🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

تفخر وتشدو : إنّه عليّ بن أبي طالب وكفى ما في سيرته وخطبه ورسائله وحكمه الواصلة إلينا من حقائق ومعاني ألهبت القلوب وأذهلت العقول ... من بناءات علميّة شاهقة وفضاءات معرفيّة مترامية وأبحر فكريّة موّارة غاصت فيها الأفهام لترتوي من معينها رؤىً أصيلة وبصائر عميقة ، إلاّ أنّها لازالت وستبقى تسبر الغور دون بلوغ التخوم البعيدة والأعماق السحيقة.

بالله عليك! بل اُقسم عليك بمن تعبد وتعتقد ، لا تكن بالضرورة مسلماً ولا شيعيّاً ولا توحيديّاً ، كن منصفاً فحسب ، دع الأحاسيس والعواطف جانباً ، كن عقلانيّاً منهجيّاً علميّاً فحسب ، فما الحصيلة يا ترى؟

ألا تشاركني الرأي في ما صدّرتُ وعرضتُ؟

وإن أشكلتَ عليَّ بقلّة البضاعة وتواضعها فمردّه إلى ضعفي وجهلي وعدم معرفتي بمَن لا يعرفه إلاّ ربّ العباد وخاتم الأنبياء.

٨١

وقفتان

الاُولى :

وأنا في خضمّ أداء آداب زيارة المولى أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) قفز بين شاهقَي ولائي ، بين عقلي وفؤادي ، تساؤلٌ جدّاً أعرفه واستفهامٌ قطعاً اُدركه ، ولعلّها حالةٌ من حالات تجديد العهد وتحديث الميثاق ..

تُرى من هذا المُوارى هنا؟ مثوى أيّ رجل هذا يا تُرى؟ حقّاً إنّه هو ذاك القريب البعيد ، النابض في أروقة الحياة نبض الدم في الشريان والوريد ، حقّاً إنّه هو هو ذو التاريخ المجيد بلا أدنى شكّ وترديد ، شاغل الماضي والحاضر والغد العتيد؟

أحلمٌ هذا الذي اُمنهجُ به اُسّ أفكاري وخبايا أحاسيسي ومظاهر ودّي من جديد .. كأ نّها محاسباتُ تكامل وتفاضل رياضيّة أنثر بها شمل اعتقادي ثم اُعيد صفّه ورصّه بعزم وحزم وتفاني فلا ينخرق ولا يصدأ من ثاني؟

٨٢

وأنا لازلت منهمكاً بنسك الولاء تداعى في ذاكرتي حضورُ عليّ بين ظهراني حياتنا بما زاد على عقود ستّ لا أكثر من عمره المنير الممتدّ مذ ذلك الحفر على اللوح الشهير بالألق المنقطع النظير البالغ ذروته في ملحمة الغدير وما تلاها من عصيان القوم المثير ... ثم ارتفاعه الربّانيّ عبر واقعة المحراب الذائعة الصيت وفجرها الشهير .. فأيقنتُ ثانيةً أنّ عليّ الماضي هو الذي يقودني اليوم إلى غدي الآتي ، غدي الراشح من صادق حبّي وراسخ اعتقادي.

الوقفة الاُخرى :

شاءت الألطاف الالهيّة ، ولعلّها الصدفة ، أن يكون محلّ جلوسي خلال لقائنا المرجع الدينيّ الأعلى السيّد علي السيستاني في الجهة المقابلة لمحلّ جلوسه مُدّ ظلّه .. وكعادتي في هكذا فرص ثمينة أسعى لاغتنام الوقت بالانشغال في النظر إلى وجه العالِم عموماً والمرجع خصوصاً التزاماً بنصّ الحديث ، استجمعتُ قواي كي أنقطع إلى التحديق طويلاً في محيّاه الشريف ، ولاسيّما حين قبض على شيبته المباركة وكأ نّه يرميني بخفيّ الطرف المهيب بنظرة الأب الشفيق ، حسبتُها هكذا فسررتُ هكذا ، ولعلّه لم يرني أبدا ، لكنّي حدّثتُ نفسي هكذا .. ولا اُخفي امتعاضي لمّا نادى المنادي بذاك النداء : انتهى زمن اللقاء ، غادِروا المكان يا أعزّاء ; إذ شحّ علينا بغنيمة إكثار البقاء.

نعم ـ وكما عهدته في أوّل لقاء حفلت به معه دام ظلّه قبل إثني عشر

٨٣

عاماً ـ له تهوي القلوب وتهفو ، وبه تحلّق الأفكار وتسمو ، سيماه سيماءُ المؤمن كياسةً وفطنةً وزهداً وحكمةً وعلما ، خُلُقاً وتواضعاً ونصحاً وتدبيراً أشمّا ، أمناً وسلاماً وفلاحاً ولمّاً للشمل لمّا ..

والحمد لله على ما أنعم وله الشكر على ما ألهم والصلاة والسلام على الرسول الخاتم وآله أسياد العالم.

٨٤

وجدتك يا علي

عشتك في يقظتي ، بكامل وعيي وصحوتي ، في ذروة عقلانيّتي وهدوتي ، منسلخاً من غنوصيّتي ، متحرّراً من تخندقي واصطفافي وعصبيّتي ، مسترخصاً أحاسيسي وعاطفتي ، مستنفداً أدوات المنهج المعرفي والبحث العلمي ، بدءاً بالألف حتى الياء : فاحصاً ، مستقرئاً ، مقارناً ، متمسّحاً ، مبعثراً ، حافراً ، مراجعاً ، قارئاً ، مستنتجاً ... غائراً في أعماق الزمن الغابر غور المحلّل المستنطق ، مستشرفاً آتي الأيّام استشراف العارف المتحقّق ، مستوعباً آنات الحاضر استيعاب الخبير المدقّق ...

حُكِمْتُ نهاية المطاف ، حكمني لصالحك قاطع الدليل وساطع البرهان وباهر الحجّة ، ناهيك عمّا للقرينة والشاهد والمؤيّد من تكثّر وحضور وعدّة ، فهيمن على أفكاري وتبادر إلى خاطري نصّ المعرفة «يا علي لا يعرفك إلاّ الله وأنا ...» واستيقنت أنّي مهما عرفتك فلم أعرفك إلاّ كمعرفة النسبي إزاء المطلق ; إذ هي حيال بحرك كالقطرة ، كالحرف قبال قرآن ينطق.

٨٥

حينها وجدتك أجمل ممّا في أحلامي وأوقع ممّا في أحاسيسي ومشاعري ، وأثبت ممّا في رواشح أفكاري وقطوف أبحاثي ، فيّاضاً فوق الأزمان ، معطاءً أنّى رامك إنسان ، غامراً فضاءاتنا حركةً لا تملّ ، شاحذاً هممنا عزماً لا يكلّ ، ناطقاً بلسان السماء نطقاً لا يخطأ ولا يزلّ ...

فكيف لا تكون أنت يا علي معنى الفهم والاستيعاب والفعل والانعكاس بأدقّ العنوان ، معنىً نصّبك به البارىء المنّان واختارك عدلاً للقرآن وإماماً لكلّ الإنس والجان ...

وكيف لا تكون أنت يا علي شاغل العقول وآسر القلوب ، منغرساً في عمق الضمائر والأرواح ، ضارباً فيهما ضرب الآخذ بهما إلى حيث مرابع الهدى ورياض الفلاح ، كهفاً يلوذ بك مسكينٌ ويتيمٌ وأسير ، مرفأً يرسو على ساحل إناستك وشاطىء جودك وبرّ كمالك طالبُ حقيقة إليها يرنو ويسير ، منقذَ مَهْويٍّ تشبّث بجناحك كي تحلّق به حيث الخلاص الأخير؟!

السلام عليك سيّدي ومولاي ياأميرالمؤمنين ورحمة الله وبركاته.

٨٦

ألسنا أتباع أبي تراب؟

لِمَ نخاف ونخشى؟ إلامَ كلّ هذا الوجل والاضطراب؟ ألسنا على حقّ؟ إذن لا نبالي وقعنا على الموت أم وقع الموت علينا.

