🚘

نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

الضمان والأمان

تعلّمت في الفضاءات الدينيّة على وجه الخصوص التدابير الاحتياطيّة والبحث عن البدائل الممكنة ، وتعود بي التجربة الاُولى إلى أكثر من خمسة وعشرين عاماً إذ وجدت أنّ المدرسة التي أدرس فيها العلوم الدينيّة تترنّح وتتأرجح بين البقاء والاستمرار ، فأحسست الخطر وقرّرت الفحص عن الاحتياط أو البديل ، وهكذا فعلت.

والقضيّة خاضعة لتصوّرين :

أحدهما : أنّ الدراسات الدينيّة تربّي الطالب وتغذّيه ثقافة التدبّر والتأمّل والاحتياط ، فتشحن عقله وذهنه بها ، فيسعى قدر المكنة إلى بلورتها وممارستها عمليّاً في شتّى شؤون الحياة.

ثانيهما : افتقار الأمان والضمان ، فتجربتي في تلك المدرسة تؤيّد ذلك ; حيث انحلّت وانتهى أمرها إلى الزوال وخرجنا صفر اليدين ، إلاّ مقدار ما تعلّمناه ودرسناه من المقدّمات خلال ست أو سبع سنوات ، فما كانوا ـ إدارة المدرسة ـ يسمحون بتلقّي الدروس التقليديّة ، فإنّها خارج

٣٦١

المنهج المقرّر عندهم.

أمّا تجربتي الاُخرى فأيضاً ـ إثر الضوابط والنظام الحاكم على الهيكل الإداري ـ لا ضمان ولا تأمين ، سوى ما يُتقاضى قبال الأعمال المنجزة ، يضاف إليها بعض الاُمور التي لا يمكن برمجة الحياة عليها. ولسنا منكرين بعض الخصائص والمزايا ، إنّما القضيّة هي نوعيّة مفادها افتقاد الضمان والاطمئنان والقلق من الآتي المجهول.

إنّ الجهد والسعي الحثيث والمواظبة الجادّة والإخلاص والحبّ والوفاء ، الاُمور التي تترك لمسات مؤثّرة على الأعمال العلميّة والتحقيقيّة لا يستطيع أيّ شخص إنكارها أو تغافلها أو حذفها.

إنّها دليلٌ حيّ وحجّة لا تقبل النقض على مدى العطاء الذي بُذِلَ ويُبْذَل من أجل قيم الدين والولاية والمبادئ الإنسانيّة ، ولا شكّ أنّ العلم هو أفضل سبيل لإرساء المفاهيم وترسيخها ونشرها ودونه سائر الأشياء طرّاً.

لا نقصد من فقدان الأمان والضمان معناه المتبادر إنّما نعني به الوقوف على الجهد المبذول والعطاء الموجود وقوفاً تحليليّاً يقود إلى ترتّب آثار أخلاقيّة واعتباريّة عمليّة لا ينكرها العقل ولا الشعور ، إلى شحذ الهمم من جديد نحو تقديم المزيد. وأشدّ ما نخشاه ألاّ نلمس أثراً لهذه الاُمور ، وأنّ خلافها هو المتحقّق فيُغمَض عن مساعي العمر.

إنّ الذي يثلج الصدور ويخفف المعاناة كون العطاء لم يعد متوقّفاً

٣٦٢

على تجليل هذا واحترام ذاك ; فقد عمّ وانتشر وأفاد وذاع صيته وثبت فى صفحات التاريخ ، فلا يمكن لأيّ قدرة مصادرته أو حذفه والتقليل من شأنه.

هذا أحد طرفي المعادلة ، أمّا طرفها الآخر فهو أنا النوعي أيضاً ولكن بنحو آخر ; ففي الطرف الأوّل أنا الذي وقع عليّ انتفاء الأمان والضمان ، أي افتقدته ولم أجده عند من كنت أعتقد وجوده لديه ; وعلى هذا ففي الطرف الثاني سأجعل الآخر ـ كنتيجة طبيعيّة ـ يفتقد الأمان والضمان بي ، وهذا الآخر حاضرٌ في كلا القضيّتين مثلما أنا حاضرٌ في كليهما ولكن باختلاف الأدوار. فاذا ما طبّق برامجه التي تشكّل برادوكساً مع برامجي ، بات الاحتمال واسعاً بتطبيقي برامجي قباله ، ممّا قد يؤدّي إلى تصادم الرؤى والأفكار والممارسات. نعم ، يمكن العمل على نقاط الاشتراك تلافياً للأضرار التي ربما تحصل.

