نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣
  نسخة غير مصححة

عبٌ ثقيلٌ أنا

كثيراً ما ينتابني هذا الشعور : إنّ حالي كالمثل الشهير : «ما زاد حنّون في الإسلام خردلةً ولا النصارى لهم شغل بحنّون». وعلى الرواية الاُخرى يكون عجز البيت : «ولا على الإسلام من حنّون من ضرر». بما في ذلك وجودي ضمن اُسرتي.

أشعر بأ نّي عبٌ ثقيل يلقي بظلاله عليهم دوماً ، على الجميع ، بل لا أهمّيّة لوجودي بين ظهرانيهم ، فأرغب في العزلة والانطواء ، رغبة على مضض وإلاّ فإنّ الإحساس بالغربة إحساسٌ مرير.

اُحبّ الناس وأسعى ألاّ اُصيبهم بأذى أو مكروه ، سواء بالكلمة أو بالفعل أو التقرير ، وأشدو إن استطعت إدخال الفرح على قلوبهم .. ولكنّ حنايايي كثيراً ما تتساءل : هل يفتقدونك ، هل يعطوك حيّزاً من حبّهم وتفكيرهم كما تحبّهم وتفكّر فيهم؟

لا أدري مِمَ أتى هذا الشعور وكيف تولّد في صدري؟ هل خلقته التجربة والأحداث المتوالية ، أم هي مجرّد أوهام لا صحّة لها؟ ولعلّ في التفصيل احتمالاً معقولاً؟

١٨١

وعلى فرض واقعيّة الأمر هل أستحقُّ جفاء الناس وإهمالهم رغم حبّي لهم؟

ليتني أقفز فوق ذاتي وجوهري ودائرتي وأنأى بعيداً ، في زاوية ما ، عن كياني ووجودي لأستقرئ وأبحث واُراجع واُحلّل كي أحصل على النتائج التي تمنحني جواب كلّ الاستفهامات بشفّافيّة ووضوح.

ولا شكّ أنّ الإنسان ـ بتوفّر الأدوات والشروط الخاصّة ـ يستطيع فهم ذاته فهماً عميقاً ، فإذا ما فهم وعرف نفسه فقد عرف كلّ شيء وهانت عليه كلّ الآلام والصعاب وتفتّحت له آفاق المعرفة بأوسع أبوابها ، وما هذا الشعور المشار إليه أعلاه بمصاديقه ولوازمه ـ حقيقة كان أم وهماً ـ إلاّ مفردة سهلة لا يحتاج حلّها كثير مؤنة أو جهد حينما يعرف المرء نفسه.

لكنّي ضئيل المعرفة بنفسي ، أتخبّط بين أنانيّتي ورغباتي وشهواتي وظواهر دنياي وترافة عيشي واعتدادي بذاتي ، اُشرك بربّي كثيراً بعلم مني أوجهل ، بقصور أو تقصير ، أستهين بالصغائر .. مأساتي أنّي أعرف مواطن ضعفي ولا أجهد إلاّ قليلاً لتجاوزها وردم الخلل والنقص الحاصل منها ، وأتوانى في كسب مؤن الفلاح والخير رغم اطّلاعي الوافر بها.

ولا أرى أنّ اعترافي هذا سينقذني ممّا أنا عليه إن لم أفعل شيئاً يغيّر مجرى حياتي وتفكيري. أتوقّف عند قوله تعالى : (وَلْتَنْظُر نَفْسٌ ما قَدَّمَتْ لِغَد) وقفةً جادّة ، بل وتهزّني كثيراً ، لكنّي مستلهمٌ آني ، لا تتجاوز به هذه المفاهيم المقدّسة حدود المشاعر والأحاسيس المنفعلة لحظات

١٨٢

ليس إلاّ ، وهكذا الحال بالنسبة إلى سائر المبادئ والنظم والقوانين والأحكام المولويّة منها والإرشاديّة ، فإنّها لا تفعل بي إلاّ فعل المسكّن المؤقّت.

