🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

إنّ الفهم العملي الصحيح خطوة رائدة نحو غد مشرق.

بإمكاننا أن نصوغ من الفهم منهجاً ونسقاً ونمطاً لكلا الحياتين : تأمين المستقبل الدنيوي عبر الوسائل المنطقيّة العلميّة بما يتّسع لدائرة الحياة وحدودها. وتأمين المستقبل الاُخروي ، أيضاً عبر الوسائل المنطقيّة العلميّة التي تؤمّن لنا فلاحاً اُخرويّاً وسعادة أبديّة فيها رضى المولى تبارك وتعالى وغفرانه. ولا منافاة بين الأمرين أبدا ; مادامت شجرة الدين والقيم السماويّة مباركةً تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها. فالجمع أولى من الطرح.

لذا فنار الخيبة لا تنال إلاّ ذاك الذي اكتفى بتأمين الشطر الأوّل وأغفل أو أنكر الثاني ، دون أن يعلم أنّ تأمين الأوّل مقدّمة لتأمين الثاني ، بل الثاني سرمدٌ وخلودٌ والأوّل مجرّد نفق ومعبر إليه.

لا جبر على التفكير بتفكيرنا والاعتقاد باعتقادنا ، بل نقترح أن تُحسَب المعادلة رياضيّاً ومادّيّاً ، فلتُفترض الحياتان ويُعمَل لهما : فالاُولى مؤمّنة حسب ظاهر الفرض. أمّا الثانية فإن كُسِبت فنعمّا هي ، وإن خُسِرَتْ فالإنسان على كلا الحالين ميّت ، فإن كانت بعد الموت حياة فقد نفعه تأمين الحياة الثانية وإن لم تكن حياة فهو لم يخسر شيئاً. بالطبع هذا الأمر طبق التفكير المادّي.

أمّا نحن ، فلا نرى هذه الحياة إلاّ مرحلة فانية وهي باب للحياة السرمديّة الخالدة التي لا موت فيها أبدا ، وهذه الباب تعني : الإيمان والاعتقاد والالتزام السليم بقيم السماء ومبادئها المقدّسة ، الأمر الذي يجعلنا في الغد فرحين مستبشرين برحمة الله تعالى ورضوانه.

٢١

تؤتي اُكلها كلّ حين بإذن ربّها

(أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَة طَيِّبَة أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّماءِ * تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللهُ الاَْمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ * وَمَثَلُ كَلِمَة خَبِيثَة كَشَجَرَة خَبِيثَة اجْتُثَّتْ مِن فَوْقِ الاَْرْضِ مَالَهَا مِن قَرَار) سورة إبراهيم : ٢٤ ـ ٢٦

مارست المنظومات المختصّة آلياتها في تحليل وتجزئة وتفكيك النصّ القرآني عموماً ، طبق القواعد والقيم والمناهج التي تختلف باختلاف الفكر والبناء والانتماء والنضوج ، فرشحت معطيات متفاوتة تبعاً لذلك.

إنّ الذي يثير الانتباه ويستوقف العقل كثيراً ويمنحه فرصة التأمّل والمراجعة الدقيقة ومقارنة الأفكار والأحداث والنتائج هو ما ورد من محتوى سرمدي ثابت متحرّك ـ نعم محتوى سرمدي ثابت متحرّك ، ونابض غضّ نضر يفيض تجدّداً وتأ لّقاً ـ في قوله تعالى : (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا) ، فبالمؤنة الفكريّة والأدوات المنهجيّة العلميّة يمكن

٢٢

الحصول على نتائج فاعلة ورواشح عمليّة تدحض شتّى الادّعاءات التي مورست ظلماً ـ ولازالت ـ بحقّ النصّ القرآني ونعتته بـ «البرادوكس» إزاء التجدّد والمواكبة المعاصرة.

نقول : إنّه تحدٍّ كبير ودعوة جليّة لاختبار الذهنيّة المنتمية كي تجهد وتسعى لإثبات أنّ الدين يضخّ القيم والمفاهيم والمبادئ ـ بل العلوم والآليات والأساليب والرؤى ـ التي تجعل المجتمع الإنساني مؤمّناً تأميناً تامّاً.

إنّ قيم السماء تعني التجدّد والحداثة والحيويّة والاستجابة لمتطلّبات العصر والتلبية لكلّ فواتير الحياة ، مكانيّةً كانت أم زمانيّة ، ولكن بتوفّر الشروط المناسبة والتهيّؤ الكفوء ; إذ (بِإِذْنِ رَبِّهَا) تمنح الكيان الإنساني البشري السبل الناجعة لمواجة العقبات والصعاب ولاسيّما المستحدثة منها ، حينئذ يمكن التعويل دوماً على النصّ في منح الإجابة الوافية بممارسة العقل الصحيح بالآليّات السليمة ، الأمر الذي ينأى بنا عن التقليد والالتقاط والإبقاء على ما كان ; إذ يمكن لنا التأسيس وتشييد الكيان بمؤنة حديثة بذات المنظومة القيميّة وبتلك الأصالة والانتماء اللاهوتي المقدّس.

يحقّ لنا أن نراجع ونقارن ونختبر ونغير ونبعثر ونحفر ونخوض في اللاّمفكر فيه ـ وهو كثير كثير ـ وننقلب على الواقع ونعيد الصياغة والسبك ونحاسب ونحذف ونضيف ونختصر ونفصّل ونعطي ونمنع ونعترف ونقرّ

٢٣

ونصمد ونثبت ، مادامت قيمنا تؤتي اُكلّها كلّ حين بإذن ربّها.

نعم ، بالمنهج والقانون والعقل والانتظام ، وإلاّ فإنّها لن تؤتي اُكلها قطعاً ولن يأذن الربّ بالتغيّر والنموّ والفلاح والرقي.

فأن تمارَس قيم النصّ وتُحفَظ الاُصول ، فلا مندوحة حينئذاك من التكيّف والمعاصرة ، وهذا هو معنى الثبات والحركة في آن واحد.

٢٤

عميت عينٌ لا تراك

الرؤية مفهومٌ عميق الأهمّيّة والمعنى ، وفيه مقولات ملوّنة :

منها : إنّها الفكر والإدراك والمعرفة.

منها : الرؤية البيانيّة التي تعتمد التصوّر الذي يقدّمه القرآن عن العلاقة بين الله والطبيعة والإنسان.

منها : الرؤية التي يحكمها مبدآن : مبدأ الانفصال ومبدأ التجويز. والمبدآن متكاملان وتكرّسهما على نطاق واسع نظريّة الجوهر الفرد. وتنصّ هذه النظريّة على أنّ الجواهر الفردة التي تتأ لّف منها الأجسام والأفعال والإحساسات وكلّ شيء في هذا العالم هي علاقة تقوم على مجرّد التجاور وليس على الاحتكاك ولا على التداخل. والنتيجة هي أنّ هذه العلاقة هي علاقة اقتران وحسب ، وليس علاقة تأثير. وواضحٌ أنّ هذا التصوّر لا يدع مجالاً لفكرة القانون أو السببيّة.

إلى غير ذلك ممّا قالوه في الرؤية البيانيّة للمعرفة والعالم ، وفي الرؤية التجزيئيّة للواقع ، والرؤية الجدليّة الواقعيّة والميتافيزيقيّة والسلفيّة والعرفانيّة والإسلاميّة والمنهجيّة و ...

٢٥

نقول : إنّ العقل مصنع الفكر ، ومادّة العقل ثمار الحواس ، فلولا الحواسّ لبقيت ماكنة العقل ساكنة مستقرّة ، فالمشاهدات والمسموعات والملموسات مؤنة العقل التي يعمل بها طبق أدواته وأنساقه وقواه ، فيخلق منها فكراً وإبداعاً وإيماناً إذا شاء وأراد. لذا فالعقل ينهض بالمادّة ، والتفكير هكذا ، أي أنّ المادّة محرّك العقل نحو الإنتاج. وهذا بخلاف الكوجيتو الديكارتي الذي يقدّم التفكير على المادّة.

إذن العين مادّة فاعلة ومفعولاتها موادّ أيضاً ، وهذا ثابت بالحسّ والتجربة ، لكنّ العين ينتهي دورها ووظيفتها عند هذا الحدّ ، فهي مادّة مستقبلة لمادّة اُخرى ، أشبه باليد التي تستلم الشيء لتحوّله إلى صاحبه ، فصاحب الشيء ليس من استلم الشيء بالضرورة ، فإنّه يغايره ربما ، وهكذا العين تستلم عبر المشاهدة والرؤية مفعولاتها وتحوّلها إلى العقل ليعمل عليها دورته المفروضة ، وإذا لم يعمل العقل بوظائفه فالمتّهم الأوّل الظاهري هنا هي العين ، وفي الحقيقة هي المظنون التجوّزي في القضيّة ; إذ المخالفة إن حصلت فهي مخالفة العقل حيث لم يعمل بوظائفة الواقعيّة ، ولكنّ المتوّرط الملموس هي العين ، فإلقاء القبض الظاهري يحصل بحقّ العين ، أمّا العقل فلا وجود ظاهري له حتى يُلقى القبض عليه.

وقد تحقّق من ذلك : أنّ العمى هو عمى العقل حقيقةً لا عمى العين ; إذ الأخيرة عملت بواجباتها على النحو المطلوب لكنّ العقل الذي قصّر في أداء مهامّه.

٢٦

إلى ذلك : فذات الباري تبارك وتعالى لا تُرى بالعين هذه ، العين الحسّاسة ، وإنّما تُرى بالعقل والفكر والذهن ; إذ التجسّم والتجسّد غير وارد في ذاته عزّوجلّ.

ومن هنا يكون العقل على مفترق طريق سلوك أحد النجدين ، فإذا سلك وادي الانحراف فإنّما زاغ عن الفهم الصحيح رغم أنّ التلقّي واحدٌ من الجميع عبر الحواسّ المعهودة ، فالعمى ـ كما أسلفنا ـ عمى العقل لا عمى العين ، عمى الفكر لا عمى الحواسّ ، عمى المعرفة لا عمى السمع والمشاهدة.

فتحصّل : أنّ الإنسان الذي لا يؤمن بمبدأ القوّة المسيطرة العليا ، الله الواحد الأحد ، هو الذي لم يعقل ولم يفكّر ولم يعرف المعرفة الحقّة ، فهو في الدنيا أعمى وفي الآخرة أعمى ; وذلك لأ نّه استفاد من حركة العقل على ضوء رغبة علميّة خاصّة ، فولد الفكر ناقصاً ، فإنّ التجريبية بدأت ـ مثلاً ـ بنهضة شاملة وثورة كبيرة على مبادئ الغيب والميتافيزيقيا ، وسارت على هذا المنوال بكلّ شراسة وإصرار ، إلى أن أصابها التكسّر مؤخّراً حين فقدت «الميكانيكا» عنفوانها ، وبدا نجم «الاحتمال» يسطع في عالم التجربة ، وهذا يعني بداية العودة إلى المربّع الأوّل ، مربّع القوة المسيطرة العليا الخارجة عن نطاق الطبيعة والإنسان ، المربّع الذي حاربته «التجريبيّة» بضراوة ثم قفلت ترجع إليه شيئاً فشيئاً كرجوع الولد العاقّ إلى والديه تائباً نادما.

٢٧

ولا شكّ أنّ هذا نوعٌ من الإخبار لا الإنشاء ، وإلاّ فربما يولجنا الحال في مبحث «الجبر والتفويض» حيث «الأمر أمرٌ بين الأمرين».

فالإنسان من جهة : خُلِق حرّاً مخيّراً (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً) (١) (أَلَمْ نَجْعَل لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ * وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (٢) لكنّه غالباً ما يتّبع هواه فيضلّ عن السبيل السوي ، وهذه الضلالة بإرادته ، وإلاّ فلو شاء لآمن وعمل صالحاً.

ومن جهة اُخرى : هو محكوم بقوانين واُمور لا يمكن له تجاوزها.

إنّ هذه «الرