🚘

نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

تتّسع آفاقه فيمنحك شهيق الأمل ويستوعب زفير الألم الذي يكاد يقضي على كلّ ما تبقّى لك في حياتك.

إنّها غربة الروح ووحشة الوحدة ومرارة البُعد ; غريبٌ أنت بين أهلك وخلاّنك ، وحيدٌ وسط زحمة ناسك وأحبّائك ، بعيدٌ وأنت قريبٌ من صحبك ورفاقك ، مفارقٌ أنت في عين اللقاء ; إذ سافر العشق ورحلت المودّة وحلّ الجفاء ، رحل الحبّ وهُجِرت المبادئ الشمّاء ، فلم تبق إلاّ الأطلال والأماني وذكريات تلك الآناء ... سافر الجمال ولا أدري هل من إياب ، هل من كرّة اُخرى فينتعش العمر وتحلو الأيّام ويحلّ اللقاء ...

١٦١

نقد الذات / ١

لا أشعر بأنّ لي في قلوب الذين اُحبّهم ـ وأنا اُحبّ الناس كلّهم ـ مكاناً وموطئاً ، ناهيك عمّا يعلو ذلك.

نعم ، لست واثقاً أبداً من ذلك ولن أدّعيه قطّ ، وما شعوري إلاّ شعور ذاك الذي لم يكره من الناس أحداً لكنّه عانى ولا زال يعاني أزمة حبّ الناس له ، رغم تواصل الدعاء والابتهال إليه تبارك وتعالى بحبٍّ متبادل وصلح وسلام قائمين على المودّة والإخلاص والوفاء.

كثيراً ما أوعزتُ السبب إلى خراب نفسي واعوجاج ذاتي ، فأنا بحاجة إلى عمليّة تغيير أساسيّة كي استحقّ الحبّ والتكريم والاحترام ، تغيير اُرمّم فيه ما فسد واخترم من روحي وأعماقي وحنايايي.

مشكلتي أنّني لا اُفكّر إلاّ بما : أقول وأفعل واُقرّر ، متغاضياً عمّا يقول الآخر ويفعل ويقرّر ، فتشمخ ثلاثيّتي بناظري وأحاسيسي ـ وحتى عقلي ـ أيَّ شموخ ، وتبقى ثلاثيّة الآخر متواضعة في حساباتي ، وما قادني إلى ذلك سوى استبدادي وغطرستي وغروري ، إنّه «جهلي» ; فلو

١٦٢

امتلكت قليلاً من الجرأة للتعبير عنه والإفصاح إفصاحاً منصفاً عمّا يجول في أروقة ذاتي من قناعات وتوجيهات ومعادلات شادتها العزّة بالإثم والشهوة وحبّ الاستعراض ... لَما آلَ الحال إلى هذا المآل.

لا أروم الحطّ من وجودي أو الخدش بالكرامة الشخصيّة والجلال الذاتي بقدر ما هي صرخة ضمير ونداء عمق ومرارة حنايا قد تجعلني اُصوّرها وكأ نّها وخزة وجدان إثر تراكم أخطاء وآثام وغفلات وإهمالات لم أسْعَ إلى علاجها بالشكل والاُسلوب والمحتوى الصحيح ، فصارت تهاجمني بين الحين والآخر بأساليب وأطوار مختلفة.

ولعلّ عزائي الوحيد أن يكون ما ينتابني من إحساس وشعور محفّزَ التصحيح والتأسيس لمشروع إصلاحي بالاتّجاه السليم.

١٦٣

نقد الذات / ٢

لأكثر من مرّة ومرّة أروم الكتابة فلا أعرف ماذا أكتب ، بل أجدني لا أعي شيئاً ، أتعثّر بحجار الجهل وأكاد أهوي بفعل الخيال ووهم الوعي إلى قاع الحضيض.

نعم ، لقد فعلت «الأنا» فعلتها معي فأسقطتني في شباك الغرور وأنستني حالي وحقيقة أمري ، حقيقة كوني مجرّد حاب بين من يَحبُون ، هذا إن كنتُ حابياً صدقاً.

