🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

والأمانة التي نتحدّث عنها مراراً وتكراراً في أروقتنا الأخلاقيّة والاجتماعيّة والعمليّة هي ذاتها الأمانة الواجب مراعاتها في «التحقيق» : الأمانة في الانتخاب ، الأمانة في المقابلة ، الأمانة في الاستخراج ، الأمانة في ضبط الأسانيد والأعلام ، الأمانة في ضبط وتقويم النصّ ، الأمانة في صياغة الهوامش ، الأمانة في المراجعة والإشراف النهائي ، الأمانة في الفهرسة ، الأمانة في كتابة المقدّمة ، الأمانة في الطباعة والنشر والتوزيع ، وهكذا الرغبة والعشق والأناة ... كلّها يجب أن تكون حاضرةً في العقل والضمير والأحاسيس كي يكون النتاج التحقيقي بكيفيّة أرقى ونوعيّة أسمى.

٦ ـ تقويم النصّ

حينما يقال : تحقيق النصوص ، فالمتبادر منه تقويم النصّ ، إذ التحرير والتصحيح والتهذيب والإثبات والتصديق ، كلّها عناوين لمفاهيم ومعاني يكشف عنها تقويم النصّ ، بل التغاير بينها وبينه تغايرٌ مفهومي ليس إلاّ. ومن هنا فإنّ تقويم النصّ اُسّ التحقيق وقلبه ، ولا معنى للثاني بدون الأوّل.

إنّ حسّاسيّة وأهمّيّة تقويم النصّ تكمن في ضبط المتن والعبارة والمفردة والحرف ضبطاً علميّاً دقيقاً مستنداً إلى الأدلّة والمعايير المنهجيّة السليمة ، وكلّما كان النصّ دقيق الضبط كلّما كان المستوى التحقيقي مرتفعاً عالياً ، وهكذا العكس.

٣٨١

إنّ مرحلة تقويم النصّ تنطوي على دعامتين أساسيّتين :

أ ـ الدعامة العلميّة : حيث يُقرَأ النصّ قراءةً دقيقةً معمّقةً توجب الفهم الشافي والاستيعاب الوافي ; إذ الفهم الصحيح يوجب توزيعاً صحيحاً للمتن ، والفهم الخاطئ يوجب توزيعاً خاطئاً للمتن.

ب ـ الدعامة الفنّيّة : المستندة إلى الدعامة العلميّة ، حيث يترشّح منها كيفيّة التوزيع الفنّي للنصّ من خلال وضع الفارزة والفارزة المنقوطة والنقطة ورأس السطر والصفحة الجديدة ، وسائر العلائم والإشارات من الشارحات والمعترضات والأقواس والمعقوفات والمنجّمات .. إلى ذلك القواعد الإملائيّة الصحيحة التي تُعدّ من الاُمور التي طالما يُبتلى بها في ضبط النصّ.

ويمتلك مقوّم النصّ الصلاحيّات والاختيارات الواسعة ويخضع له عمل اللجان السابقة ، فهو يفترش قصاصات المقابلة والتخريج وضبط الأسانيد والأعلام ، ويناقشها ويبحث فيها ويراجعها بعناية ودقّة كافية كي يتّخذ القرار المناسب في الإبقاء على الموجود أو التغيير حذفاً أو إضافةً أو تحويراً.

إنّ مقوّم النصّ ينظر في اختلاف النسخ المخطوطة من خلال قصاصة المقابلة فيقرّر ماهيّة الراجح والمرجوح ، الصحيح والخطأ ; فلعلّ الخطأ في تلك المخطوطة بيّنٌ واضح لا يحتاج إلى إشارة ، ولعلّ اللفظ أو العبارة محتملة الوجهين ، حينها يعمد إلى تشخيص الراجح فيثبت في

٣٨٢

المتن وتشخيص المرجوح فيشار له في الهامش.

كلّ هذا على ضوء مبنى التلفيق بين النسخ المخطوطة ، أي لا توجد لدينا نسخة أصل في المقام ، ونسخة الأصل هي التي تكون عادةً بخطّ المصنّف أو مقروءة عليه أو مقابلة في حياته أو عليها بلاغاته وما سوى ذلك. وبفقدان نسخة الأصل يعمد إلى التلفيق بين محتوى النسخ المخطوطة المتوفّرة للحصول على نصّ ومتن أقرب إلى الأصل وأقلّ خطأً.

