وهكذا ردّد الجميع بصوت واحد مثير نتاج الراحل الكبير ...

مات مرجع الطائفة ، مات المجتهد الفقيه ، مات العالِم ، مات وليّ الله ... كلاّ.

نعم ، مات المغنّي الشاب ، فاهتزّت الأرض تحت وطأة أقدام الوالهين ، مات فخيّم الوجد على القلوب والأذهان ووسائل الإعلام وسائر المحبّين ، مات المغنّي فبات حديث الساعة ونجم الساحة بلا أيّ منازع قرين.

أيّة رسالة وإشارة ، بل أيّة صراحة وشفّافيّة هذه التي عبّرت عنها الملايين بتعاطفها مع المغنّي الشاب؟

٤٢٦

أتراها تحمل خطاباً ومفهوماً واحداً محتواه :

مللناكم ، مللنا أساليبكم ، أتعبتنا مناهجكم ، سئمنا أدواتكم؟ وإذا أحسنّا الظنّ بهم فإنّهم ربما أرادوا القول : لسنا ضدّ الدين ، نحن مسلمون شيعة ، لكنّا نبحث عن فهم متكيّف للدين يحفظ الاُصول ويلبّي الحاجة.

هل يبدو الأمر طبيعيّاً ، أم نحن بحاجة إلى مراجعة جادّة وإعادة قراءة واعية واستقراء علمي وتحليل منطقي ومقارنة دقيقة وبعثرة معرفيّة وتمسّح شامل ، تقود جميعاً إلى استنتاج ونتائج تنطوي على معالجات واقعيّة لواقعنا المأزوم ثقافيّاً؟

أم نبقى نصرّ على التمسّك بالقشور والمظاهر وأوهام المسرح والاستعراض ، نظلّ غاطسين في ترف الموائد ولذائذ الرغبة وشهوات الذات ، ونكون ـ للأسف ـ مصداق المرويّ عن ساداتنا الأطهار (عليهم السلام) حيث نقرّب المتزلّف المتملّق المتلوّن الذليل ونُبعّد الناصح العالم العزيز ..

فإن كان ذاك يقتل ويذبح ويسبي ويحذف ويحرّف بإسم الدين ، فهذا أيضاً يستبدّ ويبرّر ويفعل ما يحلو له بإسم الدين .. كلاهما وجهان لعملة واحدة ، عملة المتاجرة بالدين الحنيف وقيم رسالة ربّ العالمين.

كان المغنّي الشاب مغموراً غير معروف عند أغلب الذين ندبوه وبكوا لأجله ، لكنّ موته أوجد الذريعة وصنع المبرّر كي يعبّروا عن اعتراضهم وسخطهم ، اللذين تعاملت معهما الجهات المختصّة بحكمة وتعقّل.

٤٢٧

أمثال هذه الأحداث تحرّك ذاكرتنا فتعود بنا إلى الذي طالما أوصى وأكّد عليه ساداتنا المعصومون (عليهم السلام) وقادتنا ونخبنا من «أنّ الدين هو الحبّ لا غير» .. والحبّ يعني إرساء ثقافة الخير والسلام والوئام إرساءً ميدانيّاً فاعلاً على الدوام.

ولطالما أصرّت الرموز الخيّرة على الأساليب الحضاريّة برفض العنف والتخندق الطائفي والعرقي والعمل على توحيد الصفّ واحترام الرأي الآخر وحقّ الحياة الحرّة الكريمة لكلّ الناس .. ولعلّ فرصة التناغم والانسجام والتقارب والتنسيق المميّز الحاصل مؤخّراً بين حاضرتي التشيّع العظيمتين ، بين الحوزتين ، بين النجف وقم ، بين النجف وطهران ، بفعل المواقف الحكيمة لروّادهما الأجلاّء .. ستفتح أوسع الآفاق نحو بناء فضاءات دينيّة اجتماعيّة فكريّة قائمة على أساس الحبّ والسلام واحترام حرّيّة الإنسان طبق الاُصول السماويّة والقواعد الشرعيّة.

