🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

وفاته :

توفّي رحمه الله تعالى في نراق إحدى قرى كاشان إثر الوباء الذي اجتاح تلك البلاد آنذاك ، غير أنّه لم يحصل القطع في تاريخها ، إلاّ أنّ الأقوى كونها في ليلة الأحد ٢٣ ربيع الآخر عام ١٢٤٥ هـ. ق (١) ، ويعضدها ما ذهب إليه تلميذه الملاّ محمّد حسن الجاسبي في قصيدته التي أرّخ فيها عام وفاته ، والتي يقول فيها :

أضحى فؤادي رهين الكرب والألم

أضحى فؤادي أسير الداء والسقم

تلك الضحى أورثت ما قد فجعت به

يا ليتها لم اُصادفها ولم أدم

لو حملت كربات قد أصبت به

مطيّة الفلك الدوّار لم تقم

ما ذاك إلاّ لرزء قد نعيت به

للعالم العلم ابن العالم العلم

علاّمة في فنون الفقه والأدب

مجموعة الفضل والأخلاق والشيم

مبدي المناهج هادي الخلق مستند

الأنام في جمل الأحكام للاُمم

جزاه خيراً عن الإسلام شارعه

جزاء ربّ وفي العهد بالذمم

إلى أن قال :

قضى على الحقّ أعلى الله منزله

وأيتم الناس من عرب ومن عجم

من النراق سرى صبح الفراق إلى

كلّ العراق صباحاً غير منكتم

بل عمّ أهل الولا هذا المصاب فما

لواحد منهم شمل بمنتظم

__________________

١. وقيل : إنّه توفّي عام ١٢٤٤ هـ. ق ، وقيل غير ذلك.

٤٢١

لم يبق للخلق جيب لم يشقّ ولا

عمامة لحدوث الحادث العمم

لا بل على ما روينا الدين ينثلم

لمثل ذاك فيا للدين من ثلم

لي سلوة أنّ شمس العلم إن أفلت

بدت كواكب منها في دجى الظلم

إن شئت تدري متى هذا المصاب جرى

وقد تحقّق هذا الحادث الصمم

عام مضى قبل عام الحزن يظهر من

قولي (له غرف) تخلو من الألم

فقد أرَّخ الشاعرُ العامَ السابق لعام الحزن (عام الوفاة) ، بقوله (عامٌ مضى) وأنّ هذا (العامَ) يظهر من قوله (له غرفٌ ـ تخلو من ـ الألمِ) حيث يكون الحساب الأوّلي للحروف لعبارة (له غرف) ١٣١٥ ، وبطرح ٧١ لعبارة (الألم) يكون الباقي ١٢٤٤ ، فيلحقه العامُ التالي (عام الحزن) وهو سنة وفاته ، فيكون عام ١٢٤٥ هـ ، وهو ما ذهبنا إليه آنفاً.

وحُمِل رحمه الله تعالى إلى النجف الأشرف حيث دفن في الصحن العلوي بجانب والده في الايوان جهة باب الطوسي من أبواب الحضرة الشريفة.

مؤلّفاته :

قد صنّف المحقّق ملاّ أحمد النراقيّ الكثير من الكتب الفقهيّة والأُصوليّة والأخلاقيّة ، طبع منها البعض وبقي الآخر ليرى النور ، فإنّا نسجّل قائمة بأسمائها وفق ما جاء في كتاب الذريعة وغيره.

٤٢٢

١ : مناهج الأحكام في اُصول الفقه (١) : في مجلّدين ، وقد طبع بطهران سنة ١٢٦٩ بعنوان (مناهج الأُصول).

٢ : مفتاح الأحكام في اُصول الفقه (٢).

٣ : أساس الأحكام في تنقيح عمدة مسائل الأُصول بالأحكام (٣).

٤ : وسيلة النجاة (٤) : رسالتان كبيرة وصغيرة ، وهما فتوائيّتان عمليّتان فارسيّتان ، الكبيرة في مجلّدين ، وأورد فيها الضروريّات في الأعمال.

٥ : سيف الأُمّة وبرهان الملّة (٥) : فارسي ، كتبه بإسم السلطان فتح

__________________

١. منه مخطوطة في مكتبة مدرسة المروي في طهران رقم ٢٨٠ كتبت سنة ١٢٢٩ وصحّحت سنة ١٢٣٢ واُخرى في مكتبة سبهسالار رقم ٨٩٤ كتبت سنة ١٢٤١ وثالثة في مكتبة شاه چراغ في شيراز رقم ٣٣١ كتبت سنة ١٢٤٦ ومخطوطة في مكتبة المرعشي رقم ٦١٣٢ كتبت سنة ١٢٤٢ واُخرى فيها رقم ٧٠٥٠ كتبت سنة ١٢٥١ مصحّحة وعليها تعليقات للمؤلّف منقولة من خطّه ، وفيها اُخرى رقم ٨٠٩٦ كتبت سنة ١٢٥٦ ، واُخرى في جامعة طهران برقم ٧٦٤٠ و ٧٦٦٧ / ٢ و ٧٧٠٤ / ٢ و ٨٧٠٩. ومنها نسخ في مكتبات اُخرى.