ماذا عساي أن أفعل وصحيفتي سوداء فلا أراها تبيضّ بنور وجهه الكريم وأنا أحتسي غرفات العصيان دون أن أكدح إليه تبارك وتعالى كدحاً لاُلاقيه.

ربّي إنّي أسألك خيرَ ما سألك به عبادك الصالحون وأولياؤك المقرّبون أن تصلّي على محمّد وآله محمّد وأن تجعلني من خيار خلقك وأحسن عبيدك وأخصّهم منزلة لديك وأقربهم زلفة عندك يا أرحم الراحمين ، فإنّه لا ينال ذلك إلاّ بفضلك وكرمك.

١٨٣

«نفّذْ ثم ناقِش»

مفهومٌ تعسّفي استبدادي يعطّل حركة العقل والإبداع ويستهزئ بأدوات الفكر والمعرفة والأنساق العلميّة والمناهج الثقافيّة ، ويقوّي شوكة الفردانيّة والصنميّة والتقليد والتبعيّة والجمود ، ويجعل المراجعة والاستنطاق والحفر والبعثرة والمقارنة والتحليل والاختيار في خبر كان.

طالما تسلّطت على مجتمعاتنا ثقافة العسكرتارية وخيّمت على فضاءاتنا الأفكار الديكتاتوريّة الخانقة ، وليست العوامل السوسيولوجيّة والانثروبولوجيّة والابستمولوجيّة بمنأى عن نشوء ونموّ هذه المفاهيم وفي جعلها تتشعّب وتتوسّع وتتبلور بآليات وقوالب مختلفة تبعاً لطبيعة الانتماء الفكري العقائدي.

ولعبت الهرمونطيقا ـ التأويليّة ـ دوراً أساسيّاً في تنوع هذه الأفكار ضمن الانتماء والهويّة الواحدة حتى ، فالأنظمة الثيولوجيّة ـ مثلاً ـ تتّخذ من الارثوذكسيّة الدينيّة غطاءً يؤمّن لها إرساء أفكارها ومشروعيّة وجودها ، فباتت نظريّتها ومبانيها أمراً مفروضاً على الاُمّة ; استناداً إلى مبنى وجوب الالتزام بما ألزمتنا الشريعة والدين به من أحكام وقوانين

١٨٤

ونُظُم .. بينما نلحظ أنّ ذات الرحم قد أنجب نظريّةً ـ رغم ارثوذكسيّتها الدينيّة ـ لاترى وجوب تحقّق كذا وجوب وإلزام ودوائر وخطوط وأدوات كالتي تراها سابقتها ، بل ومن ذات الرحم ينطلق نداءٌ يدعو إلى فصل الدين عن السياسة.

وإذ تتجاذبنا الاصطفافات المعرفيّة والمباني الفكريّة والتناحرات الثقافيّة :

بين ناقم على الدين واللاهوت ومؤمن بالنهضة التجريبيّة بكلّ أدواتها وأنساقها ووصفاتها الجاهزة.

وبين حافظ للدين مكانته وكيانه ومنزلته ضمن إطار دُور العبادة والوعظ والتذكير بالآخرة ونظائرها لا غير.

وبين متّخذ الدين نهجاً وميثودلوجيا تنظّم حياته وشؤونه لكن في حدود ودوائر معيّنة.

وبين رافع له إلى مستوى التولّي المطلق على شؤون الاُمّة طرّاً بلا استثناء ..

فإنّها تشتبك تلقائيّاً في اُسسها ومؤنها وإفرازاتها لتفرض على الاُمّة واقعاً مشوّشاً قد ترقى فيه مسائل وقضايا على حساب القيم والمفاهيم والأخلاق ، فقد يفقد العمق والأصالة والحقيقة جلالها وتتأ لّق القشور والأغلفة والمظاهر ، وتبدو المبادئ والمقدّسات وكأ نّها فقط : الحجاب ، اللحية ، العمامة ، السبحة ... أو تبدو الحضارة والمدنيّة وكأ نّها فقط ربطة

١٨٥

العنق ، الخلاعة ، الميوعة ، حلق اللحية ... بل وكأنّ الهمّ والغمّ والطموح منحصر بهذه الوسائط.