إنّنا إزاء فرصة تاريخيّة تدعونا إلى استثمار فاعليّة الأقطاب الناشطة في ميادين الدين والحياة ، مع توفّر العمق المكاني الزماني المناسب ، فرصة تدعونا للعمل المشترك على نشر ثقافة التشيّع العقلاني الحواري ، ثقافة العلم والاستدلال ، ثقافة نبذ القشور وتفعيل المضامين المقدّسة ، ثقافة الخير والفلاح والسعادة الإنسانيّة ; كي يكون كلّ شيء في موضعه ووقته المناسبين ، كي تسود الملاكات والموازين والضوابط الصحيحة ، كي لا نوجد المبرّر الذي يطرح علامات الاستفهام المثيرة التي تستهدف قيمنا واُصولنا وأخلاقنا.

٤٢٨

التفكير وصناعة الفكرة

ليس أمر مراكز ومعاهد الدراسات والأبحاث الاستراتيجية «ثينك تانكس» بالشيء الجديد في قاموس النخب والطاقات وذوي الاختصاص من حيث العنوان والتعريف والمحتوى ، أو من حيث الضرورة والحاجة والأهمّيّة ، ولسنا في مقام الترويج أو التقليد والتبعية لمناهج الآخرين.

إنّما نحن بصدد إثارة عمق الحاجة إلى توفير الفضاءات المناسبة ـ تحت أيّ مسمّى كانت ـ لصناعة الفكرة ، ومن الواضح جدّاً مدى حسّاسية وصعوبة صنع الفكرة ، بل لا شكّ أنّ الفكرة التي تحظى بالقبول إنّما هي التي تحفظ الاُصول وتراعي الظرف ، حينها ينطلق سعي الترويج لها من أجل نيل التأييد الأوسع ثم النزول بها إلى ميدان العمل والتجسيد ..

ولعلّ الفكرة المصنوعة المبتكرة أو المطروحة عموماً قد تكون عبارة عن مشروع كبير أو صغير ، اقتراح ، نصيحة ، تحذير ، تذكير ، معلومة ، إحصائية ... ذلك في ألوان الميادين العلمية والثقافية والأخلاقية والعَقَدية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعسكرية والفنّية وماسواها.

بمعنى : أنّا نفتقر الاستقطاب اللازم والاهتمام الخاصّ والعناية

٤٢٩

الفائقة والاستفادة القصوى من ذوي صنّاع الفكرة ، صنّاع الفكرة الذين يرعاهم ـ على سبيل المثال ـ ما يزيد على الألف مركز ومعهد في أميركا ، والتي تغذّي بدورها مركز القرار هناك بأرقى وأخطر الأفكار والمعلومات ، أو ما يقارب الثلاثين مركزاً ومعهداً مماثلاً في إسرائيل بما يزيد ٣٠% على نظائرها مجتمعةً في كلّ الدول العربية.

النخب والطاقات وذوو الاختصاص هم العملة النادرة في كلّ اُمّة وبلد ، هم ـ عندنا أيضاً ـ شحنات هائلة من الرؤى والأفكار التي تنتظر التسريب الإيجابي .. شتّى مرافق الحياة تحتاج الفكر النابض الذي يمنحها مقوّمات البقاء والاستمرار والازدهار.

نحن بحاجة ماسّة إلى كلّ المشاريع والاقتراحات والنصائح والتحذيرات والتذكيرات والمعلومات والإحصائيات التي تحفظ لنا أصولنا وترسّخ قيمنا وتنشر مبادئنا الحقّة بما يتناسب مع متطلّبات الظرف.

ولا يمكن بلوغ المرام إلاّ بنفض غبار التفكير القروسطي والتكيّف مع العصر ـ شرط الالتزام بما أسلفناه أعلاه ـ ومفتقراته الضرورية ، وبدون ذلك سنبقى مجرّد اُمّة وشعب وطائفة تتغنّى بماضيها التليد بتراجع تصاعدي مقرون بالذلّ والهوان وعظائم الأخطار والخسائر الجسام.

وكيف لنا دوام الخضوع والاستسلام لهذا الواقع المرير ونحن أتباع رسالة وشريعة ودين ومذهب ندّعي بقوّة أنّه الذي يجيب عن سؤال الحياة الكبير ويمتلك كافّة مقوّمات الرقيّ والشموخ بالإنسان شطر الكمال والسعادة الأبدية؟!