٢. منه مخطوطة في مكتبة شاه چراغ في شيراز رقم ٣٤٩ ربما هي بخطّ المؤلّف ، واُخرى في مكتبة مدرسة نمازي في خوي رقم ٣١٦ تاريخها سنة ١٢٢٨ وفي مكتبة المرعشي رقم ٧١٤٧ م كتبت سنة ١٢٢٨ ورقم ٦٣٢٢ م كتبت سنة ١٢٤٩ ورقم ٥١٩٣ كتبت سنة ١٢٥٧ ، واُخرى في مكتبة جامعة طهران برقم ٢٩٢٦ و ٩٧٣ كما في فهرستها ج ٥ : ١٧٢٤.

٣. منه مخطوطة في مكتبة كليه الإلهيات في مشهد رقم ٩٦٥ وفي مكتبة الإمام الرضا (عليه السلام) في مشهد ، رقم ٩٦٢٣ كتبت سنة ١٢١٧ ومنه مخطوطتان في المرعشية ٤٨٠٥ و ٦٤٢٨.

٤. منه مخطوطة في جامعة طهران برقم ٩١١٤.

٥. منه مخطوطة في مكتبة البرلمان الايراني السابق رقم ٢٠٧١ قوبلت وصحّحت بإشراف المؤلّف وفيها اُخرى برقم ٤٩٨٢ م كتبت سنة ١٢٤٣ في حياة المؤلّف ، وفي جامعة طهران برقم ٢٧٢٠ و ٩٣٠ كما هو مذكور في فهرستها ج ٣ : ٥٨٤.

٤٢٣

عليّ شاه القاجاري ، مرتّباً على ثلاثة أبواب ، وطبع بإيران سنة ١٢٦٧ وسنة ١٣٠٠ وسنة ١٣٣٠. وهو في الردّ على البادري النصراني الذي أورد الشبهات على دين الإسلام. وكان من أفضل ثلاثة كتب صنّفت في هذا المورد.

٦ : عين الأُصول ، في اُصول الفقه (١).

٧ : مشكلات العلوم ، وقد جاء في الروضات بعنوان : (كتاب في مشكلات العلوم) ، وهو غير مشكلات العلوم الذي لوالده ، وغير الخزائن.

٨ : الخزائن (٢) ، فارسيّ بمنزلة التتميم والذيل لمشكلات العلوم تأليف والده ، وكلاهما مطبوعان ، والخزائن طبع مكرّراً منها سنة ١٢٩٠ ، ١٢٩٥ ، ١٣٠٧ ، ١٣٠٨ ، ١٣١٠ ، و ١٣٨٠ هـ.

٩ : شرح تجريد الأُصول : شرح كبير في ٧ مجلّدات ، مشتمل على جميع ما يتعلّق بعلم الأُصول ، فرغ منه سنة ١٢٢٢ هـ.

١٠ : عوائد الأيّام في مهمّات أدلّة الأحكام (٣) ، وقد طبع بإيران في سنة ١٢٤٥ و ١٢٦٦ هـ ، وعليه بعض الحواشي للشيخ الأنصاري سنة ١٣٢١ وطبع بالتصوير عليها أيضاً.

__________________

١. فرغ منه المؤلّف ٢٥ جمادى الآخرة سنة ١٢٠٨ منه مخطوطة في مكتبة البرلمان السابق رقم ٥٥٣٨ من مخطوطات القرن ١٣.

٢. منه مخطوطة في جامعة طهران برقم ٨٣٧ كما جاء في فهرسها ٣ : ٢٥٨.

٣. منه مخطوطة في مكتبة جامعة طهران برقم ٩٣٣٧ كتبت سنة ١٢٦٠ ذكرت في فهرسها ١٧ / ٣٥٠ ، ومخطوطة برقم ٨٦٨٨ ورقم ٨ / ١٠٥٣ وفي مكتبة المرعشي ٧١٤٨ كتبت في عهد المؤلّف ومصحّحة.

٤٢٤

١١ : هداية الشيعة (١) : في الفقه مختصراً ، ذكره نقلاً عن خطّه في لباب الألباب ، فرغ المؤلّف من كتاب الصلاة ١٣ شهر رمضان ١٢٣٤ هـ.

١٢ : معراج السعادة : فارسي (٢) في الأخلاق ، مأخوذ من كتاب والده : (جامع السعادات) ، ومرتّب على ترتيبه ، وطبع بإيران مكرّراً ، وتوجد منه نسخ متعدّدة بإيران والعراق ، وأقدم نسخة في النجف في مكتبة أميرالمؤمنين (عليه السلام) العامّة : كتابتها سنة ١٢٣٨ هـ ، واُخرى : كتابتها ١٢٦٥ هـ ، في كلّيّة الإلهيّات بمشهد خراسان.

