🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

حضورها الفاعل عل فضاءات الفكر والأفكار ، فيولد من جرّاء ذلك نتاجٌ إنساني آخذٌ بعين الاعتبار هذه «الأشياء» ، بل تكون من صميم الجوهر والبناء ، لا تنفكّ عنه ولا ينفكّ عنها ، فإذا استشرى استشرت معه تلقائيّاً وأساسيّاً.

إنّ أيّة محاولة نقديّة علميّة مثمرة لابدّ أن تكون : استقرائيّة استقصائيّة ، مستوعبة ، مقارنة ، حافرة ، قارئة ، محلّلة ، مستنتجة ... ممّا يعني أنّها تشاهد وتسمع وتستجمع كلّ ما يمكن أن يكون دخيلاً في صياغة الفكرة النقديّة النهائيّة.

من هنا فالفعل الإنساني إذا اُحرزت فيه ملاكاتٌ يعتقد أنّها نوع ممارسة وتطبيق لقيم ومبادئ ومفاهيم ، ولاسيّما إن كان صدورها من جهة لا يستهان بها ، فلا تتردّد الآلية النقديّة في ضمّها إلى المؤن التي تستند إليها في عمليّة البناء النقدي وترتيب الآثار.

ولا يمنح الفكر النقدي مزيداً من الفرص أو أن يتغاضى بسهولة عن هذه وتلك ، إنّه يسجّل ملاحظاته ويتابع المسير حتى يعلن المحصّلة النهائيّة ، ولطالما كان الدفاع أضعف من الهجوم والعلاج أدون من الوقاية ، ممّا يعني الجهد الجادّ والسعي الحثيث لتشييد ثقافة «العقل المسؤول» الذي يتمخّض عنه «الفعل المسؤول» ، بعبارة اُخرى : السلوكيّات الصادقة ـ التي يرصدها النقد بمختلف حالاته وانتماءاته ـ لابدّ أن تخضع لضوابط وموازين وملاكات الفكر المدوّنة ، على درجة عالية من الدقّة والحذر ،

٤١

سلوكيات يُتوخّى بها انعكاسٌ حقيقي لقيم الفكر ومبادئه وأخلاقه ، بلا أدنى تسيّب وترهّل ، الأمر الذي يجافي المشاريع الضيّقة والمحاولات المحدودة التي تشكّل في كثير من مقاطعها برادوكساً مع أساسيّات الفكر ومحاورة الرئيسة.

لقد تجرّع النصّ غصص القراءات الخاطئة والبراغماتيّة التي جعلت منه رقماً كسائر الأرقام إن لم تهبط به في أكثر الأحيان إلى ما دون ذلك ، بل ذهب الكثيرون ـ تجرّءاً ـ إلى التشكيك في أصل النصّ وصدوره وجهته ، النصّ الذي ولد ليكون فوق كلّ المساومات والفرضيّات والاحتمالات نجده بفعل ذلك متعرّضاً لأقسى حملة علميّة منهجيّة الغرض منها حذفه ونفيه ، أو على أدنى تقدير إيجاد التزلزل والضعف في أتباعه.

كلّ النخب مسؤولة بحركاتها وسكناتها ، مسؤولة أن تكون بمستوى «العقل المسؤول» الذي يتمخّض عنه «الفعل المسؤول» وعينيّة الفرض تحدّدها الضرورة والعقل والنصّ ، ونهضة النخب المستقاة من قراءة النصّ قراءةً صحيحة تعيد له مكانته وفاعليّته وتأثيره ، التي تعني سَوق الإنسان صوب ما يفترض أن ينساق إليه ; إنبعاثاً من محراريّة الفطرة وحكمة المخلوقيّة.

ولا يمكن انفكاك الثقافة والممارسة والأخلاق عن محيطها الذي تنتمي إليه ، بل هي كلّها صورة ونموذج لشيء واحد ، لهويّة واحدة ، هذه

٤٢

الهويّة التي يعبّر عنها بأدوات وآليات شتّى. وتلعب الدوائر الضيّقة دوراً أساسيّاً في تعميم الفكرة المنبعثة غالباً من العقل الفردي سواء نتجت عن جهد معرفي علمي أو تقليد أو رغبة ذاتيّة ، فإذا استطاع العقل الفردي غرسها في الدائرة الضيّقة مع وجود الشواخص والفضاءات التي تدعمه فإنّها ـ أي الفكرة ـ تسري كالنار في الهشيم على الصفّ الأوّل ـ الدائرة الضيقة ـ ابتداءً ، ثم تأخذ بالاتّساع والانتشار لتخترق العقل الجمعي ، فإذا ما اخترقته صارت ثقافة وممارسة وأخلاق مجتمع واُمّة ، والاُمور تؤخذ غالباً بظواهرها ونتائجها وعليها تحاسب المذاهب والنظريّات والتوجّهات ، ولا يمكن الاعتذار ، بل لا يجدي نفعاً والمناوئ يجد في النخبة ـ التي أسّست لذلك الاجتهاد المنحرف والمسار الخاطئ ـ ميزاناً وملاكاً ومصداقاً راقياً لاُمّة تدّعي أمراً كبيراً.