٤٣٠

العقل

النفس والعقل والدين والعرض والمال ، أو ما تسمّى بـ : «الضرورات الخمس» ، غير مقتصرة على فرد أو مجموعة أو اُمّة ، إنّها تغطّي الإنسانيّة برمّتها ، ولسنا بصدد البحث في أهمّيّة كلّ واحدة منها ; إذ العنوان يدلّل عليها ، فلا داعي إلى تسليط الضوء حولها ولاسيّما ونحن نروم التمحور حول موضوع ومقصد معيّن.

موضوعنا «العقل» فهو اللاعب الأهمّ بين الخمس ، فلولاه ـ وهو الذي لم يخلق الله قبله شيئاً كما ورد في النصّ ـ لم نفهم شيئاً من كلّ شيء حتى الضرورات ذاتها ، ولم ندرك معنى القبول والرفض ، الحدود والمضامين ، الحركة والسكون ... إنّه الذي يوجّه الجوارح عندنا ويقودها كما ينبغي أن تكون ، وعلى جناح الأولويّة يقود بنا الأفكار ، بل يصنعها وينشؤها ، فلا يمكن تصوّر حياتنا بدونه ولا معنى لها خارجةً عنه.

انّه يحفر دوماً لتدوم الحياة بشكل أفضل ، يحفر في القديم ليستخرج منه الجديد ، كي لا نتخلّف عن ركب الحركة ، فإذا ما تخلّفنا عنها فإنّنا نتراجع ثم نتراجع ، وحصيلة التراجع عزلةٌ وسكونٌ وموت ، ولسنا نروم

٤٣١

الجديد من قديمنا فقط ، بل نرومه لنحصل عليه ونطمئنّ على بقائه واستمراره ، وباستمراره يستمرّ الحفر ، وهكذا.

وإذا ما استمرّ الحفر ، حفر العقل ، فإنّنا أصحاب الخيار والقرار ، نعلم هل نأخذ أم لا نأخذ ، وإذا قرّرنا الأخذ فإنّنا نعلم معايير واُطر وظروف الأخذ ، كي لا نسقط في مهاوي التقليديّة المفجعة ونظائرها.

إنّ العقل علّمنا من الدين بأ نّه ذو محاور ثلاثة : المرسِل ـ بكسر السين ـ والمرسَل ـ فتح السين ـ والمرسَل إليه ، علّمنا بأنّ الدين ناتج الثلاثة ولا يمكن حذف أيّ أحد منها. كما علّمنا أنّ الميتافيزيقيا واللاهوت يمكن تحليلها علمياً بحيث نستطيع التعامل معهما عقلانيّاً ، أعني : إذا ما تمكّن العقل من استخدام الأدوات المتاحة بالشكل والمحتوى السليم فإنّ الغيبيّة تتحوّل شيئاً فشيئاً فيكون الله حاضراً فينا حضور اليقين ، وتصير المعادلة عقلانيّة خاضعة للمعايير الطبيعية ، أي حينما يتحوّل الغيب إلى مادّة بحث عقلانيّة فهذا يعني بلوغ الإيمان مراحله الشاهقة الرفيعة ، ونغدو عبدة من نراه ، وهل من رؤية أدقّ وأثبت وأجمل من رؤية العقل ، فالعقل إذا ما رأى فإنّ رؤية الحسّ لا قيمة لها بإزائه إن رام تخلّفاً أو اعتراضاً ، والمقصود «بالحسّ هذا» حسّ الآخر ، وإلاّ يستحيل للعقل أن يستيقن ويعلم ثم يخالفه الحسّ في ذات الدائرة ، أي في الذات الإنسانيّة الواحدة; إذ العقل حاكم على الحواس ، وحكمه مقدّم وراجح عليها وليس العكس.