ألسنا أتباع أبي تراب ، ألسنا على نهجه ورؤاه ، ألم نكتب ونقول ونقرّر : إنّنا سائرون بسيرته ، مطيعون لأفكاره وقيمه ، ذائبون فيه وفي الهداة الطيّبين من آله المنتجبين. أكان علي بن أبي طالب اُسطورةً وخيالاً ، أم إنساناً حقيقيّاً جسّد المبادئ والمفاهيم التي نادى بها محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) بغاية الرقي والإخلاص والوعي والشفّافيّة ، بالصلابة والحزم المنقطعي النظير ، بالقلب الرؤوف والشفقة الإيمانيّة ، بالعبقريّة الفذّة والحركة النابضة ، فكان قرآناً يمشي على الأرض ، قرآناً يهدي للتي هي أقوم ، وهل كانت رسالة الإسلام غير ذلك؟!

أجاب أبوالحسن عن سؤال الحياة الكبير بكلّ وضوح وجلاء. لم تأخذه في هويّته وانتمائه لومة لائم ، شمخ بالدين وفخر الدين به.

إذن لِمَ نحن ضبابيّون ، ألا زال حكم التقيّة فينا سار ولنا دولة ورجال وهيبة وأموال وفكر خلاّب.

٨٧

سئمنا البروج العاجية ، سئمنا من وصفنا لجمهورنا بـ «عوام الناس» ، آه لو علم هذا الجمهور ـ ولعلّني أراه يعلم ـ أنّنا مختبئون خلف القشور والمظاهر الكاذبة ، آه لو علم أنّ غالبنا لا يفقه شيئاً!!

هذا الجمهور الذي دائماً ما نستخفّ به قد أخذ بأيدينا إلى ما كنّا نحلم به ، صوّت لنا بنسبة نجوميّة قياسيّة ، فلِمَ نخشى هذه وتلك؟ أين ثقتنا بجمهورنا وثقة جمهورنا بنا؟!

فكما قال تبارك وتعالى : (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لاَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) لن ينفعنا بعدها فقهنا واُصولنا وعلم رجالنا إن لم نفعل شيئاً ، وسيلفظنا أبوتراب وآلة الأخيار لفظ قاطع غير مستأثم ولا نادم ، وسيطال رقابنا الغلاظ سيف الحقّ المحمّدي الذي يظهر ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجوراً ، لا فرق آنذاك بين المالئين لها ظلماً وجوراً سواء كنّا نحن أم غيرنا (مَالِ هذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا) نعم ، يحصي الصغيرة والكبيرة التي لنا أم علينا ، فلا نفوذ حالئذ ولا مجاملات ولا اُسريّات ولا رغبات ، الكلّ خاضع للملاك الساطع (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَ أَتْقَاكُمْ) ، سترحل الضبابيّة والشأنيّة والتورية والقشور والمظاهر والشهوات والمراهقات وتصفية الحسابات والغيظ والحسد وسائر الصفات الذميمة دون رجعة وتحلّ محلّها أخلاق المدينة الفاضلة التي طال انتظارها فطالت آهاتنا وآلامنا.

٨٨

ومضة فاطميّة

مَن قال : إنّنا فاطميّون فقط لتلك الظلامة وذاك الحيف ورضّ الضلع بين الباب والحائط وحرق الدار وغرز المسمار الحقود بكلّ ما أُوتي القوم من القسوة والترهيب المشهود؟!

مَن قال : إنّنا فقط بكّاءُون لطّامون محزونون لهول ما حلّ بالآل وبضعة المختار المحمود؟!

مَن قال : إنّنا فقط أُناسٌ هوّمت عليهم عواطفهم وأحاسيسهم فاندحرت بها أدوات العقل وقُذِف بالعقلانيّة خارج الحسابات والحدود؟!

مَن قال ...

كلاّ ... فنحن فاطميّون لعلّة تامّة من أسبابها :

أنّها هي الزهراء أحد المعصومين الأربعة عشر ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرا ، أنوار الهدى والميامين الغرر.

أنّها هي البتول ريحانة المصطفى وحليلة المرتضى وأُم المجتبى وشهيد كربلاء وزينب الحوراء.

