🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

وأضعف الحسّ المادّي لكي يتفرّغ لاستقبال تجلّيات الله وإشراق أنوار الحقيقة العظمى على ذاته ، فلا ترى بينه وبينها عائقاً ، ولا ترى عند غيره هذا الاستعداد الذي تراه عنده ، ومن يقرأ تفسيره لآية النور التي تدلّ على قدرة القادر وجماله وجلاله يرى الشيخ الطوسي وقد أصبح رمزاً في الوجود وخيالاً يلوح من بعيد وظلاًّ للحقيقة الأحدية التي يقوم كلّ شيء بسرّها وروحها (١).

ـ وكانت ثقافته ـ أي الشيخ (قدس سره) ـ وآراؤه موضع احترام القوم في عصره وبعد عصره ، فقد أثنوا عليه وعوّلوا على تصانيفه ، فقد أخذ العلم على جماعة عرفوا بالجمع والإحاطة ، فكان مَثَلَهم في الجمع والإحاطة.

على أنّه لم يكن متعصّباً ولا مقلّداً ، وإنما كان حرّ الفكر مستقلّ الرأي ، مع سماحة في النفس ونبل في الخلق.

وأمّا أُسلوبه فأُسلوب العالم المتّزن الطويل النفس ، والخبير بأساليب الحوار والجدل ، يعرض المسألة بإيجاز ، ويورد أحسن ما قيل فيها من الآراء والحجج ، ثم ينقد ويقوّم ويضعّف وينقض أو يقوّي ويستحسن.

ويمتاز الطوسي بالدقّة والأمانة في النقل والرواية ، فلا يذكر شاهداً إلاّ معزوّاً إلى قائله ، ولا خبراً إلاّ مصحوباً بسنده ، اللّهمّ إلاّ ما ذهل عن حافظته.

__________________

١. صالح عضيمة ، فنّ التعبير عند الطوسي ، الذكرى الألفية للشيخ الطوسي ، ج ٢ ص ٦٠٥ ـ ٦٢٠ (مطبوعات كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية ـ مشهد ١٩٧٥ م).

٦١

وحسبنا دليلاً على دقّته وأمانته تأليفه القيّم : التبيان في تفسير القرآن الكريم. ففي هذا التفسير نرى الطوسي بكلّ صوره العلمية ، ففيه صورة الطوسي المحدّث والفقيه والأُصولي والكلامي ، والطوسي الأديب النحوي اللغوي المرهف الحسّ الذوّاق لجمال النصوص القرآنية من جميع نواحيها.

ومن أحبّ أن يشاهد الصورة الحقيقية التي تمثّل جميع جوانب حياة الطوسي الثقافية فلينظر إلى التبيان.

إنّ تفسير التبيان للشيخ الطوسي يعدّ نموذجاً ومَثَلاً واضحاً لمقدرة الطوسي العلمية والثقافية ; إذ إنّه يمثّل بصورة رفيعة الثقافات التي اكتسبها خلال الأعوام التي مرّت في حياته (١).

ـ قد تحاشى الشيخ بقدر وسعه وطاقته من أن يجعل تفسيره لفرقة أو طائفة خاصّة فيكون مظهراً خاصّاً للعصبية الطائفية ، وبهذا السبب قد جاء تفسيره هذا كنزاً ثميناً للحقائق العلمية والمعارف الدينية ، وحقّ لكلّ من يريد فهم القرآن والتدبّر في معانيه من أيّ فرقة كان أن يستفيد من هذا التفسير الجليل على قدر استطاعته وأهليته (٢).

__________________

١. مرتضى آية الله زادة الشيرازي ، عرض للاتجاه اللغوي في تفسير التبيان ، الذكرى الألفية للشيخ الطوسي ، ج ٢ ص ٤٧٠ ـ ٤٧١ (مطبوعات كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية مشهد ١٩٧٥ م).

٢. سعيد أحمد أكبرآبادي ، الشيخ الطوسي ومنهجه في تفسير القرآن ، الذكرى الألفية للشيخ الطوسي ج ٢ : ٣٧٩ (مطبوعات كلية الإلهيات والمعارف الإسلامية ـ مشهد ١٩٧٥).