ولقد ثَبَّتَتْ أمثال : «الناس على دين ملوكهم» و «إذا فسد العالِم فسد العالَم» ... نتائج واحصائيّات وملاحظات ودلائل ونماذج لا يمكن القفز عليها أو تغافلها ، فإذا ما أردنا الإصلاح وانتشال الاُمّة إلى حيث يجب أن تكون لابدّ من مراجعة النخب حالها ، خصوصاً إن كنّا نؤمن بدوام المراجعة حتى على مستوى النصّ المقدّس كي يغدق علينا على الدوام بما يجعلنا أشدّ تماسكاً وأكثر تكيّفاً زمكانيّاً ، فمن باب أولى مراجعة النخب حالها مراجعةً علميّة منهجيّة ، يسمّيها البعض محاسبة النفس ، ويسمّيها البعض الآخر بتسميات وعناوين مختلفة ، ومحاسبة النخب نفسها تتناسب ـ شأنيّاً ومحتوائيّاً ـ معها تناسباً طرديّاً ، وقد تحصل

٤٣

بها عمليّات إعادة انتشار أو جدولة قضايا ترقبها الاُمّة وترصدها رصداً دقيقاً ، ولاسيّما أنّ كلّ واحد منها بمثابة الملك والعالِم الذي تأخذ منه معالم دينها ، ومعالم الدين تعني الثقافة والممارسة والأخلاق التي تنطبع بها عيون البشريّة وعقولها.

إنّ أشدّ ما نعانيه وجود الاختلاف الكبير والتفاوت المدهش بين النصّ ومحتواه المتكامل وبين التطبيق وضعفه المفرط ، وعادةً ما يتشبّث المناوئ بالثاني كحجّة نقديّة تختصر له الطريق وتختزل مسافات البحث والتنقيب ، فيقع النصّ ـ إثر الاستيعابات الناقصة والأفهام الخاطئة والاستنباطات البراغماتيّة والاجتهادات الانتمائيّة والمحاصصات الفكريّة ـ في شراك الاتّهام والانتقاص الظالم ، ظلم تقاسمه الجميع ، القريب والبعيد ، الصديق والعدو.

٤٤

أين نحن من محمّد؟

بين هذا الذي تنفّس الصعداء بوأده وليدته مصدر العار ومبعث الذلّ ومنطلق الشؤم ، وذاك الذي استراح حيث أنجز تكاليفه العباديّة بأدائه الطقوس والتوسّلات بهُبل واللاّت والعزّى ، والثالث الذي فاخر بنصره عشيرته وقبيلته بتسجيله أرقى مراتب التعصّب من قتل وترويع وإرهاب وثأر وسلب ... بين كلّ اُولاء نهض محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) بمشروع عُدّ مجازفةً وتمرّداً وانتحاراً ومهزلةً جنونية تلفظها اُصول العقل والمنطق والأعراف الحاكمة آنذاك.

أمّا هو (صلى الله عليه وآله) فأرادها حضارةً تسمو بالإنسان فوق قِيَم الوأد والشرك والانتماءات الضيّقة إلى عالم رحب يمنحه الحبّ والحرّيّة والنموّ والأمان والفلاح. وكان همّه الأوّل تمرين العقول والقلوب على السفر خارج حدود المفاهيم المعتمة ، إلى حيث ينعم الذهن والفكر بمراتع المعرفة التي تذيب جمود العقل وتمسح عنه أدران القوانين الظالمة والأحكام القاسية.

أراد (صلى الله عليه وآله) بالإنسان أن يشمخ إلى منصّة القناعة التي تقذفه إلى أسمى

٤٥

طبقات الحبّ والعشق ، نعم لقد عنى (صلى الله عليه وآله) بالدين والرسالة والقرآن : الحبّ ، فهو غاية هدفه ومنتهى طموحه وذروة مبغاه.