٨٩

أنّها التي صرّح الخاتم الحبيب فيها إجلالاً لمنزلتها وتعظيماً لشأنها وتفهيماً لقدرها : أُمّ أبيها.

أنّها المرأة الأكمل على مرّ العصور والأزمان بالنصّ المتواتر وجلىّ البرهان.

أنّها نمير الدين الصافي واُسّ الولاية الراسي ونبع القيم الوافي وبيان الرؤى الشافي وسرّ الله الخافي .. منها ترتوي العقول وفيها تذوب ، بمائها الرقراق تنتعش الآمال وإلى الغد الموعود تحيا القلوب.

أنّها التي حكمت حاكِمَ زمانها بأتقن الدليل وأوضح الشاهد والمعاضد بتلك البلاغة الفائقة والفصاحة الرائعة والمضامين السامقة ، فأسّست للحوار الهادف منهجاً رائداً وللذود عن الحقّ مسلكاً فائقاً لازالت بركاته تغدق علينا بوافر الفِكَر وغوالي الدرر ... لم يمنعها من الصدح بالحقيقة جورُ السلطة وفضاء العنف والترويع وحذف الآخر.

أنّها اُنموذج المسلمة المؤمنة العارفة العالمة التي تعي ما للمرأة من حقٍّ وحقوق وما عليها من واجبات وأُمور إزاء الأُسرة والمجتمع والأُمّة جمعاء.

أنّها النور القدسي والفيض الإلهي والحضور السرمدي ، دفء الأُمومة وحنانها الأبدي ، إليها نلجأ وبها نحتمي ونلوذ كلّما اعتصرت قلوبنا وحارت أفكارنا وتشتّت سبلنا.

أنّها الرمز والشعار والمحتوى والعنوان ، بكلّ ما لهذه الأحرف

٩٠

والكلمات والألفاظ من معنىً ومفهوم كنّا ولازلنا نهتدي بهداه ونطوف حوله ونفخر به ونباهي ، على طول الدهور والأيّام والليالي.

فنحن المفجوعين العاطفيّين العقلائيّين العقلانيّين ... كلّنا فاطميّون.

فسلامٌ عليكِ أيّتها المحتسبة الصابرة الممتحنة يومَ وُلدتِ ويوم استُشهدتِ ويومَ تُبعَثين حيّةً شفيعةَ محبّيك فاطمةَ مواليك من لظى ذاك الموقف العظيم آخذةً بهم إلى جنّة المأوى والنعيم المقيم.

٩١

ومضة حسنيّة

سيّدي أبا محمّد أيّها الحسن يا ابن رسول الله

اللسانُ المفوّه بوصفك قاصرٌ ألكنُ وسامقُ الكلم لازال عن نعتك أدونُ ورائعُ البيان لمجدك الأروع أذعنُ.

أيّها المجتبى! ليت شعري كيف استقرّ القوم على ظلمك ظلماً ما فتىء يحفر الأضلع منّا جرحاً في الصميم؟!

لا ، بل نحن ظلمناك حين أسلمناك طوراً لظنون وطوراً لأوهام زرعتها تلك الذراع وذاك الحقد اللئيم.

ما عرفناك وما عرفنا أسبابك وعللك حيث صرتَ القربانَ لنبقى ، حيث يظلّ الدين ويحيا ، حيث يظلّ سرّك سرّ الله الذي لأجله قدّمت المهجة والنفسا.

طلّقتَها بكلّ ما فيها ، بكلّ زخارفها ، بكلّ مفاتنها ; إذ أنت لذوي المعنى مصداق التجلّي ومرآة الحضور ، وأ نّى لمثلك سوى الحبّ والبرّ والفيض الدوّام أبد الدهور.

٩٢

سيّدي حاشا لك أن تساوم ; حتى الذين خذلوك والذين ناووك يعلمون علم اليقين أنّك خُلِقتَ من طينة ونطفة كُتِب عليها أن تصمد وتصبر وتقاوم ، فالعِرْقُ الذي أدركك من فاطمة وعلي عِرْقُ النبوّة والعصمة والولاية يا خير إمام وقائم.

ما قيمة الدنيا والسلطة وكلّ الأشياء إن نازعتك القيم والمبادىء ونبل الاُصول وشرف الإباء؟!

