🚘

نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

من يدري ، لعلّني أنا الذي اخترت لنفسي هذا المقام وتلك الرؤيا الحزينة ، فلا ألومنّ إلاّ إيّاها ولا اُقرّع سواها ..

ومن يدري ، لعلّ غيري هو الذي فعل بي ذلك ، لكنّ الفرض الأوّل أصلح بحالي ; حيث أحصل به على فرصة إصلاح الذات وتنقيتها ممّا أصابها من الأدران والآثام ، فينفتح لي من سبل المعرفة ما أعثر فيه على موطئ قدم ، يأخذ بي إلى مرابع الأمان أو أصنع جناحاً اُحلّق به في فضاءات الفلاح والإيمان ..

ومن يدري ، فلعلّي بعدها أسمو فأبلغ الآفاق العالية ; فالطموح يبقى طموحاً ، والمقاصد النبيلة تبقى هدفاً مشروعاً مازال هناك قلب ينبض بالإحساس وعقل يعمل بحكمة وتدبّر وعرفان.

٣٠١

أرحل أم أبقى

اُغادر أم لا ، أرحل أم أبقى ، كلاهما ذوا حزن وكآبة ، إن غادرتُ فكأ نّي خلّفت قلبي وكلّ كياني مع من بقي ، وإن بقيت تودّ الأعماق لو أنّني مع من رحلوا ... إنّها الحيرة التي لا أفهمها ولا اُدرك سببها ومصدرها ; فالنفس منقسمة لا تعلم أيّهما تروم وتختار.

ديار الحبيب أعشقها إلاّ أنّي لا أبلغ ذلك التفاعل المقصود وأنا بين ظهرانيها ، تكبّلني الآلية التي أنا عليها في تلك الأحوال ، فلا اُيمّم صوب المعشوق بعشقي ورغبتي وشوقي ، بل ألمسها حركات وتمتمات رتيبة لا تحفر في حناياي أيّ أثر كالنادر والمعدوم.

بُعد الأحبّة أنّى كانوا يؤلمني ، برحيلي يذلّني البعد مذلّةً أتوسّل بها الإياب ، ببقائي أندب وأتوق وأنثر تراب المسافات ريحاناً لمن غادروا .. أبقى ، أرحل ، ماذا أفعل .. الرتابة هناك مملّة ; أضف لها الملق الصارخ والترقّب المشدود والتوتّر الدائم والطاعة العمياء وهمّ الجيوب المتأهّبة بانتظار إغداق هذا المتموّل وذاك ، تأهّباً بعيون محدقة وألسن ناطقة مادحة بانتخاب أنجع آلية توصل لذلك الرزق المنشود ..

٣٠٢

مشاهد تهتف بي : لِمَ غادرت؟ ومشاهد تناديني : لِمَ تخلّفت؟ تبقى الروح في دوّامة الانقسام والحيرة ، حيرةٌ مريرة مؤلمة محزنة تمزّق الأحشاء وتنتج اضطراب الحسّ والذهن واعتصار القلب. إنّها معضلة لا أجد لها مخرجاً سوى بترويض الذات على نهج يشمخ بها فوق كلّ هذه التردّدات ، نهجٌ يضمن لها تناغم القلب والفكر ، وليس الأمر باليسير ولكنّه أيضاً ليس بالصعب والعسير ; إنّه اللطف الإلهي والفيض الربّاني الذي لا يناله إلاّ من بلغ مراحل عالية من العشق الحقيقي أو بذل الجهد في سبيله.