٦٢

منهج الشيخ (قدس سره) في التبيان

قال الشيخ (قدس سره) :

ولا ينبغي لأحد أن ينظر في تفسير آية لا ينبئ ظاهرها عن المراد مفصّلاً ، أو يقلّد أحداً من المفسّرين ، إلاّ أن يكون التأويل مجمعاً عليه ، فيجب اتّباعه لمكان الإجماع.

لأنّ من المفسّرين من حُمدت طرائقه ومُدحت مذاهبه ، كابن عبّاس والحسن وقتادة ومجاهد وغيرهم.

ومنهم من ذُمّت مذاهبه ، كأبي صالح والسدّي والكلبي وغيرهم. هذا في الطبقة الاُولى.

وأمّا المتأخّرون فكلّ واحد منهم نصر مذهبه ، وتأوّل على ما يطابق أصله.

ولا يجوز لأحد أن يقلّد أحداً منهم ، بل ينبغي أن يرجع إلى الأدلّه الصحيحة : إمّا العقلية ، أو الشرعية ، من إجماع عليه ، أو نقل متواتر به ، عمّن يجب اتّباع قوله ، ولا يقبل في ذلك خبر واحد ، وخاصّة إذا كان ممّا طريقه العلم.

ومتى ما كان التأويل ممّا يحتاج إلى شاهد من اللغة ، فلا يقبل من الشاهد إلاّ ما كان معلوماً بين أهل اللغة ، شائعاً بينهم.

فأمّا ما طريقه الآحاد من الروايات الشاردة أو الألفاظ النادرة ، فإنّه

٦٣

لا يقطع بذلك ، ولا يجعل شاهداً على كتاب الله ، وينبغي أن يتوقّف فيه ويذكر ما يحتمله ، ولا يقطع على المراد منه بعينه ، فإنّه متى قطع بالمراد كان مخطئاً وإن أصاب الحقّ (١). انتهى.

* * *

بناءً على ذلك يمكن القول : إنّ الشيخ (قدس سره) قد صاغ منهجيةً ورسم خطوطاً عريضةً لتفسيره لم يقفز عليها ولم يغفلها ، فبقي ملتزماً بها ومحافظاً عليها في أثره النفيس هذا.

وتتلخّص الأُطر العامة لمنهجه (قدس سره) في التبيان بما يلي :

١ ـ البحث عن اسم السورة ، والإتيان بأقوال عديدة بدلائلها وبراهينها روايةً ولغةً ، ثم يستأثر منها قولاً أو يأتي برأي جديد من عند نفسه ويبيّن وجوه ترجيحه.

٢ ـ الإشارة إلى عدد آيات السورة ، وإلى الاختلاف الحاصل بين القرّاء في العدد إن وجد.

٣ ـ بيان المكّي والمدني من الآيات في كلّ سورة ، مع ذكر أسماء بعض المفسّرين وآرائهم بذلك ، كما يبيّن (قدس سره) الأقوال المختلفة في كون الآيات مكّية أم مدنية.

٤ ـ الإشارة في أولائل السور أحياناً إلى وجود النسخ وعدمه.

__________________

١. محمّد بن الحسن الطوسي ، التبيان ، ج ١ ص ٢٤ ـ ٢٦ (طبع وتحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)).

٦٤

٥ ـ شرح الكلمات اللغوية واُصولها وتصاريفها ، ويستشهد على ما يقول بالشعر العربي مرّة بعد مرّة.

٦ ـ تقديم سلسلة من الآراء في بيان أسباب نزول الآية ، محاولاً التوسّع في ما هو الأقرب منها إلى الصحّة.

٧ ـ تقطيع السورة الواحدة إلى مقاطع ، كلّ مقطع يحتوي على آية واحدة غالباً ، ثم يقطّع الآية الواحدة إلى عدّة مقاطع أيضاً.

٨ ـ ذكر القراءات المختلفة بمعانيها النازلة عليها وبوجوهها ، وكثيراً ما يورد القراءات التي لا تعتمد على قول الأئمّة الذين يعتبر قولهم حجّة عنده وعند علماء القراءة ، ثم يتبع برأيه في آخر الأمر موجّهاً بالدليل. ولكنّه أجاز القراءة بأيٍّ من القراءات المشهورة ، ولم يعترض على واحدة منها.

٩ ـ شرح الكلمات اللغوية وأُصولها وتصاريفها ، وذكر آراء اللغويين والاختلافات الواردة فيها ، وقد يردّ على بعضها ، ويرجّح البعض الآخر ، كما ويطرح رأياً خاصّاً به مخالفاً بذلك الآراء المطروحة. وقد يستعين (قدس سره) بذكر الآراء اللغويّة لكشف المقصود من الآية ولبيان المعنى المستودع فيها.

١٠ ـ ذكر الإعراب وآراء النحاة ما يعينه على استيضاح معنى الآية وفهم المراد منها ، وهو في هذا المجال يناقش آراء النحاة ، ويردّ على بعضهم ، وقد يرجّح آراء البعض الآخر ، كما يورد أحياناً آراءً خاصّة به.

٦٥

١١ ـ الشعر ليس له أهمّيّة خاصّة في تفسير الشيخ (قدس سره) ، وإن أكثر الاستشهاد به ، كما وأ نّه لا يرقى لأن يكون حجّة لإثبات حقيقة دينية ، وإنّما يذكره لتأكيد المعنى ، أو تأييداً لاستعمال لغوي ضمن السياق القرآني ، وقد لا يذكر أسماء الشعراء الذين يستشهد بشعرهم. علماً بأ نّه لا يستشهد إلاّ بأشعار القدماء من العصر الجاهلي والصدر الأوّل.

١٢ ـ الاستفادة من عدد من الأمثال التي قالتها العرب في استيضاح بعض المعاني أو المفاهيم ، بلا إكثار منها.

١٣ ـ عدم الإسهاب في الكلام حول البلاغة ، ولعلّه (قدس سره) كان يشير إليها أحياناً دون عناية مشهودة.

١٤ ـ معنى الآية وتفسيرها يورده على النحو التالي : يذكر أولاً الأقوال المأثورة عمّن سلف ، أو الأحاديث المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) أو أهل البيت (عليهم السلام) أو الصحابة أو من دونهم من التابعين ، بأسانيدها. ثم يتحاكم بين الروايات إن كانت متعارضة بعضها ببعض ، ويتكلّم عن الأحكام الفقهية التي يمكن استنباطها من الآية المتعلّقة بها بشيء من التفصيل والإسهاب.

كما واستعان (قدس سره) في تفسير الآيات بذكر آيات أُخرى ; ليفسّر بعضها بالبعض الآخر ، طبقاً لمبدأ تفسير القرآن بالقرآن.

واستفاد من السياق والنظم بين الآيات لاستجلاء الكثير من المعاني من خلال ربط الآيات القرآنية بما قبلها من آيات كريمة.

وقد أكثر (قدس سره) من ذكر آراء المفسّرين ، ففنّد بعضها وناقش البعض

٦٦

الآخر ، ليردّ ما يردّ عن بيّنة ، ويقبل ما يقبل عن بيّنة ، وكان أحياناً يخالف جمهور المفسّرين داعماً رأيه بالدليل والبرهان.

١٥ ـ الردّ على أهل الكتاب ومناقشتهم في معتقداتهم ، كمناقشته (قدس سره) لأصحاب المدارس الكلامية من الإسلاميين ، واعتراضه على الكثير من مقولاتهم ، كما هو الحال في ردّه المعتزلة والأشاعرة والخوارج والمجبّرة والمشبّهة والمجسّمة والقائلين بأن المعارف ضرورية ، وغيرهم. كما وذاد بقوّة ومتانة كبيرتين عن الإمامية ومعتقداتهم.

١٦ ـ تجنّب التكرار المملّ والاختصار المخلّ ، وكذلك الإسهاب من غير ضرورة ، وبهذا كان (قدس سره) معتدلاً مقتصداً في كلّ ما طرح.

وبذلك يحقّ لنا القول : إنّه (قدس سره) قد رفد المكتبة الإسلامية والمعاقل العلمية والثقافية بمشروع ملتزم طبق الضوابط والمعايير التخصّصية الدقيقة ، بتفسير ذي خطوط عامّة ومنهج واضح ، راعى فيه ما اشترطه (قدس سره) من الأدلّة الصحيحة العقلية والشرعية ، أساسه النقد والمحاكمة والترجيح.