وفرقٌ ما بين منهج الأصل ومنهج التلفيق :

فعلى الأوّل : يبقى المتن على حاله دون أدنى تغيير ، وإن كانت هناك استظهارات وآراء مخالفة فالهامش محلّها ، لذا التقيّد بالنصّ والحفاظ عليه مؤشّرٌ أساسي في منهج الأصل.

أمّا الثاني ـ أي منهج التلفيق ـ : فاليد فيه مفتوحة للتغييرات والإضافات والحذف والتصحيحات طبق المتوفّر من المخطوطات من غير الأصل ، فيلتئم النصّ بهذه المخطوطة وتلك ، وصولاً إلى أقرب متن للمؤلّف.

وكما أسلفنا فإنّ مقوّم النصّ ناظر ومشرف ومتصرّف بعمل المراحل واللجان السابقة عليه. وهو الذي بعمله يعطي الهيئة والمحتوى العلمي النهائي ـ تقريباً ـ للمشروع ; إذ لم تبق إلاّ اللمسات الأخيرة التي يضعها المراجع والمشرف النهائي.

٣٨٣

وممّا يميّز دور وعمل مقوّم النصّ نهوضه بأعباء ومهامّ ثقيلة في آن واحد ; حيث يقرأ النصّ قراءةً علميّةً دقيقةً تستدعي فهماً ودركاً تامّاً للمطلب والجملة والكلمة ، وجرّاء ذلك الفهم يعمد إلى توزيع النصّ فنّيّاً مع ملاحظة المسائل النحويّة والإعرابيّة والإملائيّة واختلاف النسخ وضبط الأسانيد والكلمات الغامضة والمواضع المفتقرة إلى نوع بيان هامشياً ، والنظر في الاستخراجات ومصادرها ومراجعة بعضها إذا اقتضت الضرورة ، ولاسيّما حين الاستعانة بها في ضبط المتن أو الشكّ بها وحصول التردّد من وجود المطلب المشار إليه في المتن فيها وعدمه .. وسائر الجهات التي لابدّ من مراعاتها ليأخذ النصّ شكله النهائي.

ولا تتناسب السرعة والعجلة مع خصائص مقوّم النصّ ، فلابدّ أن يكون متعمّقاً متأنيّاً دقيقاً في استيعاب النصّ وفهمه كي يتمكّن من اتّخاذ القرار الحاسم في التغيير أو الإبقاء ، الحذف أو الإضافة ، الإشارة وعدمها ، البيان هامشيّاً وعدمه.

ولا يلتفت مقوّم النص إلاّ إلى النصّ فقط ، ولا يهمّه كثيراً كون المؤلّف فلاناً أو فلاناً ، بل الذي يهمّه صحّة النصّ من عدمها ، نقصه أو الإضافة فيه ، إبهامه أو وضوحه ... ففي ذات الوقت الذي يمتلك فيه الجرأة على الإقدام فهو يمتلك أرقى مراتب الحيطة الحذر والاحتياط ; إنّه يميل بميل الدليل ولا يكترث بغير ذلك.

إنّ عمليّة تقويم النصوص لو جرت طبق الموازين الصحيحة

٣٨٤

والملاكات السليمة والضوابط الصائبة ، فإنّها لا تعدّ حينئذ مجرّد فحص وتحرير وتحقيق وتصحيح للمتون ، بل توجِد البواعث القويّة والدواعي الراسخة والهمّة العالية نحو الانفتاح على مراتب الطموح الراقية ، المراتب التي تجعل العقل يبدع ويبتكر ويمتلك زمام المبادرة نحو صنع الجديد ، نحو التفكير بالموجود وبغير الموجود.

إنّها تخلق وتبلور الإرادة الصلبة نحو تهذيب وتنقيح الذهن وتغذيته بالطرق الناجعة للتفكير.

نعم ، إنّها معادلة منطقيّة فيها مقدّمات وتوالي ، صغرى وكبرى ونتيجة ، إنّها مجموعة علاقات ودلالات وتصوّرات وتصديقات وقضايا وصناعات ، تجري بنسق منتظم لتبلغ نقطة الهدف.