لم يكترث كثيراً بتأسيس الدولة وبناء الحكومة وفتح البلدان مثلما اكترث بمفهوم الحبّ ، ولو خُيّر (صلى الله عليه وآله) لاختار السلم والحوار الهادئ لكنّهم حمّلوه ما اضطُرّ إليه من وقائع وأحداث ومواقف.

ولم يكترث بقشور الرسالة أبدا ; إذ كان همّه بلوغ الحقيقة لا جَرَما.

لقد عانى وتأ لّم وتجرّع الغصص والصدمات كي تخصب مرابع الحبّ وتخضّر رياض العشق فتثمر وفاقاً وأماناً وإيمانا. والقلب إذا أحبّ بعقله فقد أغلق كلّ الملفّات العالقة وأذاب الحواجز الشاهقة والموانع الصعبة. والحبّ يعني حبّ جوهر القيم والمفاهيم والمعاني الإنسانيّة الخالدة ، وهو بوّابة المعرفة ومفتاح الكمال الإنساني ، ولا وجود للمعرفة والكمال الإنساني ولا مفهوم ولا معنى لهما بدون قصد ومعرفة منبع الفيض والجمال والحبّ والنور والكرامة ، القوّة المسيطرة العليا ، ذات الباري تبارك وتعالى.

فماذا كان يريد محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله)؟ أكان يريد غير ذلك؟ إنّه أراد للإنسان أن يقوم بعشق ويسكن بعشق ويسمع بعشق ويقول بعشق ويرى بعشق ويتدبّر بعشق ، إنّ مراده هو الإنسان العاشق الحقيقي ، وبعشقه هذا يطير ويسمو إلى مبدأ العشق ، إلى مبدأ الخير والرحمة والجود ، ربّ الأرباب ، إله الأرض والسماء.

٤٦

أمّا نحن ـ إلاّ القلّة النادرة ـ فلم نفهم من العشق شيئاً ، ولم نفهم من محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) إلاّ قشور قيَمه وأفكاره النبيلة ، ضربنا على عقولنا وقلوبنا حجاباً من الجهل والجفاء لئلاّ نخوض غمار مبادئه وأهدافه (صلى الله عليه وآله) خوضاً مخلصاً حقيقيّاً جادّاً فنبتلي ونتورّط بالتزامات ومواثيق وعهود وأمانات ترفضها شهواتنا وملذّاتنا ومنافعنا ، فصرنا نهوى السطوح ، نخاف العمق واللبّ ، نخشى الحقيقة بل لا نريدها ، فاكتفينا بالطلاء والقشر والظاهر ; إذ فيه مآربنا وترافتنا.

مثالٌ : الحجاب شعارٌ ورمزٌ من رموزنا لا يمكن التخلّي عنه بأيّ حال من الأحوال ، بل واجب شرعي ديني بإجماعنا ، لكنّ الوقفة المتأمّلة يكتنفها استفهامٌ مثير مفاده : إن توفّر الحجاب وفُقدت القيم والمبادئ أو باتت متزلزلة هشّة ... ما العمل؟

العمامةُ ميراثٌ قدسي فرض مكانته وشعاريّته عندنا بكلّ إجلال واحترام ; لما تمثّله من قيم وانتماء والتزام ، لكنّ الوقفة المتأمّلة يكتنفها استفهامٌ مثير : ماذا لو لم يبق من العمامة إلاّ قطعة القماش البيضاء أو السوداء الملفوفة والموضوعة على الرأس بكلّ دقّة وجمال ورشاقة ، وما عاد العلم أو التقوى أو كلاهما قرب صاحبها إلاّ همّاً وعبئاً ثقيلا ... ما العمل؟

الثراء أم الإيمان لو تزاحما أو تعارضا؟ نأخذ بالمؤمن المتّقي العدل أم بذي الثراء المهتزّ إيمانه وتقواه وعدله؟ بذي العفاف والكرامة من الاُسر المغمورة؟ أم بمخالفهما من ذوي الاُسر المرموقة؟

٤٧

هذه عيّنات من واقع نرزح تحت وطأته بكلّ ألم ومعاناة.

لا محلّ للمجاملات أبدا ; إذ القضيّة أرقى وأسمى وأشرف من أن تُعالَج أو تُحَلّ بالآليات المريضة ، إنّها قضيّة قيم ومبادئ قد سُحِقت ، فأعزّ ما نذود عنه ونجاهد لأجله هو ذاكرتنا الأزليّة التي تعني الوفاء بالعهد والأمانة ، عهد الإيمان بفكر السماء وحفظ أمانة المولى تبارك وتعالى حينما حملها الإنسان لمّا أشفقت منها السماء والأرض والجبال .. لكنّا لم نحفظ العهد والأمانة بتمسّكنا بقشور الدين وطرحنا لحقائقه واُسسه ومحتواه.

