🚘

نفحات الذّات - ج ٢

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ٢

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-973-7
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٥٦
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

ولابدّ أن نذكّر بأنّ المقصود بالضرورة من متعلّق الكرم والسخاء هو علم القيم والمبادئ ، والمراد بالحضارة والرقيّ هو حضارة ورقيّ الاُمم في دركها لعقائدها والاُصول الثابتة التي تؤمن بها ، فلا يمكن لنا بأيّ حال من الأحوال أن نعتبر المفاهيم التي تؤدّي بالفرد الإنساني إلى أسفل مراحل الرذيلة والانحطاط علوماً أو أصحابها ذوي ازدهار ورفعة ، فالسموّ هو سموّ الفكر الذي يأخذ بالإنسان إلى أعلى درجات الشعور والإحساس السليم ، أمّا ما يجرّ إلى الانحراف والسقوط في المتاهات المادّية فلا يجعل من الإنسان إلاّ كتلة من الشهوة وانعدام الشعور وسلب الإرادة.

وإنّك إذ ترى رجالاً سخّروا عقولهم وأذهانهم وكلّ طاقاتهم لخدمة مبادئهم وقيمهم ، فإنّك تلحظ آخرين غيرهم بخلوا بعلومهم على اُممهم ، وقبضوا عليه قبض الأسد على فريسته ، فكانوا وبالاً وكيداً على أهليهم ، وظلّ التأريخ يلعنهم أبداً.

فالملاك كلّ الملاك في نموّ الفرد والمجتمع معنىً ومعرفة ، الذي تتفتّح قنواته ومحاوره عبر الدرك الصحيح والفهم السليم للعقائد الحقّة والموازين الثابتة ، وهذا مالا يتوفّر لأيّ أُمّة إلاّ إذا امتلكت علماء ومفكّرين يبذلون بكلّ جود وسخاء عظيم جهودهم وغاية طاقاتهم لغرض إحيائها وانتشالها من واقع الذلّ والضياع.

ويعدّ فقيدنا الراحل العلاّمة المحقّق آية الله السيّد عبدالعزيز الطباطبائي (قدس سره) واحداً من اُولئك الذين تجلّى فيهم الكرم العلمي والسخاء

١٠١

الفكري بأجمل صورة وأدقّ معنى ، فهو مصداق الجود في ميادين البحث والتحقيق والثقافة ، والذهن المعطاء ، والعقل الذي ما امتنع من استضافة روّاده أبداً ، والأجود من ذلك أنّه كان يمدّ الآخرين بما استطاع عليه وإن لم يطلب منه ذلك ، أو كانت مشاريعهم ذات مشروعه ; ولا غرو في ذلك ، فإنّ تلك الصفات قد نمت معه بنموّ فكره وشمخت بشموخ همّته وعلوّ ذاته ; لإيمانه بمبادئ وقيم سعى طيلة عمره الشريف ومن واقع الإحساس بالتكليف الشرعي بالذود عنها والدفاع عن حريمها المقدّس ، فلم يألُ جهداً في اقتناء المزيد من العلوم وكسب الغزير من المعارف ، ثم ممارسة النشر والتوجيه وبرمجة الكثير من المشاريع والأعمال ، والتي تنصبّ كلها في خدمة المذهب والطائفة.

فكان (رحمه الله) العقل المدبّر والمشاور الأمين والدليل المطمئن ، الذي بقيت بصماته خالدةً على صفحات الفكر والفضيلة ، وقبساً يستنير به رجالاتها على مدّ العصور والدهور.

ومؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، كان الغرض من تأسيسها وإنشائها هو تحقيق جملة من الأهداف والغايات ، والتي من أهمّها : استقطاب علماء وفضلاء الحوزة العلمية والسعي للانتفاع من آرائهم ونظرياتهم.

ولم تتردّد المؤسّسة أبداً في منح غاية جهدها وصرف كبير طاقاتها لأجل الوصول إلى مقاصدها ونيل مرادها ، فكان أن ترجمت ذلك على

١٠٢

مستوى التطبيق والواقع ، فاستطاعت أن تمدّ عرى الترابط مع رجال الفكر والتحقيق والمعرفة ، وأن تفتح معهم أوسع القنوات وتبني أقوى المحاور ، فهم المرفأ الأمين والمنهل العذب والملجأ الكبير.

وقد أتاح نجاح هذه الخطوة شقّ الكثير من المنافذ ورفع العديد من الحواجز ، الأمر الذي ساهم بشكل فاعل ومؤثّر في طرح نتاجات رفيعة كمّاً وكيفاً ، وإنجاز المشاريع والأعمال التي يعسر القيام بها وإتمامها بهذا العرض الرشيق والمستوى المتين ، ممّا شهد له القريب والبعيد من كلّ حدب وصوب.

وبين الميزة التي امتاز بها السيّد المحقّق (رحمه الله) المشار إليها آنفاً ، وطبيعة الأهداف المنبثقة لأجلها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث والتي ذكرنا منها ما له صلة بالمقام ، تشمخ العلاقة الكبيرة والصلة الوثيقة والعلقة الروحية التي ارتبط بها الفقيد الراحل بالمؤسّسة ، فلا يخفى أنّه (قدس سره) قد سايرها منذ أيّامها الاُولى حتى لحظاته الأخيرة ، فأعطاها بقدر ما استطاع من كلّ ما اُوتي من علم وفكر ومعرفة وفضيلة ، فكان المبرمج والمشاور والدليل والمنفّذ ، حتى اعتُبر مرشداً روحياً وساعداً قويّاً أثرى المؤسّسة برائع إخلاصه وعظيم وفائه.

إنّ هذه الصلة الرصينة عبارة عن رحلة طويلة وقصّة شيّقة عاشتها المؤسّسة مع هذا العلم الفذّ لا تحيط بها السطور القليلة ولا تطويها فواصل البعد والفراق الكثيرة.

١٠٣

ولا ننسى تلك الرعاية وذلك الاهتمام اللذين كانا يوليهما (رحمه الله) لمجلّة تراثنا ، فكان لها ومنذ التأسيس حتى الفقدان والرحيل أباً كبيراً وموجّهاً قديراً ومبرمجاً خبيراً ، ناهيك عمّا أغدق عليها بروائع مقالاته ورفيع تحقيقاته ، فما كانت تطلّ المجلّة على روّادها من أهل العلم والتحقيق والمعرفة إلاّ ولمسة مضيئة من لمساته الخالدة قد زيّنتها وأضفت عليها طابعاً من المتانة والبهاء ، نعم إنّها بصمات الاُستاذ الفريد والمحقّق النحرير.

ونحن إذ نحيي الذكرى السنوية الاُولى لاُفول نجم من نجوم الفكر والمعرفة ، وعلم من أعلام الطائفة والدين ، نقول : إن كان لابدّ من كلمة تقدير وإطراء أو تجليل وثناء ، فكيف والكلم أعجز من درك المرام وبلوغ المقصود؟!

إنّه لم يمت ، وكيف يموت العطاء ويأفل الجود ويضمحلّ الكرم ويرحل السخاء؟!

كيف ، وقد بذل عصارة العمر لتروى بها سوح المبادئ والقيم؟!

لأجلك أيها العزيز تنزف القلوب ، وما عزاء الروح إلاّ مواصلة الدرب وبذل المزيد.

رحمك الله أبا جواد وأنالك واسع المغفرة والرضوان.

والحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على محمّد وآله العترة الميامين.

١٠٤

نعي العلاّمة الدكتور مصطفى جمال الدين (رحمه الله) (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين وصلّى الله على خير الأنام محمّد المصطفى وآله الحُجج الأطهار أنوار الدجى.

كيف يمكن للمرء في لحظات حزنه الاُولى أن يرخي عنان اليراع كي ينمّق أحرف الشجن والأسى ، بل كيف له أن يروّض أمواج العبرات التي تتكسّر على شاطئ القلب لوعةً ووجدا؟!

وما عساه أن يقول في فارس لوّى القوافي ليّاً ، حتى انكبّت له خيل المفردات تطاوعه أنّى شاء وأبى.

وماذا نؤبّن؟ أنؤبّن فيه العلم والفضيلة؟ أم الشعر والأدب؟ أم الهجرة والجهاد؟

__________________

١. كلمة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث بمناسبة رحيل العلاّمة الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين (رحمه الله).

١٠٥

نعم ، ترافقتَ أنت والرحيل كي تريح شعوراً مرهفاً وقلباً فسّرته الهموم والآلام تفسيراً.

هكذا شاءت قدرة المولى تبارك وتعالى ، فكان أن طالت يد المنون لتخطف ثمرةً طالما غذّت العشّاق بحسّها الدافئ وكلمتها الهادفة رؤىً من الحبّ والصفاء ممزوجةً بروعة الولاء والاخلاص.

نعم ، لقد غادر جمعنا هذا عَلَمٌ متأ لّق من أعلام الفكر والأدب والمعرفة ، وشاخص من شواخص الالتزام والاعتقاد.

رحل الشاعر الكبير والأديب الفذّ والباحث الجليل والاُستاذ القدير الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين إثر مرض عضال ألمَّ به لم يمهله طويلاً ، عن عمر ناهز السبعين عاماً ، صرف جلّها في اقتناء العلم والمعرفة وخدمة الدين ، حتى خلَّف وراءه نماذج رائعة وتصانيف جيّدة في مختلف فنون الفكر والأدب.

١٠٦

أربعينيّة العلاّمة الدكتور مصطفى جمال الدين (رحمه الله) (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الملك الحقّ ، والصلاة على الخاتم الأمجد والفخر الأرفع والناطق الأبلغ محمّد وعلى آله مهوى الأفئدة ، أسياد البشر ، والدرر الغرر.

لعلّ الخطب يهون لو كنّا نروم تسليط الضوء على جانب من جوانب شخصية العلاّمة الراحل الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين ، ولكن كيف وقد اجتمعت فيه ألوان العلوم وتلألأت في سمائه شتّى النجوم ، فالأمر صعب والترجيح مرير ...

أنكتب في نبله وشرف انتمائه وعراقة أصله؟!

فهو المنحدر من بيت النبوّة ، وسليل العترة الطاهرة صلوات الله عليهم ، والمترعرع في كنف العلم والفضيلة والتقى.

أم نكتب في شدة شوقه وتلهّفه لاقتناء العلم والمعرفة؟!

__________________

١. مقدّمة كرّاس «السيّد مصطفى جمال الدين بين التكريم والتأبين» الذي صدّرته مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث بمناسبة أربعينيّة الفقيه الراحل (رحمه الله).

١٠٧

فهو الظامئ الذي ما ارتوى من منابع الفكر والمعاني وبقي توّاقاً دوماً وأبداً لاكتساب المزيد من مناهل العقيدة ونميرها العذب.

إنّه الفاضل واللغويّ الكبير والمنطيق القدير ، صاحب المفاهيم العميقة والآراء السديدة ، الخائض في بحور التخصّص وأمواجها المتلاطمة خوض الخبير المجرّب الفذّ ، فيفصح عن راجحها ومرجوحها وسليمها وسقيمها ، بالنقض والإبرام ، إفصاح اللبيب الدقيق مع غاية في البيان وجمال الإتقان.

ولا ننساه سبّاقاً ساهم في إعداد جمله من البرامج التي تدعو إلى تطوير الاساليب والمناهج على مستوى الدراسات الدينية.

وإن شاءت الأنامل أن تكتب في شدّة إيمانه وروعة جهاده ...

فهو الموقف والكلمة الرافضة لكلّ ألوان الانحراف عن خطّ آل البيت (عليهم السلام) ونهجهم القويم ، الداعي إلى إزالة كلّ مواطن الذلّ والفساد ، وإن كان ساوم على مبدئه وعقيدته فما تراه قد هجر العراق وقلبه عينان تسكبان دماً وحزناً :

عينٌ تشبح إلى الوطن والأهل والأحبّة ، إلى جنان الأئمّة (عليهم السلام) والنجف وسوق الشيوخ.

واُخرى تذوب وهي تعايش البعد والغربة وأنين الفراق ومعاناة الرحيل بأمرّ المصاديق والصور ولكن دون ذلٍّ ورضوخ.

وبين شاهق العينين أملٌ يسمو وأحلامٌ تتراءى ، وما عزاء الروح إلاّ

١٠٨

القبض على جمرة الإيمان وصون الدين ، اللذين نمى بهما لحمه واشتدّ ساعده ، فأبى إلاّ أن يخلص لهما وينصهر فيهما.

وإن سار بنا المطاف أن نكتب فيه شاعراً ...

فهو بحقّ من أجلى وأوضح نماذج النفر الذين نزل بهم الاستثناء المنادى به في الآية المباركة : (وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * ... إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ...) (١).

وهو المثال الساطع الذي بدّد غيوم الوهم وأزال العجب من أذهان الذين تساءلوا عن كيفية الجمع بين الدين والشعر ، فتراه القلب الذي امتلأ حسّاً مرهفاً وإيماناً عميقاً ..

وقد جهر بها مراراً : «إنّ دين الإسلام الذي ينسَب له التناقض مع الشعر استعان في شتّى مراحله بالشعر والشعراء. وإن كان يثار على الشعر مسألة التخيّل والمبالغة والكذب ـ الأبيض طبعاً ـ وغيرها من أدواته التي تقتضيها طبيعة أساليبه ، فإنّ الإسلام بإقراره للشعر فهو يقرّ لأدواته ولغته الخاصّة أيضاً».

ثم يذكر (رحمه الله) الكثير من الشواهد ، نشير إلى واحدة منها هنا ، وهو قول النبي الكريم (صلى الله عليه وآله) :

«إنّ من البيان لسحراً ، وإنّ من الشعر لحكمة».

نعم ، لقد جمع السيّد الراحل بين الإيمان الديني العميق والحسّ

__________________

١. سورة الشعراء : ٢٢٤ ـ ٢٢٧.

١٠٩

الشعري المرهف بأروع الصور وأجمل اللوحات ، فيكفيك أن تقف وقفة تأمّل قصيرة مع بعض قصائده الولائية لترى عمق هذا الترابط ومدى تماسكه ..

اُنظره كيف يحلّق بك في سماء الولاية وأصالة الانتماء حينما ينشد في الغدير وصاحبه (عليه السلام) :

ظامِئ الشِعر ، ههنا يُولدُ الشِعـ

ـرُ ، وتنمو نُسورُهُ وتطيرُ

سيّدي أيّها الضمير المصُفّى

والصراط الذي عليه نسيرُ

لك مهوى قلوبنا ، وعلى زا

دِك نُربي عُقولنَا ونَميِرُ

نحن نهواك لا لشيء ، سوى أنّـ

ك من أحمد أخٌ ووزيرُ

وحسامٌ يحمي ، وروح تفدّي

ولسانٌ يدعو ، وعقلٌ يشيرُ

ومفاتيح من علوم ، حَباها

لك ، إذ أنت كنزها المذخورُ

أمّا في قصيدته «الحسين» فهو يمزج الولاء والحبّ والإيمان بأرفع الدرجات وأمتن المعاني آخذاً بك إلى الطفّ وأحزان كربلاء وسبي العيال وصبر أبي الأحرار (عليه السلام) على ما ألمّ به من الظلم والمصائب ، حتى تكون النتيجة : أنّ جهاده (عليه السلام) كانت قبساً ونبراساً ودرساً بليغاً وطريقاً رحباً يهتدي به السائرون نحو الخير والهداية.

ولكلّ ما مرّ ، فإنّه ـ وكما صدّرنا به الكلام ـ من الصعب الإحاطة بشخصية العلاّمة الأديب الفقيد الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين.

١١٠

ونحن على أعتاب مرور أربعين يوماً على رحيله ، كيف لنا أن نرثيه ولمن العزاء؟!

فإن كان أحدٌ أحقّ به فهي الطائفة التي فقدت فيه مفكّراً بارعاً وفاضلاً ماهراً ولغوياً كبيراً وشاعراً عملاقاً ، فكما قال هو (رحمه الله) :

كيف يرقى إلى رثاه البيان

وعلى شعره يعيش الزمان

لم يمت شاعر المعاني ولكن

هوّمت في ضلوعه الألحان

فلا يسعنا مرّة اُخرى إلاّ أن نعبّر عن بالغ حزننا لهذا الحدث الجلل ، وإنّنا إذ نشاطر الجميع همومهم وأحزانهم ، ندعو المولى تبارك وتعالى أن يأخذ به إلى رفيع درجاته وأن يسكنه عالي جنانه.

١١١

مصطفى جمال الدين بين التكريم والتأبين

بسم الله الرحمن الرحيم (١)

الحمد لله الواحد الصمد والصلاة والسلام على الرسول المسدّد والمحمود الأحمد ، أبي القاسم محمّد (صلى الله عليه وآله) ، وعلى آله الأخيار الحُجج (عليهم السلام).

سادتنا العلماء الأفاضل ;

إخواننا الأماجد ;

لا يغيب عن الذهن ولا يخفى على البال الدور الذي يضطلع به رجال العلم والفكر والمعرفة في رفد الحركة الثقافيّة بعناصر ديمومتها وعوامل بقائها والتي تمثّل بلا شكّ الوجه الناصع لمنهج ومبادئ أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام).

ويعدّ فقيدنا الراحل العلاّمة الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين الاُنموذج الدؤوب والمصداق الفاعل للعلماء الذين سعوا بكلّ حزم

__________________

١. كلمة مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث بمناسبة مرور أربعين يوماً على رحيل العلاّمة الدكتور السيّد مصطفى جمال الدين (رحمه الله).

١١٢

وصلابة إلى مدّ الساحة الإسلاميّة بأرقى عوامل الثبات والتصدّي للكثير من المناهج المنحرفة.

ولا غرو في ذلك ، فهو المقتني للعلم والفضيلة من أصفى منابعها وأجلى سبلها بهمّة يعلوها الإيمان بقدسيّة المواجهة ، التي هي فرع الاعتقاد الراسخ بسلامه العقيدة وأحقّية المبدأ وضلالة العدو.

وهو العالم المعلِّم الذي جاهد في بثّ ونشر ما اكتسبه من ألوان الفنون والمعرفة بأجمل وجه وأروع صورة.

فقد صنّف ـ رضوان الله تعالى عليه ـ من الكتب القيّمة والآثار الجليلة في مختلف المحاور ، الأمر الذي يكشف عن رقيّ منزلته العلميّة ومكانته الجليلة.

فمن مؤلّفاته :

البحث النحوي عند الاُصوليّين ، وهي اُطروحته التي نال عليها شهادة الدكتوراه من جامعة بغداد.

ومنها : الاستحسان حجّيته ومعناه ، الذي هو من المباحث الاُصوليّة التي فنّد فيها ـ رحمة الله عليه ـ الاستحسان بالدليل والبرهان.

ومنها : القياس حقيقته وحجّيته ، الذي هو من مباحثه الاُصوليّة أيضاً التي أبطل بها القياس بأوضح بيان.

ومنها : الديوان ، الذي هو عبارة عن ثلاث من مجاميعه الشعرية : عيناك واللحن القديم ، الحان الغربة ـ وهي قصائده التي نظمها في المهجر ـ قصائد عشتها.

١١٣

ومنها : الإيقاع في الشعر العربي ، الذي يبحث فيه أوزان الشعر العربي.

ومنها : محنة الأهوار والصمت العربي ، الذي تعرّض فيه إلى ما يمرّ به أهل الأهوار من جنوب العراق من الظلم والتعسّف دون أن يجدوا لمآسيهم اُذناً صاغية.

ومنها : عيناك واللحن القديم ، الذي هو أحد دواوينه المطبوعة سنة ١٩٧٢م.

ومنها : بحث في العين المرهونة ، الذي هو دراسة في الفقه المقارن.

سادتنا العلماء الأجلاّء ;

إخواننا الأكارم ;

لا ريب أنّ التلاقح العلمي هو من أهم الركائز التي تساهم مساهمةً مؤثّرة وعميقة في تنشيط الحركة الثقافيّة والفكريّة ، وفي دعم الجهود المنادية بصيانة ونشر الاُصول العقائديّة الثابتة التي لا تقبل الذلّ والمساومة بأيّ وجه من الوجوه ، الأمر الذي يحفظ للاُمّة وجودها ويرسّخ قيمها ومبادئها.

وانطلاقاً من الأهداف النبيلة التي نشأت من أجلها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ـ التي تعدّ الاستعانة بآراء رجال العلم والفكر والفضيلة ، وعمليّة استقطابهم والمشورة معهم ، من أركانها الثابتة الأساسيّة ـ فإنّ لنا مع الفقيد الراحل ارتباطاً فكريّاً شمخ وتوالى عبر

١١٤

السنين الطوال وأينعت له ثمارٌ وثمار.

ولفصليّة «تراثنا» مع الفقيد الراحل مشوارٌ ومشوار ، فمرّة تراه الكاتب الذي غذّاها ببعض روائع مقالاته وكتاباته ، واُخرى تراه المشاور الأمين والناقد الحريص الذي لا يهمّه سوى تطوير برامجها وتقوية محاورها.