إنّ عمليّة تقويم النصوص تساهم في الحصول على حرّيّة أكبر في التفكير والتصميم واتّخاذ القرار الحاسم ، فهي بالرغم من جمعها المتناقضات ـ مثل الجرأة والخوف ـ لكنّها تزرع وتغرس بذور الانطلاقة الواسعة نحو ذهنيّة تَقْبَلُ وتَرْفِضُ ، تغيّر وتثبّت ، تحذف وتضيف ، تبيّن وتعلّق ، تصوّب وتنتقد.

وهذه بحدّ ذاتها خطوة وجسر ومعبر إلى المقصد الأساس ، المقصد المتسامي فوق القيود والحدود والخطوط التي قد تعيق حركة العقل والفكر بلا أدنى تجاوز أو تهافت مع القيم والاُصول والثوابت ... وما هذا المقصد المعهود إلاّ الفهم الذي يستوعب ضرورات الظرف أنّى كانت

٣٨٥

ويحافظ على المبادئ بل يزيدها صقلاً وتأ لّقاً وبهاءً.

أمّا إذا توقّفت عمليّة تقويم النصّ بحدودها الروتينيّة فإنّها توقف صاحبها وتودعه زنزاناتها التي تجعل منه مجرّد آلة ذهنيّة لأغراض خاصّة.

٧ ـ صياغة الهوامش

بعد الفراغ من ضبط النصّ علميّاً وفنّيّاً يعمد مقوّم النصّ إلى تنظيم قصاصة الهوامش وتسجيل ما ينبغي الإتيان به في الهامش وممّا لا ينبغي الإتيان به ; فيدفع بها إلى كاتب الهوامش ليصوغها صياغةً فنّيّة طبق المنهج المقرّر.

ولابدّ لكاتب الهوامش أن يمتلك الخطّ الواضح والمؤهّلات الخاصّة التي تمكّنه من صياغة الهوامش بشكل فنّي صحيح ، فهو يعرف ـ بطبيعة الحال ـ تسلسل المصادر والمراجع والعلماء تأريخيّاً ، كي لا يُقدِّم المتأخّر زماناً ولا يؤخّر المتقدّم ، وهو أيضاً يجيد فنّيّات الربط بين المتن والهامش ، وكيفيّة تدوين أسماء الأعلام والمصادر ، والفرق بين الحديثيّة منها ـ مثلاً ـ والفقهيّة والرجاليّة ، وهكذا. كما له اطّلاع مقبول في اللغة العربيّة وعلومها.

ولنا في أصل وأساس موضوع الهوامش كلام ، إذ البعض يعمد إلى التوسّع فيها بشكل يزيد من حجم الكتاب ويثقل كاهل القارئ ويشتّت

٣٨٦

الذهن ، فلو كان ـ مثلاً ـ بحثٌ في قراءة قرآنيّة معيّنة ، ترى المحقّق يشير إلى شتّى الاختلافات في تلك القراءة ومصادرها والموارد الاُخرى في غيرها من الآيات ، فينتفخ الهامش انتفاخاً عجيباً .. أو في ترجمة عَلَم من الأعلام ، ترى التفصيل فيها وفي مراجعها يكاد يخرج الهامش عن طبيعته المعتادة .. أو توثيق قول ورواية ومَثَل وبيت شعر .. وهكذا في سائر الموارد الاُخرى.

بينا نرى البعض مقتصداً تمام الاقتصاد بحيث يجعل القارئ محتاجاً إلى توسّع أكثر.

ونرى ثالثاً ينهج نهجاً متوسّطاً بين هذا وذاك.

ومعقول الأمر أن يكون الهامش ذا محتوى منطقي ، أي بمقدار ما يحتاجه المتن من إشارات وتوثيقات وبيانيّات ، لا أكثر ولا أقلّ ، فلا نحمّله أكثر من طاقته ولا نقتصد فيه اقتصاداً مُفْقِراً ، حينها يبقى الهامش في سياق الموضوعيّة المقرّرة له ولا يتجاوز الحدود المعهودة ، فيجعل القارئ محافظاً على التركيز والاستقرار ، ممّا يمهّد له الآليّات المناسبة التي تسهّل الربط بين المتن والهامش.