نتشبّث بعامل الزمان والمكان كي نهرب بحياتنا وأساليب عيشنا وما سواهما بمنأىً عن اُسوتنا محمّد بن عبدالله (صلى الله عليه وآله) وآله الغرر الميامين. نهرب إلى الزمان والمكان علّه ينجينا باتّخاذنا إيّاه غطاءً ومترساً.

إنّها مصيبة اُخرى ، فبدل أن نجعلهما بوّابةً ومعبراً لحفظ قيمنا وتركيزها وبثّها ، جعلناهما أداةً وآلةً نحتمي بها من غِيَر الحقيقة وعواقبها.

٤٨

من مقدّمة تحقيق كتاب التبيان في تفسير القرآن (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيّد المرسلين محمّد وآله الغرر الميامين.

ما كان يدور بخلد قريش وصناديدها ـ بل الدنيا بأسرها ـ أن ينطلق يتيمٌ شبه مغمور برسالة سماوية تطيح بجبروتها وتمرّغ أُنوف أقطابها بوحل الذلّ والهزيمة ، وتطحن آلهتها طحن الرحا فتذروها ذرو الريح الهشيم في يوم عاصف ، محلّقاً ألقاً على جنحان أنبل وأكمل بلاغ ربّاني لم ولن تشهده البشرية أبدا ، بلاغ شاد به على أطلال العروش الهاوية أسمى حضارة وأرقى منظومة قيَمية غزت العقول والقلوب على السواء.

إنّه الفكر الموّار ذو الإحاطة الرائعة والبصائر الفذّة والأُطر الأنيقة والمفاهيم العميقة والاستقطاب الساحر والتأقلم السريع والتجسّد الوضّاء ،

__________________

١. تفسير التبيان لشيخ الطائفة الطوسي (قدس سره) تضطلع مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث بتحقيقه وطبعه .. صدر منه مجلّدان إلى الآن.

٤٩

القاصد ذات الإنسان ، المخترق لبّه وخفاياه ، أحاسيسه وحناياه ، لينتشله من حضيض البهيمية شطر شوامخ العزّ والسعادة السرمدية ، دون ابتسار من حرّياته المشروعة وأهدافه الجادّة ، فغدا رائد الطامح وملاذ التائه ودليل الحائر وكهف البائس وبَرّ الخائف ومُنجي الهارب.

وما كانت الإحن والأضغان والمتاعب والويلات لتحول بين الرسول الخاتم (صلى الله عليه وآله) وبلوغ المرام ، فلقد أرساها ـ كما أرادها ربّ العالمين ـ على مرافئ الفخر والمجد علياءَ شمّاء ، متلألئةً بضياء أنوار السماء ، كاشفةً دياجير العادات المقيتة والعصبيات القبلية والنعرات الجاهلية والأعراف البالية والمفاهيم الخاوية ، فاتحةً آفاقاً رحبة وسبلاً واسعةً لنهضة شاملة تنقل الأُمّة نقلةً نوعيةً تأريخيةً من واقع التخلّف والاضطهاد إلى التطوّر العظيم والنعيم المقيم.

وإذ ألكم (صلى الله عليه وآله) أفواه الرفض ودفع بترّهات النفاق والضلالة والتشكيك إلى مهاوي العزلة والخسران المبين ، وجابه فنون البلاغة والفصاحة والبيان المزدهرة آنذاك ـ ولا سيّما ثقافة الشعر والأدب ـ مجابهةً منحته نياشين النصر بكلّ فخر واعتزاز ، وانقادت له الألباب والمشاعر بكلّ انتماءاتها وطبقاتها وألوانها ; فلأجل عدم نطقه (صلى الله عليه وآله) عن الهوى ، بل عن وحي يوحى ، فلا غرو أن يصدر من ثغره الشريف ما هو الأبلغ الأفصح والأسلم الأصحّ والأبين الأحكم ، صادراً سماوياً مشبعاً بعلوم الأمس والساعة والغد ، بالمعرفة النابضة والثقافة الحيّة ، بالنظم والقوانين والمناهج

٥٠

والأنساق التي (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا) (١).

إنّها شجرة الدين المباركة ، شجرة الإسلام الحنيف ، غاية الإعجاز الإلهي ، التي تجسّدت بالألفاظ الربّانية المقدّسة ، النازلة على صدر المصطفى الأمجد (صلى الله عليه وآله). إنّه القرآن الكريم.