كلّ الذي ننشده : فضاءات قائمة على أساس الاحترام المتبادل والتفاهم المشترك وحرّيّة إبداء الرأي والوقوف على الجهود المبذولة والعطاء الحاصل ، فضاءات قائمة بشكل حقيقي على القيم والمبادئ الدينيّة بجوهرها واُصولها السليمة الحقّة ، تراعى فيها الموازين الشرعيّة والمفاهيم الأخلاقيّة ، وتغلّب فيها الرغبة الجمعيّة المنبعثة من أساس الدين على الرغبة الفرديّة ، فضاءات تخلو من الاستبداد والظلم والإذلال وامتهان الكرامات والمظاهر المنافية لشأن العقيدة والمذهب ، فضاءات نتعلّم فيها وتتربّى الذات على ممارسة الدين ممارسة حقيقيّة واعية

٣٦٣

لا ممارسة شعاريّة قشوريّة جوفاء ، فضاءات كلٌّ يأخذ نصيبه بها بلا تجاوز على حقوق الآخرين أو مصادرة مساعيهم ونتاجهم ، فضاءات لا نشعر في ظلّها بالقلق والخوف والاضطراب واستلاب الأمان والضمان المنطقي ، فيها من المنزلة والاعتبار ما يناسب الشأن بحدّه.

٣٦٤

زمرة الكبار

يتوهّم البعض أنّ صِرْفَ الانحشار في زمرة الكبار يصيّره كبيراً ، غافلاً أو متناسياً أو جاهلاً ما لهذا المقام والعنوان من قيود وتمهيدات ومؤهّلات ومساعي وأتعاب.

نعم ، ربما يحصل على المطلوب إذا ما سلك طريق المظاهر والقشور ، لكنّ هذا المسلك أيضاً ـ رغم وضوحه ـ يفتقر إلى جملة مقوّمات وخصائص لا تتوفّر لدى كلّ أحد.

إنّ الكبار كبارٌ بأفكارهم وعقولهم وإبداعاتهم ومزاياهم ، كبارٌ بمعناهم الاستقلالي ، بصفات التسامي فوق كلّ رخيص ، بالحركة والسكون النابضين بالمبادئ الإنسانيّة العليا .. كبارٌ بما تجرّعوا من الغصص والآهات والمصائب والصعوبات ، بما صبروا وجاهدوا كي ترقى القيم والمثل الحقّة.

أمّا الذين يكبرون بسلّة الغير ويحتمون بدرع الآخر وينتفخون بالمعنى الآلي الحرفي ، فحركاتهم وسكناتهم تقليدٌ أعمى وتبعيةٌ حمقاء ، لم

٣٦٥

يعرفوا مفهوم المعاناة والويلات ، ولم يبلغوا ما بلغوا إلاّ بالصنميّة والحربائيّة والببغائيّة ... إنّهم ليسوا سوى زبداً يذهب جفاءً ; إذ الحكمة ليست في تراقص الأغصان وتدلّيها غروراً وكبرياءً ، إنّما الحكمة في ثبات الجذور وصلابتها وامتدادها وديمومة عطائها.

وباختلاط الأوراق تتبدّل الملاكات وتتغيّر الضوابط وتنقلب الموازين ، فتصير القيم والمبادئ والأخلاق والدين رهينة المال والسلطة على سبيل المثال ، فالكبار إذن كبار المال والسلطة لا كبار المبادئ والأخلاق ، من هنا يكون الحفاظ على شرف الاستقلال وجلالة العزّة ونبل الالتزام صعباً مرّاً ، والأمرّ ما فيه لو كان النزاع جارياً في ظلّ الفضاء الواحد والانتماء المشترك ، فلا محيد عن كسر العظم أحياناً وربما غالباً ، ولاسيّما إذا انعقدت أركان الاجماع المركّب ، إنّه مفترق طريق خطير. وهذا ما لا يكون لو تعدّدت الفضاءات ، إذ المناوئ والمعارض والعدوّ له شواخصه ومعالمه الواضحة التي تتّضح معها سبل الردّ والمواجهة.