انسلخت أيّها السبط عنها ولم تنسلخ لها حين رأيتَ ورأت السماء عزَّالدين والمؤمنين وسلامة الناس أجمعين لا تدوم إلاّ بالجود بكلّ ما هو غال وثمين ..

فسلامٌ عليك سيّدي يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّاً ورحمة الله وبركاته على العالمين.

٩٣

ومضة حسينيّة

أربعة عشر قرناً مضت على وقعة الطفّ الشهيرة ، طفّ كربلاء العراق ، ففي زمن حكومة يزيد بن معاوية وفي العاشر من شهر محرّم الحرام سنة ٦١ هـ ـ الذي اشتهر فيما بعد بيوم عاشوراء ـ قُتل الحسين بن عليّ بن أبي طالب وسبعون ونيّف من صحبه ، في معركة غير متكافئة العدّة والعدد ، طرفها الآخر الجيش الاُمويّ ذو الثلاثين ألف جندي ، المدجّج بأرقى وأحدث أنواع الأسلحة والإمكانيّات آنذاك.

نعم ، هي معركة حُسمت عسكريّاً لصالح الجيش الاُموي خلال ساعات قلائل ، فقُتل جميع مَن في معسكر الحسين بن علي وسُبي واُسر سائر مَن بقي من رحله نساءً وأطفالاً ، ولم ينج من الرجال سوى عليّ بن الحسين المعروف بزين العابدين.

إنّ المخيال البشري والذاكرة التاريخيّة تنطويان على العديد من النماذج والمصاديق المماثلة لهذه المعركة وما آلت إليه من نتائج ومآسي ، بل وربما أشدّ تراجيديّةً وعنفاً وقسوةً ، فما أكثر الرؤوس التي قُطّعت والنساء التي سُبيت والأطفال التي يُتّمت على مرّ العصور والدهور حتى

٩٤

يومنا هذا ، بل لازلنا نسمع ونشاهد قطع الرؤوس وسبي النساء وغارة الأموال و ... بإسم الدين ، مثلما قُتل الحسين بن علي بإسم الدين حينما اعتبره الاُمويّون ـ بما فيهم أتباع هذا الرأي حاليّاً ـ خارجاً على إمام زمانه الخليفة يزيد بن معاوية ، المنصَّب توريثاً بقوّة السيف والمال ، والذي تواترت فيه الروايات بارتكاب المحرّمات ، كشرب الخمر وقتل النفس المحترمة وزنا المحارم وغيرها من الموبقات.

إذن ، الحسين بن علي إنسانٌ مهزومٌ عسكريّاً ، خارجٌ على إمام زمانه ، ابن قتّال العرب ، فطبق الموازين الطبيعيّة لا يُذكرهكذا رجل إلاّ في السجلّ الواطئ من التاريخ ، ولا غرابة في ذلك على ضوء التقييم الظاهري ..

لكنّنا لو تفحّصنا الحقائق وقرأنا الواقع قراءةً معرفيّةً محايدةً لوجدناهما يحكيان إفرازات مذهلة لهذه الواقعة :

نعم ، شهرةٌ تعلّقت بالحسين لا نظير لها ، إجلالٌ مشرئبّةٌ معه أعناق العظام ، مثالٌ يحتذي به رموز العالم الكرام ، حضورٌ مشرقٌ لا يعرف الاُفول أبدا ، ألَقٌ لا يدانيه الخفوت مطلقا ، عشقٌ وذوبانٌ وهيام ، ألمٌ وحزنٌ وبكاءٌ مستشر على طول السنين والأيّام ، مصنّفاتٌ ، مدوّناتٌ ، بحوثٌ ، مقالاتٌ ، رسائلٌ ، مشافهاتٌ ، خطبٌ ، منابرٌ ، أفكارٌ ، رؤىً ، بصائرٌ ، ثقافاتٌ ، قيمٌ ، أخلاقٌ ... كلّها مستوحاةٌ من ملحمة كربلاء الحسين.

