🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

عجينة السيستاني

تبعاً لثقافة الآباء والأجداد نشأنا ، جزاهم الله خير الجزاء ; إذ غرسوا في قلوبنا حبّ النبيّ وآله الأطهار ، فعلى إثرهم سرنا ..

إلاّ أنّ الغالب منّا بحكم الفضاء الموجود سكن متّكلاً مسلّماً فافتقد روح المبادرة والبحث والتحصيل ، وحقيقة الأمر : إنّه افتقد لذّه الاستمتاع بقطف ثمار الجهد المعرفي السائر صوب الإثبات العلمي لِما يؤمن به ويعتقده من قيم ومبادئ ، فما عاد حتى للخوف مفهومٌ واقعي لديه «إذا خفت من شيء فقع فيه» .. ولا يعرف حينئذ من أين هو وفي أين وإلى أين .. فيفتقد أدنى مقوّمات الرسوخ المعرفي على المبدأ ولا يبقيه عليه سوى الأحاسيس والمشاعر التي هي عرضة لمخاطر الانحراف والضلال ، فيهتزّ ويضطرب لأبسط شبهة وتساؤل وتركبه الفوضى ، سواء في ذلك أكان الاعتراض من الممانع أو المآلف. والطامّة الكبرى فيما لو سرى الشكّ فيه تجده يحمّله على ذات الانتماء والمبدأ فيلوذ بعباءة تبرير التقصير بكيل اللوم على المنظومة القيَمية ، فتكون الأخيرة ضحية الاتّكال والجهل والترف الهويّتي.

٣٠١

حتى العلم وحده لا يكفي ، بل العلم ليس بكثرة التعلّم ، فهو بلا عقل يدير ويدبّر وبالٌ وكارثة ، والحكمة لا تأتي عبثاً واعتباطاً ، إنّما هي عجينة العلم والعقل والقلب ، فيسمو الحكيم ويحلّق في آفاق الضمائر ويخترق الحنايا والأعماق ، فيجود بالخير الكثير ، بمناهج الهداية والسعادة والفلاح والحبّ والوئام والسلام ، بما منّ الله تبارك وتعالى عليه من فضل ونعمة لا تساويها القناطير المقنطرة من الذهب والفضّة ولا كلّ شيء ، نعم ولا كلّ شيء.

فالرسل والأنبياء والأولياء الطاهرون والصالحون من المؤمنين خالدون بسيرتهم ، بإيمانهم وعملهم الصالح وتواصيهم بالحقّ والصبر ، لا بأشياء اُخر ، رغم كلّ الاحترام والإجلال لتلك الأشياء إن كانت تهدي إلى الخير والفلاح.

فنحن وكلّ شرفاء العالم إنّما قاموا تعظيماً وتبجيلاً لسيّدنا السيستاني مدّ ظلّه فلأجل تلك العجينة المعهودة التي غُرست في ذاته بإخلاص ونوايا صادقة ، فلا يعرفون فيه سوى أنّه رجلٌ دعى بالقول والعمل إلى الصلاح والحبّ والسلام والتآلف ونبذ العنف واحترام الإنسان وحقّه في الحياة السليمة.

وإن عرف القليل منّا السيستاني العالم المفكّر المعرفي المؤلّف ، فهذه المعرفة محدودٌ مكانها وتأثيرها إزاء قلوب الملايين وعقولها التي هفت ولازالت تهفو إليه مدّ ظلّه لتغترف من معين عقله وحكمته وسيرته النقية

٣٠٢

«وأيم الله لإن يهدي الله على يديك رجلاً خيرٌ لك ممّا طلعت عليه الشمس وغربت» ..

إنّها الأخلاق يا كرام ، فلولا الأخلاق التي امتاز بها هذا الرجل المترشّحة من تلك العجينة الطاهرة لَما ترك تأثيره في البشرية بهذا الحال العظيم.

فسلامٌ عليك سيّدي أبا الرضا وعلى عجينتك الطاهرة ورحمة الله وبركاته.

٣٠٣

تركة السيستاني

ماذا لو رحل السيستاني والكلّ راحل؟

ما الموروث الذي يمكن أن يخلّفه هذا الرجل؟ هل من إشارة سرمدية وخلود يبقيه حيّاً في الضمير الإنساني؟ أيكون مدرسةً أو ظاهرةً؟ أم حاله كأغلب نظائره يعيش ويذهب وينتهي الأمر؟

لنفترض جدلاً أنّنا في الصفّ الذي لا يُحسِن الظنّ كثيراً ، أو همّه وعادته النقد والتهويل ، فنقول :

السيستاني لم يَبْنِ صرح مرحلة اُصولية أو فقهية أو تفسيرية.

ولم نَرَ له نتاجاً علمياً مطبوعاً.

مع حديث عن صعوبة في بيانه التدريسي.

أمّا متابعاته ومطالعاته الواسعة وإحاطته بمجريات الأحداث فلا تعدّ مائزاً فائقاً.

وبالنسبة إلى زهده وتواضعه ودماثة خلقه فهي صفات غالب علمائنا ومراجعنا.

٣٠٤

إلاّ أنّي لو كنتُ منصفاً موضوعيّاً ، مستقرئاً فاحصاً ، مراجعاً ، محلّلاً ، فأدنى ما يشغل ذهني ويطرق سمعي هو قوله تبارك وتعالى : (وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً) (١) الذي يجعلني استيقظ من غفلتي وأصرخ : وجدتُ ضالّتي ..

بالله عليكم كيف وجدتها؟

فأقول :

حينما ينطق السيستاني فهل تلحظون في نطقه سوى الدعوة إلى الحبّ والسلام والوحدة ونبذ العنف ، مقرونةً بالنصح وصالح الابتهال؟!

ينطق فيتكلّم بلغة القوم ، فيُلزِم ، سعياً منه لتشييد اُسس الحق والعدل.

يصمت وإذا بصمته تُبنى مشاريع لفهم هذا السكوت واستيعابه وتأويله ، والقلق إذ يساور هذا وذاك تتشبّث التبريرات للنأي عن دائرة الاعتراض السيستاني.

نعم ، فهذا الرجل إذا نطق ففي نطقه الصمت ، وإذا صمت ففي صمته النطق ، وإذا سكن ففي سكونه الفعل ، وإذا فعل ففي فعله السكون.

يغادر السيستاني وإذا برحيله تعمّ الفتنة وتضطرب البلاد .. يعود وإذا بنار الفتنة تخمد وتستقرّ الأوضاع.

يوافق السيستاني على اللقاء بهذا أو يرفض اللقاء بذاك ، فتغدو

__________________

١. سورة البقرة : ٢٦٩.

٣٠٥

الموافقة والرفض ملاك الرضى من العدم ، ميزان التزكية من العدم.

بيان السيستاني له طعمٌ آخر.

ثبوت هلال العيد لدى السيستاني له مذاقٌ آخر.

مباركة السيستاني ، إجازته ... لها مائزٌ آخر.

بالله عليكم! فهل لمصداق الحكمة والحكيم تفسيرٌ آخر؟!

وهل الحكمة إلاّ العقل والتدبير وإدارة اُمور العباد بما يرضي الله ورسوله وأولياءه الطاهرين؟!

وهل فوق الحكمة والخير الكثير شيءٌ يفوقهما؟!

وهل من سرمدية وخلود أرفع من سرمدية وخلود الحكمة؟!

٣٠٦

السيستاني في قراءة كمال وولي

استمعتُ إلى المفاهيم والآراء التي قالها السيّد كمال الحيدري من خلال لقائه بشخص قادم من لندن اسمه «إيهاب» كما قرأت كتاب «الانبعاث الشيعي» بقلم ولي نصر ابن السيّد حسين نصر وتعريب مختار الأسدي.

ليس ما استمعت إليه وقرأته يمثّلان ملاكاً وضابطاً وميزاناً بقدر ما أنّهما تصوّران ورؤيتان وجد صاحباهما الواقع والفهم يجريان على هذا المنوال.

لا شكّ أنّهما يختلفان وبينهما بون شاسع ; إذ يعقد الحيدري رؤيته حول «المرجعيّة الدينيّة» على أنّها يجب أن تكون شاملة لكلّ قضايا الدين العَقَدية والأخلاقيّة والاجتماعيّة والشرعيّة والسياسيّة ... لا أنّها مجرّد مسائل الحلال والحرام.