هذا ، وأنّ هناك من يجمع الهوامش كلّها نهاية كلّ موضوع ، أو نهاية كلّ كتاب ، أو يجعلها صفحة بصفحة .. ولعلّ النسق الأخير هو الأنسب والأكثر قبولاً عند القرّاء.

٣٨٧

٨ ـ المراجعة النهائيّة

لا تقلّ شأناً عن عمليّة تقويم النصّ ، بل تعدّ علميّاً أرقى رتبةً ; فهي عمليّة إشراف ونظارة وملاحظة وتفتيش وفحص لما قام به مقوّم النصّ من خطوات وجهود ، وهي تصطاد ما زاغ عنه الفكر والبصر وتوحّد الجهود المعرفيّة والتحقيقيّة والفنّيّة والتخصّصيّة كلّها تحت غطاء نهج ونسق واحد ، فهي محاولة أخيرة لإزالة ما يمكن إزالته من أخطاء ونواقص علميّة وفنّيّة وترمّم وتملأ الفجوات وتسدّ الثغرات إن وجدت. وخصائص صاحبها كخصائص مقوّم النصّ ، بل أوسع وأرقى وأكثر تجربة وحنكة وهيمنة.

ولا يغيب عن المراجع النهائي التواصل الدائم مع مقوّم النصّ للتباحث والمشورة قبل اتّخاذ القرار النهائي.

المراجع النهائي لابدّ أن يمتلك الشخصيّة العلميّة التخصّصيّة التي تجعل منه مرجعاً ومصدراً يلوذ به الآخرون لتجاوز الصعاب والمشكلات العالقة.

والمراجعة النهائيّة هي التي تمنح المشروع شكله ومحتواه العلمي النهائي.

٣٨٨

٩ ـ الفهرسة

الفهرسة عمليّة اختزال المطالب والموضوعات الموجودة.

وتختلف باختلاف الحاجة إليها ، فمن المشاريع التحقيقيّة ما يُكتفى فيه أو لا يتحمّل غير الفهارس الموضوعيّة ، يلحق بها الفهارس المتعارفة : الآيات ، الروايات ، الآثار ، الأمثال ، الأماكن ، الأعلام ، الألبسة ، الحيوانات ، الفرق والمذاهب والأديان ...

ومن المشاريع التحقيقيّة ما تضمّ أيضاً الفهارس العلميّة مثل : مباني المؤلّف الفلسفيّة ، الكلاميّة ، الاُصوليّة ، الرجاليّة ، اللغوية ، التفسيريّة ...

وهي بلا شكّ تساهم مساهمة فاعلة في الوصول إلى المقصود بأسرع وقت ممكن وتمهّد لإجراءات علميّة وتحقيقيّة وتخصّصيّة على غاية من اليسر والسهولة.

١٠ ـ المقدّمة

كتابة المقدّمة من المراحل المتعارفة في عمليّات التحقيق.

والمقدّمات على أصناف ، فمنها : مقدّمات كلاسيكيّة تتناول حياة المؤلّف ، وسيرته وما يتعلّق بها ، ومواصفات الكتاب وخصائصه ، إضافة إلى ما قيل بحقّ المؤلِّف والمؤلَّف.

ومنها : مقدّمات تعنى بالبحوث والدراسات العلميّة والتخصصيّة التي تعدّ بحدّ ذاتها نتاجاً معرفيّاً متوفّراً على الإبداع والابتكار نوعاً.

٣٨٩

وبإمكان كتابة المقدّمات أن تفتح آفاقاً للمواهب والطاقات التي قد لا تجد فرصاً اُخرى للتأ لّق في ميادين التدوين ، فتكون لها بوّابةً ومنطلقاً نحو مشاريع تأليفيّة أكبر ، وهذا ما يعني مزيداً من الإبداع والابتكار والتحرّر الفكري المشار إليه آنفاً.

١١ ـ الملاحظة الفنّيّة

عمليّة تخصّصيّة فنّيّة تمنح الكتاب شكله ومظهره من حيث تناسق الحروف والكلمات والأسطر والفقرات والصفحات والعناوين وأحجامها جميعاً طبق قياسات وحسابات معيّنة ودقيقة.