فهل لي أن أستفيق فأرفع الخلل وأجسر الهوّة وأمشي بخطىً سليمة نحو غايتي ومقصدي؟

ولعلّ الذي أوقعني في الفخّ استعجالي المعرفة وقفزاتي الطويلة لتجاوز مراحلها ، فما علمتُ أو تجاهلتُ أنّ ثمن الوثب الطويل نفيس ، فخسرتُ العمق وأدركتُ بأنّ السير اُفقيّاً وعموديّاً لا ينفعني أبداً ، إنّما ضالّتي تحت قَدَمَيّ لا فوق هامتي ، قَدَمَي المعرفة لا هامة الوهم والغرور ، فكان لابدّ لي من الحفر عميقاً لأتعلّم كيف أقرأ واُراجع وأستقرئ واُقارن

١٦٤

واُحلّل كي أستنطق وأستنتج ... لأفهم فهماً صادقاً ضررَ الأغلفة والقشور والمسارح وخاويات العروض.

وحينما شرعت بالتعلّم بدأتُ ـ طرديّاً وتصاعديّاً على شتّى الجهات ـ أستوعب مقداراً من معنى الاتّزان والتوازن ، اللذين يخرجان الفكر والممارسة من حيّز المراهقة والتأرجح والتهوّر إلى فضاءات النضج والثبات والتعقّل ، فوجدتُ كم قادني جهلي وغروري واندفاعي العاطفي إلى ارتكاب أخطاء ليس من السهل معالجتها وإصلاحها ، ووددت لو ترجع عجلة العمر إلى الوراء كي لا أجني على ذاتي وغيري بحماقات طالما أرّقتني وسلبتني لذّة الوسن وراحة البال ، ولقد بكيتُ وذرفت حمر الدموع لضياع السنين الكثر بين هذا وذاك. ولا أدّعي أبداً تخلّصي من مشكلات الذات وتوابعها ، لكنّي قد أدّعي حصول بعض التغيّر على صعيد التعامل معها بنحو فيه شيءٌ من النضج والاستيعاب.

أعترف بضعفي حيال المديح والإطراء ، فلا أتمالك نفسي وأكاد أطير فرحاً بمجرّد تلقّي شيئاً منهما ، مثلما اعترف بضعفي إزاء النقد والذمّ .. لكنّي في الثانية أكاد اُسيطر على أحاسيسي ، ولاسيّما بعد مضيّ بعض الوقت ، فيتحوّل النقد والذمّ إلى موضوع أتحدّى به ضعفي ومواطن الخلل والنقص في ذاتي ، وتغدو العمليّة برمّتها عمليّة إثبات وتأكيد حضور ، إثبات التغيّر بحضور فاعل وممارسة واعية تنير بقاع العتمة وتفتح لي الآفاق صوب معرفة حقيقيّة صادقة.

١٦٥

إنّ المعاناة والحاجة هي التي تثير الهمم نحو بلوغ الحلول ، تلك الحلول التي تصنعها المناهج السليمة عبر الأدوات المناسبة ; فلا يمكن للترف والمساوئ أن يصنعا فكراً خيّراً ; إذ ليس الفكر إلاّ عصارة التاريخ واللغة والعلم ، فلنا خصائصنا التي بها ومنها وفيها ننطلق لنلبّي الحاجة ونرفع المعاناة ، والذات هي مبدأ الحاجة وقطب المعاناة ، فالحلّ لابدّ أن يشرع بها لتضطرد الرحلة نحو الأكبر فالأكبر .. لكنّ الإشكال في أنّني أنسى وأتغافل الذات ـ بل ربما أعتقدها خارجةً موضوعاً لعدم افتقارها إلى الإصلاح والتغيير ـ فانطلق إلى ما سواها ، وحيث يصاحبني الخلل والنقص منذ الوهلة الاُولى فالنتائج فاشلة بلا ريب (إِنَّ اللهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ).