٣٠٣

طموحي

اُفكّر وأحلم واُخطّط وأسعى كي أستمتع بحياتي ، أن اُمارس حرّيتي في حقوقي ، حقّ التفكير وحقّ التصميم وحقّ الانتخاب ، إنّها لذّة الشعور بالوجود أن أسلك الدرب الذي أرغب وأقرأ الكتاب الذي اُحبّ ، متى أنام وأستيقظ ، أنّى يستقرّ بي المقام ، كيف أعبد ربّي طبق اعتقادي وشوقي ولهفتي وتعلّقي ، أن أكون أو لا أكون ، ألاّ اُلزَم بمفاهيم التقليد والتبعية الرخيصة ; فلستُ اُلعوبةً كوكيّةً ولا كياناً آلياً ، ولا قالباً جامداً ، أنا فكرة ، أنا رغبة ، أنا عشق ، أنا حركة ، أنا خطوة إلى الأمام ، أنا الذي يجهز على عدوّه ، على جهله ، بسيف الفطرة ونداء الحنايا السليم.

طموحي : أن أكتب رشحات الفكر وسخاء العقل وجود الضمير ، أن أكتب من الصميم عشق المعرفة ، معرفة الارتباط وكنه الالتزام وحقيقة الرؤى بصادق القناعة ويقين الرسوخ ; لعلّها أساطير ألفاظ ليّنة الرسم سهلة النطق ، لكنّها شاقّة التبلور صعبة التجسّد ، خطرة هامّة بمقدار كلّ الحياة ومصيرها ; إنّها حصيلة الجهد والكدح الفكري المعرفي الشعوري بكلّ خطوطه البيانيّة الهابطة والصاعدة ; إنّها علامة الفشل أو النجاح ، وأيّ فشل وأيّ نجاح؟!

٣٠٤

جرح الصميم

الناسٌ أحجامٌ وألوانٌ وأوزانٌ وأفكارٌ وأحاسيسٌ متفاوتة ، فيهم الطفل والشابّ والكبير ، اليافع والمراهق والهرم ، القوي والضعيف ، الجميل والقبيح ، ذو الحسّ المرهف واللاّاُبالي ، اليقظ والثاقب النظر والبليد والغبي ، وللوسطية مجالٌ على كلّ حال .. هكذا هي تركيبة البشر منذ أن قامت الساعة حتى نهاية المطاف ، والمحصّلة النهائيّة إمّا صالح أو طالح رغم كلّ شيء.

مع كلّ ذلك التفاوت فالجميع يتأ لّم ويشدو ، يأمل وييأس ، يفوز ويخسر ... يثيره المديح فيطير في اُفق الاعتزاز شامخاً ويزعجه الذمّ والحطّ فيغور في وادي الصميم مجروحاً منكسراً.

حتى الطفل لا يسمح بمزاح ينال من شخصيّته وكيانه ، ما زحتُ ولدي الصغير يوماً مزاحاً غامقاً نوعاً ما ، شعرت أنّه اُصيب في أعماقه ، جرحٌ أصابه في الصميم ، أرّقني ذلك الموقف ، لم ينفع بكائي ، نعم بكائي على نفسي ، نفسي الضعيفة التي استهانت بطفل حسّاس طَموح كولدي ، ومع أنّي لم أقصد الإهانة لكنّ الحصيلة هكذا كانت ، وكم حاولت

٣٠٥

ـ ولازلت ـ جبران سوء سلوكي ذاك لكنّي لازلت أشعر بالألم المرير من اُسلوب غريب عن نسقي ، عمل بعيد عن منهجي واعتقادي وتصوّراتي.

الكلّ يعتز بكيانه ، صغيراً كان أم كبيراً ، صالحاً أم طالحاً.

إلاّ أنّ المؤسف حقّاً أن لا يستثمر هذا الاعتزاز بالشكل الأنسب ، الاعتزاز الذي يخلق فرصة السموّ والرقيّ شطر المراتب العليا ، الاعتزاز الذي يخلق الحفر والمراجعة والمسح القيَمي والأخلاقي ، الاعتزاز الذي يجيب عن سؤال الحياة الكبير : من أين وفي أين وإلى أين ، لا الاعتزاز الذي يقهقر ويتلف ويحرق ويجفّف طراوة الفطرة ونبض الحياة الطاهرة.

٣٠٦

أنا هنا

قرأتُ عقيدة جاك لوغوف في كتابة «التاريخ الجديد» لمّا يراها أرقى من اصطفاف الأحداث مكانيّاً وزمانيّاً ، بل هي نقد ومراجعة وبحث في الأسباب وتحليل علمي أعمّ ...

وفي عقيدة هويزبام لمّا يخوض غمار تاريخ اُوربّا إبّان النهضة ...

وفي تصوّرات مارتن ليفن في القومية الأميركية ذات الردّ العنيف تجاه الأحداث والقضايا ...

وفي فلسفة أمانئل كَنْت في نقد ملكة الحكم وتداعي مقولته الشهيرة التي أستحضرُ منها : مهما يكون فإنّ أمرين يتلألآن أبداً : تلك النجوم في السماء وهذا القانون الأخلاقي في الصدر والضمير ...

تأمّلتُ في أهلي وقبيلتي وأصحابي ومجتمعي وكلّ الناس فوجدت أنّ القناعة لا ترسو على ضفاف الضمير ولا تسكن أعماق القلب ولا تُخضِع العقل إلاّ بالوعي والتجربة.

أعني بالوعي : التجرّد التامّ عن كلّ انتماء قومي وديني وافتراش

٣٠٧

ساحة الفكر ومحاكاة كلّ ما أمكن من الرؤى والقيم والاُسس بآلية الحقيقة لا الخيال ، بالدليل والإثبات القاطع ، بالنقد والمراجعة والتمسّح والبعثرة والمقارنة ; لا بالخلسة والخوف ، بل بالعلن والجرأة.

وأعني بالتجربة : ميدان الممارسة ومختبرات الفكر وحركة القيم ديناميكيّاً وتفاعلها في إطار المجتمع والناس ، في إطار التاريخ والثقافة والفنّ وشتّى العلوم.

إنّ عجينة الوعي والتجربة تخمّر قناعةً أو قد تصنع مفترق طريق على أدنى تقدير. ولكنّي أراها بصيغتها الموضوعيّة وبنسقها المعرفي تصنع فلاحاً واطمئناناً ورضىً.

وجدتُ أيضاً أنّ النقد الواعي يصنع ولا يهدم ، يصنع الرقابة والمراجعة والدقّة والمنافسة والتغيّر والنموّ والخير والرفاه والإيمان والنجاح.

كما وجدتُ أنّ الذين يخشون النقد ينعتونه تارةً بالهدّام واُخرى بالحسد والأغراض الدنيئة ، وجدتهم لا يطيقونه بالمرّة ، لذا أزاحوا من حولهم كلّ صوت واع حريص وقيّضوه بأدوات طائعة سامعة ، همّها علفها ، ترومه بأيّ ثمن كان. فأسقطت أدوات الوعي والنموّ والفلاح بأدوات الجهل والفشل والخسران.

كما وجدتُ أن بناء الفكر والكرامة لا يتمّ إلاّ بتحمّل وعثائهما ، ولا شكّ أنّ فيهما من المرارة والمعاناة ما لا ينكر ، إنّه مخاض عسير

٣٠٨

يستدعي الخسائر الجسام والآلام العظام ..

دموعٌ وحرقةٌ ووحدةٌ وغربةٌ وانكماشٌ وضيقٌ ومخاطر وتضحيات ولومٌ وعقابٌ وتجريح ... إن اخترقتها لاحت في اُفق الضمير والقلب والأعماق والعقل بشائر الفلاح والطمأنينة والخير ، لذّةٌ ما أروع طعمها ونشوةٌ ما أرحب اُفقها ، مجدٌ لا يساوقه مجد ، وعزّةٌ لا ترقاها عزّة .. أعناقٌ تشرئبّ ورؤوسٌ تُطأطئ وأصابع تربت .. فتصرخ في ذاتك بكلّ عنفوان : إنّني أنا ، هاهنا ، في كلّ مكان وزمان ، أنا امثولة النوع الذي أراد فظفر ، الذي رفض قيم الإسكات والصنميّة والتفرّد والمراهقة المتواصلة والعُجُب ، فشمخ ورقى ..

أنا هنا لأ نّي قد ذاب كبدي وفؤادي واستعرت أحشائي ألماً وحرقةً وجُرّح إحساسي وحناياي.

أنا هنا لأ نّي بكيت بغالي الدموع.

أنا هنا لأ نّي ما اشتكيت إلاّ إلى معالي القيم وأسباب الفيوضات الربوبيّة.

أنا هنا لأ نّي قد ارتاب في أمري البعض وهماً وظلماً.

أنا هنا لأ نّي كابدت الألم والمعاناة ومرارة الغربة والوحدة.

أنا هنا لأ نّي منحت وفائي وكلّ ما تعلّمته على طبق من ذهب.

أنا هنا لأ نّي كادحت وصارعت كي يسمو الفضاء الذي أنتمي ويسمق.

٣٠٩

أنا هنا لأ نّي سقاني صاحبي زهر المنّة كراراً وراح يشدو ويتشدّق.

أنا هنا لأ نّي قد حطّ من قدري ومرتبتي صاحبي وغالي عمري ، صاحبي الذي هجرت الديار لأجله ، صاحبي الذي لامني مَن لامني في رفقته وصحبته ، صاحبي الذي أعشق.

أنا هنا لأ نّي ـ مع كلّ الذي كان ويكون ـ سأبقى ناهداً طامحاً لا يهوى إلاّ الناس والحبّ والجمال والأحاسيس المرهفة والعلم والمعرفة وقيم الحقّ.

٣١٠

همسة شوق

أشعر بالحزن على نفسي إثر تدنّي القيم وهبوط الالتزام. بضياء القلب ونور العقل كنت ألمس هناك لذّة العبادة والدعاء والاستغفار واُحسّ أنّي أقرب خطوةً إلى ربّي ، كانت المبادئ راجحة ; حيث أفتقد مقوّمات الفتنة والغرور ، كيّفتُ حياتي مع صعوبة المأكل والمشرب والمأوى ، تكيّفاً أثمر عن تحرير الذات والفكر من سلطة ترافة تركناها بعيدا.

كانت لي في بقعة العصمة الرضوية أوّل تجربة روحيّة دينيّة ولائيّة ، بقعة منحتني إحياء الجذور وإنعاش الحنايا وتفعيل الفكر نحو معرفة وعلم وثقافة ترسّخ الهويّة وتعمّق الانتماء بفضاء الحقّ والمبادئ الصادقة.

لم أكن أملك شيئاً ، لذا كان مؤشّر الحرام والذنب قليلاً نسبيّاً ، لقمةُ عيش اُوفّرها من جهد ثقافي علمي تحقيقي دراسي ، كان فيها الكفاف ولله الحمد.

كنت أشعر بلذّة الحبّ والتكاتف الاُسري الاجتماعي أكثر فأكثر ، رغم حسرة امتلاك المأوى تحت ظلّ ذلك التهديد المستمرّ بوجوب

٣١١

مغادرة السقف الذي كان يحمينا من برد الشتاء وحرّ الصيف.

كنت أعود لاُسرة ألمس فيها حبّاً متبادلاً ، اُسرة أعود إلى كنفها وألجأ إليها وألوذ بها بعد يوم من العمل والدراسة المرهقين ، أعود كي أحميها واُوفّر لها ما يجب عليّ توفيره بوجود امرأة صابرة همّها كيان بيتها والتطلّع لمستقبل أفضل بلا غيرة وحسد للآخرين ; إذ القريبين كانوا أحسن حالاً منّا ونحن بالكاد نمتلك وسائل العيش الأوّليّة ، لكنّا كنّا نحيا حياتنا ونسعى للتكيّف مع الموجود بنظرة أمل وخير إلى الغد.

كثيرٌ من الناس يمتلكون الحياة الفاخرة الناعمة ، وكنت أتمنّاها لاُسرتي ، اُسوة بكلّ رجل يطمح إلى إسعاد اُسرته وتوفير العيش الرغيد الشريف لهم.

واصلت دراستي بجدّ والتزام ومنحني الله سبحانه نعمة التفوّق في المجالين الدراسي والتحقيقي ، ممّا وفّر لي مخزوناً علميّاً وأرضيّة ثقافيّة وظّفتهما خير توظيف للمعقل الذي احتضنني وضمّني حينما اعتذر عن قبولي الآخرون ، فلم أدّخر جهداً في دعم وتطوير وتفعيل مشاريع هذا المعقل المبارك الذي أغدق عليّ بسوابغ الأفضال وجاد بروائع المكرمات بعدما منحته صبري ورغبتي وشوقي وإخلاصي.

إنّ الانتقال الذي حصل بعد تأمّل وتوقّف وتردّد يطول بيانه أحدث في بادئ الأمر حسّاً يهتف بالأعماق ، حسّاً يرفض جفائي لسيّدي ومولاي الرضا (عليه السلام) ، ولعلّ الأيّام كانت كفيلة بترويض هذا الحسّ الذي

٣١٢

لا زال يشمخ بين الفينة والاُخرى.

أقبلتْ عليّ الدنيا هنا ، تبدّلت الأحوال وتغيّرت الأوضاع وصرت أعيش الحياة الرغيدة المترفة التي كنت أتمنّاها لي ولاُسرتي ، إلى ذلك : الاُمور الاعتباريّة والاجتماعيّة وغيرهما ، ولازال الحال على هذا المنوال.

لكنّي أشعر بتزلزل في إيماني واعتقادي والتزامي مع ضعف رغبة العبادة والدعاء في روحي ، فابتعدتُ عن ربّي ، هاجس الحرام والذنب يؤرّقني ، خمدت نار الحبّ في قلبي فعدتُ أغبط ذوي الحياة البسيطة الذين يعيشون رغبةً بغد أفضل ويعودون إلى مأواهم وكلّهم شوق وشدو لملاذ يحميهم وعيون بريئة وقلوب نقيّة تجلس بالانتظار ، فعاد لي من جديد الشعور الذي كان يرافقني آنذاك.

أشعر بحاجة ملحّة إلى الحبّ ، إلى صدر يضمّني بلهفة وقلب يحنو عليّ كاُمٍّ رؤوم ، فأنا لم أغترف بعدُ من كأس العشق والحبّ ما به اُروّي مضمأي وأسدّ رمقي ، غير منكر بالمرّة قلب شريكة العمر ورفيقة الدرب التي منحتني ولا زالت تمنحني الكثير من قلبها وإخلاصها ، وكذا أبنائي فلذة كبدي وثمرة عمري الذين أعتزّ بهم وأفخر بوجودهم ، لكنّي طمّاع حبٍّ شَرِه نَهِم ، حبّ اُعوّض به خواء أعوام من فقر العاطفة والحنين ودفء الأحضان الشابحة لها أحاسيسي لهفةً وشوقاً.

٣١٣

لِمَن الشوق؟

مَنْ منّا لا يهزّه الشوق إلى ما يعشق ويحبّ ، إلى الأمس واليوم والغدّ ، إلى الأشياء بحلوها ومرّها ... ولكن هلاّ تساءلنا : لِمَ نشتاق؟ أفي ما نحن عليه خللٌ ونقص وفي ما سواه إحاطة وتكامل ... هل الشوق فعل القلب أم العقل أم كليهما؟

أنشتاق لأ نّنا حركة في حركة ، لا استقرار ولا سكون فيها ، وهل عدم الاستقرار هذا يولّد فينا ـ ولو زحفاً ـ الحركة بجميع الاتّجاهات إلى جميع الأزمان ، فتولد من هذه الحركة صورٌ ومصاديق سواء كانت محفورة في الذاكرة كملفّات من الماضي أو نعايشها من الحاضر أو نستشرفها من الآتي؟

يقولون : لولا الشوق لما حصل الطموح ، ولولا الطموح لما حصل النمو ، شرط الآصرة الخيّرة التي تجمع بين العقل والقلب ، ولو لا هذا الاتّحاد لكانت النتائج وخيمة ، فقد يجرّ الشوق إلى الخراب والمآسي والآلام ، كما قد يسمو بالإنسان إلى مراتب العزّ والكمال.

٣١٤

أأشتاق إلى أيّام صباي وطفولتي وذاك بيتنا الجميل ، إلى مدرستي ورفاق صفّي ، إلى حارتي وصحبتي ، إلى مدينتي ، إلى بلدي ، إلى أُمّي وأبي وأهلي وعشيرتي ، إلى شريكة حياتي وأبنائي ، وفي شوقي هذا يمرّ كلّ شيء حلواً حتى المرير منه؟

وهل أنسى ـ مثلاً ـ مرارة أنّي كنت حزيناً خائفاً من غد لا أعرفه ولاسيّما أنّ البعض كان يُسمعُني ما يدلّ على يأسه من مستقبل مشرق لي .. تلك المرارة التي صنعتُ منها إصراراً في أعماقي وتحدّياً قاداني إلى الكفاح من أجل إزالة ذينك الحزن والخوف ، فاستطعت بحمده تعالى أن أنضمّ إلى من يشار لهم بغد أفضل؟ وهلمّ جرّا ...

يقولون : إنّ الحركة إلى الوراء إن كانت لتحليل الماضي والحفر فيه ثم الحركة الحاضرة إن كانت هي الاستقراء والقراءة الواعية والمقارنة فلا شكّ أنّ الحصيلة مثمرةٌ تنذر بآت مشرق.

كما قالوا : نشتاق إلى الماضي شوقاً نشحن به الحاضر لنشتاق إلى مستقبل أرقى ، شريطة أن يكون هذا الشوق شوقاً منهجيّاً ، فلا مندوحة إذن من تلاقي العقل والقلب ، كلٌّ يشدّ من عزم الآخر لتكون الثمرة حركة وخطوة معرفيّة إلى الإمام.

قيل : الشوق لغةً : نزاع النفس إلى الشيء ، والجمع أشواق ، والشَّوق : حركة الهوى ، والشُّوق : العُشّاق وشاقَني شَوقاً وشَوَّقَني : هاجني فتشوّقت

٣١٥

إذا هيّج شوقك ، ويقال منه : شاقني حُسْنُها وذِكْرُها يشُوقني أي هيّج شوقي (١).

قال التهانوي في كشّافه ص١٠٤٧ : حدّه ـ أي الشَّوق ـ عند أهل السلوك هيجانُ القلب عند ذكر المحبوب. وقال بعض أهل الرياضة : الشوق في قلب المُحبّ كالفتيلة في المصباح ، والعشق كالدهن في النار. وقال : عالَم الشوق جوهر المحبّة والعشقُ جسمُها.

قيل : مَن اشتاق إلى الله أنَسَ الله ومن أنِسَ طَرِبَ ، ومَن طَرِبَ وَصَل ، ومَن وصل اتّصل ، ومن اتّصل طوبى له وحسن مآب.

وسُئل أبو علي : ما الفرق بين الشوق والاشتياق؟ فقال : الشوق يسكن باللقاء ، والاشتياق لا يزول باللقاء بل يزيد ويتضاعف ، كذا في خلاصة السلوك.

وأورد في مجمع السلوك : الشوق هو أحد أحوال المحبّة ويحصل لدى المحبّ. وحدوث الشوق بعد المحبّة من المواهب الإلهيّة ، لا علاقة له بالكسب.

والشوق من المحبّة كالزهد من التوبة ، فمتى استقرّت التوبة يصبح الزهد ظاهراً ، وحين تتمكّن المحبّة يظهر الشوق.

يقول صدرالدين الشيرازي :

إنّ معنى الشوق هو طلب كمال ما هو حاصل بوجه ، فإنّ العادم

__________________

١. لسان العرب ، مادّة «شوق».