نعم ، تحوّلت الوسائط عندنا إلى أهداف وغايات ، أمّا الغايات والمقاصد الشريفة فصارت أشياء غريبة علينا ; إثر ذلك تفشّت مفاهيم التعسّف والاستبداد مثل «نفّذ ثم ناقش» بل توسّعت دائرة المأساة لترتقي إلى «نفّذ ولا تناقش» فغدا الإنسان مجرّد أداة مُسيَّرة لا تختلف عن الحيوان إلاّ بالنطق.

١٨٦

الأنا

ابتهالاتي وصلاتي وأخلاقي ليست سوى مظاهر جوفاء تفتقر الروح والحياة ، تفتقر الصدق والإخلاص ، بدليل أنّها خاضعة لشهواتي خضوع العبد لمولاه ، لستُ سوى مدّع مخادعاً لذاته ولغيره ، اُظهر دماثة الخلق وجمال العبادة والتآلف الاجتماعي لكنّي أضمر المساوئ والقبائح واُمارسها طبقاً لخوارق اللاّشعور ، فتتجلّى تارةً هنا واُخرى هناك.

لا اُحبّ سوى لذاتي ولا أكره سوى لها ، رغباتي هي الملاك والميزان ، اُبرّر كلّ شيء لأجلها ، أعمل كلّ شيء لأجلها ، حتى الأفعال الحسنة التي اُنجزها فهي من باب إرضاء الذات ، الذات التي تزهو حينما تجد أنّها تستطيع ، تستطيع أن تعلو وتكبر فيرى الغير مكانتي ومنزلتي وقدرتي وسلطتي ، أكاد حينها أطير ، بل أنا طائرٌ فعلاً بغروري وكبري ، وهل يا ترى ينفعني فعل الخيرات وأنا أروم ما ترومه شهواتي وتتطلّع إليه رغباتي ، ولاسيّما وأنا ذائبٌ بمدح هذا وإطراء ذاك ، فواحدٌ يتمسّح بلباسي ويقبّل يدي تبرّكاً وآخر وظّف نفسه مسؤولاً عن نعلي وحذائي وثالث ورابع ... الناس تتهاوى لنيل شرف اللقاء بي والحصول على

١٨٧

المغنم ، أيّ مغنم كان مادّي أو اعتباري ...

روحي الصغيرة ، هل بإمكانها تحمّل كلّ هذا الضغط الشهواني الممتلئ بالرئاسة والسلطة والنفوذ والقدرة ، ثم إنّ الناس هم الناس ، الغالب منهم أصحاب حاجة ، الكثير من أصحاب الحاجة يريدون قضاءها بشتّى السبل والآليّات ، لا شكّ أنّي أفتقد روح الأنبياء والأولياء النجباء (عليهم السلام) والصالحين كي أتحمّل كلّ هذا الضغط الشهواني الكبير ثم أهزمه.

نعم ، حينها أسقط لا محالة في فخّ الكبر والغرور وأكون حيث لا أنا ، أسقط في فخّ التقديس ، تقديسي لذاتي وتقديس الآخر لي ، هنا تحلّ الكارثة وترتسم خارطة طريق مقصدها الأنا ومرامها الأنا وهدفها الأنا ، إنّها فضاءات الاستبداد والطغيان والاستغلال والكبر والزهو بأجلى مصاديقها وأسنى أمثالها ، فضاءاتٌ لوازمها معها وعواقبها واضحة.

اللّهمّ أعنّا على أنفسنا يا ربّ.

١٨٨

يقول السلطان

يقول السلطان : بما أنّك يدي المنفّذة «بتعبّد وصنميّة».

بما أنّك الوجه الآخر لي أنا الحليم الكريم البشوش ذي الخلق والأدب الرفيع.

بما أنّك الذابّ عنّي في كلّ الأحوال.

بما أنّك الدرع التي أصدّ بها هذه وتلك.