إنّ اعتنائي بذاتي قد يكون بفعل حبّي لها وغطرستي .. لكنّه قد يفسَّر أيضاً بأ نّه محاولة للإصلاح والتغيير ، ولعلّ الأرقى في القضيّة إيجاد الشفّافيّة الداخليّة التي تساعد كثيراً على تشخيص النقص والخلل ، ومن المؤكّد أنّ الحوار الذاتي الحقيقي إن حصل فإنّه سيكشف بوضوح عن الذات الموافقة والذات المعارضة ، إذ ليس من الضروري أن يكون «الآخر» خارج الذات ، فهو قابع أيضاً بين ثناياها بلا شكّ ، بل هو منها وتكوينٌ من تكويناتها ، فلا مهرب من الصراع ، ولا مخلص من مفترق الطريق ، والانتخاب تابعٌ لمقدّماته.

مشكلتي أنّني أكذب واُنافق وأخون وأسرق وأتزلّف وأتحامل وأكره وأنتقم وأستكبر وأمنّ وأتصنّم وأتذيّل وأظلم وأتجاوز ... بما لهذه

١٦٦

الموضوعات من معاني ومفاهيم وبما فيها من آراء واجتهادات .. لكنّ غطرستي تمنعني من الارتداع ، الأمر الذي جعل «مبدأ التبرير» مستشرياً طول التاريخ ، مغروساً في ذواتنا ، مخلوطاً بدمائنا ، ممتزجاً بلحومنا ، مهيمناً على أفكارنا وعقولنا وقلوبنا ومشاعرنا. ولا منفذ نحو الحلّ سوى السعي لإيجاد الفضاء المناسب للحوار الذاتي الشفّاف ، نعم إنّه سوى منفذ ، أمّا الحلّ والنجاة فهما بالانتخاب السليم.

١٦٧

أسَدٌ على غيري نعامةٌ على ذاتي؟!

إنّها معاناتي فلا يزر وزرها سوى ذاتي .. نعم ، أنا الشخصيّ المقصود هنا بعظمي ولحمي ودمي ، لا النوعي ، فلا أهرب من قدري وحقيقتي ; هي الأحزان والهموم أبثّها علّني اُخفّف من ثقلها واُزيح من كاهلي بعضاً منها ..

فأنا إنسانٌ عاديٌّ جدّاً ، شأني شأن الكثيرين غيري : جوارحي تعمل ، ذهني يرقب ، يرصد ، يلحظ ، يسجّل ، يحفظ .. بحصيلة ذاكرتي أقرأ ، اُراجع ، أستقرئ ، اُقارن ، اُبعثر ، اُحلّل ، أستنتج : منتقداً تارةً ، مآلفاً اُخرى ، متوقّفاً ثالثة .. بالقلم أو اللسان أو القلب أو ...

لكنّي إزاء كلّ هذا الجهد والوقت الذي أصرفه لرصد هذا وذاك ، لمراقبة سائر الأشياء هلاّ منحتُ الشقّ المناوئ من ذاتي نزراً يسيراً من فرصة إبداء الرأي وحرّيّة التعبير المنطقي ، ثم المراجعة وتواليها من النقد والتوقّف والتأمّل؟! بعبارة اُخرى : هل لي الجرأة والشجاعة والإنصاف والصدق في نقد ذاتي مثلما أنقد غيري؟

قلّما اُمنَحُ فرصة المناجي ربّه معترفاً مقرّاً مذعناً بالضعف والآثام ،

١٦٨

بكلاكل الغفلة والذنوب العظام ، معجونةً بدموع الآه والخشية والآلام ..