إنّنا بحكم الفضاء المشترك نعاني أحياناً تبايناً في الرؤى والمواقف والأفكار ، هذا التباين الذي يؤسّس ـ نتيجة الحاجة ـ لصراح الحلقات أو حلقات الصراع وتنامي الاستحسانات والاستنباطات البراغماتية والحركات الديماغوجية بالاستفادة من أدوات القدرة والسلطة لبسط النفوذ والهيمنة على حساب المصالح الشرعيّة ثم بلوغ المقاصد المطلوبة ، فيتراجع مفهوم الدين والأخلاق لمّا يُتَّخَذَا درعاً واقياً لذوي التوجّهات المذكورة بعدما كان اللازم أن نكون جميعاً درعاً واقياً وسدّاً منيعاً للدين

٣٦٦

والأخلاق ، هنا تختلّ المعادلات وتضطرب الموازين ، فيحضر الفرع ويغيب الأصل ، يبرز العَرَض ويختفي الجوهر ، تتأ لّق الذيليّة والتبعيّة الجوفاء ، تنمو الصنميّة والحربائيّة والببغائية ، تتراجع العقلانيّة والمنهجيّة والأصالة ...

والمؤسف أنّها محسوبة طرّاً على خانة الدين ، مثلما عُدّت حركة معاوية بن أبي سفيان في توريث الخلافة ووأد الديمقراطيّة الإسلاميّة ـ حسب تعريف الغرب لها ـ قرّة عين المناوئ الشامت بديننا ، الذي راح يصنّفها من أدبيّات الدين ومفهوماً من مفاهيمه ، وغيرها من الموارد الكثيرة ، التي منحتهم الحجّة للتشهير بنا وبقيمنا ومبادئنا ، وآخرها ثقافة التكفير والقتل والترويع والإرهاب ، حيث وضعت النقاط على الحروف ليعلن المناوئ موقفه القاسي تجاه الدين ويشنّ حملته المنهجيّة لحذف الشريعة من قاموس الحياة ، وبذلك بهت لون العقلانيّة والحوار اللذين نادينا بهما طويلاً.

ولسنا أحسن حظّاً من غيرنا ونحن نعاني داخل الفضاء المشترك بمعناه الأخصّ من اجتهادات وتصوّرات وقناعات خاضعة لمشارب مختلفة مقبولة أو مرفوضة ، فمنها ما يكتفي بالشعارات والمظاهر والقشور ، ومنها ما يعالج الاُمور بطريقة راديكاليّة ، وثالث يحاول الجمع بين التراث والحداثة ، بين الأصالة والتجديد ، ورابع ارثوذكسي تقليدي بمعنى الكلمة ، وخامس يستخدم الأدوات والآليات العلميّة لقراءة الدين قراءةً تحفظ الاُصول والثوابت وتتكيّف مع الحاضر بلا خضوع وتبعيّة

٣٦٧

للحضارات الواردة والقيم التي تشكّل برادوكساً مع قيم الدين والأخلاق ...

إنّ أهمّ ما نفتقده في فضائنا الخاصّ ـ كونه مورد عنايتنا هنا حالياً ـ الثقافة الواعية التي تقود إلى سلامة التشخيص واتّخاذ المواقف المناسبة والتعامل مع الأحداث ـ صغيرها وكبيرها ، جزئيّها وكلّيّها ـ تعاملاً منهجيّاً عقلانيّاً يتسامى فوق العواطف والأحاسيس ، ويخضع لملاكات الدين الحقيقيّة وضوابطه المدوّنة ، ولاسيّما أنّ حركة العقل ـ رغم الترويج لها عندنا وبلوغها مبلغ الأدلّة الأربعة الكبرى ـ لا تخرج عن سياق النصّ بحال من الأحوال.