إنّها رؤية وفهم قابل للبحث والنقاش والقبول والردّ ، كما قال هو ذلك أيضاً .. لكنّه في مجال تطبيق هذه الرؤية وبيان مصاديقها نجده يشنّ

٣٠٧

هجوماً قاسياً على المراجع العظام أمثال الشيخ الوحيد والشيخ ميرزا جواد والسيّد محمّد سعيد الحكيم والشيخ الفيّاض والسيّد السيستاني ، ويصف الأخير بأ نّه لا شيء عنده وأ نّه مرجع في مسائل الحلال والحرام فقط وقد لعبت الدوائر الغربيّة والمخابرات دوراً في بروز مرجعيّته ...

أمّا ولي نصر فعلى الرغم من كونه يروم الوقوف على مستقبل الصراع السنّي والشيعي ، لكنّه في الحقيقة يعقد مقارنةً بين التأثير الشيعي الإيراني بعد انتصار الثورة الإسلاميّة على دول وشعوب المنطقة ، وبين التأثير الشيعي العراقي بعد سقوط نظام صدّام حسين وتسلّم الغالبيّة الشيعيّة مقاليد الحكم فيها ، ويرى أنّ إيران بكلّ إمكانيّاتها وطاقاتها ونشاطاتها لم تستطع إيجاد التأثير المطلوب بقدر ما أوجده التأثير الشيعي العراقي ، ويُرجِع الأمر إلى الدور المحوري الذي اضطلع به السيّد السيستاني وبمنهجه العقلاني الذي اضطرّ معه الأميركان إلى قبول رؤيته في الانتخابات وكتابة الدستور وغيرهما ، مع رفضه الالتقاء بأيّ أحد من رجالاتهم .. كما تمكّن بهدوئه ومتانته من منع نشوب حرب أهليّة ناهيك عن إمكانيّة حدوث صراعات شيعيّة ـ شيعيّة. إنّه تمكّن بحكمته وعقلانيّته وحضاريّته أن يعطي بُعداً وضّاءً عن التشيّع ومحتواه السليم ، الأمر الذي أوجد تأثيرات هامّة على صعيد العراق ودول المنطقة شعوباً وحكومات ، فتهيّأت لشيعة دول المنطقة فرص التعبير عن مطالبهم بطرق حضاريّة سلميّة ، وقد استجابت كثير من الحكومات لهذه المطالب.

لقد غدا وجود السيّد السيستاني عاملاً محوريّاً في تحقّق الأمان

٣٠٨

والاستقرار وتوقّف أعمال العنف والفتنة التي كادت تعصف بالعراق والمنطقة عموماً ، كما صار نقطة قوّة الشيعة في الحصول على حقوقهم سواء داخل العراق أو خارجه.

والأهمّ في ذلك أنّ السيّد السيستاني باعتراف الكثيرين ـ حتى القادة الإيرانيّين ـ بات يمثّل التشيّع العقلاني ، التشيّع الحواري الهادف إلى تحقيق مطالبه عبر الطرق والأساليب الحضاريّة السلميّة.

إنّ منهج السيستاني وعقلانيّته وما حقّقاه من نتائج ملموسة على الأرض هل هما رشح من رواشح مسائل الحرام والحلال؟! ـ رغم أنّ مراجعنا العظام كانوا ولازالوا يديرون شؤون العباد والبلاد ، سعةً وضيقاً ، لا أنّهم مراجع في مسائل الحلال والحرام فقط ، مع كون هذه المسائل هي من أهمّ أركان الدين والشريعة والحياة ـ أم أنّها منهجيّة وفكر متكامل الرؤى والأساليب؟! وهل يغيب عنّا البعد الأخلاقي في هذه المنهجيّة وهذا الفكر؟! ولاسيّما أنّ الرسول الأكرم قد قال : «إنّما بعثت لاُتمّم مكارم الأخلاق» سواء جعلنا «إنّما» أداة حصر أو تأكيد. ثم في أيّة خانة نضع الجهود الكبيرة التي تضطلع بها مؤسّسات السيّد السيستاني في شتّى بقاع الأرض وعلى مختلف الأصعدة والمحاور التي لا يمكن حصرها هنا ، إلى ذلك التأثيرات العَقَديّة والاجتماعيّة والسياسيّة التي عمّت شعوب المنطقة وأعطت رؤية جدّيّة عن التشيّع تختلف تماماً عن الرؤية التي ترى فيه فكراً راديكاليّاً عدائيّاً ... فهل كلّ ذلك من رواشح مسائل الحلال

٣٠٩

والحرام فقط؟! أم هي عبارة عن نسق ومناهج ومعرفة تستوعب شتّى جوانب الدين والحياة ولا تقتصر على جانب دون آخر؟!