فحينما لا يخشع القلب ولا يُسمَع الدعاء ولا تشبع النفس ولا ينفع العلم ، حينما أحسد وأخون وأكذب وأغتاب واُنافق وأغضب واُجافي وأرتدي لباس الحرباء وأتزلّف واُ أدّي دور الببغاء ، حينما أضيع بتوافه الدنيا وهموم الرغبة وأفتقد شوق القرب ولذّة التنسّك وسط هشاشة الاعتقاد وضعف الإيمان والتقاعس عن الوظائف والمهام .. لاعجب أن تجدني أتجرّأ العُتبى على الربّ الغفور الرحيم ، عتبىً قادني إليها كبري وغروري اللعين ، غافلاً متناسياً ما جنيتُ على نفسي من سوء تدبيري وجهالتي الألعنين.

هذه حقيقة ذاتي المعذّبة العالقة في مستنقع الشهوة والخوف لا يواسيها سوى بصيص الرجاء ، رجاء الخلاص بفعل الحبّ الذي ليس عليه أيّ غبار ، حبّ العترة الطاهرة الأبرار.

لطالما وجدتُ أنّي عبءٌ على نفسي وعلى غيري فلم أعد أتحمّل عبء النوم وعبء الاستيقاظ ، وجدتُ أنّي رغم طول تضرّعي وابتهالي أجهل : من أين ، في أين ، إلى أين .. فأغرق في حزني وتثخن جراحاتي .. ثم يعود ذاك الحبّ ليرسم البسمة على شفاهي البائسة ، فصار لي هو الأمل كلّ الأمل في أن أشفى وأبرأ من أسقامي وطعنات الصميم الدامي .. في أن أبلغ مرابع الأمان ومراتع الاطمئنان ورياض الجنان.

ما أروع وأجمل الظفر بتلك الطمأنينة الراشحة من ذاك الحبّ

١٦٩

القدسيّ الطاهر ، التي دونها كلّ شيء ، فلا غرو أنّها بمثابة المقام المحمود ، إن لم يكن التغاير بينهما مفهوميّاً ليس إلاّ ، ولا مندوحة إن هي ـ الطمأنينة ـ استلّتني من براثن القلق والحيرة والجهل والخشية محلّقةً بي صوب آفاق الراحة والحسم والمعرفة والرجاء.

ورغم أنّي ـ بحكم اعتقادي ـ أرى في الحبّ المعهود صكّ الضمان ووثيقة الأمان لكنّ هذا لا يعني بأيّ حال من الأحوال ترك النقد الذاتي بمعنييه الضيّق والواسع ; إنبعاثاً من مبدأ : «كونوا زيناً لنا ولا تكونوا شيناً علينا».

ثم في مقام النقد ، ليس الضابط والميزان والملاك أن أكون أسداً على غيري ونعامةً على ذاتي ، إنّما المحرار في أن أقطف ثمار العمر وتعب السنين لمّا استأسدُ على ذاتي وأستنعمُ على غيري ، كلاًّ بالتي هي أحسن.

إذن عليّ نفسي ، اُعالجها واُصلح ما فسد من دينها ودنياها ، فإن صلحت صلح المجتمع والاُمّة ، وإلاّ فدونهما خرط القتاد.

فلابدّ لي قبل القول والفعل والتقرير أن أحسم أمري مع ذاتي وما في أروقتها من منعطفات وعثرات ثم التحليق في فضاءات الغير وتسجيل الملاحظات وضبط الاستنتاجات.

اللّهمّ إنّي أعوذ بك من شرّ نفسي إنّ النفس لأمّارةٌ بالسوء إلاّ ما رحم ربّي.

١٧٠

رقابة الذات

كلّما حاولت الانسلاخ عن ذاتي وتقمّص سواها مجازاً كي أرقبها واُتابع سيرها واُسجّل الملاحظات عنها واُقيّمها قراءةً ومراجعةً ومقارنةً واستقراءً وحفراً وتحليلاً واستنتاجاً ... فشلتُ وعدت بخفّي حنين.

فمن المشقّة بمكان انتخاب وتوفير المنصّة الملائمة التي تشرف على الأفعال والأقوال والتقريرات إشرافاً علميّاً مهنيّاً محايداً ، ذلك على وجه العموم ، أو كما قد يُطلَق عليه أصالة الصحّة أو الفساد ، ناهيك عن إشراف الذات على ذاتها لترقب وتسجّل وتحاسب ، أو كما قد يُطلَق عليه قاعدة التجاوز والفراغ أو عدمهما.

إنّنا في زحمة «الانتماءات والمنافع والفتن والمخاوف والمطامح» نجد «الأنا» تستنهض كلّ أدوات الوقوف بوجه التغيير والإصلاح ، ولاسيّما أنّ «العناوين المذكورة» تشكّل تحالفاً استراتيجيّاً مدعوماً كلّ الدعم من المحاور العظمى والأقطاب الكبرى التي تعمل من أجل سموّ «الأنا» وشموخها واستعلائها.

١٧١

إنّنا إن تمكنّا من بلوغ الإشراف المثمر فإنّنا نستطيع توظيف العزم والثبات والإرادة والطمأنينة والتأمّل والسكينة في مواردها المتناغمة معها ، زمانيّاً ومكانيّاً .. الأمر الذي يفتح اُفقاً رحباً نحو معالجة وحلّ القضايا والمشاكل باُسلوب منهجي علمي موضوعي.

ولعلّ من أحرج وأدقّ وأشقّ محاولات الانسلاخ عن «الأنا» محاولة الانسلاخ الآني الفوري حين حدوث الحالات المستعجلة والاُمور الطارئة التي تستدعي حلاًّ ومعالجة فوريّة آنية ، خصوصاً مع وجود الشكّ والحيرة والتردّد ، فإن تجاوزنا محنة الأنا ـ التي هي أساس المشكلة الحادثة والطارئة المعهودة ـ وتمكّنّا من إجراء عمليّة الانسلاخ عن الذات ، كان الحصول على الحلّ والمعالجة والانتخاب السليم أكثر يسراً وأقلّ خطأً.

إنّ هيمنة الرغبة والكبرياء والهلع والغضب مع هشاشة الاُسس والقواعد وفهم المبادئ فهماً قشريّاً مسرحيّاً ، كلّها تخلق ظروف اللاّوعي ، لا وعي الحقائق والإيمان بالقيم السليمة التي تقود إلى برّ الأمان وشاطئ النجاة والطمأنينة ، آنذاك تصعب عمليّة الانسلاخ ، بل تستحيل ، فتنعدم أو تأفل مؤشّرات النمو الذاتي ويضيق المنظار آناً بعد آن وتصبح إنسانيّة الإنسان مهدّدة العنوان وفاقدة المحتوى.

لقد دجّنتنا الثقافة السطحيّة والفضاءات الاستعراضيّة على وثوقية مهلكة دوغمائيّة مخدّرة أماتت فينا أو شلّت حركة الاستدلال القائم على

١٧٢

المناهج العلميّة والأنساق المعرفيّة ، وصارت التعبّديّة البديل المؤلم والحلّ الجاهز لكلّ التساؤلات التي ينهض بها العقل ويرشح بها الفكر ، فاضمحلّت الإبداعيّة والابتكاريّة وحلّت مكانها التبعيّة الارثوذكسيّة المملّة ، وغدت المبادئ والثوابت والاُصول مجرّد أشياء معلّبة لا يمكن محاورتها والوصول إليها ومحاكاتها ، وصار الجديد جديد الغرباء ، أمّا نحن فلا جديد عندنا ; ذلك بفضل فضاءاتنا وثقافتنا التي جمّدت الجوهر الموّاج بالحركة التي لا تهدأ والنتاج الذي لا يتوقّف بلا أدنى شكّ ، فمن قال : إنّ النصّ لا يُحاكى ولا يرشح بالجديد الحديث؟! فهذا يعني أنّ مشروعنا الفكري الرسالي منحصرٌ زمكانياً ، الأمر الذي نقطع بعدمه ; إذ المشروع بنصّه وسائر أركانه جاء ليكون شموليّاً من حيث الزمكانيّة والمبادئ والمفاهيم ، بعبارة أوضح : إنّ المحتوى متجاوز لمشكلة الزمان والمكان ومجيب عن السؤال الكبير إجابةً تتجدّد كلّ يوم طبق الحاجة والظرف وتتناغم مع نموّ الحياة ورفعتها مع حفظ الثوابت والاُصول ، فالحضارة لا تشكّل برادوكساً مع المشروع أبداً ، بل هي حاجة ونتيجة من نتائجه ، ومبدأ القرية الكونيّة مبدؤنا لا مبدؤهم على ضوء ما جاء به الدين من نصّ ومضمون.

إنّنا إن وضعنا هذا الأساس بعين الاعتبار وصارت ثقافتنا تنأى عن الوثوقيّة وتقترب من الفضاءات العقلانيّة والاستدلاليّة العلميّة ، صرنا آنذاك جاهزين أكثر لممارسة عمليّة الانسلاخ المجازي ، الممارسة التي تبني قواعد محكمة على جادّة إرساء المبادئ والقيم والأخلاق السامية.

١٧٣

ولا ننسى أنّ البداية بداية الفرد ، بداية الذات الفرد ، ثم الذات الأوسع فالأوسع ، أعني : الاُمّة والإنسانيّة برمّتها.

* * *

للإنصاف والتاريخ نقول : رغم ما حلّ بنا من ظلم وحيف وتهميش وحذف ، مقرونةً بشتّى أساليب التحريف والتضليل والتشويه ضدّنا ، فإنّنا بقينا نتمسّك بعقلانيّتنا وحواريّتنا ، ونرفض الغلو والغنوصيّة ، ودعونا دوماً إلى إعلاء شأن «الدليل» تلقّياً وتجسيداً وترويجاً ، وإن ذهب بعض الضعفاء منّا إلى التشبّث بمسارات خارجة عن نطاق الدليل والعقلانيّة فهذا لا يعني انسحابها على الغالب الأعمّ ، فمنذ الأيّام الاُولى لبزوغ نور الرسالة رفضنا العنف والمواجهات الخشنة وآثرنا التضحيات الجسام حفظاً للدين والقيم والمبادئ ، وتحمّلنا ـ ولا زلنا ـ ألوان الضغط والترويع والإرهاب صوناً للفكر والمعرفة النابضة بمفاهيم السماء ودعونا دوماً إلى الحوار والحلول المنطقيّة للخروج من الأزمات والإشكاليّات والخلافات والصراعات التي نقع بها على طول الطريق.

ولا ندّعي أنّنا منسلخون دوماً عن ذواتنا ـ الخاصّة أو العامّة ـ لكنّنا ـ ولسنا جميعاً ـ نسعى ونبذل الجهد لفعل ذلك ، وطموحنا : تشكّل فضاءات تسير بهذا الاتّجاه ، ولا شكّ أنّها تسهم بشكل فاعل في تخفيف حدّة المشاكل بأنواعها وتؤسّس لقواعد الحوار العلمي المنهجي المؤدّي إلى ارتفاع مؤشّر نقاط التلاقي وانخفاض مؤشّر نقاط الاختلاف.

١٧٤

وقفة الذات

قلّما استشعر المتعة في حياتي ...

قلّما أجد من ينصفني في أدائي وسلوكي ، فما بين ركام من الزيف أعيش ، وعن الحقيقة اُفتّش وأبحث ، علّني أعرف ذاتي ، أعرف أدواتي وسبلي ، لستُ متأكّداً من كلّ شيء سوى من شيء واحد أتشبّث به كالغريق الذي يكادح الموت.

نشأتُ تبعاً لثقافة الآباء والأجداد ، لكنّها لم تكن سوى عبئاً ثقيلاً على كفاحي نحو بلوغ الحقيقة ، إنّها جرّدتني من روح التنقيب والفحص ومنحتني غذاءً جاهزاً مفروضٌ عليّ تناوله ، إنّها سلبت منّي الحقّ في الاستمتاع والمغامرة ، وشطبت من قاموسي معنى الخوف الذي دُعينا للوقوع فيه حين نستشعره ، فمن اللازم أن أعرف ، أعرف من أين أنا وفي أين وإلى أين ، هذه المعرفة التي يؤرّقني الجهل بها ولا أدري كيف ومتى أبلغها.