إذن لا مجال لكلّ ما هو خارج عن قانون الدين ، فكلّ القضايا والمشاريع والرغبات والأهداف والنوايا يجب أن تكون خاضعة للنصّ ، فهو الحكم والحاكم والمرخّص والمانع.

ولا مجال للخنق والاختناق ومصادرة الحرّيّات وتحريم التمتّع بالحياة الدنيا والنموّ والازدهار إذا ما قرأنا النصّ قراءةً صحيحةً مستندةً إلى الأدوات المنهجيّة العلميّة السليمة ، فالدين منظّم الفكر والحركة والنتاج ورقيبها والناظر عليها كي لا تحيد عن الخطّ القويم والصراط المستقيم ، ولا منافاة بين الدنيا والآخرة بالجمع بينهما طبق الشروط المعهودة والمواثيق المنصوصة.

٣٦٨

أساس العلاقات

مخطئٌ من يعتقد أنّ نوع العلاقات مستند إلى القيم الأخلاقيّة ومبادئ الحبّ والإخلاص والوفاء ، إنّما هي علاقات محكومة بالمنافع غالباً ، والنادر كالمعدوم ، فالأكثر يدور حول فلك فرد ونقطة واحدة ومنطقة ارتكاز يتيمة ، وأهمّ ما يميّزها أنّها تستقطب الآخرين بشتّى إنتماءاتهم وفئاتهم وأعمارهم استقطاباً قائماً أساساً على البذل والعطاء بمختلف ألوانه وأساليبه ومقاديره.

نعم ، إنّه العطاء الذي لولاه لانفضّ الناس ، إنّه الملاك والميزان والضابط المتكفّل لبقاء هذا ومجيء ذاك ، لذا ترى الجهد كبيراً والسعي حثيثاً كي يبقى الحال على ما هو عليه ، فالباذل مستجمع الناس التي تطلب وتريد ، والقابض مستأنس ومستريح ، فارتبط الطرفان بآصرة مصيريّة وعلقة وثيقة تحكمها البراغماتية المتبادلة.

تلك الأيّام حيث كانت تفعم بالحبّ والإخلاص والوفاء ويعجّ بها فضاء التخصّص ، الذي جَعَلنا آنذاك ـ رغم المصاعب والعقبات ـ نضاعف الجهد إعلاءً لراية القيم ومضامين المبادئ الحقّة ، والنتاج الموجود دليلٌ

٣٦٩

بيّنٌ على المدّعى ، كنّا ذائبين ذوباً لا مثيل له في عالم المهامّ المناطة بنا ، منهمكين انهماكاً رائعاً كي تبلغ المثابرة محلّها ونقطف ثمار الأتعاب عبر انتشار الجهد ، فنكون قد ساهمنا في الذود عن ديننا واُصولنا ، لا شكّ أنّها أجمل مقاطع العمر وألذّ مراحل الحياة .. سنون البذل والعطاء العلمي التي لم تدنّسها الرغبات الخاصّة والأهداف الذاتيّة ، وما كان في خاطرنا أبداً أنّها مرحلة قد تكون ذراعاً ومنصّة انطلاق لهذا وذاك كي يحقّق مآرب ومقاصد اُخرى ، إلاّ أنّنا بحكم النسق والمنهج لا نحكم على الاُمور ابتداءً ، بل نهاية المطاف هي التي تكشف الكثير من الحقائق التي قد تغيب عنّا بدايته.

وما نجده حاصلاً الآن قد يجعلنا نعيد القراءة من جديد ، ونراجع ونستقرئ ونقابل ونقارن ونحلّل ، كما نحفر ونبعثر ونتمسّح كي نستنتج المُعطى النهائي.