٤٣٢

بعبارة اُخرى : بإمكان العقل بأدواته العلميّة الصحيحة أن يتعامل مع الغيبيّات تعاملاً عقلانيّاً يقود إلى فتح آفاق راقية من الإيمان قائمة على الرؤية العقليّة ، وبما أنّها أرقى أنواع الرؤية فإنّها تعود إلى نحو آخر من الإيمان بالله قائم على العقلانيّة ، الأمر الذي يدحض أفخم حجّة المنكرين ; حيث عابوا علينا غياب العقلانيّة في أدلّتنا واحتجاجاتنا ونحن الذين نمتلك فضاءً أوسع ومجالاً أرحب كي نسخّر العقل نحو بلوغ العلم واليقين بالله ، نحو تحويل الغيب إلى حضور ، حضور عقلي ، نحو تحويل ما وراء الطبيعة إلى طبيعة ، طبيعة عقليّة ، وهل شيءٌ أقدس وأشمخ وأرقى من العقل في الوجود الإنساني حينذاك؟!

لا ننكر هيمنة ثقافة الوثوقيّة «الدوغمائيّة» على فضاءاتنا وتكبيلها لحركة العقل عندنا رغم تنصيبنا العقل دليلاً من أدلّتنا الأربعة الرئيسة ، ولهذه الهيمنة أسبابها ودواعيها :

منها : سيطرة الفكر الارثوذكسي التقليدي على ثقافتنا ومعارفنا ، وهاجسه : خطر الانجراف نحو الحضارات الاُخرى التي تصادر وجودنا وهويتّنا وانتمائنا.

ومنها : غلبة الشعاريّة والقشريّة والاستعراضيّة على الجوهر والأصل والمحتوى.

ومنها : فشلنا في الحفر في الثوابت والاُصول للحصول على الجديد الذي يتأقلم زمكانياً مع الأحداث والقضايا بشتّى صنوفها ورتبها ...

٤٣٣

لا يمكن لهيمنة الدوغمائيّة أن تدوم إلى الأبد ونحن بأمسّ الحاجة إلى فهم وتفسير واستنباط أكمل وأشمخ وأعمق وأحدث ، ولاسيّما أنّ الضعف فينا ضعف الأدوات والآليّات والمناهج لا ضعف الجوهر والأصل والمحتوى.

ولا يجدر بنا خشية المنهج العلمي ، فهو الذي يراجع ويستنطق ويقارن ويستقرئ ويتمسّح ويحلّل ويسجّل ويستنتج ، فيرسم ويثبت نتائجه طبق البرهان والدليل ، بلا استباقيّة ، أي الحكم تابع للدليل. وهذا ما نؤمن به نحن في اُصول مناهجنا وجوهر مضاميننا ، فلِمَ الخشية إذن ولِمَ الانغماس في الدوغمائيّة ونحن الذين رفعنا دوماً شعار «نحن أهل الدليل حيثما مال نميل» وجعلنا العقل ركناً شامخاً وضّاءً من أركان أدلّتنا الأربعة الرئيسة؟!

فإذا ما أردنا النهوض والحركة والنموّ والثبات والفلاح فإنّنا محكومون لا محالة بممارسة المناهج العلميّة السليمة في التعامل سواء مع اُصولنا وثوابتنا أم مع وارد الحضارات الاُخرى ; لنعلم يقيناً ماذا نريد وماذا نختار ، لنعلم متى وأين وكيف.

٤٣٤

العقل والشعور

الغالب على العلاقة بين العقل والعاطفة حالةٌ من التجاذب والنزاع ، فكثيراً ما نحتاج إلى الصراخ والعويل والبكاء كي نتجاوز أزمةً عصبيةً ونفسيةً ، الأمر الذي يقترن نوعيّاً بالقرارات العجولة غير المدروسة ، فبات انتصار العاطفة يشكّل منعطفاً خطيراً ذا نتائج سلبيّة تنعكس على الذات بشتّى معانيها ، سواء الذات الإنسانيّة بما هي هي ـ فرد واحد ـ أو ذات الاُمّة والمجتمع والبشريّة بأسرها.

وللحيلولة دون انتصار العاطفة لابدّ من نسق .. ومنهج علمي سليم وثقافة تؤسّس لكلّ ما من شأنه الاحتكام إلى العقل والعقلانيّة والرجوع إلى الذات المفكّرة ، الذات التي تستوعب النزاع وتنأى متعاليةً عن كلّ أنواع الاستفزاز والابتزاز ، آنذاك ترقى المعالجة وتسمو النتائج وينكمش الخطر ويسود الخير ويعمّ الأمن والسلام.