إلى ذلك : فإنّ الدين هو المعاملة ، أي الممارسة الصحيحة للقيم والمبادئ الحقّة ، لا الكبر والغروروالادّعاءات التصوريّة والثبوتيّة ، هذا إن ثبت كونها تصوّريّة وثبوتيّة.

٣١٠

هل اتّفق العَلِيّان؟

من خلال العنوان المدرج أعلاه فلسنا بصدد الإشارة إلى اختلاف العَلَمَين مبنائيّاً بشأن «ولاية الفقيه» ضِيقاً وسِعَةً ، إطلاقاً وتقييداً ، فهذا اختلافٌ طبيعيٌّ موجودٌ في ثقافة مدرسه التشيّع الفقهية منذ زمن طويل ..

إنّما نحن بصدد الإشارة خاطفاً إلى القرائن والشواهد والمؤيّدات التي تؤكّد وجود خط ساخن بالحصيلة بين النجف وطهران ، خطّ تواصل وتشاور وتنسيق واتّخاذ مواقف وقرارات متناغمة حول شتّى القضايا والأحداث والمستجدّات ، التي تصبّ بأسرها في قناة حفظ القيم والمقدّسات الدينية والإنسانية ومجابهة مختلف الأخطار التي تحدق بنا من قريب أو بعيد.

إنّ المرجعية الدينية في النجف الأشرف بما تمتاز به من حكمة وعقلانية وتدبير وعلم ونفوذ في قلوب الملايين وتقدير واحترام عالميَّين ..

وإنّ جمهورية إيران الإسلامية بقيادتها الرفيعة وبما تتمتّع به من

٣١١

استقرار وقدرة فائقة في أنواع المضامير والمجالات ، ممّا جعلها رقماً صعباً يستحيل تغافله وغضّ البصر عنه دون التواصل والتنسيق معه في ألوان القضايا والمسائل الحادثات ..

لبإمكانهما خلق أغلى فرصة تعمل على تدعيم القيم الحقّة والمبادئ السامية لمدرسة آل العصمة والطهارة (عليهم السلام) ، وتتصدّى بكلّ حزم وعزم لأيّة محاولة من شأنها المسّ أو النيل من المقدّسات والحرمات الدينية والإنسانية ، وإبقاء راية الدين خفّاقةً عالية بعون الله تعالى.

٣١٢

فكرة العليّين

تعجّ أروقتنا العلمية والثقافية والدينية بالمدوّنات والمكتوبات والأدوات السمعية والمرئية ومنابر المساجد والحسينيات والملتقيات والمؤتمرات ومواقع التواصل والمراكز والمعاهد والمؤسّسات .. التي تتّخذ من : «قال المعصوم» «فعل المعصوم» «قرّر المعصوم» أساساً ودليلاً وحجّةً ومحوراً معرفيّاً وعَقَديّاً واجتماعيّاً واقتصاديّاً وسياسيّاً وفنّيّاً ... مفتاحاً تلج به كلّ الفضاءات اللازمة ، ذلك بطبيعة الحال بعد القرآن الكريم وقبل دليلي العقل والإجماع ، ناهيك عن الاُصول العملية من البراءة والاحتياط والتخيير والاستصحاب ، وهكذا الأحكام الثانوية ... متداوِلةً روايات وأحاديث المعصومين (عليهم السلام) بالشروح والبيانات والحواشي والاستدراكات والاستدلالات والاستنباطات والاستنتاجات ، التي تتفاوت كمّاً وكيفاً من «فقيه» إلى آخر.

لا شكّ أنّنا نعتزّ ونفخر بتراثنا ونقدّس الجهود المضنية التي جمعته وحفظته لنا بهذا الشكل والمضمون رغم الغثّ والضعيف الذي لم ولن يمرّ عليه علما الدراية والرجال وفلترة المتن دون محاكمة وجزاء.