انطلق السراج المنير (صلى الله عليه وآله) بمعجزته الخالدة ومظهر التحدّي الإلهي ، الذكر الحكيم ، الفرقان المقدّس ، الكتاب العزيز الذي (لاَ يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلاَ مِنْ خَلْفِهِ) (٢) ، انطلق براية الحقّ خفّاقةً على كلّ المعمورة ، بملاك وضابط وميزان واحد : (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَ أَتْقَاكُمْ) (٣) ، فذابت الحواجز وزالت الفوارق وتساوى العبد والحرّ ، الأسود والأبيض ، الفقير والغني ، العربي والأعجمي ، وصار الكلّ ينشد الكمال والفلاح بنهج واحد وصراط واحد.

إذن ، كيف لا يكون محمّد (صلى الله عليه وآله) خير شهيد لخير دين على خير اُمّة ، ولا يكون متمّماً لمكارم الأخلاق ، وهو الذي صرّح فيه النص القرآني : (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُق عَظِيم) (٤)؟!

إنّ أساس بعثة النبي الأكرم وغاية رسالة الإسلام تتلخّص في قوله تعالى : (إِنَّ هذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتي هِيَ أَقْوَمُ) (٥).

__________________

١. سورة إبراهيم : ٢٥.

٢. سورة فصّلت : ٤٢.

٣. سورة الحجرات : ١٣.

٤. سورة القلم : ٤.

٥. سورة الإسراء : ٩.

٥١

ادّعاءٌ هامٌّ وخطير وكبير ، لكنّ الذي يثلج الصدور ويُطَمْئن العقول والقلوب صدور القرآن الكريم من قيادة الكون الكبرى ، من لدن الله الواحد الصمد ، فكان الحجّة التامّة الثاقبة.

فلابدّ له حينئذ أن يجيب عن سؤال الحياة الكبير من خلال نسقه الأتمّ الأصحّ المتجاوز عقبة الزمان والمكان.

إلى ذلك ، تفرّده بخصائص ، منها على سبيل المثال لا الحصر :

ـ إنّه ليس سند المسلمين ومعجزة دينهم السماوي فحسب ، بل سند البشرية طرّاً ; كونه المكمّل لجميع الأديان والرسالات الإلهية السابقة عليه ولكلّ ما جاء في كتبها المقدّسة.

ـ اعتماده الخطاب المتجانس شرعياً وفكرياً وأخلاقياً واجتماعياً وتأريخياً ، على غاية من : الإحاطة والتكاملية ، قوة النسق ومتانة المنهج ، عمق المفاهيم وسعة آفاقها ، جمال المفردة المتجلّي بروعة الصياغة وانسيابية الألحان ، ذروة النظم والإتقان البلاغي ، البيان والحكمة المنقطعي النظير ، كلّ ذلك بلا أدنى تهافت ونقص ، بالحجّة البالغة والدليل القاطع.

ـ الكمّ الهائل من المادّة العلمية المعرفية المتنوّعة المودعة فيه.

ـ تجاوزه عقبة الزمان والمكان بإمكانية تكيّف مفاهيمه وعلومه وقيمه مع مراحل تطوّر الحياة البشرية ونموّها على مختلف الأصعدة.

ـ منسّق حياة الفرد أُسرياً ومجتمعياً وأُمميّاً.

٥٢

ـ تناغم الإنسان بفطرته السليمة مع ألحانه ومفرداته ومعانيه ، ولا سيّما حينما تهامس القلب والعقل ، الروح والحنايا ، خاشعاً بإزائها أيّ خشوع.

فلا عجب حينئذ لمّا تصرّح إحصائيات بيبلوغرافيا علوم القرآن الكريم : إنّ أكثر من عشرة آلاف أثر قد دوّن في معارفه وفنونه وسائر جوانبه.

إنّ تميّز القرآن الكريم بالخصائص التي أشرنا لبعضها جعلت من نصّه الشريف خاطفاً للأضواء ، خاضعاً لمختلف مراحل البحث والدراسة والتحليل والتفسير ; فكان الخوض فيه وفي لججه بمثابة صراع للحصول على نتائج من شأنها أن تعيّن مسير الإنسان ونهج حياته ومصيره.

لذلك بات تفسير القرآن الكريم من أخطر المهامّ وأشقّها وأصعبها ، خصوصاً وأ نّه في صدر علومه وفنونه ، والرقم الأوّل في حسم الحوار العامّ أو الخاصّ.

والاختلاف ـ تبعاً لتلوّن الانتماء العقَدي والفكري والثقافي ـ طبيعي في فهم آيات القرآن الكريم وطريقة تلقّيها ، مضافاً إلى تباين القرّاء الأُوَل في قراءاتهم لنصّه المبارك.

وتأسيساً على ذلك تجسّدت الحاجة الملحّة والضرورة القصوى إلى خوض غماره من جهة بيان معاني آياته وقراءاتها وحججها وإعرابها ونظمها وشأن نزولها وفضائلها وتأويلاتها والبحوث المرتبطة بها ... وهذا

٥٣

ما يدوم بدوام رواشح القرآن الكريم ومنابعه التي لا تجفّ وبطون علومه التي تبقى عميقة مهما ولجها الوالجون ، وتظلّ أسراره خافية لا تكشف إلاّ لذوي المعايير الخاصّة وأصحاب الهمم العالية والأنظار الثاقبة والعقول الوهّاجة التي تشعّ إيماناً وإخلاصاً وولاءً.

التبيان في تفسير القرآن

دواعي التأليف

يقول الشيخ أبوجعفر محمّد بن الحسن بن علي الطوسي (قدس سره) (٣٨٥ هـ ـ ٤٦٠ هـ) في معرض إشارته إلى الدواعي والأسباب التي حدت به لتأليف تفسير التبيان :

فإنّ الذي حملني على الشروع في عمل هذا الكتاب أنّي لم أجد أحداً من أصحابنا ـ قديماً وحديثاً ـ من عمل كتاباً يحتوي على تفسير جميع القرآن ، ويشتمل على فنونه ومعانيه ، وإنّما سلك جماعة منهم في جمع ما رواه ونقله وانتهى إليه في الكتب المروية في الحديث ، ولم يتعرّض أحدٌ منهم لاستيفاء ذلك وتفسير ما يحتاج إليه.

فوجدت من شرع في تفسير القرآن من علماء الأُمّة بين مُطيل في جمع معانيه واستيعاب ما قيل فيه من فنونه ، كالطبري وغيره ، وبين مُقْصر اقتصر على ذكر غريبه ومعاني ألفاظه.

وسلك الباقون المتوسّطون في ذلك مسلك ما قويتْ فيه منّتهم وتركوا ما لا معرفة لهم به ..

٥٤

فإنّ الزجّاج والفرّاء ومن أشبههما من النحويين أفرغوا وسعهم في ما يتعلّق بالإعراب والتصريف.

ومفضّل بن سلمة وغيره استكثروا من علم اللغة واشتقاق الألفاظ.

والمتكلّمين ـ كأبي علي الجبّائي وغيره ـ صرفوا همّتهم إلى ما يتعلّق بالمعاني الكلامية.

ومنهم من أضاف إلى ذلك : الكلام في فنون عامّة ، فأدخل فيه ما لا يليق به من بسط فروع الفقه واختلاف الفقهاء ، كالبلخي وغيره.

وأصلحُ من سلك في ذلك مسلكاً جميلاً مقتصداً : محمّد بن بحر أبومسلم الأصفهاني وعلي بن عيسى الرمّاني ، فإنّ كتابيهما أصلحُ ما صُنّف في هذا المعنى ، غير أنّهما أطالا الخطب فيه ، وأوردا فيه كثيراً ممّا لا يحتاج إليه.

وسمعتُ جماعةً من أصحابنا ـ قديماً وحديثاً ـ يرغبون في كتاب مقتصد يشتمل على جميع فنون علم القرآن ، من القراءات ، والمعاني ، والإعراب ، والكلام على المتشابه ، والجواب عن مطاعن الملحدين فيه ، وأنواع المبطلين كالمجبّرة والمشبّهة والمجسّمة وغيرهم ، وذكر ما يختصّ أصحابنا به من الاستدلال بمواضع كثيرة منه على صحّة مذاهبهم في أُصول الديانات وفروعها.

وأنا ـ إن شاء الله تعالى ـ أشرع في ذلك على وجه الإيجاز والاختصار ، ولكلّ فنّ من فنونه ، ولا أُطيل فيملّه الناظر فيه ، ولا أختصر اختصاراً يقصر فهمه عن معانيه.

٥٥

وأُقدّم أمام ذلك فصلاً يشتمل على جمل لابدّ من معرفتها دون استيفائها ; فإنّ لاستيفاء الكلام فيها مواضع هي أليق به.

ومن الله استمدّ المعونة واستهديه إلى طريق الرشاد ، بمنّه وقدرته إن شاء الله تعالى (١). انتهى.