لا يمكننا التغافل عن التعاطي مع الاحتمالات التي يذهب بعضها إلى كون المشروع الذي أخلص بعطائه وجهده للقيم والمبادئ لم يكن سوى ذراعاً ونقطة انطلاق لتحقيق مآرب ومقاصد اُخرى ، مآرب ومقاصد نجد مصاديقها جليّةً واضحةً ، فالحربائيّون والببغائيّون والصنميّون والمتزلّفون ... ينشطون بشكل لافت ، فهذه الفرصة لا تعوّض ، مادام الطرفان تجمعهما نقاط اشتراك .. أمّا الذين يرون في القيم والمبادئ أنّها الضابط والملاك فلا نقول : إنّ اللعبة قد انطلت عليهم ; إذ مهما كانت النوايا والمرامي فإنّهم قد أخلصوا للدين والاُصول ، وهذا كاف بحدّ ذاته. نعم

٣٧٠

يحتاجون إلى مزيد من الصبر والأناة حين يرون أنّهم على كلا الحالين باقون وإن لم يصبهم من الخير الدنيوي ما أصاب الحربائيين والببغائيين والصنميّين والمتزلّفين ...

ونحن أيضاً ـ رغم ادّعائنا ـ قد تدنّسنا ظاهراً أو دنّسنا ذواتنا بما لا يليق بشأننا وعزّتنا وكرامتنا ، فجنحنا ـ سواء في واقع الشعور أو اللاشعور ـ إلى رغباتنا وحاجاتنا ، وربما صرنا كما صار النوع نلهث خلف الباذل المعطي ، حتى استيقظ بعضنا النادر وانتبه إلى ما يدور حوله من قضايا واُمور قد يكون السكوت عنها عملاً مخالفاً للتكليف ، فشمّر عن ساعد المسؤوليّة وأماط اللثام عن جملة نقاط نظام ومداخلات علّها تسهم في إصلاح الواقع وتصحيح المسار وتفضي إلى فضاء أكثر روحانيّة وأقلّ تشبّثاً بالمظاهر والقشور والرغبات الذاتيّة ، إلى فضاء يحترم العلم والمعرفة والثقافة والأخلاق والمبادئ احتراماً حقيقيّاً لا استعراضيّاً.

إنّ التعاطي مع الاحتمالات المشار إلى بعضها يجب أن يكون تعاطياً خاضعاً لاُصول المنهج العلمي المعرفي السليم القائم على اُسس منطقيّة مقبولة لدى الجميع ، ممّا يعني عدم استباق النتائج بدون الخوض والمناقشة في الأدلّة والشواهد والقرائن المختلفة ، بغية بلوغ الحقيقة ، حقيقة العدل والإنصاف ومراعاة القيم الأخلاقيّة والموازين الشرعيّة ، ممّا يعني هذا : أنّ ليس كلّ احتمال مرفوضاً ابتداءً أو مقبولاً كذلك ، وإنّما المناط ما تستقرّ عليه مراحل البحث من نتائج ، مخالفة كانت أو موافقة.

٣٧١

تماماً كما هي القضيّة من طرف المعادلة الآخر الذي يذهب إلى عكس ذلك ويصرّ على ترسيخ أكثر للقيم والمبادئ ونموٍّ لافت على شتّى الأصعدة وعطاء مضاعف وخدمات جليلة بحقّ الدين والمذهب لا يمكن إغفالها والتقليل من شأنها.

المنهج العلمي السليم يضع جميع الاحتمالات والآراء والأدلّة والقرائن في ميزان العدل والإنصاف كي يعلن المحصّلة النهائيّة.

إذن لابدّ من إخضاع التجربة برمّتها إلى البحث والمناقشة والمطالعة ، تجربة مشروع لا يمكن اغفاله تاريخيّاً وثقافيّاً واجتماعيّاً ودينيّاً وحتى سياسيّاً ، مشروع له من المحتوى الثرّ ما يجعله طوداً شامخاً وعلماً خفّاقاً ومعلماً رائداً ; وهكذا مشروع لابدّ أن ينال نصيبه الوافر من الاهتمام وتسليط الأضواء والخضوع لمجهر المراقبة والملاحظة والمتابعة التي قد تنتج إطراءً وثناءً كما قد تنتج نقداً وذمّاً ، كلاهما لابدّ أن نتعامل معهما تعاملاً نسقيّاً من أجل المواصلة القائمة على التفهّم المشترك والفضاء المؤمن بالعقل الجمعي بما فيه حرّيّة إبداء الرأى وممارسة الحقوق والواجبات ممارسة سليمة ، بعيداً كلّ البعد عن الإفراط والتفريط ، حتى تتحرّك عجلة النموّ أسرع نحو تحقيق الأهداف وبلوغ المرام.

٣٧٢

سحر المظاهر

تخطف المظاهر قلوبنا وتشوّش عقولنا وتوسوس فينا كي نعمل الممكن والمستحيل لنصل إليها ، أموال وأملاك وترفيه وشهرة ونساء وسَفَر وموائد وتذلّلات وتخضّعات وتملّقات وتزلّفات وخصائص ومزايا ونفوذ وقدرة ... كلّها أو بعضها تجعل الغالب سابحاً في أعماقها محلّقاً في فضاءاتها ، مهووساً بها ، ضائعاً بين نشواتها ; إذ هي السعادة بذاتها والعزّ والكرامة والشموخ وليذهب الكلّ إلى الجحيم!!

والذي يرسّخ فينا هذا الاعتقاد والشعور أكثر إغواء الآخرين لنا بصنميّتهم وحربائيّتهم وببغائيّتهم ودفعهم لنا نحو المزيد من الانغماس في عالم المظاهر والشهرة والاستعراضيّات والقشور كي ينالوا وننال بهم المبغى.

مكمن المشكلة في هجران الجوهر والأصل والتشبّث بالغلاف والقشر ، في هجران القيم والمبادئ والأخلاق ومفاهيم الشريعة وأحكامها والتشبّث بالتأويلات المهزوزة والأفهام المغلوطة والتلقّيات المرفوضة والاستيعابات السطحيّة والانتقاءات البراغماتية والتضليلات الانحرافيّة ،

٣٧٣

وعلى هذا المنوال جرت الاُمور منذ زمن بعيد وأخذها نوع الناس ـ للأسف ـ أخذ الدين عن الآباء والأجداد بلا زحمة القراءة والمراجعة والمقارنة والاستقراء والبحث والحفر والتمسّح والتحليل والاستنطاق والاستنتاج ، أخذوها دوغمائيّة محضة رهيبة قضت على الأخضر واليابس وجعلتنا نحيا في غياهب الذاكرة ، ذاكرة الكهف والقبيلة والمسرح والسوق ، متجاهلين أنّ الذاكرة الحقّة فقط هي الذاكرة التي تبقينا أو تعود بنا إلى الفطرة السليمة ، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

٣٧٤

حينما تحلّ الصدمة

حينما تحلّ الصدمة تلعب العاطفة دوراً محوريّاً في إدارة الأحداث ; إذ هول المصاب وعظم الفاجعة يستثيران القلب والأحاسيس أكثر من سواهما.

ولا شكّ أنّه خللٌ وإن كان لا إراديّاً ; فغالب الناس يفقد السيطرة على الأوضاع فتهيمن عليه المشاعر وتقوده نحو لوازمها وتوابعها.

ولمعالجة الأمر لابدّ من السعي إلى الحصول على الهدوء ، ففي فضاءاته يمكن اتّخاذ القرارات الأكثر صواباً وحكمة ، فتقلّ الأضرار والخسائر وتلوح بالاُفق الحلول المنطقيّة لاحتواء الصدمة والتعامل معها منهجيّاً وعلميّاً.

لا شكّ أنّ الأمر في غاية الصعوبة لكنّنا أمام خيارين :

إمّا استخدام الأساليب العاطفيّة في المعالجة ولا يخفى أنّها تمتاز بالفوريّة والسرعة والحماسة المفرطة وعدم الدقّة والتهوّر ، الأمر الذي يزيد من نسبة الخطأ ويضاعف النتائج الخطيرة.

وإمّا أن نتمكّن من السيطرة على الأوضاع بالكياسة والتدبير

٣٧٥

والوقوف على جوهر المشكلة وهذا ما يوفّر فرصة التفكير العقلاني السليم ، فتزداد نسبة النجاح وتنحسر الأخطاء.