٣١٦

لأمر ما رأساً لا يشتاقه ولا يطلبه ; إذ الشوق للمعدوم المحض والطلب للمجهول المطلق مستحيل ، وكذا الواجد لأمر ما لا يشتاقه ولا يطلبه لاستحالة تحصيل الحاصل ، فالواجب سبحانه إذ هو من فضيلة الوجود في غاية التمام ، وهو بريء من أنحاء النقص مقدّس عن شوائب القصور في الوجود والذات ، فمحال أن يلحقه تشوّق إلى شيء ويعتريه طلب وحركة إلى تمام وكمال ، بل لكونه تامّ الوجود وفوق التمام يليق به أن يُشتاق إليه ويعشقه كلّ من سواه ، وكذا العقول الفعّالة لكونها مفطورة على كمالاتها ، مجبولة على فضائلها التي تليق بمرتبة كلّ منها ، ماثلة بين يدي قيّومها ، مشاهدة لجمال مبدعها وجاعلها (١).

وقال في تفسير القرآن (١ : ٤٥ ، ١٨) : ممّا يدلّ على أنّ الشوق يستلزم الوصول : أنّ الشوق عبارة عن الحركة إلى تتميم الكمال ، وما من وجود إلاّ وله ضرب من الخيريّة والكمال ; إذ له حظّ من الوجود ، والوجود قد ثبت أنّه خير ومؤثّر ، ففي كلّ موجود عشق إلى ذاته. وما من موجود في عالم الإمكان إلاّ ولوجوده غاية كماليّة وشوق إلى تحصيل تلك الغاية كما بيّن في مباحث الغايات في العلم الإلهي.

وفي التفسير أيضاً (٤ : ٢١٩ ، ١٥) : الشوق وهو توجّه نفساني جبلّي إلى الشيء المرغوب فيه طلباً وهرباً ، مبدؤه قوّة حيوانيّة ذات شعبيتين ، إحداهما شهويّة للطلب ، والاُخرى غضبيّة للهرب.

__________________

١. الأسفار ١ / ٢ : ٢٣٧ ، ١٢.

٣١٧

وفي مفاتيح الغيب (: ٢١٤ ، ٢١) :

ما يرد على القلب أوّلاً هو المسمّى بالخاطر ، وهو صورة علميّة ، كما لو خطر له مثلاً صورة امرأة وأنها وراء ظهره في الطريق لو التفت لرآها.

والثاني : هيجان الرغبة إلى النظر ، وهو حركة الشهوة التي في الطبع المسمّاة بالشوق ، فهذا يتولّد من الخاطر الأوّل ، ويسمّى ميل الطبع أيضاً ، ويسمّى الأوّل حديث النفس ; إذ قلّما ينفكّ الإنسان في مثل ذلك الحالة عن المحادثة مع نفسه.

والثالث : حكم القلب بأنّ هذا ينبغي أن يفعل ، أي ينبغي أن ينظر إليها ، فإنّه الطبع إذا مال لم تنبعث الهمّة والنيّة ما لم تندفع الصوارف ، فإنّه قد يمنعه حياء أو خوف من الالتفات ، وعدم الصوارف ربما يكون بتأمّل ، وهو على كلّ حال حكم من جهة العقل ، ويسمّى هذا اعتقاداً ، وهو يتبع الخاطر والميل.

والرابع : تصميم العزم على الالتفات وجزم النيّة فيه ، وهذا نسمّيه همّاً وقصداً ، وهذه الهمّة قد يكون لها مبدأ ضعيف ، ولكن إذا أصغى القلب إلى الخاطر الأوّل حتى طالت محادثته للنفس ، تأكّدت هذه الهمّة وصارت إرادة مجزومة ، فإذا انجزمت فربما يقدم على الجزم فيرتكب العمل ، وربما يقف بعارض ولا يعمل به ولا يلتفت إليه ، وربما يعوقه عائق فيتعذّر عليه العمل.