* * *

وقد التزم الشيخ (قدس سره) بما اختطّه ورسمه لتفسيره من منهج وخطوط عريضة ، ولم يتجاوزها وبقي متقيّداً بها في كتابة الجليل هذا ..

وكما قيل ، فإنّه جاء حافلاً جامعاً شاملاً لمختلف أبعاد الكلام حول القرآن ، لغةً وأدباً ، قراءةً ونحواً ، تفسيراً وتأويلاً ، فقهاً وكلاماً ... بحيث لم يترك جانباً من جوانب هذا الكلام الإلهي الخالد إلاّ وبحث عنه بحثاً وافياً ، في وجازة وإيفاء بيان.

ويحظى هذا الكتاب بقوّة ومتانة وقدرة علمية فائقة ، شأنه شأن أيّ كتاب جاء تأليفه في سنين عالية من حياة المؤلّف ; حيث يبدو من إرجاعات الشيخ (قدس سره) فيه إلى كتبه الفقهية والأُصولية والكلاميّة أنّه كتبه متأخّراً عن سائر كتبه في باقي العلوم.

وبحقّ ، فإنّ هذا التفسير قد حاز قصب السبق من بين سائر التفاسير التي كانت دارجة لحدّ ذاك الوقت ، والتي كانت أكثرها مختصرات تعالج

__________________

١. محمّد بن الحسن الطوسي ، التبيان ج ١ ص ٧ ـ ١٢ (طبع وتحقيق مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)).

٥٦

جانباً من التفسير دون جميع جوانبه ، ممّا أوجب أن يكون هذا التفسير جامعاً لكلّ ما ذكره المفسّرون من قبل ، وحاوياً لجميع ما بحثه السابقون عليه.

إنّ تفسير التبيان وسط مستوعب ، يضمّ محاسن من تقدّمه ، يهمل فضول الكلام ، فظهر بأحسن ترتيب وأجمل تأليف (١).

ممّا قيل في التبيان والشيخ (قدس سره)

ـ وقد خاض العلماء قديماً وحديثاً في علم تفسير القرآن ، واجتهدوا في إبراز مكنونه وإظهار مصونه ، وأ لّفوا فيه كتباً جمّة غاصوا في كثير منها إلى أعماق لججه ، وشقّقوا الشعر في إيضاح حججه ، وحقّقوا في تنقيح أبوابه وتغلغل شعابه ..

إلاّ أنّ أصحابنا رضي الله عنهم لم يدوّنوا في ذلك غير مختصرات نقلوا فيها ما وصل إليهم في ذلك من الأخبار ، ولم يعنوا ببسط المعاني وكشف الأسرار إلاّ ما جمعه الشيخ الأجلّ السعيد أبوجعفر محمّد بن الحسن الطوسي قدّس الله روحه من كتاب التبيان ، فإنّه الكتاب الذي يقتبس منه ضياء الحقّ ويلوح عليه رواء الصدق ، قد تضمّن من المعاني الأسرار البديعة ، واحتضن من الألفاظ اللغة الوسيعة ، ولم يقنع بتدوينها

__________________

١. محمّد هادي معرفة ، التفسير والمفسرون ، ج ٢ ص ٣٧٥ ـ ٣٧٦ (طبعة الجامعة الرضوية ـ مشهد المقدّسة) ، بتصرّف.

٥٧

دون تبيينها ، ولا بتنميقها دون تحقيقها ، وهو القدوة أستضيء بأنواره ، وأطأ مواقع آثاره (١).

ـ كتاب جليل عديم النظير في التفاسير (٢).

ـ صاحب التفسير الكبير (٣).

ـ التفسير المشهور (٤).

ـ التفسير الكثير (٥).

ـ قد برز في القرن الخامس الهجري عدّة رجال في التفسير ، منهم : شيخ الطائفة الإمامية وفقيهها الشيخ أبوجعفر محمّد بن الحسن الطوسي صاحب كتاب [التبيان] الجامع لكلّ علوم القرآن (٦).

ـ إنّ الشيخ المحقّق محمّد بن إدريس العجلي مع كثرة وقائعه مع الشيخ في أكثر كتبه ، يقف عند تبيانه ويعترف بعظم شأن هذا الكتاب واستحكام بنيانه (٧).

ـ وإذا نظرنا في مؤلّفاته ـ أي الشيخ (قدس سره) ـ في التفسير لم يسعنا إلاّ

__________________

١. الفضل بن الحسن الطبرسي ، مجمع البيان ، ج ١ ص ١٠ (طبعة صيدا). هذا ، وتضطلع مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث حالياً بتحقيق هذا الأثر النفيس.