آه ، ما أكثر المدوّنات ، وما أكثر المشافهات والمشاهدات ، وما أكثر

١٧٥

ما خضناه في ميادينها ومظانّها ، لكنّا لازلنا قاصرين عن إثبات كثير من الاُمور التي نذبّ عنها ونضحّي لأجلها ، ليس سوى لأ نّنا ارتضينا تناول الغذاء الجاهز تعبّداً ، نحن لا نشكّك سوى في فهمنا ودركنا لا في شيء آخر ، هذا التشكيك الذي أضعفنا على صعيد البحث والاستدلال والإثبات وجعلنا نهتزّ ونضطرب وتركبنا الفوضى في الوهلة الاُولى ، سواءٌ حينما يهاجمنا المناوئ أو لمّا يؤاخذ علينا الموافق.

طريقنا للفلاح : التمتّع بثقة عالية بثقافتنا مقرونة بالمتانة والسكينة والاطمئنان ، وهذا ما لا يحصل إلاّ بتوفّر المقدّمات الممّهدة : من مناهج علميّة سليمة ورؤى معرفيّة صحيحة .. إلى الأخذ بعين الاعتبار دقّة الملاحظة والضبط والتجربة الكافية والقدرة على الحوار بنَفَس عميق وصبر ورغبة وشوق وأمانة في تحمّل المسؤوليّة ...

لا ننسى أنّ العلم ليس بكثرة التعلّم ، فكم من اُناس قضوا العمر بالتعلّم وحازوا على كمٍّ هائل من العلم لكنّهم لم يحسنوا الاستفادة منه ; إذ لابدّ من تآلف العقل والعلم ليكوّنا كياناً معرفيّاً متجانساً فاعلاً مؤثّراً.

ناهيك عمّن حملوا ورفعوا شارة العلم دون أن يتمتّعوا بأوّليات العلم والمعرفة ، وكلّما مرّت الأيّام ازداد هؤلاء كثرةً وسيطروا على الموقف ، ممّا أدّى إلى تراجع العمق والمحتوى تراجعاً مأساويّاً وتعالي القشور والمظاهر تعالياً كارثيّاً ، وصار البحث والفحص والحفر والاستقراء والتحليل والقراءة وفهم النصّ بلحاظ التطوّر الدلالي ونظائره والمقارنة

١٧٦

والاستنتاج ... أُموراً غريبةً بل مبغوضة لدى حاملي لواء المظاهر والقشور ، كونها تكشف زيفهم ومدى خوائهم ، فصاروا ـ بطبيعة الحال ـ أعداء العمق والمحتوى ومناصري الشعارات والاستعراضات ، ودجّنوا كثيراً من الناس بفعل الإمكانيّات التي اُتيحت لهم ، فعاش السواد الأعظم منّا عيشة الأوهام ، هذه الأوهام التي سرت في الاُمّة مسرى النار في الهشيم ، فكان أنْ تراجَعَ الوعي تراجعاً رهيباً ، وعمّ الجهل ، وآل الحال إلى ما نحن عليه الآن ، تسيّرنا الأهواء والمصالح أنّى شاءت ، لا نستطيع سوى التعبّد بميل هذا ورغبة ذاك ، أمّا القيم والاُصول فلا معنىً حقيقيّاً لها ، ناهيك عن التعرّف عليها وخوض غمارها بالمناهج العلميّة والاُسس المعرفيّة السليمة.

ناتج ذلك : طغيان النفاق والببغائيّة والصنميّة والحربائيّة والتزلّفيّة ... الأمر الذي يعني فقدان السلم والأمان وتضاؤل فرص النموّ والازدهار وغياب العدالة الاجتماعيّة وانتشار الفوضى والرعب والعنف ، ممّا أفرز مجتمعاً غابت عنه الرؤى والأفكار البنّاءة وانحسرت فيه الدائرة القيَميّة واهتزّت الاُسس والقواعد ، فتكوّن ذاك الفضاء الذي يموج بالتبعية والتقليديّة على حساب الإبداع والابتكار والاجتهاد.