٣١٣

إنّما الإشكال في أنّنا إلى أيّ مدى قد تمكّنّا من تنفيذ قول وفعل وتقرير المعصوم (عليه السلام)؟ هل تمكّنّا ـ باستيعاب النصّ ـ من صنع الفكرة والتخطيط إلى قبولها جمعيّاً كي تأخذ طريقها إلى ميدان العمل والممارسة ، أم لازلنا امتداداً لاُولئك الذين طبع عليهم المولى (عليه السلام) : «ملأتم قلبي قيحا وشحنتم صدري غيضا وجرّعتموني نغب التهمام أنفاسا»؟

أين نحن من البوصلة ، أين موقعنا من المعصوم (عليه السلام) : موالون ، تابعون ، محبّون ، مدّعون ، حربائيّون ، متزلّفون ، حقيقيّون ، شفّافون ، وهميّون ، ضبابيّون ...

هل نحن حقّاً ملتزمون بأحكام الدين والشريعة؟ هل نعي معنى أن يجود «وليّ الأمر» بكلّ شيء حتى بنفسه من أجلنا ومن أجل المبادئ الإلهيّة والإنسانية النبيلة؟ فكم هو مؤلم ومحزن ومثير أن يذوب قلب المولى جوىً لنا ونحن لاهون برغباتنا ، غاية همّنا أن نغدو مبرمجين من الطراز الرفيع في كيفية جعل أكبر عدد ممكن من الناس يلهث وراءنا ، مطيعاً لأمرنا ، دوماً في حاجة لنا لا لغيرنا ، يدور في فلك أفكارنا وشهواتنا ، نصنع به أداتنا في حذف الندّ والرقيب خلال صراع الحلقات أو حلقات الصراع ... فهنا يكبَّل العلم والمعرفة والفكر والثقافة وقيم الجمال وتطلق حرّيّة الصنميّة والنفاق والتملّق والميول الضيّقة وقيم الانحلال!!

أمّا تراجيديّة «الانتظار» فمصيبة اُخرى تضاف إلى سائر المصائب ، فهل نحن حقّاً نعرف الإمام الذي نندبه في ابتهالاتنا وتوسّلاتنا وآهاتنا؟

٣١٤

وكيف لنا أن لا نعرف إماماً ندّعي انتظار ظهوره؟ ولعلّ البعض منّا رغم ميله الباطني يدعو إلى تعجيل فرج المولى ، والمولى يأتي بلا ترديد ليملأ الأرض قسطاً وعدلا ، الأمر الذي لا يروق لهذا البعض قطعاً ويتمنّى جدولة الظهور حيث مهمّة الدنيويّات الظالمة لم تنته بعد!!

إنّ معاناة الرسل والأنبياء والأوصياء والولاة الصالحين والمؤمنين هي هي لم تتغيّر رغم تغيّر الزمان والمكان والحياة والإمكانيّات ، فهاهم مراجعنا ، علماؤنا ، نخبنا ، خيّرونا ، يألمون لغربة الدين واُنس الناس بمناهج المنحرفين.

الحلّ يكمن في أن يحسم الإنسان موقفه من الله تبارك وتعالى ، واللعب على الحبلين ليس عقيدةً أبدا ، إنّما هو مناورة سياسية سرعان ما تنكشف أوراقها ، ولعلّ من الغرابة الإشارة هنا إلى ذاك الذي خاطب الإله : «أجبرني كرهي لك على الاعتراف بك» لكنّه حسم أمره نهاية المطاف.

الحسم السرمدي يعني عدم الاستغناء عن التفكير مطلقاً ، ولا خير في حسم لم يُعجَن بالتدبّر والتأمّل ; إذ هو حسم العبيد ، أمّا حسم الأحرار فيعني : من أين ، في أين ، إلى أين .. حينها يهتف كلّ شيء في الإنسان : ما ألذّ عبادة الاحرار ، ما أروع الأوبة إلى فطرة العزيز الجبّار.

إنّ تنفيذ مراد المولى ، مراد المعصوم ، من ينوب عن المعصوم ، بفهم ونضج ووعي ، يعني أنّه تنفيذ مسبوق بتفكير ، بصناعة فكرة ، بتخطيط إلى

٣١٥

نيل رضى العقل الجمعي ، إلى فتح نافذة وتعبيد طريق نحو ميدان العمل والممارسة .. فإذا استنارت الروح بنور الإيمان أفاضت على سائر أركان الذات وعمّ سناها باقي الذوات ، حيث فلسفة الحياة أن يسعد الإنسان السعادة الحقيقية ويُسعِدَ الآخرين. وهل سعادة أرقى من سعادة الكمال البشري السالك سبل الهداية والفلاح الأبدي.

وإذا كان نجاح الفكرة لابدّ أن ينطوي على سلسلة مراحل بخصوصيات وشروط وفضاءات معيّنة ، فما ظنّنا بالفكرة الوافية التي تُصنَع في فضاء العليّين ، فكرة كهذه لاغرو أنّها معجونة بطينة العقل والعلم وحكمة اُولي النُهى ، فكرة سيضبط التاريخ أنّها كسبت وتكسب ليس الرضى الجمعي فحسب بل هي فكرةٌ ارتشفتها وترتشفها العقول النيّرة والقلوب السليمة ارتشاف الضامي وسط البراري ، كما سيدوّن الضمير الحيّ أنّ يعمل بها ينال خير الدنيا وخير الآخرة.

٣١٦

النجف حاضرة الدين والمعرفة

حينما يطرق السمعَ اسمُ مدينة النجف الأشرف يرتسم في الذهن والشعور : روحانيّة وقدسيّة حاضنة علي بن أبي طالب عليه السلام ، وما أدراك ما علي ; إذ يكفي أنّنا طرّاً في جهل به إلاّ الله والنبي صلّى الله عليه وآله.

لكنّي وكلّ محبّ يرى أنّ أبا تراب هو الذي احتضن النجف ، بل هي وليدة وجوده المبارك عليه السلام ، وإلاّ لما كانت ولن تكون بدونه ، فقد شادها علي عليه السلام وشاد بها حاضرة التشيّع الاُولى ، مدرسة العلم والقيم والأدب التي رفدت وضمّت وغذّت معاقل وميادين الثقافة والمعرفة برجال وطاقات وكوادر هم نجوم متلالئة وأنوار مضيئة على مرّ القرون والدهور.

إنّها مصنع المرجعيّة الشيعيّة الأكبر ، الذي أنتج كبار الفقهاء والمجتهدين والعلماء والفضلاء والأساتذة والمحقّقين ، ناهيك عن أنديتها الأدبيّة ومكتباتها النفيسة ، فأنت فيها لا تستنشق إلاّ عبير المعرفة والثقافة والشعر الممتزج بأريج الرحاب الطاهر ومسك الإنسانيّة الفوّاح ، القرآن

٣١٧

الناطق ، يعسوب الدين وقائد الغرّ المحجّلين ، شهيد المبادئ المقدّسة والاُسس الإلهيّة الحقّة ، وصيّ النبي الأكرم وبعل البضعة المرضيّة ، عليّ الهيجان والحركة التي لا تفهم معنى السكون المميت ، بل تظلّ اقيانوساً موّاجاً وسيلاً هادراً من المناهج والمعارف لا ينفد ، الحركة التي نستوحي منها التجديد والتغيير والعدل والإنصاف والعقلانيّة والحزم والعزم والإيمان والفلاح ، فلا غرو أن تكون النجفُ نجفَ عليٍّ بقيمه ومعارفه وعلومه وأن تغدو الموئل والملاذ لكلّ من يمّم جانبها زيارةً ومكوثاً ودراسةً وتعلّماً وتعليماً.