١٣ : حجّية المظنّة : ذكر في فهرس تصانيفه.

١٤ : أسرار الحجّ : فارسىّ في أسراره وحكمه الباطنيّة وآدابه وأعماله الظاهريّة من الأدعية وبعض الزيارات ، طبع سنة ١٣٢١ هـ.

١٥ : رسالة في اجتماع الأمر والنهي.

١٦ : طاقديس : مثنوي فارسي ، لطيف في الحكم والمواعظ ، وقد طبع في طهران وغيرها أكثر من عشر مرّات من سنة ١٢٧١ إلى سنة ١٣٧٤.

١٧ : خلاصة المسائل : رسالة عمليّة فارسيّة في الطهارة والصلاة

__________________

١. منه مخطوطة في مكتبة المرعشي رقم ١٢٥ كتبت سنة ١٢٣٥ وعليها حواشي منه مدّ ظلّه وفي مكتبة سپهسالار رقم ٢٢٢٤ ، وفي جامعة طهران برقم ٣ / ٤٤٠٧.

٢. منه مخطوطة في مكتبة جامعة طهران رقم ٦٣٢١ كتبت سنة ١٢٦٤ ذكرت في فهرسها ١٦ / ٢٤١ واُخرى في مكتبة سبهسالار رقم ٥٨٥٤ كتبت سنة ١٢٧٥.

وقد طبع في طهران وتبريز وبمبي أكثر من ثلاثين مرّة أقدمها طبعة سنة ١٢٦٥ وآخرها وأحسنها طبعة دار الهجرة في قم سنة ١٤١٣.

٤٢٥

أحال في أواخره إلى (تذكرة الأحباب) له.

١٨ : الرسائل والمسائل : فارسيّ في أجوبة المسائل ينقل فيه عن كتب والده وعن (كشف الغطاء) لأُستاذه ، وهو في مجلّدين.

أولّهما : في الفروع التي سألها السلطان فتح علي شاه القاجار وغيره.

وثانيهما : في بعض المسائل الأُصوليّة وحلّ المشكلات ، صرّح بآسم الكتاب في أوّل المجلّد الثاني ، نسخة كتابتها سنة ١٢٣٠ ، في مكتبة أميرالمؤمنين (عليه السلام) في النجف.

١٩ : ديوان شعره الكبير بالفارسية. وكان يتلقب في شعره (صفائي) وذكر في الذريعة ٩ / ٦١٢ بآسم ديوان صفائي نراقي وقال : ترجمه في ض (رياض العارفين وهو معجم الشعراء الفرس) ص ٤٦٣ وفي مع (مجمع الفصحاء وهو أيضاً معجم الشعراء) ٢ / ٣٣ وذكر أنّه رأى ديوانه ونقل عنه قرب مائة بيت.

٢٠ : شرحه على كتاب لأبيه في الحساب.

٢١ : تذكرة الأحباب.

٢٢ : كتابٌ في التفسير.

٢٣ : لسان الغيب ، وهو منظومة فارسية مطبوعة.

٢٤ : منظومة فارسية اُخرى اسمها چهار صفر.

٤٢٦

من مقدّمة كتاب رياض المسائل (١)

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله بجميع محامده كلّها على جميع نعمه كلّها ، ثم الصلاة والسلام على أشرف أنبيائه وخاتم رسله وخير بريّته محمّد المصطفى وآله عترة الطُّهر والتُّقى.

إنّ الله تبارك وتعالى قد شرّف الفقه وجعله أفضل العلوم ، وأمر بتعلّمه وتعليمه بنصّ القرآن الكريم وعلى لسان نبيّه الأمين وعترته الميامين.

ولقد استطاعت المؤسّسة الفقهيّة الشيعيّة ـ بفضل ديمومة عطائها ، وعظم حيويتها ، وتكريسها لحركة الفكر والعقل ـ أن تكون الرائد الذي لا يجارى في هذا المضمار ، ابتداءً بمدرستي المدينة المنوّرة والكوفة وما ثبّته أميرالمؤمنين والصادقَين (عليهم السلام) من الاُسس المتينة ، ومروراً بمدرسة

__________________

١. رياض المسائل : موسوعة فقهيّة من تأليف السيّد علي الطباطبائي (قدس سره) ، تحقيق مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث ، طبع في سبعة عشر مجلّداً .. هذه المقدّمة دوّنتها مستفيداً من آراء بعض الفضلاء الأجلاّء ، شكر الله مساعيهم.

٤٢٧

الريّ ، ثم بغداد والنجف والحلّة وجبل عامل واصفهان والبحرين وكربلاء ، وانتهاءً بقم في عصرنا الحاضر.

والملاحظ أنّ حركة الفقه والاجتهاد قد انبثق منها محوران أساسيان خلال مسيرتها المباركة ، كلّ واحد منهما يمثّل مصداقاً بارزاً وعنواناً مضيئاً لهذه المؤسّسة ، بما له من الميزة والاختصاص ، من دون أن يكون منافياً للآخر ، فهما صنوان لا يفترقان.