والملاحظة الفنّيّة لها الدور المؤثّر في إضفاء الجمال والجاذبيّة على صفحات الكتاب ; فكم من النتاجات التي يملّ الإنسان مطالعتها لسوء إخراجها الفنّي ; وكم من الكتب التي تأنس بها العين وتهفو لها الأذواق وتزداد لهفةً إلى تداولها وقراءتها لحسن إخراجها الفنّي.

وهذا الأمر أيضاً هامّ جدّاً بالنسبة إلى نوع الورق المستفاد في طباعة الكتاب وكيفيّة تصميم الغلاف والخطّ ونوع الجلد ولونه ، فكلّها اُمور دخيلة ومؤثّرة في مرغوبيّة الكتاب وعدمها.

١٢ ـ المطالعة

مطالعة الكتاب يتكفّل مهمّتها أحد الأساتذة المرموقين والفضلاء البارزين علميّاً وتخصّصيّاً ، في أجواء وفضاءات بعيدة كلّ البعد عن أجواء

٣٩٠

وفضاءات مراحل التحقيق التي مرّ بها الكتاب. إنّها قراءة علميّة متأ نّيّة تفيد المشروع بملاحظات وإشارات ربما غُفل عنها أثناء مراحل التحقيق برمّتها.

١٣ ـ الطباعة والنشر

وهي على مراحل ، إذ يطبَع المتن النهائي كومبيوتريّاً ، ثم يقابَل ويصحّح ، ثم يطبع طبعة نهائيّة لينقل على القرص المضغوط CD ، الذي يأخذ طريقه لدور الطباعة والنشر.

هذا مضافاً إلى الطبعة الاُولى التي طُبع المتن بها وجرت عليها مراحل التحقيق المختلفة.

وآلية النشر والتوزيع لها الأثر الأساس في وصول النتاج إلى الأماكن والأيادي التي لابدّ من وصوله إليها.

* * *

هذا ، وتلعب فضاءات العمل ونوعيّة الأجواء دوراً هامّاً في الارتقاء بكيفيّة المشروع التحقيقي أو انخفاضها ، ونقصد بالفضاءات والأجواء : وجود المتنفّس المعنوي والداعي القوي والباعث المتين والإيمان بسلامة الهدف ، وتوفّر المرغّبات والمشجّعات وعمليّات الجذب والاستقطاب والاهتمام بالكوادر التحقيقيّة اهتماماً يعني التجليل والاحترام وتقدير الجهود وتذليل الصعاب المختلفة ولو بالمساهمة والمشاطرة ومتابعة

٣٩١

قضاياهم والاستماع الجادّ لهم ولما يقولون ويفصحون عن هموم ومعاناة ، فالكيان التحقيقي قائمٌ بهم ، فبإزاء الحرص والإتقان والأمانة والرغبة والتفوّق لابدّ من الاهتمام والاستجابة المنطقيّة لمطالب الكادر التحقيقي المتوفّرة فيه الصفات المذكورة ; سعياً إلى الارتقاء بالكيان ومشاريعه التحقيقيّة.

كما وتلعب التدفئة والتبريد والإضاءة المناسبة ونوعيّة الطاولات والكراسي والقرطاسيّات والخدمات المتنوّعة وطريقة تنظيم الكتب والمكتبة دوراً هامّاً في الحصول على نتاج أفضل.

ولا ننسى أيضاً أهمّيّة الهدوء وانعدام الضوضاء في الارتقاء بمستوى العمل.

* * *

إنّنا بعرضنا المراحل الثلاثة عشر ـ التي قد تكثر عند البعض وتقلّ لدى آخرين ـ نكون قد أعطينا صورةً تقريبيّة لمعنى التحقيق العملي وما يجري خلاله من عمليّات وخطوات وممارسات. ولا شكّ أنّه استعراض سريع وخاطف لجهود كبيرة تتخلّلها الصعاب والمعاناة والآلام ، قد تمتدّ إلى سنوات وسنوات طوال حتى يرى المشروع التحقيقي النور بحلّته الجديدة وشكله الحديث.