٦٧

الإساءة إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) والقرآن الكريم

منهج الحذف أم حذف المنهج (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

اتّخذت مناهج السماء منحىً تصاعدياً في دفع الإنسان شطر الكمال والفلاح ، فكان النصّ والخطاب يتعمّقان بمؤنهما وأدواتهما وآلياتهما مقطعاً مقطعاً تبعاً لتهيّؤ الإنسان عقلياً واجتماعياً وشعورياً ودينياً ، وكانت الذروة في القرآن الكريم والنبي الأكرم محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء والمرسلين ، فأغلق الدين الإسلامي الملفّ إلى الأبد وتربّع على عرش الرسالات الإلهية بإكماله كلّ المشاريع السابقة عليه.

هذا الحسم الواضح والانتخاب القاطع لم يكن وليد صدفة أو عبث أو هوى ، بل كان قراراً إلهياً جليّاً يحمل معه كلّ متطلّبات التكامل والتكيّف والاستمرار والتجدّد وتلبية الحاجات المشروعة ، فبقي الإسلام شجرةً مباركةً تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها.

__________________

١. كلمة العدد ٩٣ ، السنة الرابعة والعشرون ، فصليّة تراثنا ، التي تصدرها مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث.

٦٨

الإسلام الذي جاء بمنظومة قيَمية مصيرية هدفها قيادة الإنسان وبرمجة شؤونه المعرفية والاجتماعية والاقتصادية ، فكان من الطبيعي وهو بهذا الحجم الكبير والمهامّ العظام أن يثير قلق الآخرين وخوفهم على كياناتهم ومنافعهم ، فانطلقت ردود الأفعال المتفاوتة ضعفاً وشدّة ـ تبعاً لكيفية الآليات والمناهج وعدّتها ـ من أجل مجابهة هذا القادم الجديد والجارف المهيب.

فلا عجب أن يتحوّل النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بفعل مشروعه المثير بين ليلة وضحاها إلى عدوٍّ خطير لقريش النوع وأقرانها بعد ما كان النموذج الأخلاقي الأرقى والعزيز المدلّل الأدنى ، فتجرّع وقاسى وعانى حتى قال : «ما اُوذي نبيٌّ مثلما اُوذيت» وكان لابدّ أن يستمرّ الدين وتستمرّ المنافسات مادامت هناك حياة وقيم ومراكز قرار وسلطة وهيمنة ومنافع.

لم يصب النبي (صلى الله عليه وآله) بإحباط أبداً رغم كلّ محاولات الحذف والهدم والترويع ، الأمر الذي انعكس إيجابياً على سير الرسالة وثبوتها في مواجهة عناصر النفي والتغييب والتشويه ، التي تعلو كالزبد بين الفترة والاُخرى بأدوات وآليات مختلفة بتناسب الزمان والمكان ، والتي آخرها وليس نهاية مطافها : تلك الرسوم المسيئة إلى رحمة الله للعالمين النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) ، والتطاول على حرمة القرآن الكريم بالتجاسر على محتواه المبارك ومضامينه المقدّسة ، المنشورة بذريعة حرية البيان والقلم المعهودة ، ذات الصيت السيّئ.

٦٩

لا شكّ أنّ هذه الأساليب التي تتنافى مع القيم الأخلاقية والحضارية والثقافية ستخلق ردّ فعل معرفي كبير يحمل معه استفهاماً واعياً ضمن شعاع سؤال الأنا والآخر ، استفهاماً عريضاً لدى المثقّف والباحث والطامح العلمي ، يرشح مراجعةً تحفّز وتبعثر الذهن وتقارن وتستنطق الحكم الجائر على كيان عظيم ساد البشرية ولا زال يحمل بين طياته الإجابة الوافية عن سؤال الحياة الكبير ولوازمه ، كيان يخوض في المفكَّر واللامفكَّر فيه ، ينشد التجديد والتحديث لا بفعل التقليد والالتقاط بل بفعل البناء والتأسيس ، كيان يلفظ الإرهاب ويؤمن بالحوار ويحترم حقوق الأقليات والمرأة والطفل والإنسان عموماً ويقصد الرقي والتقدّم العلمي التقني وتوفير الأمن والخير والأزدهار لكافّة شعوب المعمورة.

هذا إن كانوا لازلوا يؤمنون بقيم الدين واللاهوت ، بل حتى بالقيم الأخلاقية التي نادى بها رينيه ديكارت في مراسلاته مع اليزابيث أميرة بوهيميا ، ومبادئ ديفيد هيوم حين يقول : الهدف من البحث الأخلاقي هو الكشف عن المبادئ الكلّية التي يقوم عليها المدح أو الذمّ الأخلاقيان ، ومحتويات الباب الرابع من نتاجات فرانسيس بيكون في الصفات الأخلاقية ، لا فرانسيس بيكون الذي نافق وخدع وغدر وخان حتى بأقرب أصدقائه ووليّ نعمته ايرل اسكس كي ينال مجد الدنيا. هؤلاء الثلاثة هم روّاد التجريبية وقادة النهضة الاُوربية والغربية الحديثة ، ولاسيّما الأخير الذي حُفر اسمه على إحدى بوّابات الكونغرس الأميركي

٧٠

الذهبية كونه أبرز الذين قادوا البشرية ـ كما يرون ـ إلى العصر والعلم الحديثين.

ربما سيدركون حينها ـ قليلاً ـ معنى المشروع الإسلامي الأصيل وشخصية رائده العظيم النبي الأكرم محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) ، الرسالة والرسول الإلهيّين اللذين أوجبا على كلّ فرد مسلم تقديس واحترام الأنبياء والرسل السماوية بلا استثناء ، من منطلق وحدة الانتماء التوحيدية.

إنّ «الإنسان البدائي» الذي نالوا منه بكلّ قسوة وتحقير في سلسلة مناهجهم وأدبياتهم حين اعتلوا منصّة القرار ـ ظاهرياً ـ بنشوة النصر والغرور هو في الواقع ذلك الذي طغى على القيم الأخلاقية ورفض العمل بها ، وهو غير الإنسان المسلم الحقيقي بلا أدنى شكّ وشبهة.

نعم ، إنّه الذي يجاهر بالإساءة لمبعوث السماء إلى البشرية جمعاء ، متمّم مكارم الأخلاق ، ذي الخُلُق العظيم ، وهو أيضاً ذلك الذي يتطاول بهتك حرمة كتاب الله المقدس القرآن الكريم ، وينعتهما بأقبح الصفات ، ممّا ينمّ عن جهل مركّب ، وبغض تاريخي يتفاعل بين الحين والآخر ، وقفز على القيم الصحيحة والمنهج العلمي السليم.

(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلاَ النَّصَرَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) (١)

صدق الله العليّ العظيم وصدق رسوله الكريم

__________________

(١) سورة البقرة ٢ : ١٢٠.

٧١

مقدّمة كتاب البيان في تفسير القرآن (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة على خير خلقه وأشرف بريّته محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

لا يخفى أن العمق الكمّي والنوعي الذي امتازت به حركة التصنيف والتأليف لدى علماء وأجلاّء مدرسة أهل بيت العصمة والطهارة (عليهم السلام) كان ولا زال بحدّ ذاته السور المتين والحصن المنيع الذي صان لهذه المدرسة اُسسها ومبادئها من الانحراف والضياع ، بل شيّدت هذه الآثار النفيسة بمضمونها المتكامل ومحتواها الغني القاعدة الصلبة والمنبع الفيّاض لكلّ الاُطروحات والمحاولات التي تنصبّ في سبيل مكادحة الأفكار الفاسدة والتيّارات المضلّة ، فحفظت للاُمّة قيمها وأصالتها ومنحتها المناعة الدائمة والمقاومة الفاعلة في أحلك الظروف وأشدّها.

ولقد كانت مؤلّفات ومصنّفات زعيم الحوزة العلمية ، اُستاذ الفقهاء

__________________

١. للسيّد الخوئي (رحمه الله) ، طبع مؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره).

٧٢

والمجتهدين ، الإمام الخوئي قدّس الله نفسه الزكية ، النموذج الرائع والمصداق الرفيع والمثل الرائد الذي ساهم مساهمة عملاقة في رفد ميادين الفكر والثقافة والفضيلة بأبهى المصادر وأرقى المراجع ، ذلك في مختلف صنوف العلوم وأنواعها.