أحدهما : الفقه الفتوائي.

وهو الذي يعنى ببيان الأحكام والفتاوى الشرعيّة من دون التعرّض إلى أدلّتها بالنقض والإبرام ; ويعرف من خلاله ـ وعند ذوي الاختصاص ـ مدى دقّة مصنّفه وقوّة مبانيه وبراعته في إرجاع الفرع إلى الأصل.

ومصاديقه كثيرة ، منها : المقنعة للشيخ المفيد ، النهاية والمبسوط لشيخ الطائفة الطوسي ، المهذّب لابن البرّاج ، المختصر النافع للمحقّق الحلّي ، القواعد والتبصرة للعلاّمة الحلّي ، واللمعة للشهيد الأوّل .. وغيرها ، مضافاً إلى الرسائل العملية لفقهائنا المعاصرين.

وقد يكون الغرض في بعض تلك المصنّفات صيرورتها دستوراً عمليّاً لعامّة المؤمنين الذين لا بُدّ لهم من الرجوع إلى فتاوى الفقهاء ، وذلك مثل : الرسائل العمليّة للفقهاء المعاصرين.

وفي بعضها الآخر ـ ولأجل أنّ عباراتها كانت مضغوطة معقّدة ، لم تكن ملائمة لعامّة الناس ـ صيرورتها متوناً دراسيّة لطلاّب الفقه ، وذلك مثل : قواعد الأحكام وتبصرة المتعلّمين.

٤٢٨

الآخر : الفقه الاستدلالي.

وهو الذي يهتمّ بالتفصيل في عرض الأحكام الشرعيّة مع أدلّتها ، بالقبول أو الردّ ، بالترجيح أو التضعيف ، بالإبرام أو النقض ، على نحو من التوسّع في البيان ، والإحاطة بالأسانيد والأقوال ، وكثرة الفروع وتشعّبها ، ملحوظٌ فيه جانب البحث والمناقشة والعرض العلميّ بشكل جلي.

ومن أمثلته : منتهى المطلب للعلاّمة الحلّي ، الذكرى للشهيد الأوّل ، المسالك والروضة للشهيد الثاني ، جامع المقاصد للمحقّق الكركي ، مجمع الفائدة للأردبيلي ، المدارك للسيّد السند ، كشف اللثام للفاضل الهندي ، رياض المسائل للطباطبائي ، المستند للنراقي ، جواهر الكلام للشيخ محمّد حسن النجفي ، وغيرها.

ولقد مرّ الفقه الشيعي بعدّة أدوار ، يعتقد البعض أنّها سبعة : التشريع ، التدوين ، التطوّر ، الجمود والتقليد ، النهوض ، الرشد والنمو ، التكامل ; وهذا الأخير استطاع فيه الفقه الشيعي أن يبلغ ذروته من حيث المتانة ، والمرتبة الرفيعة من الدقّة ، والضبط ، وتقوية الاُصول ، وتفريع الفروع ، ورقيّ الاستنباط.

ولعلّ هذه الدرجة السامية ، والمقام الشامخ ، والنضوج التام ، هي حصيلة النزاع الذي كان دائراً آنذاك بين المدرسة الأخباريّة ومدرسة الفقه والاجتهاد ، فقد كانت الاُولى سائدة ومزدهرة في كربلاء بعد أن تركّزت وانتشرت في البحرين.

٤٢٩

ولا يبعد أن يقال : إنّ فكرة الأخباريّة في الإماميّة قد نشأت منذ عهد قديم في قبال فكرة الاجتهاد.

فالاتّجاه الأخباري يعتمد الجمود على ظواهر النصوص ، بينما يعتمد الاتّجاه الاجتهادي ـ بالإضافة إلى ظواهر النصوص ـ الإدراك العقلي ، ويقيس ظواهر النصوص على اُمور خارجة عن نطاقها من المدركات العقليّة والاُصول المسلّمة.

وهذا الاتّجاهان قد شكّلا في الفقه العامّي والإمامي مدرستين متقابلتين ، فنشأت في الأوّل مدرسة الرأي والقياس ، وعلى رأسها أبوحنيفة ، وفي قبالها مدرسة الظاهريّة ، وعلى رأسها داود الظاهري وأحمد بن حنبل.

ونشأت في الثاني مدرسة الاجتهاد والاستنباط ، وعلى رأسها أمثال : زرارة بن أعين ويونس بن عبدالرحمن والفضل بن شاذان ، وفي قبالها مدرسة كان يعبّر عن أهلها بأصحاب الحديث أو الحشويّة.

ولا نعني بهذه المقارنة إثبات وحدة المسلكين ـ الظاهري والأخباري أو القياسي والاجتهادي ـ كلاّ ، فإنّ بينهما فوارق أساسيّة ، فإنّ مثل زرارة ويونس بريء من القول بالقياس الذي تبنّاه أبوحنيفة وأصحابه (١).