٢. بحرالعلوم ، الرجال ، ج ٣ ص ٢٢٨.

٣. ابن تغري بردي ، النجوم الزاهرة ، ج ٥ ص ٢٥.

٤. العاني ، مقدّمة دمية القصر ، ج ١ ص ٢٥.

٥. السيوطي ، طبقات المفسّرين ، ص ٢٩.

٦. الشرباصي ، قصّة التفسير ، ص ٩٠.

٧. بحرالعلوم ، الرجال ، ج ٣ ص ٢٢٨ ـ ٢٢٩.

٥٨

الإعجاب بغزارة إنتاجه ، ولا سيّما إذا تأمّلنا في ما وصلنا من الأخبار الخاصّة بكتابه الكبير التبيان في تفسير القرآن (١).

ـ إنّ عصر الشيخ الطوسي كان عصر حضارة وتفوّق وعلم ، وكذلك كان عصر نوابغ وعلماء ، فكان لابدّ له وهو العبقري أن يدخل كلّ بيت ويتعرّف إلى ما فيه عندما كان في سنّ التلقّي والتعلّم عند شيوخه وأساتذته ، وكان كلّ شيء يلقى إليه باللغة العربية.

وكان أساتذته من فصحاء العصر والناطقين الخالدين ، فقد درس الفقه والأُصول والتفسر وعلم الكلام بأعجز بيان وأبدع أُسلوب ، فكان لابدّ لهذا أن يؤثّر في نفسه وأن ينعكس هذا التأثير في مؤلّفاته أيضاً ...

فهذا التفسير المعروف بـ : التبيان ، لم يخل منه سببٌ من أسباب البيان ، نجد فيه البيت الشعري الجميل ، والمثل السائر اللطيف ، والقصّة الفنّية المعبّرة ، ومباحث في اللغة والنحو ، وطرائف من الأدب ، لم يوردها الشيخ للّهو واللعب ، وإنّما استعان بها على تأييده فكرة أو إيضاح معنى ...

يضاف إلى ذلك أيضاً : إنّ عبارة الطوسي لها حلاوتها ووقعها وتأثيرها في النفس ; لأ نّها تدّخر طاقةً كبيرةً من انفعال صاحبها ، وهذا الانفعال العميق هو وجود المفسِّر وأصله الذي تجرّد عن كلّ محسوس ; ليستغرق في جمال القرآن ويغيب في معانيه التي لا تعرف النهاية.

فمن كلّ جوانبه هو طيّبٌ حلوٌ يأخذ الإنسان عن نفسه ويغيب به

__________________

١. مقالة في مجلة رسالة الإسلام المصرية ، العدد ١ ، السنة السابعة ، ص ٤٦.

٥٩

حيث يغيب ، حتى أنّه في تفسير آيات الأحوال الشخصية من زواج وطلاق ومواريث وما إليها لا ينسى ما في الآيات من جمال وإبداع ، بل يشير إليها من حيث اللغة والسبك والأُسلوب والفقه ، ويدلّل على حكمة الإسلام في تحريم هذا وتحليل ذاك ببيان لا تنقضي لذّته ولا تنتهي روعته.

ويتفرّد «تبيان» الطوسي بمزيّتين قد لا نرى لهما أثراً في بقية مؤلّفاته ، وهاتان المزيّتان هما :

الرصف المتتابع للعبارات الممتلئة بالمعاني الدقيقة ، حتى ليخيّل للقارئ أنّه أمام كتاب أدبي.

والثانية : الحسّ النفسي المتدفّق والشعور الباطني العميق لأسرار الكتاب الكريم.

ولا عجب إذا رأينا هاتين المزيّتين في التفسير ; لأنّ القرآن فيه غيب الغيوب ومعجز التأويل والتنزيل والتحليل.

ولا عجب أيضاً فالطوسي عبقريٌّ عظيمٌ في نفسه كلّ استعداد لتقبّل الإشراق وعكسه على من دونه ، فهو عندما يقرأ الآية أو يقف عندها يستغرق فيها ، وينسى عند جمالها وجلالها نفسه ومَن حوله من الكائنات ، ويكتب ممّا يحسّه ويشاهده من جمال الحقيقة ، ويطفر قلمه فيسيل إبداعاً وإعجازاً قلّما توفّرا لمفسّر آخر من المفسّرين الأعلام.

إنّ هذا المفسّر الكبير والفقيه العلم قد أمات الشيطان في نفسه

٦٠