لكنّنا في مشكلة حقيقيّة ; إذ كلٌّ يدّعي وصلاً بليلى ، فصار الوقوف على النهج الصائب والثقافة الصالحة ثم الارتواء منها وبلورة رؤاها وأنساقها هو شغل البشرية الشاغل ، فتعدّدت المذاهب والنظريّات

٤٣٥

والتيّارات بتعدّد الأفكار ورواشحها وأخذ الصراع أساليب وأدوات مختلفة ، وازدادت الإنسانيّة حيرةً وتيهاً وضياعاً ، وتدخّلت الرغبة تدخّلاً سافراً في خلق الأفكار وصياغة المناهج ، بل جالت في أروقة المطلق المقدّس وبقيت تسعى للنيل من جلالته وشموخه ، فصار التأويل البراغماتي سيّد الموقف مسبوقاً بدوغمائيّة بحتة تكادح كلّ محاولة تسعى للفهم الصحيح ، فنتج من ذلك : الارتماء على القشور والتمسّك بالمظاهر وجفاء الجوهر وخشية الولوج فيه.

لقد سئمنا الأفكار والأحكام الجاهزة التي ترفض القراءة المتكرّرة والمراجعة والاستقراء والمقابلة والحفر والتحليل والاستنتاج ، سئمناها كونها تسير بنا إلى جمود وسكون وتعبّديّة محضة وتعطيل لحركة العقل الذي اُريد له أن يكون موّاجاً دوماً وأبداً ، سئمنا لأ نّنا فُطرنا أحراراً ، ومن يخلق حرّاً تبقى الحنايا والأعماق والعقل تهتف به كي يبقى أو يعود إلى حيث فُطر حرّاً ، وإذا ما خُلّي الإنسان وفطرته بلا شوائب فإنّه يرجع إلى حيث ينبغي أن يرجع ، إلى الإيمان الراسخ بوجود المطلق الذي يتحكّم بالكون وبكلّ ما هو نسبي ، حينها ينتفض على فكرة هيمنة النسبي ودعوى أن لا وجود لغيره ، ويتمسّك بالمطلق ، مثلما تمسّك به مجدّداً حين أعلن فشل العقيدة الداروينيّة وعقيدة نهاية التاريخ والايديولوجيا ، وقبلها كان قد دمّر كلّ جهود كوبرينكوس وبيكون ونيوتن وجاليلو وهوك وهيوم وماركس وسارتر ... مثلما دحض الحتميّة الميكانيكيّة واستبدلها بنظريّة الاحتمال التي فتحت اُفقاً جديداً وفضاءً رحباً نحو

٤٣٦

العودة إلى الفطرة والإيمان الحقيقي بوجود صانع للكون يدبّر الاُمور وينظّم الحياة.

لقد أخذهم المنهج التجريبي إلى أنأى تخوم الإلحاد والكفر بالمطلق ، ويا للعجب نجد أتراب وتلامذة المنهج ذاته يعودون بالإنسان إلى حيث يجب أن يكون ، يؤمن بالثواب والعقاب وإشراف السماء وإدارتها المذهلة ، فكيف بنا نحن الذين خُلقنا أبناء منهج لا يرى منذ البدء غير رسالة السماء والقرآن معتقداً ومذهباً ، كيف بنا لا نستخدم جناح العقل والعقلانيّة سبيلاً وأداةً وسلاحاً يخلق الترسيخ والإصرار والعزم الأكيد نحو المواصلة الواعية الناضجة ، مواصلة بلوغ الإيمان ، بالمنهجيّة السليمة التي تضمن التعامل الحقّ مع : المطلق والنسبي ، الوحي ، العقل ، الشعور .. حتى نستطيع الوصول إلى حيث يجب أن نصل إليه ، لذا من الضروري بمكان أن نرفض الأغلفة والمظاهر والقشور ونلج العمق والجوهر لندرك معنى الأصل والأصالة ، هذا الإدراك الذي يخلق فينا روحاً جديدة تواقّة إلى الحركة والمثابرة الواعية ، إلى الفهم الصافي والاستيعاب السليم للمبادىء والقيم الإلهيّة ، حينها تسقط صروح وتتلاشى كيانات وتتغيّر رؤى وتشاد على أطلالها شوامخ عزّ وكرامة إنسانيّة قائمة على أركان العقل والعقلانيّة ، فلا تهزّها عواصف الانحراف ولا زلازل الضلال ولا سيول الشبهات.

إنّنا نشجب الفضاءات التي تدعو بشكل وآخر إلى التعبّديّة المحضة وتعطّل حركة العقل والعقلانيّة ، وندعو إلى فضاءات تؤمّن حركة العقل

٤٣٧

والعقلانيّة وتمنح فرصة التفكير الحرّ المستند إلى القراءة المتواصلة والمراجعة والمقارنة والاستقراء والتحليل والاستنتاج ، ولا شكّ أن النتائج ستضرّ بكلّ البراغماتيّين والدوغمائيّين وستنفع العقلائيّين والعقلانيّين رافضي الأغلفة والقشور والمظاهر والشعارات والحركات الاستعراضيّة.

٤٣٨

مركز الدراسات الاستراتيجيّة

يحدوني الأمل بتأسيس وتشييد معهد أو مركز دراسات استراتيجيّة ، أملاً طالما راود عقلي وأحاسيسي ، أملاً طالما أجد ـ ونجد جميعاً ـ أهمّيّة الحاجة إليه.

طرحت الفكرة أكثر من مرّة لكنّها لم تجد صدىً مؤثّراً في أوساطنا العلميّة والثقافيّة ، مع وقوف الكلّ على الثمار التي يمكن اقتطافها والنتائج الإيجابيّة التي تحصل جرّاء إنجاز مشروع كبير كهذا.

وحسبما أرى فإنّ الإمكانيّات متوفّرة والمقدّمات موجودة لقيام هذا المشروع ، وضروريّ الحال هو العمل والتفكير الجادّ لبناء مركز دراسات استراتيجيّة يلبّي الحاجة ولاسيّما أنّ عالمنا الحضاري محكوم بمناهج وأنساق علميّة ونظم ودقّة خاضعة جميعها لمعاقل معيّنة تغذّيها بالمعلومات الصحيحة والاحصائيّات السليمة والاستشارات الأمينة وتوفّر ما تفتقر إليه من مادّة علميّة ومعرفية وثقافيّة.

إنّها خطوة نحو محاصرة اللاّ نظم والفوضى والإبهام والضعف

٤٣٩

المعلوماتي ، ثم الانطلاق نحو صياغة رؤى وأفكار وبرامج تعمل على النهوض الحقيقي بواقعنا المتخلّف.

إنّنا بحاجة إلى العقل الجمعي ، بحاجة إلى الاستشارة الفاعلة الحقيقيّة ، بحاجة كي ننأى بثقافتنا وأساليبنا وأفعالنا عن التفرّد بالقرار ، لنكون أكثر التزاماً ودقّةً ونظماً ونسقيّة ، وأقلّ خطأً ومجازفةً.

إنّ مراكز الدراسات الاستراتيجيّة الجادّة تمنحنا فرصة التحليق في آفاق العقل الجمعي المجافي للاستبداد والديكتاتوريّة والتسلّط الفردي.

نحن نفتقر المراكز والمؤسّسات والمعاهد التي تأخذ على عاتقها كلّ ما بوسعه توفير المعلومة والفكرة والاستشارة والنصيحة والمنهج والآلية والوقاية والعلاج.

ولا ينبغي فهم المراكز المشار إليها على أنّها مجرّد مخازن معلومات وانتهى الأمر ، بل يجب التعامل معها على أنّها مصنع الأفكار وكشّاف الطاقات والمواهب والإبداعات ، وأ نّها التي تستطيع نيل قبول العقل الجمعي ; كونها معقلاً حقيقيّاً لتقييم الأوضاع الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعقائديّة والسياسيّة والثقافيّة ، وهذا ما يوفّر المقدّمات السليمة لتغيير الإنسان والمجتمع طبق القوانين والأحكام والاُصول التي نعتقدها ونؤمن بها.

حينها ندرك «علميّاً» متى وأين وكيف نؤسّس المؤسّسات التي تعني بقضايا الناس واحتياجاتهم ، بقضايا الاُمّة ومشاكلها ، بنقاط الضعف

٤٤٠