__________________

١. وإن كانوا قد نُسِبوا إلى القول بالقياس ، فإنّ له معنى آخر لا مجال لذكره هنا .. وهذه النسبة هي من الشواهد على وجود اتّجاه عقليّ في الأشخاص المنسوب إليهم يشابه القياس في بعض الجهات.

٤٣٠

وإنّما عنينا بهذه المقارنة اشتراك المدرسة الظاهريّة في الفقه العامّي والأخباريّة في الفقه الإمامي في نقطة ، هي شجب الإدراك العقلي والجمود على محتوى الحديث ، وتقترن هذه الفكرة في الغالب بتسرّع في تصديق الأخبار ، وحسن ظنّ بالرواة ، وقلّة التدبّر في مضمون الروايات ، مع ما كان يمتلكه أصحابها من شموخ في الفضيلة وعلوّ في المرتبة.

وقد أشار الشيخ المفيد (رحمه الله) إلى جماعة منهم بقوله : لكنّ أصحابنا المتعلّقين بالأخبار أصحاب سلامة وبُعد ذهن وقلّة فطنة ، يمرّون على وجوههم في ما سمعوه من الأحاديث .. (١).

وقد شكاهم شيخ الطائفة في مقدّمة المبسوط بقوله : وتضعف نيّتي أيضاً فيه ـ أي في عمل كتاب يشتمل على مسائل الفروع ـ قلّة رغبة هذه الطائفة فيه ، وترك عنايتهم به ; لأ نّهم ألفوا الأخبار وما رووه من صريح الألفاظ ، حتى أنّ مسألة لو غيّر لفظها وعبّر عن معناها بغير اللفظ المعتاد لهم لعجبوا منها وقصر فهمهم عنها (٢).

وأشار إليهم المحقّق في أوّل المعتبر ، وعبّر عنهم بالحشويّة (٣).

وعن نهاية الاُصول للعلاّمة (قدس سره) في مقام إثبات حجّية خبر الواحد : أمّا الإماميّة ، فالأخباريون منهم لم يعوّلوا في اُصول الدين وفروعه إلاّ على أخبار الآحاد المرويّة عن الأئمّة (عليهم السلام) ، والاُصوليون منهم ـ كأبي

__________________

١. حكاه عنه في كشف القناع : ٢٠٤.

٢. المبسوط ١ : ٢.

٣. المعتبر ١ : ٢٩.

٤٣١

جعفر الطوسي وغيره ـ وافقوا على خبر الواحد ، ولم ينكره سوى المرتضى وأتباعه (١).

ثم إنّ الاتّجاه الأخباري وإن كان موجوداً بين الإمامية منذ عصر قديم ، ولكن الفكرة السائدة بينهم هي فكرة الاجتهاد والاُصول ، التي كانت متمثّلة في كتب المفيد والمرتضى والطوسي والحلّي والمحقّق والعلاّمة والشهيد الأوّل والكركي والشهيد الثاني والأردبيلي وتلميذيه صاحبي المدارك والمعالم وغيرهم ، ومع اختلافهم في الآراء الاُصوليّة وطريقة الاستنباط لكنّهم متّفقون على شجب فكرة الأخباريّة.

وفي أوائل القرن الحادي عشر تحوّلت الفكرة الأخباريّة إلى حركة في ساحة التدوين والتأليف وضع أُسسها الميرزا محمّد أمين الاسترآبادي (قدس سره) (١٠٣٢ هـ. ق) فأ لّف لهذه الغاية كتابه «الفوائد المدنيّة».

قال المحدّث البحراني (قدس سره) في المقدّمة الثانية عشرة من الحدائق : ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقوع هذا الاعتساف إلاّ من زمن صاحب الفوائد المدنيّة سامحه الله تعالى برحمته المرضيّة ، فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الأصحاب ، وأسهب في ذلك أيّ إسهاب ، وأكثر من التعصّبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب (٢).

وقد تأ ثّرت بأفكاره من بعده جماعة من أجلّة علمائنا المحدّثين ،

__________________

١. حكاه عنه في كشف القناع : ٢٠٣.

٢. الحدائق الناضرة ١ : ١٧٠.

٤٣٢

من قبيل : المحدّث الفيض الكاشاني والمحدّث الحرّ العاملي (قدس سرهما) ، فصنّف الفيض كتابه «الاُصول الأصيلة» والذي هو كالتلخيص للفوائد المدنيّة ، وإن خالفها في بعض المواضيع.

وفي تلك الفترة ـ أي القرن الحادي عشر حتى أواسط القرن الثاني عشر ـ نشأت في مدرسة الإماميّة حركة نشيطة همّها جمع الأحاديث أو شرحها ، وهي حركة مباركة أمدّت العلوم الإسلاميّة بشتى أشكالها ، فاُلّفت موسوعات حديثيّة من قبيل : وسائل الشيعة وبحارالأنوار والوافي ، وشروح وتعليقات على كتب الحديث ، مثل : روضة المتّقين ، مرآة العقول ، ملاذ الأخيار.