ولا عجب في ذلك ، فهو الباحث القدير والفاضل الجليل الذي أضفى على حياته العلميّة بشتّى ألوانها روحاً تحقيقيّهً فتحت نافذة واسعة برز من خلالها علوّ كعبه وعظم شأنه.

وهكذا يتجلّى للعيان نوع العلاقة التي ارتبط بها جمال الدين ـ المحقّق ـ بمؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) ، التي تكنّ له بالغ الاحترام وكبير المنزلة ، والذي منحها بدوره روعة المديح وطراوة الثناء بأصدق حسٍّ وأروع شعور مبدياً إعجابه باُسلوبها الفريد ومنهجيّتها المبتكرة في عالم التحقيق ، ألا وهو اُسلوبُ العمل الجماعي الذي تبنَّتْه المؤسّسة في إنجاز أعمالها العلميّة والثقافيّة.

وله في ذلك أبياتٌ معروفةٌ لا يسعُ المجال لذكرها هنا.

كيف لا؟! وهو الشاعرُ الكبيرُ والأديب المتأ لّق الذي عرفته سوح الشعر والأدب فارسها المهيب ، وشمسها التي لا تغيب.

تغمّده الله بواسع رحمته وأسكنه فسيح جنّاته.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته

١١٥

أبوحسن مجلّة (١)

أرخصتُك دمعي كونك أغلى وأرقى ، حفرتك في ذاكرتي مصداقاً أستفيق به كلّما شغلتني دنياي عن آخرتي.

سكنتَ قلبي دون استئذان .. خالطت مشاعري بأبهى عنوان.

ماذا يجدر بي أن أقول فيك أيّها الغريب الذي أعرفه ، أيّها القريب الذي أجهله .. يامن رفضت ألاعيب المسارح والاستعراضات وميادين الظهور .. لكنّك ألقٌ رغم الستار ، ممشوقٌ رغم الغبار ; لِمَ لا؟! وأنت الذابّ عن حمى الولاية بذاك الثبات.

سافرت لتترك فينا لوعةً وروعة : لوعة المصاب وحزن الفقدان .. روعة الإنسان الذي أحببنا فيه النقاء والإيمان.

أبا حسن! ستظلّ حيّاً مادام نتاجك في الحقّ حيّاً نابضاً ومادامت ذرّيّتك الصالحة تقتفي أثرك وتسير على ذات الدرب الذي سلكته في سوح العلم والمعرفة ذوداً عن الحقيقة المظلومة.

__________________

١. أبو حسن ، السيّد محمّد عليّ الحكيم ، مدير فرع مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) في دمشق / سوريا ، الباحث ، المحقّق ، الكاتب ، كان لفترة طويلة مسؤول مجلّة تراثنا التي تصدرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) ، حتى تلازمت كنيته معها. كتبتُ هذه الكلمات بمناسبة رحيله رضوان الله تعالى عليه.

١١٦

ريحانتي

ابنتي ، نور عيني ، ثمرة فؤادي ، نبض القلب المحزون والفكر المشحون .. حبيبتي ريحانة ، مدلّلتي غرّيرتي ، رغم الشمعتين من عمرك الجميل ، وجدت فيكِ ما لم أجده في غيرك ، وعثرت فيك ما لم أعثر عليه في غيرك ، فلطالما احتجت الحبّ والحنين أيّام غربتي وليالي وحدتي ، ففتّشت الأماكن والعيون وكلّ ما استطعت من القلوب والعقول فما حصلت على ضالّتي ومرادي ، قَسَتْ عليَّ الاحتمالات بأجمعها ، فبقيت أنا وآلامي أنوء بوحشة العزلة ومرارة الجفوة ... وها أنتِ تجيئين لتضمدي جراحاً عتاق ، وتزيلي عن جبيني معاناة الوحدة والفراق ، وتغذّيني بحنين كحنين النياق.

فياوردتي هلاّ تكبرين؟ وهلاّ يكبر الورد فيزداد عطراً وجمالاً؟ وهلاّ تشمخين ، فلا يشمخ إلاّ العزّ والنبل بشموخ المعارف والأخلاق ديناً وولاءً .. ابتهلتُ ولازلت أبتهل في دعائي أن تكوني على غاية من السلامة : سلامة الجسم والروح والفكر ، على غاية الجمال : جمال الخلقة والأخلاق والبصائر ، على غاية من النجابة : نجابة النفس والثقافة

١١٧

والمبادىء .. فكوني كما ينبغي أن تكوني ، وجاهدي كي تصيري كما يجب أن تصيري ، تهزّك الفطرة وترجعك الفطرة وتهديك الفطرة وتنجحك الفطرة ، فطرة الله التي فطر الناس عليها.