والمتأمّل جيّداً في المراحل المشار إليها يجد أنّها ضوابط وشروط وواجبات لابدّ من تنفيذها والتقيّد بها للخروج بمشروع تحقيقي ناجح ،

٣٩٢

فكلّ المساعي والطاقات والفضاءات في خدمة ذلك المشروع الموجود مسبقاً ، موجود بمحتواه وأفكاره وإبداعاته وثقافته ، تجتمع حوله مجموعة من النخب والأخصّائيّين ليعالجوا فيه سلسلة من الفجوات والفراغات المحتوائيّة والشكليّة والفنّيّة والجماليّة ليظهر بزيّ اليوم والعصر الحديث.

إذن هي أفكار وعقول وأحاسيس وبذل ذهني جسدي كلّها باختيار الأفكار والثقاقات والإبداعات والمضامين العائدة للآخرين.

وفي زحمة العمل التحقيقي ذي المشاقّ الفكريّة والعقليّة والروحيّة والجسديّة هل تتوقّف الحركة الذهنيّة وتتقوقع حول الجاهز من الأفكار لتخدمها وتلبّي حاجاتها؟ أم تجعل ذلك نقطة إنطلاق وجولات تمرين وساحات اختبار لمشاريع إبداع وابتكار تعلن الاستقلال الفكري والاكتفاء المعرفي الذاتي؟ بمعنى الالتحاق بركب الإنتاج الذاتي المعرفي والعطاء الثقافي الجديد المتحرّر من قيود المشاريع الجاهزة والنصوص الحاضرة؟

إنّ النخب التحقيقيّة حريٌّ بها أن تحكم وجودها ومصيرها بالخيار الثاني ، وإلاّ فإنّ الخيار الأوّل ليس سوى الموت البطيء للأفكار والإبداعات الكامنة ، والقوّة الفكريّة الكامنة إن رامت الفعل فعليها بالخيار الثاني.

إنّنا إذن مع «التحقيق» إن كان جسراً ومعبراً ونقطة انطلاق للإبداع الفكري الذاتي والنتاج الثقافيّ المستقل.

٣٩٣

الكتابة شحنة حياتي

حين يهفو القلب لرشفة حنان فلا يُروى ، ويبحث عن أحاسيس تقاسمه الهموم فلا يعثر ، ويترقّب الحبيب فلا يأتي ، ويعير السمع إلى كلمات هامسات ناعمات فلا صدى ، ويرجو المثل وأدون فلا اعتناء ... حين يحبّ ويعشق ، يخلص ويجهد ، وينوي التوب بحفظ الإيمان وحفظ العهد ، فلا يجني إلاّ الجرح والإحباط ، جرح الصميم والأعماق.

«فلا مفرّ من الغربة والوحدة آنذاك»

غربة الروح والقلب والأفكار ووحدة الآلام والأحزان والمعاناة ; إذ تبدو الحياة وكأ نّها دائرة ملساء.

لا مفرّ لي ولا ملجأ أتوجّه إليه آنذاك ـ وما أكثر تلك الآنات ـ إلاّ الكتابة ; إذ فيها اُخفّف من آلام أحزاني ووحشة غربتي ، أروي بها ضمأ حناني وحاجة أحاسيسي وأمل عيوني وأشواق أسماعي ، اُضمّد جروح أعماقي ، اُعالج إحباطي ، اُنظّم أفكاري ، فاسترجع توازني .. إنّها شحنة الحياة التي أنطلق بها من جديد لاُواصل طموحي وبيان آرائي بذات

٣٩٤

الحبّ والعشق والإخلاص والجهد ، وتلك النيّة بحفظ الإيمان والعهد.

ستبقى الكتابة متنفّسي مادامت تلبّي حاجتي لتجنّب الدوائر الملساء ، مادامت تعينني على نهج الخط المستقيم الذي يقودني إلى مراتع راحتي واسترخائي ، إلى ربوع نجاتي واطمئناني وفلاحي.

همّي ألاّ اُخفي على كتاباتي ما اُخفيه على غيرها ، أكشف لها وبها ما في قلبي وعقلي وضميري من أفكار وكلمات ، من قبائح وسيّئات ، من أحلام وطموحات ، من غربة ومعاناة ، من آلام وآهات ، من أسرار ومكتوبات.