بما أنّك تذوب كي أبقى أنا.

بما أنّك انسخلت عن أمانيك ورغباتك وطموحاتك وصرت وقفاً لأمانيّي ورغباتي وطموحاتي.

بما أنّك قطب امتصاص النقمة عليّ.

بما أنّك مَفْرَغ شحنات غضبي وآلامي ومعاناتي.

بما أنّك الناطق بما لا يناسب شأني النطق به.

بما أنّك العنف والصرامة والصلافة التي ألبستها إيّاك نيابةً عنّي.

بما أنّك محطّ اللوم والعتب والنقد بدلاً عنّي.

١٨٩

بما أنّك إلى جانبي كلّما أردتك أو لم اُردك.

بما أنّك أنيسي ومدعى راحتي ومستقرّي ولوعة صباي.

بما أنّك تروم بلوغ العلا مهما كلّف الأمر.

بما أنّك سندي وداعمي وتابعي وذيلي.

بما أنّك مخلصي ووفيّي.

بما أنّك الصامت الممضي الموافق بلا قيد وشرط.

بما انّك صوتي وسمعي وعيني وعقلي وكلّ جوارحي بحضوري وغيابي.

بما أنّك المتشدّق بمدحي وتسبيحي وتعظيمي ...

فأنت أخي وصديقي وخليلي وعضدي وحريم أسراري وحافظ منافعي ، وأنت الأقرب منّي وإلي.

ولا يهمّني : إن كنت تجيد من العلوم والمعارف والثقافات والفنون شيئاً أم لا تجيد ، أو إن كنت تجيد التعامل مع أدوات الفكر وآليات الفهم أم لا تجيد ; فمادمت على الصفات الآنفة الذكر ، ومادمت لا تفسد عليّ رأيي بالعصيان والنقد والخذلان ، ومادمت لا تخالفني فلقد منحتك ما تريد ما برحتَ تمنحني ما اُريد.

فهذه هي ملاكاتي وموازيني وضوابطي التي استخلص بها دوائري وحلقاتي وخطوطي.

ولا أكترث بك أيّاً كنت أنت الآخر مادمت تتهافت مع ملاكاتي

١٩٠

وتتناقض مع موازيني وتتباين مع ضوابطي ، فالموافقة الاحتماليّة لا تشفع لك أيضاً ، فهي عندي كالمخالفة القطعيّة ، حيث الحال عندي ذو حدّين لا ثالث لهما : إمّا معي أو ضدّي.

نقول : هنا تُختَبر القيم والمفاهيم وينكشف الانتماء الحقيقي من الانتماء المزيّف البراغماتي ، هنا تصطفّ عناوين ومضامين الأصالة والنبل والكرامة الإنسانيّة في صوب وعناوين ومضامين النفاق والانتهازيّة والفردانيّة والمصلحيّة في صوب آخر ، في عراك مرير وصراع مثير.

١٩١

مصادرة الجهد

لا أدري بِمَ يُفسَّر عزو الإنتاج والجهد إلى غير ذات الأصل؟

حسب الفهم الأوّلي والتبادر المنطقي فهو يعني : المصادرة ، أمّا المعتقدون بقضيّة الحظّ فيقولون : إنّ الدنيا إذا أقبلت أعارت الإنسان محاسن غيره وإذا أدبرت سلبته محاسن نفسه .. والآخرون يرون أنّها قضيّة جبر وتفويض.

إنّ حظّي كدقيق بين شوك نثروه

ثم قالوا لحفاة يومَ ريح اجمعوه

صعب الأمر عليهم قال قومٌ اتركوه

إنّ من أشقاه ربّي كيف أنتم تسعدوه

كثيرون هم الذين يرفضون مقولتَي الحظّ والجبر ; إذ العقل والفكر والحقيقة تجافي القضايا التي لاتستند إلى البرهان العلمي والاستدلال المنطقي ، فالذهن الذي يمتلك مقوّمات التفكير الصحيح المطعّم بالقيم الأخلاقيّة الرفيعة يمنح الإنسان فرص الثبات والدوام والنموّ والازدهار ، مع ما منحه الله سبحانه وتعالى من حرّيّة الانتخاب والاختيار ، فالحياة سائرة طبق قانون «أمرٌ بين الأمرين» على الرأي الأصحّ الأقوى.