ويلعب الوعي والنضج دوراً هامّاً في الانتخاب ، فكلّما ازداد الوعي كلّما كان الانتخاب سليماً والعكس بالعكس.

إنّ الألم والمرارة لا يمكن إغفالهما أبداً إلاّ أنّ خيار العقل يبقى الخيار الأسلم دوماً.

إنّنا بانتخابنا حكم العقل نكون قد طوينا شوطاً طويلاً من طريق الوصول إلى النتائج المطلوبة ، بما في ذلك الوقوف على الأسباب والدواعي التي أوجدت أو ساهمت في إيجاد المشكلة ، الأمر الذي يهوّن الخطب ويسهّل مناقشة وبحث الأسباب والدواعي والمقتضيات التي صنعت ذلك الحدث.

لذا فخيار العقل ليس فقط هو الخيار الناجع لمعالجة المشكلة وحلّها فحسب ، بل يحفر في خلفيّاتها بالمراجعة والمقارنة والاستقراء والاستنطاق والتحليل فتكون النتيجة علميّة استدلاليّة توطّئ لخلق فضاءات تعمل على تشخيص ومعالجة الخلل والخطأ.

إنّ الحلول العاطفيّة بإمكانها أن تهدّد كيان الاُمّة برمّتها ; حيث تبدأ بأصغر خليّة وحلقة فيها وهو الفرد ثم الاُسرة فتسري إلى الأكبر فالأكبر ، على خلاف الحلول العقليّة التي بإمكانها بناء الاُمّة وترسيخ قيمها ومبادئها ; لارتكازها على الوعي والنضج والفهم السليم والممارسة الصحيحة.

٣٧٦

محطّتان

يرى بعض الفضلاء أنّ حوزتي النجف وقم العلميّتين تكمل إحداهما الاُخرى.

كما يرى أنّ الجهود التي بذلت وتبذل ـ في ظلّ الأوضاع الجديدة ـ لإعادة الحيويّة والنشاط والاعتبار لحوزة النجف غير كافية لسببين :

أحدهما : محدوديّة كفاءة النجف والطاقات التي تنهض بهذه المسؤوليّة ، ولولا وجود الرموز الكبيرة التي لا تتجاوز عدد أصابع اليد الواحدة لكان لنا مع حوزة النجف حديث آخر.

ثانيهما : إنّ الرجال الذين أخذوا على عاتقهم هذه المهمّة ليسوا امتداداً علميّاً وفكريّاً وثقافيّاً لحوزة النجف ، فلابدّ من الوقوف بعمق على الواقع النجفي اجتماعيّاً وسياسيّاً وثقافيّاً وقوفاً معرفيّاً يتناسب ومكانة الحوزة وحاجتها للنهوض والانطلاق مرّة اُخرى نحو مراتب الرفعة والسمو.

وأبدى هذا البعض تحفّظاً شديداً من الفضاءات الحاكمة هنا وهناك ،

٣٧٧

الأمر الذي جعله يأخذ جانب الحيطة والنأي النسبي كي لا يُستَغل ولا يلج في مواجهات هو في غنىً عنها.

كما أظهر نوعاً من النقد ، بل النقد الواضح لآليّة التعامل مع بعض الإشكاليّات الموجودة في الساحة ، وذهب إلى أنّ ارتكاب الأخطاء بسبب عدم الإحاطة الدقيقة بالواقع الاجتماعي الحاكم هنا ، ولاسيّما ما يختصّ بجانب السرّيّة وعدم مراعاته ، ويرى أنّ إثارة حفيظة طرف المشكلة بنحو غير مناسب ليست مجدية ، وأخيراً ـ كما استحسنه هو ـ وجد في العودة إلى المربّع الأوّل دليلاً على عدم فائدة الحركة من أساسها.

أقول :

يرد على رؤيته بكون حوزتي النجف وقم مكمّلتين إحديهما للاُخرى ما يلي :

أوّلاً : ما المراد بالمكمّل؟ إن كان يقصد به الجامعيّة والكمال المتبادر لغويّاً ، فإنّه تصوّر غير دقيق ، فلو افترضنا جمع خصائص ومميّزات الحوزتين في إطار واحد وقارنّا بينه وبين الحوزة النموذجيّة الشيعيّة المطلوبة التي تلبّي الحاجة العلميّة والمعرفيّة والدينيّة والاجتماعيّة لوجدناه مفتقراً لكثير من الخصائص والعناصر التي تشكّل النموذج المرجو ، مع وجود العديد من مناطق الفراغ والفجوات في كليهما أو إحديهما ، الحائلة دون النهوض الجادّ الحقيقي ، والتي من أبرزها :

٣٧٨

١ ـ غياب أو محدوديّة فاعليّة العقلانيّة عن فضائيهما ، الأمر الذي أكسبهما عنواناً ومحتوىً لازالا يبعدانهما عن المراد المحوري.

٢ ـ قلّة الاعتناء بالتجديد والإبداع والابتكار الذي يجيب على سؤال الظرف ، من حيث المناهج والأساليب وشبكات الإدارة وغيرها.

٣ ـ الاستعلائيّة الملحوظة ، ولاسيّما تلك النظرة التي ترى في سائر الناس «عواماً» ، ومصطلح «العوام» يعني في العرف الحوزوي : الذين لا يفقهون.

٤ ـ القبائليّة والاُسريّة والانتماءات الجغرافيّة التي تقف شاهقاً طويلاً أمام طموحات طالب العلوم الدينيّة الناهدة وآماله الواعدة في بلوغ مراتب العلم الرفيعة.

٥ ـ التشبّث بالظواهر والقشور والاستعراضيّات والشأنيّات والابتعاد عن الأصل والجوهر ، عبر التمسّك بالدوغمائيّة المتشنّجة ; خشيةً من ولوج مناهج الاستدلال العلمي : بدءاً من المراجعة المتكرّرة للنصّ والقراءة الدائمة والاستنطاق والمقارنة والاستقراء والحفر والبعثرة والتحليل ، إلى صياغة النتائج المترشّحة من الاستدلال والبرهان.

٦ ـ عوامل الضغط المختلفة التي تحول أحياناً كثيرة دون حصول الحركة المطلوبة نحو الأمام ، سواء كانت عوامل ضغط ذاتيّة أو غير ذاتيّة.

٧ ـ هيمنة «البراغماتيّة» على كثير من أفكار ونتاجات وقرارات الحوزتين.

٣٧٩

ثانياً : إنّهما تختلفان مبنائيّاً اختلافاً يكاد يكون مفصليّاً ، فحوزة النجف لا تتبنّى ـ مثلاً ـ مبدأ ولاية الفقيه المطلقة ، بخلاف حوزة قم التي تحمل راية هذا المبدأ ، الأمر الذي ترك آثاراً وانعكاسات واسعة على شتّى المحاور العلميّة والدينيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

وللحديث عن الحوزتين مجالات أوسع يضيق موردنا عن ولوجها والخوض فيها بإطناب.

ولعلّي اُوافقه الرأي في ما أبداه من تحفّظات على الفضاءات الحاكمة هنا وهناك واختياره الابتعاد والعزلة النسبيّة لأسباب أجد أغلبها واقعيّة ومنطقيّة.

أمّا انتقاده لآليّة التعامل مع بعض الإشكاليّات ، فالظاهر منه أنّه يرى وجود هذه الإشكاليّات لكنّه يختلف في اُسلوب بيانها وكيفيّة التعامل معها ، ويعتقد بأ نّنا قد لا نمتلك الرؤية الدقيقة والإحاطة الكافية بالواقع الاجتماعي الحاكم علينا.

بحكم كوني مسؤولاً عن ذاتي لا عن غيري ، لذا أنطلق من زوايتي فأقول :

لست جديد عهد بالواقع الاجتماعي الحاكم هنا ، إلى ذلك : عايشتُ طرف الإشكاليّة المعهودة معايشة الظلّ للظلّ ، وأقدمتُ على خطوات مشهودة ومدوّنة ومثبّتة على الأجهزة السمعيّة والبصريّة ، وتابعت الاُمور الثقافيّة والاجتماعيّة والإداريّة متابعة توثّقها مئات القصاصات والصفحات

٣٨٠