أعقد معها وبها مجالس وندوات ومؤتمرات ، مجالس لا تخلو من الوعظ والإرشاد ، ندوات يتخلّلها النقد والسؤال وبيان الآراء ، مؤتمرات تناقش وتصدر توصيات وقرارات ، بلا أدنى منّة وإحراجات ، أو تكاليف ومجاملات.

إنّها الساعد المثير الذي طالما مدّ يد العون لي في أحلك الظروف وأشدّ الأزمات ، فكيف لي لا أدعوها وأستضيفها وتستضيفني مرّات ومرّات ، تضايفاً امتزج بأرقى مراتب الحفاوة والصفاء ، بل تسامى ما بيننا فصرنا كالعشّاق نخشى العذّال الرقباء ، وللعشق قيمٌ ولوازم وأخلاق لا تأفل ، كاتّحاد العاشق والمعشوق واندكاك أحدهما بالآخر.

تستحثّني الكتابة كي اُقيّم واُراجع واُبعثر وأستنطق واُقارن وألحظ وأعقل وأتحسّس وألمس ، كما تستنهض في ذاتي كلّ مقوّمات العدل

٣٩٥

والإنصاف والحقيقة والإبداع بنسق من الوضوح والجلاء. إنّها جزء عظيم من رسالتي ، رسالة أيّ إنسان أحبّ الناس ومبادئ الخير والسلام ، المبادئ التي تعلّمها بالبحث والفحص والتجربة وعدم الجمود على مجرّد الانتماء إلى دين الآباء والأجداد ، فأيقنت ـ رغم سوء أعمالي ـ أنّ الله إنّما يصطفي من عباده ذوي الأنفس الطاهرة المؤمنة الأوّابة ، المنعوتة بصفات حسنات اتّفق عليها العقلاء. وهذا ما يتقاطع مع الهويّة التي أعتقد بها والاُمّة التي أنتمي إليها (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلْنَّاسِ) (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) المتبادرة بأفعال وأقوال وتقريرات محمّد وعلي وأبنائه (عليهم السلام) ، لا التي خبطتها وشوّهتها براغماتيّة ذاك وراديكاليّة هذا وتفريط ثالث ...

على إثر ذلك ، كان ولابدّ أن تكون الكتابة المرآة التي تعكس رواشح الضمير الحيّ رغم كلّ الغمائم والعتمات الساعية لحجب أنوار الحقيقة.

علّمتني الكتابة أن أفهم قيَمي فأفهم الذود عنها ، وفهمتُ أنّ الذود عنها لا يثمر إلاّ بالحوار والعقلانيّة والأدوات الحضاريّة ، وما عادت آليات العنف بألوانها ـ اللفظيّة والفعليّة والتقاريريّة ـ تجدي نفعاً في يومنا هذا ، بل تزيد الطين بلّة ; خصوصاً أنّنا نمتلك مقوّمات الإثبات والتفوّق المعرفي والعملي ، فالخوف والخشية والتردّد لا معنى لها في قاموس مفاهيمنا حالئذ. إنّنا معقل العقلانيّة وقطبها منذ القدم ، منذ صَمَتَ عليٌّ على مضض كي يبقى الدين ويرقى.

٣٩٦

شدّتني الإناسة ـ الإثنولوجيا ـ نحو الاهتمام بمميّزات وفرائد الناس ، اهتماماً أسعى أن يُلقي بظلاله على كتاباتي ، وكان منشؤه أنّي وجدت الكثيرين ـ بل الغالب إن لم أقل الجميع ـ يأنسون باعتناء مودّديهم بخصائصهم ويتوقون لسماعها منهم ، كأن يخبره أحدهم : أنّ لك ستّ ابتسامات : واحدة حين تفرح واُخرى لمّا تتأمّل وثالثة لمّا تصمّم ورابعة لمّا تُنجز وخامسة لمّا تستهزئ وسادسة لمّا تُفاجَأ ...

إنّ اهتمامات كهذه طالما قلبت موازين وأذابت حواجز وصهرت قلوباً بعضها بالبعض الآخر وشيّدت صروحاً مفاهيميّة نقشت آثارها بكلّ شموخ وعنفوان على صفحات الإنسانيّة ، وفعلت ما لم تفعله المغريات بشتّى صنوفها ومساحاتها.