وقد أصاب الفقه الاجتهادي في ذلك العصر شيءٌ من الفتور ، ولكن ذلك لم يقف حائلاً أمام ديمومة حركته ، فقد صُنّفت في تلك الفترة ـ وعلى مبنى الاجتهاد ـ مؤلّفات ..

منها : كشف اللثام في شرح قواعد العلاّمة ، لمحمّد بن الحسن الاصبهاني المعروف بالفاضل الهندي (١١٣٥ هـ. ق) الذي يعتمد عليه في الجواهر على حدّ كبير ، وحكي أنّه لا يكتب شيئاً من الجواهر لو لم يحضره ذلك الكتاب (١).

ومنها : مشارق الشموس في شرح الدروس ، للمحقّق الكبير السيّد حسين الخوانساري (١٠٩٨ هـ. ق) فإنّه وإن لم يبرز منه إلاّ كتاب الطهارة ،

__________________

١. اُنظر الكنى والألقاب ٣ : ٨.

٤٣٣

لكنّه مشحون بتحقيقات اُصوليّة يحكيها عنه المتأخّرون ، مثل الشيخ الأعظم الأنصاري. وذكر المحقّق التستري : أنّ الوحيد البهبهاني قد يعبّر عن الخوانساري باُستاذ الكلّ في الكلّ (١).

ثم في أواخر القرن الثاني عشر وجد المسلك الأخباري نفسه وجهاً لوجه أمام بطل الاجتهاد العملاق وفذّه المقدام ، طود العلم الشامخ ، الاُستاذ الأكبر ، وحيد الدهر وفريد العصر ، مولانا العلاّمة محمّد باقر البهبهاني (١٢٠٦ هـ. ق) الذي كرّس غاية جهوده لأجل عزل هذا المسلك وإضماره ، فكان أن نال من التوفيق ذروته ، ومن النصر أعزّه وأبهاه.

وقد وصفه المحقّق التستري بقوله : شيخنا العظيم الشأن ، الساطع البرهان ، كشّاف قواعد الإسلام ، حلاّل معاقد الأحكام ، مهذّب قوانين الشريعة ببدائع أفكاره الباهرة ، مقرّب أفانين الملّة المنيعة بفرائد أنظاره الزاهرة ، مبيّن طوائف العلوم الدينيّة بعوالي تحقيقاته الرائقة ، مزيّن صحائف الرسوم الشرعيّة بلآلئ تدقيقاته الفائقة ، فريد الخلائق ، واحد الآفاق في محاسن الفضائل ومكارم الأخلاق ، مبيد شبهات اُولي الزيغ واللجاج والشقاق على الإطلاق بمقاليد تبيانه الفاتحة للأغلاق الخالية عن الإغلاق ، الفائز بالسباق الفائت عن اللحاق ... (٢).

وهو ـ رحمه الله ـ كان جامعاً للعلوم الإسلاميّة ، فكان متضلّعاً بعلم الحديث بشعبه ، والقواعد الاُصولية الرصينة ، خبيراً جدّاً بالمباني الفقهيّة ،

__________________

١. اُنظر مقابس الأنوار : ١٧.

٢. مقابس الأنوار : ١٨.

٤٣٤

وشرحه الكبير على المفاتيح وحواشيه على المدارك أصدق شاهد على ذلك.

وقد عاد ـ بفضل ما قام به المولى الوحيد نوّر الله مرقده من دور عظيم ـ إلى مدرسة الفقه والاجتهاد ـ بل إلى مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) عموماً ـ مجدها وانسجامها ، وتطوّرت وازدهرت ، وتخرّج من حوزته الكبرى (رحمه الله) جمٌّ غفير من أعاظم الفقهاء وفطاحل العلماء ، لكلّ منهم ميزة فائقة ، وشدّ بعضهم الرحال إلى النجف الأشرف ، مثل : السيّد بحرالعلوم ، والشيخ جعفر الكبير كاشف الغطاء ، وبعضهم إلى قم المقدّسه ، مثل : الميرزا القمّي ، وبقي بعضهم بكربلاء المقدّسة ـ موطن الوحيد ـ كالسيّد صاحب الرياض والميرزا الشهرستاني.

وبقيت كربلاء محافظة على دورها العلمي الريادي حتى وفاة المربّي العظيم محمّد بن حسن علي الآملي الحائري المشهور بشريف العلماء سنة ١٢٤٥ هـ. ق ، الذي تتلمذ على صاحب الرياض.

وتكميلاً للفائدة ، فلا بأس بالإشارة إلى المحاور الهامّة التي صارت محلاًّ للخلاف بين الأخباريين والاُصوليين ، وهي كالتالي :

١ ـ استقلاليّة علم الاُصول ووضعه أساساً للفقه.