إنّ النجف بكيانها العلمي الديني ، تتجاذبها اُمور :

منها : الفضاء النموذجي نسبيّاً في تلقّي العلوم وبثّها وتداولها ومناقشتها والتحقيق فيها وإبداء الآراء الصريحة حولها ، بلا تعسّف فكري أو استبداد معرفي ، فانتعشت العقلانيّة أيّ انتعاش ، وسادت الحوارية أجواء الميادين العلميّة ، المرتكزة على الاُسس والمناهج والأدوات الحضاريّة ; فنأت بنفسها نتيجة هذا الفضاء عن العراكات الاُخرى ، فأراحت واستراحت وفرغ بالها .. وهذا ماهيّأ لحركة التأليف والتدوين أن تنشط ، فرفدت المكتبات الإسلاميّة والمراكز العلميّة والثقافيّة باُمّهات المصادر والمراجع والآثار القيّمة .. ولحركة الدرس أن تموج بحلقات وحلقات من طلاّب المعرفة والفقهاهة والفكر .. ناهيك عن المنتديات الأدبيّة والشعريّة التي عرّفت كبار الشعراء وفحول الأدب ، وباتت

٣١٨

الملازمة بين النجف والمرجعيّة والدراسات الدينيّة والأنديّة الأدبيّة غير خافية على أحد.

منها : فقدان الغطاء الواقي والإسناد القوي الذي يحميها من جور الأنظمة الظالمة وأدوات الضغط المختلفة ، ممّا أثّر بشكل فاعل ولفترات متعدّدة على أجوائها العلميّة وأنشطتها الثقافيّة والأدبيّة ، حتى تضاءل عدد طلاّبها في بعض المقاطع الزمانيّة إلى أقلّ حدٍّ ممكن ، وانحسرت حركة التأليف وحلقات الدرس والمنتديات الأدبيّة بشكل لافت. كلّ ذلك بفعل الضعف الذي أصابها جرّاء انتفاء الحماية والدعم اللذين يحصّنانها قبال كلّ قوّة تحاول النيل منها أو النفوذ في مناهجها وأفكارها التي ترفض التعسّف والاستبداد والاختناق.

وإنّها إن انتعشت في العقد الأخير فلا زال هذا الانتعاش لا يلبّي الطموح ، ولابدّ من عمل مزيد من الجهد لإعادة كيان النجف العلمي إلى سابق عهده بتلك الطراوة المعروفة.

وللإنصاف ، فإنّ المراجع والفقهاء والعلماء والأساتذة والفضلاء وسائر النخب والمختصّين يبذلون المساعي المطلوبة من أجل أن تستعيد «النجف المعرفية» مكانتها ودورها الريادي في صنع وإنتاج العلم والعلماء.

ولابدّ من التفكير الحثيث في صياغة آلية محكمة ـ غير مختصّة بآن معيّن ـ تأخذ على عاتقها حماية هذا الكيان الطاهر من كلّ أدوات الضغط

٣١٩

والاختراق والتأثير ; فكيان «النجف العلمي» مقرونٌ بالانفتاح والحرّيّة المعرفية وإلاّ فإنّه يفقد ميزته وسمته البارزة.

منها : طغيان القيم والأعراف التقليديّة المعروفة بالارثوذكسيّة الدينيّة على أروقة الحياة فيها ، ممّا صنع من مجتمعها مجتمعاً محافظاً في تعامله مع الأساليب الجديدة والأفكار الحديثة ; وهذا ما وضعها بين محذورين :

إمّا الالتزام بالمبادئ والمفاهيم الدينيّة وعدم الانزلاق وراء المظاهر والمغريات المنحرفة بشتّى مناهجها وأدواتها ، فتبقى النجف تمثّل الخاصرة المصيريّة والفلتر الحاسم في حفظ وحماية ونشر معارف الدين وكلمته الحقّة.

وإمّا الانفتاح اللاّمشروط تجاه الأنساق الجديدة والرؤى الحديثة بما هي عليه من برامج وأدوات. الأمر الذي يعرّضها لمخاطر التغريب والانسلاخ عن أداء الدور الريادي الديني العلمي ، وهذا ممّا لا يتناسب مع كيانها القائم بوجود أميرالمؤمنين (عليه السلام) والفضاء المعرفي الكبير والتاريخ الشهير.

ولعلّ القول بالتفصيل طبق الظرف الراهن والإمساك بالعصا من وسطها بمقدوره إرساء وحفظ التوازنات ومعالجة الإشكاليّات ومواجهة الأخطار التي تتّسع آناً بعد آن .. وهذا ما يحفظ للنجف الدينيّة العلميّة منزلتها ويحفظ الثوابت والاُصول مع إمكانيّة التعامل مع الوارد الجديد تعاملاً منهجيّاً.

٣٢٠