٣١٨

وقال في المبدأ والمعاد (: ١٥٢ ، ١٣) : الشوق يصحبه قصور ، وأمّا العشق فقد يتقدّس ويتعالى عن الشوائب. فالأوّل عاشق لذاته معشوق لذاته ، عُشِق أو لم يُعشَق. لكنّه معشوق لذاته من ذاته ومن غيره ، وهو جميع الموجودات المفتقرة إليه ; إذ ما من موجود إلاّ وله عشق غريزي وشوق طبيعي إلى الخير المطلق والنور المحض ، بلا شوب شرّيّة وظلمة ونقص وآفة.

قال الطوسي في اللمع (: ٩٤ ، ١١) : الشوق هو لعبد تبرّم ببقائه شوقاً إلى لقاء محبوبه ، وسُئل بعضهم عن الشوق فقال : هيمان القلب عند ذكر المحبوب ، وقال آخر : الشوق نار الله تعالى أشعلها في قلوب أوليائه حتى يحرق بها ما في قلوبهم من الخواطر والإرادات والعوارض والحاجات.

قال القشيري في رسالته (: ١٦١ ، ٣٤) : سُئل بن عطاء عن الشوق فقال : احتراق الأحشاء وتلهّب القلوب وتقطّع الأكباد. وسُئل : الشوق أعلى أم المحبّة؟ فقال : المحبّة ; لأنّ الشوق منها يتولّد ..

وقال أيضاً (: ١٦٢ ، ٢٦) : سمعت السري يقول : الشوق أجلّ مقام للعارف إذا تحقّق فيه وإذا تحقّق في الشوق لها عن كلّ شيء يشغله عمّن يشتاق إليه. وقال أبو عثمان الحيري في قوله عزّوجلّ : (فَإِنَّ أَجَلَ اللهَ لاَت) (١) : هذا تعزية للمشتاقين ، معناه : إنّي أعلم أنّ اشتياقكم إليّ غالب وأنا أجّلت للقائكم أجلاً ، وعن قريب يكون وصولكم إلى من تشتاقون إليه.

__________________

١. سورة العنكبوت : ٥.

٣١٩

قال السهروردي في آداب المريدين (٢١ ، ١١) : الأحوال فإنّها معاملات القلوب ، وهو ما يحلّ بها من صغار الأذكار.

قال الجنيد : الحال نازلة تنزل بالقلب ولا تدوم ، فمن ذلك المراقبة وهو النظر بصفاء اليقين إلى المغيّبات. ثم القرب وهو جمع الهمّ بين يدي الله تعالى بالغيبة عمّا سواه. ثم المحبّة وهي موافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه. ثم الرجاء وهو تصديق الحقّ في ما وعد. ثم الخوف وهو مطالعة القلب بسطوات الله ونقماته. ثم الحياء وهو حصر القلب عن الانبساط ; وذلك لأنّ القرب يقتضي هذه الأحوال. فمنهم من ينظر في حال قربه إلى عظمه وهيبته فيغلب عليه الخوف والحياء ، ومنهم من ينظر إلى لطف الله وقديم إحسانه فيغلب على قلبه المحبّة والرجاء. ثم الشوق وهو هَيَمان القلب عند ذكر المحبوب. ثم الاُنس وهو السكون إلى الله تعالى والاستعانة به في جميع الاُمور. ثم الطمأنينة وهي السكون تحت مجاري الأقدار. ثم اليقين وهو التصديق مع ارتفاع الشكّ. ثم المشاهدة وهي فصل بين رؤية اليقين ورؤية العيان لقوله (صلى الله عليه وآله) : «اعبد الله كأ نّك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّه يراك». وهو آخر الأحوال. ثم تكون فواتح ولوائح ومنائح تجفو العبارة عنها (وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لا تُحْصُوهَا) (١).

قال لسان الدين الخطيب في روضة التعريف بالحبّ الشريف (: ٦٣٩ ، ٣) :

__________________

١. سورة إبراهيم : ٣٤.

٣٢٠