ومؤسّسة إحياء آثار الإمام الخوئي (قدس سره) التي بدأت مرحلة المشوار الطويل في تحقيق وطبع ونشر ما جادت به أنامله الشريفة وأفكاره النيّرة ، تسعى جاهدةً إلى طرح موسوعته الكاملة في الفقه والاُصول والرجال والتفسير عرفاناً منها لجميل ما قدّمه هذا العَلَم الفذّ والطود الشامخ على طريق إحياء ونشر علوم آل محمد (عليهم السلام).

وهي إذ تقدّم بين يدي القرّاء الكرام تفسير البيان ـ أحد أجزاء الموسوعة الأنفة الذكر ـ تعمل بكلّ ما بوسعها لمواصلة الدرب في إخراج سائر أجزاء هذه الموسوعة. وهذا لا يتم إلاّ بلطفه وعنايته سبحانه وتعالى.

وصلى الله على محمد وآله الأطيبين الأطهرين.

٧٣

ومضة شعبانيّة

أيّها الجبل الداني النائي خلفك أحبّائي ، ممّن أحسّهم قلبي وجَهِلَهم عقلي ... فكيف لي الهتاف بهم وأنا لا أعرفهم حتى .. فروحي منشطرة ما بين قلبي وعقلي ، لاراحة لي ولا قرار .. بل ولا فرار ..

أأهرب من ذاتي إلى ذاتي ، فلا دموعي تسعفني ولا آهاتي ، أمّا ابتهالاتي فليست سوى تمتمة كلمات لاروح فيها تحييني ولا حركة بها تنجيني ..

ماذا اُريد يا تُرى؟ أيّ حبيب أعشق يا تُرى؟ هذا المعشوق الذي أجفو فيحنو ، الذي أنأى فيدنو ، الذي أهمل فيرعى ، الذي أجني فيعفو ..

فإلامَ اُكابر بجهلي متغطرساً مستنكفاً؟! إلامَ أصكّ مسامعي عن نداء ذاتي المعترضة وهي تهتف بي : «اللّهمّ عرّفني نفسك ...»؟! إلامَ أدعو بفرج المولى وأنا لا أعرفه حتى؟! وكيف بي انتظار مجيء حبيب لا أكاد أعرفه حتى؟!

فيا سيّدي ومولاي يا من إليه نصبت وجهي ... عرّفني حجّتك كي لا أضلّ وأشقى ، كي اُعانق فطرتي مرّةً اُخرى ، كي لا أغوي بعدها أبدا.

٧٤

ومضة رمضانيّة

لا نحلّق في آفاق الضباب ، لا نلهث خلف مناطق السراب ، لا نعتكز على أضغاث الأحلام ، لا نرتقي كِتَفَة الأوهام ، لا نتطاول على الحقيقة الحاضرة فينا والآلام التي تقرّح جفوننا وتؤذينا ، لا ننكر ضآلة النضج ونزر الوعي وتنامي الجهل الذي يغير على آننا ويعرقل غدنا ويخدش ماضينا ، لا نهرب إلى الأمام بعواطفنا وأحاسيسنا من النقص ومواطن الخلل الموجودة في قراءاتنا ومراجعاتنا ومقارناتنا واستقراءاتنا وحفرياتنا واستنتاجاتنا وسائر مناطق الفراغ فينا ، لا نعالج آفاتنا إلاّ بأدوات المعرفة ومناهجها الحافظة كلّ اُصولنا وقيمنا ومبادئنا ، الملبّية طموحاتنا وأمانينا ، لا نهتمّ إلاّ بصنع الفكرة التي تغترف من معين الاُسس القدسيّة وجوهر الرسالة الإلهيّة مؤنتها وحاجتها حتى تسمو بنا إلى سلالم العزّ الإنساني والكمال الإيماني والفلاح الربّاني مشفوعةً بواسع القبول ودعم اللبّ الجمعي ، الفكرة التي ترشدنا وتهدينا ، لا نهجر ولا ننسى تلك الأخلاق التي حملها الدين لنا بعقل وروح ولسان وفعل وتقرير سيّدنا وراعينا ، خاتم الأنبياء والمرسلين محمّد الأمين واستمرّت باستمرار ولاية