١٩٢

بقي أن نقول : إنّ ذلك العزو إمّا خطأ وباطل ، أو صحيح وحقّ ، ولا قائل بالثاني مطلقاً ، والتوهّم في كون ذي النتاج هذا وليس ذاك أو مشتركاً ونظائرهما ، خارجٌ عن محلّ البحث ; حيث مسألتنا ثابتةٌ بالدليل مفادها : مصادرة الجهد ، لا غير.

إنّ الحبّ لمّا يعمي ويصمّ فإنّه يكوّن الأرضيّة الخصبة لتلك المصادرة ، فلربما لا تكون العمليّة عن عمد ووعي ، بل الباعث العاطفي اللا شعوري هو الذي يخلط الأوراق فيُسقِطُ ويُلحِقُ ويعملُ أشياء اُخر.

أيّاً هي الدواعي والأسباب فإنّ المحصّلة : مصادرة جهد ونتاج ، مهما كان الجهد والنتاج ; إنّه إحباط وخيبة أمل وشعور بالغبن والظلم وجرحٌ لا يندمل.

١٩٣

ماذا أنا؟

ماذا عسانا فاعلين لو لا الحبّ؟ حياةٌ بلا معنى ، بل لا حياة ، إنّ الحبّ ـ بما لكلّ الألفاظ المتعدّي منها واللازم ، وبما لكلّ المعاني من وجود ـ باعث الحركة والسكون ، إنّه أقدس منحة فطريّة غرسها الله تعالى في خلقه .. إنّنا نشتاق لأ نّنا نحبّ ، وهكذا نكبر ونعمل ونطمح ونتأ لّم ونفرح وننام ونستيقظ .. بجوارحنا وجوانحنا ، بالعقل والقلب ، بكلّ ما اُوتينا من أشياء.

بالحبّ وفيه وإليه تجتمع كلّ صفات الخير والصلاح ، إنّها الفطرة لا غير ، كرامة الخالق لمخلوقاته.

وهل لي العيش بلا حبّ؟! وهل لي الموت بلا حبّ؟! وهل الدين إلاّ الحبّ.

ماذا أنا ماذا؟ أيّ سوء عملتُ وأيّة آثام ارتكبت ، هلاّ أصلحتُ ما فسد منّي ، هلاّ قدّمت لحياتي شيئاً ، وهل حفظتُها بما يلزم حفظها به ، وهل صنتُها بما يلزم صونها من كلّ أشكال التعدّي ، سواء على ذاتها أو

١٩٤

على غيرها .. هل قادني الحبّ إلى برّ السكينة وسواحل الأمان أم قدتّه أنا إلى حيث أودية رغبتي وكهوف شروري؟

أيُّ مخلوق أنا ، أيُّ مخلوق أنا الذي لم يعرف نفسه لكنّه يكابر زوراً بمعرفة غيره ، بمعرفة ربّه .. أيّ مخلوق أنا الذي خالطتُ الصدق بالكذب والحبّ بالكره والحقيقة بالوهم والجوهر بالقشر ... إلاّ أنّي لازلت أطمح أن يحشرني الله في زمرة الصالحين!

أشعر أحياناً بأ نّي لستُ سوى ظاهرة بل سوى سراب لا يستحقّ البقاء ; من سوء عملي وفعالي ودوام تفريطي وجهالتي.

وأحياناً اُخرى أشتاق إلى الخير ، إلى النور ، إليه حيث ألمس رأفته وعطفه وحنانه.

ما بين هذه وتلك أغفو وأصحو ونداء السماء يهزّ كياني (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) فإليك يا ربّي نصبت وجهي ... فبعزّتك استجب لي دعائي وبلّغني مُناي.