إنّ حلّ شفرة الناس وفتح رموزهم إنّما يتيسّر بفهم لغة القلوب والعيون وقراءة ما خلف المكتوب وسماع ما دون الصمت ، الأمر الذي يفتح آفاقاً واسعةً نحو تلاحم الأحاسيس وتجانس العقول.

٣٩٧

لماذا أكتب؟

حين تجد ذاتك تكابد وتعاني ، تفرح وتنتشي ، لوحدها لا آخر يشاطرها أو حتى مستعدّاً لسماع همس الحزن والشدو فيها.

حين لا تجد الملاذ الآمِن الذي تشكو إليه لواعجك وآلامك وتبوح له بما تودّ البوح به كعقل وقلب يحفظ العهد والوفاء.

حين تفتقد الصاحب والصديق والرفيق والحبيب والناصح الأمين.

تتكدّس آنذاك في حناياك متناقضاتٌ من الهموم والمسرّات ، الآمال والطموحات والإحباطات ، فتحسّ أنّ روح الإبداع والأصالة ، الغضاضة والطراوة ، تهدّدك بتذكرة الرحيل ، وكيف بهكذا إنسان أن يستمرّ ويستقيم؟! إنّه يفتقد عناصر الرغبة واللّذة في البقاء والدوام والنموّ والازدهار.

أين ذلك الصدر الرحيب والقلب الكبير والفؤاد الرحيم والعقل القويم والمرشد الفهيم الذي ترتمي في أحضانه لتقول له كلّ شيء وتسمع منه كلّ شيء ، لتبكي وتفرح وتبوح وتستشير وتفعل ما لا يمكن فعله إلاّ بين

٣٩٨

يديه .. أين ذلك الذي يفهمك ويحبّك ويهدّئ بالك وتسترخي أعماقك بين صنويه؟

في أضلعي وعلى صفحات قلبي وأروقة ذهني كلمات العمر كلّه وأحاسيسه ورؤاه وأسراره ، سماعاته ومشاهداته وانطباعاته ، رغباته وأهواؤه ; حملتها جميعاً في ذاتي طيلة هذه السنين فَثَقُلَتْ وأثْقَلَتْ ، لم تجد ما يعينها على الخروج والانطلاق.

لم أجد إلاّ الكتابة متنفّساً لكلماتي وأحاسيسي ورؤاي وبعض أسراري وسماعاتي ومشاهداتي وانطباعاتي.

أحلم بذاك الذي يشاطرني همومي وأسراري ، أنا لا أنتظر ذاك الذي يأتي من خلف الضباب في بياض على بياض ، فارس الأحلام المنشود ; إذ أقصد الحقيقة بحدودها ورسومها ، بالمنطق الذي شادها وبنى كيانها ، لست سوى إنساناً يطلب ما يطلب غيره من المعقول المناسب بلا إفراط وتفريط.

٣٩٩

ماذا أكتب؟

دارت بي السنون والسؤال الذي يستوقفني ويدور في ذهني دوماً : ماذا أكتب؟

فأنا أرفض كتابة العرض والطلب ; حيث مهنة التجّار التي بها تفقد الكتابة عنفوانها وتميّزها.

أرفض الجمود والتقليد ; إذ يجعلني عبئاً على غيري وآلة مجترّة ليس إلاّ.

لا اُطيق الكتابات الماراثونيّة فإنّها تتعبني وتتعب قارئي.

أستوحي كتاباتي من واقعي بكلّ ما فيه من رؤى وأحاسيس وجوارح ، أمزج أفكاري بمطالعاتي وثوابتي وإيماني بحركة العقل ورفض القيم الجاهزة التي تجافي حركة الوعي والمراجعة والبعثرة والتنقيب والحفر والمقارنة والتحليل ، أصنع من جميعها عجينة معرفيّة ذهنيّة فأصوغها بقلم تصوّراتي وتصديقاتي بقدر ما أفهمه من الحقيقة والإنصاف العلمي الذي يعني : الجدّ والعزم والأمانة سعياً نحو المقصود الأسمى.

٤٠٠