٧٥

الأئمّة الطاهرين وستبقى لظهور حجّة الله على العالمين بقاءً تحفظه عناية السماء بوجود نوّاب الإمام (١) المراجع العظام وسائر العلماء الكرام والأعلام من النخب الطيّبة والكوادر الخيّرة وصالح المؤمنين .. الأخلاق التي لولاها لَما بُعث رسولنا وهادينا. فلا نتجاوز الخطوط الحمراء ولا نلبّي رغبات الذات ولا تركبنا الشهوات ولا نستبدّ ولا نحيف ولا نلبس جلد الحرباء ، لا بهتان لا غيبة لا كذب لا خيانة لا خلف وعد لا نكث عهد لا طغيان ...

هذه اللاءات ونظائرها من اللاءات ليست أمنيات لا «مدينة فاضلة» لا عبث لا أحلام لا مثاليّات ، إنّها حقيقة الإنسان التي ينبغي أن تكون (فِطْرَةَ اللهَ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللهَ) ، إنّها حقيقة رسالة السماء التي غدونا عنها غرباء وهي عنّا بُعْد المشرق والمغرب بَعْداء ، مشرق البركات والإفاضات الربوبيّة والأنوار القدسيّة والفلاحات السرمديّة ، مغرب الروح واُفول الخير وتلاشي الإشارات والتوبة الرحموتيّة.

بلا استثناء ، كلّنا ننسى ، نغفل ، نسهو ، نخطأ ، كلٌّ بحدّه وحجمه ، لكنّنا لسنا جميعاً نألم ونندم ونستغفر ونتوب ، فما أروع وأجمل أن ندرك ثمرة الوقوف على مناطق الفراغ في أعماقنا وحنايانا من نقص وخلل ونسيان وغفلة وسهو وخطأ فينا ، وقوفَ العارف الخبير ، وقوفَ النادم المستجير ، لا شكّ أنّها الخطوة الأسمى نحو العمل بـ «اللاءات» المعهودة ونظائرها الاُخرى ، لنبلغ العلا ونفوز بالكأس الأوفى.

٧٦

مجمل الأمر بأسره شيء واحد ، إنّه الحُبّ «وهل الدين إلاّ الحبّ» ، فإن أحببنا بذاك الحُبّ انغرست تلك اللاءات فينا وامتدّت جذورها في أعماقنا وتشعّبت فروعها وأغصانها مورقةً فوّاحةً بأريج الوئام وعبق الأمان ومسك الإيمان ، مترنّمةً بترانيم السماء وبذلك النداء ، نداء الإنسان بربيع القرآن ، شهر الرحمة والرضوان ، شهر ليالي القدر الحسان ، شهر شهادة إمام الإنس والجان وعدل الفرقان ، (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدى وَالْفُرْقَانِ).

٧٧

ومضة حيدريّة

نعم ، نعود وتعود أكثر تأ لّقاً ملحمة :

عليٌّ والقرآن ، عليٌّ والإسلام ، عليٌّ والحقّ ، عليٌّ والإنسانيّة ، وجهان لعملة ربّانيّة ، ليست إلاّ تغايرات مفهوميّة .. فلمّا هيمنت هذه الأشياء على حياة أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) وأشبعت كلّ مفاصل سيرته المباركة بطرّ سكناتها وحركاتها ، وأشغلته عمّا سواها ، فإنّها قد ذابت فيه وذاب فيها ..

ذلك لأ نّنا نعتقد جازمين بالحجّة والدليل الرصين : أنّ وجوده الروحانيّ المقدّس (عليه السلام) ممتدٌّ ثابتٌ منذ القِدَم ومسجّلٌ في اللوح المحفوظ ، لوح السماء المحروس بقدرة الله ذي العرش المتين.

حينما يكون وصيّ خاتم الأنبياء والمرسلين (صلى الله عليه وآله) بهذه المحتويات والمضامين الألقة ، بالخصائص والبركات الدافقة ، المذعن بها المخالف قبل الموافق ، والقاصي قبل الداني ، فلا محلّ ولا وقت ولا وجود للاستعراض والتمثيل والتصنّع والتلوّن والرغبة في أفعال وأقوال وتقريرات مولى الموحّدين وقائد الغرّ المحجّلين (عليه السلام).