قال الشيخ حسين الكركي (قدس سره) أحد علماء الأخباريين بهذا الصدد : إنّ علم الاُصول ملفّق من علوم عدّة ومسائل متفرّقة ، بعضها حقّ وبعضها باطل ، وضعه العامّة لقلّة السنن الدالّة على الأحكام عندهم وبنوا عليه

٤٣٥

استنباط المسائل الشرعيّة النظرية (١).

ونقل عنهم الوحيد بقوله : وشبهتهم الاُخرى هي : أنّ رواة الحديث منّا والتالين لهم لم يكونوا عالمين به قطعاً ، مع علمهم بهذه الأحاديث الموجودة ، ولم ينقل عن أحد من الأئمّة (عليهم السلام) إنكارهم ، بل المعلوم تقريرهم لهم ، وكان هذا الحال مستمرّاً إلى عصر ابن أبي عقيل وابن الجنيد رحمهما الله ثم حدث هذا العلم بين الشيعة ، فلا حاجة إليه.

وأجاب عنه المجتهدون بـ : أنّ كثيراً من المسائل الاُصوليّة كانت موجودة لدى فقهاء أصحاب الأئمّة منذ أيّام الصادقَين (عليهما السلام) ، ووردت فيها روايات عنهم (عليهم السلام) من قبيل : حجّية الخبر ، وحجّية ظواهر الكتاب ، وأصالة البراءة ، والبحث عن القياس ، وعلاج التعارض.

ونرى في كلام الفضل بن شاذان (٢) صورة جليّة عن التفكير الاُصولي ، أشار فيه إلى مسألة اجتماع الأمر والنهي وقال بجوازه ، وإلى الفرق بين النهي المولوي والإرشادي ، وأنّ الثاني يقتضي الفساد في المعاملات دون الأوّل.

مضافاً إلى أنّ استغناء أصحابهم (عليهم السلام) عن الاُصول ـ لمعاصرتهم إيّاهم (عليهم السلام) ـ لا يدلّ على استغناء الفقهاء البعيدين عن عصرهم (عليهم السلام) وقد خفي عليهم أكثر القرائن والملابسات التي كانت تكتنف بالنصوص ممّا يؤدّي إلى وضوح معناها.

__________________

١. هداية الأبرار : ٢٣٤.

٢. المحكي في الكافي ٦ : ٩٢ ـ ٩٣.

٤٣٦

٢ ـ اعتماد المجتهدين في إثبات الأحكام الشرعيّة على الظنون.

وهذا ما نسبه الأخباريّون إلى المجتهدين ، وهم قد برّءوا أنفسهم عن العمل بالظنّ ، وقالوا : نحن نعمل بالأخبار دون الظنون ; وجماعة منهم ادّعوا قطعيّتها.

وأجاب عنه المجتهدون في ما يرجع إلى الدعوى الاُولى ـ أي عمل المجتهدين بالظنون ـ بأ نّه إن كان المراد بالظنّ : الظنّ الذي لم يقم على حجّيته دليل قطعي ، فالعمل به ممنوع عند الاُصوليين بتاتاً. وإن كان المراد منه : الظنّ الذي قام على حجّيته دليل قطعي ، فهو مسلّم ولا ضير فيه ، كالظنّ الحاصل من ظهورات الكلام أو أخبار الثقاة .. وقد توسّعوا في البحث عنه في محلّه في علم الاُصول.

وأمّا بالنسبة إلى الدعوى الثانية ـ أي العمل بالأخبار ـ فهي أمر وافق عليه المجتهدون مع توفّر شرائط الحجّية ، فإنّ الأخبار هي العمدة في استنباط الأحكام عند المجتهدين كما هو واضح ، ولكنّها في الأغلب تكون ظنّيةً صدوراً أو دلالةً ، والشواهد التي اُقيمت على إثبات قطعيّة الأخبار غير وافية (١).

٣ ـ قد يعتمد المجتهدون في إثبات الحكم الشرعي على مقدّمات عقليّة ، في حين أنّ دين الله لا يصاب بالعقول ، والعمل بالرأي والقياس ممنوع في مدرسة أهل البيت (عليهم السلام).

__________________

١. اُنظر معجم رجال الحديث ١ : ٢٢ ـ ٣٦.

٤٣٧

وأجاب عنه المجتهدون بما أوضحوه في بحث القطع من الاُصول بـ : أنّ المقدّمات العقليّة إذا لم تنتج إلاّ الظنّ فهي ليست بحجّة ، وتدخل في باب القياس والاستحسان والمصالح المرسلة.

وأمّا الملازمات العقليّة التي بها يستفاد الحكم من النصوص الشرعيّة ، فهي حجّة ذاتيّة لا يعقل الردع عنها ، بل أمضاها الشارع وأرشد إليها ، من قبيل : استلزام الأمر بالشيء الأمر بمقدّمته ، وغير ذلك .. فمتى سلّم هذا الاستلزام لا معنى لطرح حجّيته ، فإنّه من قبيل لوازم الكلام ، ولا يرتبط بالقياس والرأي الممنوعين.