إذن ، صار الحسين بن علي أصلاً ، مرجعاً ، مصدراً ، ميزاناً ، مقياساً ،

٩٥

محراراً ، مختبراً لصدق الإيمان بالله المتعال والولاء لمبادئ الدين والأخلاق الإنسانيّة الغرّاء.

لك أن تتساءل مستفهماً فاحصاً : تُرى من أنت يا هذا الذبيح؟!

تسقط مقتولاً فتبسق منتصراً نصراً أزليّاً؟! لا! بل وتؤسّس وتبتكر ثقافة انتصار الدم على السيف .. اُختك المسبيّة أمست زينب السرمديّة ، سجّادك العليل زين العابدين بات ثورةً في الوعظ والدعاء والوعي لا تكلّ ولا تستكين.

إذن حريٌّ بك أيّها المراقب أن تكون عادلاً شجاعاً وتقول : أما آنَ للذين كفروا أن تخشع قلوبهم لذكر الله ، أما آنَ لزمن التدبّر والتأمّل الحلول كي يسبر الغور في معنى خلود الحسين المثير ، أيبدو الأمر عاديّاً أن يشمخ المهزوم الخارج على إمام زمانه هكذا شموخ سماوي ويهبط الهازم في الحضيض أيّ هبوط مأساوي؟! أليس بها معادلةً فوق مألوف التفكير البشري ، أليس تسلسل القضايا وتناسق المواقف وتناغم الأحوال وسير الاُمور وصرخة «فوالله لا تمحو ذكرنا» ورواشح الأحداث وديمومة التفاعل واستمرار العطاء ورقيّ الاستلهام وكلاكل الفيض السيّالة وحرارة التواصل الأخّاذة رغم مئات الأعوام المبعادة ، بكافية في التفكير والتسليم بكون دم الحسين سرّاً من أسرار الله تبارك وتعالى ، تلك التي يتعسّر دركها وحلّ لغزها وإلاّ ما كانت أسراراً؟!

فإن كنت ـ والعياذ بالله تعالى ـ من الذين اُشربوا العجل فهم على غيّهم باقون.

٩٦

وأمّا إن كنت معرفيّاً ، علميّاً ، قارئاً ، مراجعاً ، مستقصياً ، مقارناً ، محلّلاً ، مستنتجاً ، منصفاً ، فلا أظنّك ـ حيث تحلّق في رحاب الحسين وآفاقه المترامية ـ تخالفني الرأي في كونه ثقافةً ولا أعمق ، نهجاً ولا أروع ، ملاذاً ولا أأمن ، مصباح هدىً ولا أنور ، سفينة نجاة ولا أسرع ، عظيماً ولا أنبل ... في أنّ لقتله حرارة في قلوب الشرفاء والأحرار والمؤمنين لا تبرد أبدا ... في أنّك تُجري الدمع معي هتّاناً على إمام معصوم ذُبح ضمآناً كما يُذبَح الكبش لا لذنب منه بَدَر ، فكيف يرضى ونرضى لمثله مبايعة فاسق مثل يزيد الأشِر ، لذا خرج خروجاً بلا طمع ولا بَطَر ، يرنو الإصلاح في اُمّة جدّه محمّد سيّد البشر ، خرج وجوباً لإحياء فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

فسلامٌ عليك سيّدي أبا عبدالله يوم ولدت ويوم استشهدت ويوم تبعث حيّاً.

٩٧

من وحي الحسين

«لا يوم كيومك أبا عبدالله».

حديثٌ صحيح لا غبار عليه متناً وسنداً ، مرويٌّ عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام).

«كلّ يوم عاشوراء ، كلّ أرض كربلاء».

بيت شعر أو أساسه شعرٌ منقولٌ في كتب عدّة ، ولربما استوحي من بيت شعر في قصيدة «البردة» الشهيرة للبوصيري ، إذ يقول في البيت رقم ٣٣٩ من القصيدة :

كلّ يوم وكلّ أرض لكربي

فيهم كربلا وعاشوراء

بسبر الغور في العمق المعرفي وحفر المساحات العلميّة ، واستقراء الأدوات والآليّات المتاحة ، واستطلاع الاُفق الثقافي الرحب ، والتحقيق الخبروي القائم على الموازنة والمقارنة والتحليل ، مع الأخذ بعين الفهم الخلفيّات العقديّة والتاريخيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة.