١٩٥

أبحث عن ضالّتي

أبحث عن ضالّتي وأستفرغ الوسع في التفكير بها ، واُخال أنّها هنا أو هناك ، في هذا الشيء أو ذاك .. أصِلُ إلى هنا أو هناك ، أمسك بهذا الشيء أو ذاك ، بعد سعي حثيث وجهد كبير. لكنّي لازلتُ أبحث عنها ، فما قصدته ووقع بيدي لم يكن مرادي ومطلوبي! فما هو يا ترى ذلك المراد والمطلوب الحقيقي؟

إنّني إنسان بالأصالة ، ضيّعت الطريق الصحيح فسلكت الدروب الوعرة المظلمة وازددت ضياعاً ، وكلّما وصلتُ إلى مكان ما خلته مقصدي وغايتي ، ولكن خاب الظنّ وحبط العمل .. فقدت إنسانيتي فصرت أكذب واُنافق وأخون واُرائي وأغتاب وأسرق وأفتري واُوشي وأتزلّف ، حربائيّاً صنميّاً ببغائيّاً ، منحرفاً عن القيم والمبادئ السليمة ، لا يسترني سوى ظاهري ، فالوجه وجه إنسان والقلب قلب حيوان ...

قادني هذا الضياع إلى فقداني إنسانيتي ، فتبدّلت المقاصد والغايات ، وصرت كلّما أحصل على شيء لهثت لأجله أجدني أبحث عن غيره ; كلّ ذلك لأجل الضياع والانحراف ... فأنا في الحقيقة أبحث عن فطرتي التي

١٩٦

ضيّعتها بسبب تمرّدي وضلالي ، فطرة الله التي فطر الناس عليها ، الفطرة التي تعني «الإنسانيّة» بكلّ ما للعنوان من إطار ومحتوى ومفهوم ... فالفطرة تجرّني صوبها لكنّي اُكابر إثر ضياعي بغروري وشهوتي واستبدادي وضعفي وذلّتي وركوعي لكلّ ما يغويني ويضلّني.

إنّني حيث أحيا هذا الألم والمعاناة وتأنيب الضمير ، فلعلّها خطوة بالاتّجاه الصحيح ، تتبعها خطوات وخطوات مع معاناة وآلام أكثر وأكثر كي أبلغ ما اُريد فأستعيد إنسانيتي وفطرتي ..

ولا أصْدَقَ من النفس مع ذاتها ، ففي خلوات الروح وحينما يرخي الليل سدوله ويحكم السكون وتنام الأعين تنعقد الأحوال التي يستيقظ بها القلب وينهض الشعور ويرشح العقل ، فإن توفّرت الإرادة الحقيقيّة تجد الصراع بين الذات الأصيلة والمزيّفة على غاية من الجدّ والتنافسيّة ، إنّه صراع الخير والشرّ ، الهداية والضلال ، إنّها لحظات تقرير المصير ، لحظات انتخاب المسير : إمّا شاكراً وإمّا كفوراً.

١٩٧

ماذا استفدتُ وأفدت؟

ما الذي استفدته من حياتي ، وبماذا أفَدتُ المبادئ التي اُؤمن بها والناس الذين أعيش بين ظهرانيهم ، هل استطعت أن أخدم أبناء جلدتي وعموم الناس؟

ثم مَن أنا حتى أتجرّأ بمثل هذا الادّعاء؟

نعم ، أنا إنسان بإمكانه ـ إن أراد ـ صنع المستحيل ، فإن لم يكن بمقدوري فعل ذلك فعلى أدنى تقدير أبذل ما بوسعي والتوفيق من الله تبارك وتعالى.

اُحاول أن أكون صادقاً مع ذاتي ومع غيري ، لذا أعتقد أنّني لا أملك ما أمنحه لذاتي ولغيري سوى ما يستقطب تأ ثّري وقناعتي ، فكلّ ما يؤثّر بي إيجاباً لا شكّ أرغب فيه ، وما أرغب فيه أسعى نحوه لأتعرّف عليه وأتعلّم منه وأتعمّق فيه وأختصّ به ثم أعكسه على غيري.

فمثلاً : أحببت «الخطّ العربي» وجعلني هذا الحبّ أن أقطع شوطاً طويلاً في التعرّف عليه وتعلّمه والتعمّق فيه والاختصاص به ثم تعليمه ..

١٩٨

إنّه فنٌّ رائع يحتاج إلى الحبّ والرغبة والممارسة والصبر ، المقرونة بالموهبة ، ولا ريب أنّ له تأثيراته على شخصيّة الموهوب فيه ; لأ نّه يشتمل على الجمال والرسم والدقّة والقانون والقدرة والتخصّص والعشق والروح ، فالخطّاط يسمع الحرف الذي يحاكيه ، وينظره كما هو ينظر إليه ، إنّه ينبض بالحركة ، هذا ما يجده فنّان الخطّ.

كما وجدت في «الفكر النقدي» ـ مثلاً ـ محاكاةً لأفكاري وانسجاماً كبيراً معها ، حيث أرى فيه «الرقابة المعرفيّة» التي تسعى إلى منع الخطأ والانحراف وتماحك الاستعراضيّات وتنبذ القشريّة وتنتصر للأصالة والجوهر وكلّ ما يتّصف بالعمق والتحليل والمقارنة والبحث والاستدلال والاستقراء. وبالطبع فإنّ المقصود من «الرقابة المعرفيّة» الرقابة العلميّة المنهجيّة كما هو ظاهر العنوان.

وهكذا أيضاً عثرت على ضالّتي في البحوث العلميّة والفكريّة والمعرفيّة التي تجعلني استشعر الحاجة نتيجة جهلي وضعفي ، فاُحاول ردم الهوّة وكسر الفجوة التي جعلت منّي إنساناً جاهلاً ضعيفاً.

وأرغب ألاّ أتخلّف عن ركب الحاضر في مختلف شؤون حياتي ، مشترطاً على ذاتي الحفاظ على الاُصول والمبادئ التي أعتقد بها.

أرفض الصنميّة والببغائيّة والحربائيّة والتزلفيّة وذلّ التبعيّة وكلّ ما يصادر عزّ الشخصيّة والكرامة الإنسانيّة ، كما أرفض الاستبداد ومصادرة الحرّيّات المشروعة.

١٩٩

ولي تحفّظٌ على كثير من الظواهر والأفعال والأساليب التي أراها لا تنطبق مع قيم الدين والشريعة ; ولا حاجة إلى التصريح بها لعدم توفّر الفضاءات المناسبة لها ، ولقد دوّنتُ ما ليس بالقليل في هذا المضمار ، سواء عبر المقالات ، أو القصاصات ، وقد تسنح الفرصة والظرف للكشف عنها والبوح بها.

أعتقد أنّ الكلمة الواحدة أو الجملة والصفحة قد تفعل من التأثير ما لا تفعله المجلّدات الضخمة والموسوعات الكبيرة ، مع إجلالي للأعمال الكبيرة التي رفدت الفضاءات العلميّة والثقافيّة بالأفكار والقيم الإنسانيّة السليمة. وفي عصرنا الراهن أجد بالغ الحاجة إلى النتاجات المختصرة المفيدة ذات الأساليب والأشكال الجذّابة التي تمتع القارئ إطاراً ومحتوى.

وما عاد الاجترار والتكرار والاستعارات المملّة والإطالة بلا طائل والاختصار الغامض ذات نفع. كما أنّ الآثار التي تروّج للتخندق بكافّة أشكاله والعنف والانحلال وإهمال الطفل والحطّ من شأن المرأة ... قد بات سوقها مهجوراً.

إنّنا نفتقر الآثار التي تحرّكنا وتثير فينا رغبة الرجوع إلى الفطرة ، إلى الحبّ والوئام ونبذ الحيف والذلّ ، إلى التنافس الشريف لبلوغ المراتب الإنسانيّة النبيلة.

نفتقر الآثار التي تحاكي القلب والعقل والضمير باُسلوب وبيان شيّق

٢٠٠