٧٨

ما فعله عليّ وما قاله وما كتبه وما قرّره ، لم يُلحَظ فيه إلاّ ذلك الذوبان المشار إليه أعلاه ، لحاظاً واضحاً شفّافاً جليّاً لا غبار ولا لبس فيه أبدا.

وحينما أخلص (عليهم السلام) خلوصاً قدسيّاً راشحاً من تلك الطينة الإلهيّة والخزائن السماويّة الفيّاضة سناءً ونورانيّة ، كان للخلود شرف الانضواء تحت قافلة المنازل والرُتَب التي رتّبها الله تبارك وتعالى له ولسائر المعصومين آل الدوحة النبويّة.

ومن ذلك الخلود : سرمديّه الكلمة التي نطقها ودوّنها يعسوب الدين (عليه السلام) ، المفردة التي ما كانت من أجل سباق ألسني ولا نزاع لفظي ولا تمسرح لغوي ولا انتشاء معرفي ولا غرور فكري ، إنّما كان يصدح وينمّق ما يستدعي الصدح والتنميق ، ويفرض ما يفرضه الدين والقيم والمبادئ والضمير ، من وجوب إبداء الرأي والنصح والكشف والبيان والتحذير ، إنّه الإدراك الوظيفي في أشمخ حالاته وأروع لوحاته ، واضعاً منافع الرسالة الملكوتيّة والإنسانيّة في أرقى سلّم أولويّاته واهتماماته ، حتى رجّح ذلك الاعتزال والمكوث الذائع الصيت لمّا ارتأى مصلحة الإسلام والعباد تقتضي الإيثار والشكيمة ، رغم الحقّ السليب المنصوص في دراية الغدير الشهيرة وما سواها من الحجج والبراهين الكبيرة.

وتناغماً مع بحث «سرمديّة كلمة عليّ» فالشريف الرضي (٤٠٦ هـ) لمّا يعترف بأ نّه لم يجمع من كلام وخطب ورسائل أميرالمؤمنين (عليه السلام) إلاّ ما

٧٩

اختاره منها في خالدته العملاقة المسمّاة «نهج البلاغة» ، بلا استقصاء واستقراء ، بل مجرّد اختيار وانتقاء .. تجدك وجدانيّاً قبال تساؤل عريض : تُرى من أنت يا علي؟

بلى ، رغم «الاختيار» تلمس بوضوح وأنت القارئ المراجع المقارن المحلّل المتفحّص المستنتج : مُذهليّة إيمان عليّ ، جماليّة إنسانيّته ، نموذجيّة أناته ، قدسيّة أنفاسه ، طهارة روحه ، صفاء ضميره ، نقاوة حناياه ، عمق رؤاه ، شموليّة معارفه ، إحاطة أفكاره ، فذاذه عبقريّته ، دقّة ملاحظاته ، مصداقيّة إخباراته ، مرارة آلامه ، شدّة معاناته ، دفء عطوفته ، حرارة حنانه ، رهافة أحاسيسه ...

وأنت تخوض غمار «كلمة عليّ» تشعر أنّك إزاء كلام هو فوق كلام المخلوق ودون كلام الخالق ، أنّك تخطو المسير القويم لفهم الدين والحياة والقرآن الكريم الفهم السليم ، أنّ الاعتقاد يعني : الحبّ والصدق والإخلاص والوفاء ، أنّك من أين وفي أين وإلى أين ، أنّك تطمح لو تؤمن وتناجي كما آمن وناجى عليّ : «كفى بي عزّاً أن أكون لك عبدا ، وكفى بي فخراً أن تكون لي ربّا».

تنادي وتقول : لا قدّس الله اُمّةً ظلمت عليّاً وآلَ عليّ ، لا أثاب الله أناملاً خطّت ضدّهم الإغماط واللغط والغيّ ، لا بارك الله ألسناً نطقت وأيد عملت وأفكاراً سعت إلى إزاحتهم عن مراتبهم التي رتّبهم الله عليها منذ الأمد القصي.

٨٠