بالتخلّي الموضوعي عن كلّ المؤثّرات البراغماتيّة والانتماءات

٩٨

المحدودة والأوهام الضالّة المضلّة ، على قاعدة المبادئ والقيم والاُسس الثابتة.

بالتعامل المنهجي النسقي مع الجديد ، الذي يحفظ الاُصول والثوابت ; فحركة العقل لا يمكنها رفضه ، الحركة التي نؤمن بها ولها عرصات كبيرة في وجودنا وضميرنا ..

بكلّ ذلك يمكننا استيعاب الاُطر والمحتوى والجوهر ، على ما هي عليه حقيقةً وواقعاً ، وهذا ما يفتح مجالات القبول والردّ والتأويل على أساس علمي معرفي متّزن الأدلّة والقرائن والشواهد.

إنّ المناقشة التخصّصيّة في الحديث وبيت الشعر المذكورين يرشح منها :

سياق تعادلي ، بمعنى إيجاد موازنة زمكانيّة انثروبولوجيّة للحصول على مفهوم المشابهة أو المقاربة بين ما جرى في ذلك اليوم الشهير وما جرى ويجري في أيّام اُخر ، فتغدو تلك البقعة المكانيّة كربلاء وذلك المقطع الزمني عاشوراء ، وهذا حسين وذا عبّاس وتلك زينب. ممّا يمنح الحوادث التكرّر ولو بالشبه أو التقارب المشار إليه ، وإذ تكرّرت خرجت من نطاق الاستثناء ودخلت حيّز الطبيعي العادي. هذا السياق يقودنا إلى التفكير بعامل التساوي بين الفضاءين ، فضاء ذلك اليوم وفضاء الأيّام الاُخر بلوازمهما وأدواتهما ومؤنهما ورواشحهما.

وقد ثبت بالدليل عقم هذا السياق وسخفه ; إذ المقرَّبات والمشبَّهات

٩٩

التي اُريد لها الوقوف على منصّة التعادل مع محور بحثنا آلت إلى الضمور والاُفول والنسيان نوعاً ، وأشدّ ما يضبط فيها أنّها رقم من أرقام التاريخ لا تستحقّ أكثر من حيّزها ومحتواها المحدود بها ، فلا آثار ولا تأثيرات ولا استنطاق ولا مراجعة ولا مرجعيّة ولا مصدريّة ولا حالات شعوريّة ذاتيّة تلازم النفس الإنسانيّة حتى يزداد أريجها الفوّاح في الحنايا والأعماق والأذهان والعقول يوماً بعد آخر ... كالتي تشعّ على مرّ الدهور والعصور قيماً ومبادئاً وأنساقاً وعشقاً وخيراً وبركةً وفلاحاً إثر ذلك اليوم المعهود إلى يومنا هذا ، فلقد حفر الفكر في هذا اليوم وبعثر وقارن وحلّل واستنطق وتمسّح واستحصل أنّ ذاك اليوم صار يوماً يساوي الزمن كلّه ، بل تجاوز الزمن وسما عليه وما قيمة الزمن بالنسبة إليه؟! صار الطفّ هو الدنيا بأسرها ، بل رقى عليها ، وما قيمة الدنيا بالنسبة إليه؟! فلقد قُدّر للحسين الذاتي والحسين الإلهي والحسين الشهيد أن يكون عدلاً للقرآن ، وأيّة مفردة من «المقرَّبات» و «المشبَّهات» يحقّ لها ـ وهي المعادلة فرضاً ـ أن تكون هكذا من القرآن؟!

أمّا أنّه «ثار الله وابن ثاره» فهذا ممّا يلكم الأفواه ويصمّ الأسماع .. إلى غيرها من المفردات القيميّة والمبدأيّة والانثروبولوجيّة المنحصرة في ذات الحسين والمتحقّقة له وبه وفيه.

إنّ التعادل إنّما يكون لو تساوت أركان الموضوعين الوجوديّة والعدميّة ، وهذا التساوي الموضوعي مفقود قطعاً في محلّ بحثنا ، بل البون

١٠٠