٤ ـ يعتمد المجتهدون على ظواهر الكتاب ولو لم يرد فيه تفسير عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) ، وهو عند الأخباريين مصداق التفسير بالرأي الممنوع عنه في الروايات .. وهذا ما ذهب إليه معظمهم ، وشذّ عنه بعضهم (١).

وقد بحث المجتهدون عنه في الاُصول موسّعاً ، وأثبتوا حجّية ظاهر الكتاب بحسب الروايات وشهادة نفس الكتاب ، ودفعوا الإشكال عنها.

٥ ـ عدم التزام الاُصوليين بحجّية الرواية بمجرّد وجودها في إحدى الكتب الروائيّة ، وإنّما يرون لحجّيتها شروطاً بلحاظ الرواة ، أو بلحاظ عمل المشهور وعدم إعراضهم عنها.

وفي قبالهم يعتقد الأخباريّون حجّية كلّ الروايات الموجودة في الكتب الأربعة وما يماثلها ، وبعضهم ادّعى قطعيّتها ; واستشهدوا على

__________________

١. كالفيض الكاشاني في الاُصول الأصيلة : ٣٦ ـ ٣٧.

٤٣٨

دعواهم بأمور زيّفها المجتهدون (١).

٦ ـ يعتني المجتهدون بعلم الرجال ; باعتباره متصدّياً لتمييز آحاد السند من الجرح والتعديل ، والذي هو دخيل في اعتبار الرواية وعدمه.

وأمّا الأخباريّون ، فلاعتقادهم صحّة كلّ الروايات الموجودة في الجوامع الحديثيّة ، وجدوا أنفسهم في غنىً عن علم الرجال وعلم الدراية الذي يبحث عن أحوال الحديث.

وهذا المحور من الخلاف متفرّع عن المحور السابق.

٧ ـ المشهور بين المجتهدين جريان البراءة في الشبهات التحريميّة.

وخالفهم الأخباريّون وقالوا بوجوب الاحتياط فيها ; أخذاً بظاهر الأدلّة الآمرة بالتوقّف والاحتياط في الشبهات.

وأجاب عنهم المجتهدون بـ : أنّ التأمّل الوافي في الروايات المشار إليها يعطي أنّ الأمر بالتوقّف فيها إرشاديٌّ لا مولوي ، ومقتضى حديث الرفع وغيره هو البراءة.

هذا ، وهناك خلافات اُخر لعلّها لا تكون إلاّ بين الأخباريين وجمع من الاُصوليين لا جميعهم ، وذلك مثل : حجّية الإجماع المنقول.

كما أنّه قد تذكر نماذج من مسائل فقهيّة بعنوان الخلاف بين الفريقين وهي أيضاً متفرّعة عن بعض الخلافات المتقدّمة في المسائل الاُصوليّة.

__________________

١. راجع الفصل الثامن من كتاب اجتهاد الأخبار للوحيد البهبهاني ، رجال السيّد بحرالعلوم ٤ : ١٧٣ الفائدة الرابعة ، الحقّ المبين لكاشف الغطاء : ٣٤ ، معجم رجال الحديث ١ : ١٩.

٤٣٩

نحن والكتاب

إنّ الجهود التي كرّسها الوحيد ـ نوّر الله مرقده ـ قد أينعت وأتت بالثمر العظيم على مختلف المجالات ، ولاسيّما مجال التصنيف ، الذي عاش ـ ولا زال ـ عصراً باهراً يمتاز بالتكامليّة ، المقرونة بالدقّة الفائقة ، والضبط الرفيع ، والقواعد المحكمة ، وكثرة الفروع وتشعّبها ، ومتانة الاستنباط.

ويعدّ كتابنا «رياض المسائل» خير نموذج وأوضح مصداق يجمع ـ وبشكل شامل ـ بين مباني الوحيد وخصائص مرحلة التكامل ، فإنّ مصنّفه «السيّد علي الطباطبائي» المشتهر بتبحّره في علم الاُصول ، قد أبدى مهارة فائقة وبراعة قلّ نظيرها في إرجاع الفروع إلى الاُصول ، الاُصول التي اعتمدها اُستاذه الوحيد ودحر بها الأخباريين ، فلقّنها إيّاه خير تلقين ، وأجاد استثمارها وأبدع فيها خير إبداع ، سالكاً في الاستدلال بها مسلكاً استحال على غيره ، بل عسر ، متعرّضاً لكلّ ما توصّل إليه من الأدلّة والأقوال.

إنّ «رياض المسائل» غرّة ناصعة على جبهة الفقه الشيعي ـ بل الإسلامي ـ ونجم ساطع في سماء الفقه الاستدلالي ، وآية باهرة لكيفيّة الاجتهاد والاستنباط ، حسن الترتيب ، كثير الفوائد جدّاً ، يضمّ ـ بالإضافة إلى دقّته في الاستدلال ـ الإحاطة بشتّى جوانب البحث ، مشفوع بنقل الروايات والكلمات بعبارات موجزة بليغة ، اقتصر فيه على اُمّهات الفروع

٤٤٠