في لهفة أنا ، في شوق غامر ، إلى ذلك اليوم وتلك اللحظات والحالات التي تستطيعين بها درك كلماتي وفهم مقاصدي ، فإن كنتُ على قيدالحياة فسعادتي لا توصف ، وإن كنت رحلتُ عن هذه الدنيا فرجائي أن تحفظي وصيّتي وعهدي وتكوني الفتاة والمرأة والزوجة والاُمّ والطاقة التي يُحتذى بها.

١١٨

ذلك الشيخ الكبير

مذ بدأت فهم الذي يريحني ويزعجني وددتُ لو أتفوّق في كلّ شيء حتى يشار لي بالبنان ، وتنطق الأفواه بمدحي وإطرائي ، فيعلو كعبي ويذيع صيتي ، وأتفرّد بين الناس بخصائص يفتقرها الآخرون.

خصائص الجمال والقوّة كانتا شغلي الشاغل ، وصرت أرى حينها أنّ توفّرهما يكسباني الذي أحلم به وأتوق إليه ، وقد أوليتهما اهتماماً خاصّاً ، وما كنتُ السبّاق فيهما لكنّي لم أكن متأخّراً بهما.

كلّما سارت قافلة السنين كلّما شعرت أنّ الذي أطمح وأصبو إليه شيءٌ آخر.

ولن أنسى أبد ما حييت تلك الألفاظ المشينة التي أسمعني إيّاها أحد كبار السنّ لمّا وصفني وأنا في تلك الأعوام الاُولى من العمر بما يوصَف به البلهاء الأغبياء ، كانت بمثابة البركان الذي هزّ وجودي وجرحني في الصميم رغم صغر سنّي ; إنّها كلمات جاوزت الأربعين عاماً لكنّها لم تزل حاضرةً في عقلي وقلبي وحناياي ، تؤلمني على الدوام ، لازالت تغلي في

١١٩

دمي وشراييني. كلّما أعود إلى الوراء أجد ذاك الشيخ قد أشعل في أعماقي جذوة الغضب والرفض والانتقام ، الغضب للكرامة المهدورة والمشاعر المجروحة والرفض لتلك الألفاظ القاسية التي كادت تطيح بآمالي وأحلامي وكلّ شخصيّتي ، والانتقام من خلال إثبات الخلاف.

ولعلّي إن حاولت دراسة تلك الأوصاف التي نُعِتُّ بها من باب علميٍّ نقدي فسأقتنع أنّ الأمر جار ضمن النسق والمنهج المعرفي الذي يتبنّى الفكر النقدي على أنّه عامل بناء لا هدم ، حتى وإن كان ذلك الشيخ الكبير لم يكن يعلم معنى الفكر النقدي وأدواته المعرفيّة ، لكنّه منحني الحصيلة التي تنتظم ضمن هذا السياق والمحتوى ، وأنا أيضاً لم أكن أعي الفكر النقدي وأدواته وخصائصه ، إلاّ أنّ معالجتي للمشكلة قد شكّل ـ بالإضافة إلى النقد المذكور ـ عبر نتائجها الملموسة معادلة متكاملة من البناء ; إذ آليت على نفسي ألاّ أهدأ عن التعلّم بشتّى الطرق والأساليب مادمت قادراً عليه.

إنّ كلمات ذلك الشيخ الكبير باتت الأصل الذي يتّكئ عليه حسّ الانتقام المعرفي في كياني وذاتي ووجودي ، وصارت الانتقادات التي تليها جارية على ذات النسق ، تزيد فيَّ همّة التعلّم ، ولم أكتف بالانتقادات على صورها المعروفة بل صرت ـ مثلاً ـ أرى في نجاح الآخرين بمشاريعهم العلميّة والثقافيّة والمعرفيّة والاجتماعيّة انتقاداً غير مباشر لي ولبرامج أفكاري وآرائي ، التي وجدتها في أكثر الأحيان دون المستوى الذي يتناسب مع حركة العقل والفكر.

١٢٠