ألسنا كذلك؟ علّنا نجيب بالنفي ، وهذا ما يجانب الواقع ويجافي الحال الذي نحن عليه ، أمّا حين الإجابة بالإثبات ، فأين الخلل وماهو الحلّ يا ترى؟

١٧٧

لا مفرّ من الشفّافيّة ، لا مفرّ من الجرأة المعرفيّة ، نعم تجب إزالة الحجب التي عشعشت على واقعنا الديني والثقافي والاجتماعي وأزاحتنا عن مراتبنا العلميّة والتأريخيّة وجعلتنا مجرّد ظواهر صوتيّة وصنعت منّا اُمّةً تندب ماضيها التليد وتتغنّى بنتاج الأسلاف المجيد ..

غير متناسين أبداً في جرأتنا المعرفيّة المنهج العلمي السليم في خوض غمار الشفّافيّة والاستفادة من الأدوات والآليات المناسبة للرجوع إلى الاُصول والاُسس والقواعد المجمع عليها ، مع الأخذ بنظر الاعتبار المتغيّرات الزمانيّة والمكانيّة وتجسيد تكيّف مقولة الدين مع هذه المتغيّرات بالحفاظ على الثوابت العَقَديّة والدينيّة والفكريّة.

حينها ستكون معركةً حامية الوطيس بين معسكر المظهر من جهة ومعسكر المحتوى من جهة اُخرى ، وسوف تسقط أقنعة وتنكشف حقائق ويظهر زيف كثير من الأشياء ، فتعجّ ـ آنذاك ـ فضاءاتنا بالحركة العلميّة النابضة شوقاً إلى بلوغ أرقى المراتب وأرفع القلل ، وتنشغل الأذهان والأحاسيس انشغالاً حقيقيّاً بكيفيّة الوصول إلى السعادة والكمال الإنساني المنشود.

١٧٨

التعارض الذاتي

حينما أرى البعض يمنحني مزيداً من التكريم والاحترام أشعر بأ نّه مخدوعٌ بظاهري ، فهو لا يعلم ما في باطني من مساوئ وقبائح ، ولمّا اُحاول بيان الحقيقة يعدّ ذلك من حسناتي ويزداد إعجاباً بي ; من باب أنّ الإنسان السليم متّهمٌ لذاته ، متواضعٌ ... ولو كان بإمكانه اختراق هذا الجدار الرقيق المنخفض الحائل ما بينه وبين حقيقتي عرف أنّي لستُ ذاك المتواضع المتّهم لذاته ، وللاذ بالفرار منّي.

كلّ ذلك ولا زال الظاهر حجّة ، فظاهري ـ أنا الإنسان السيّء باطناً ـ المقبول حجّة ، أيّة حجّة هذه التي انخدع الناس بها؟!

نعم ، ربما يقودني اعترافي هذا إلى حصول تيّارين داخل ذاتي : أحدهما موافق والآخر ممانع ، فيكون كلّ واحد منهما رقيباً على الآخر ، وإذا ما سارت الاُمور طبق القواعد المنطقيّة من المنافسة والرقابة السليمة فإنّ احتمالات النموّ واردة ، أقصد نموّ الباطن باتّجاه الصحيح ، ولعلّ العدّ التنازلي للمساوئ والقبائح يبدأ بالانخفاض ، فتسير الذات نحو المطلوب

١٧٩

سيراً حقيقيّاً ، وتتضاءل حدّة وخزة الضمير الناشئة من انخداع الناس.

علينا بذل كلّ الجهد لإيجاد الفضاء الذاتي من الحوار والنقاش والنقد ، فهو سبيلنا نحو الاُفق الرحيب ، اُفق الكرامة والكمال والفلاح.

١٨٠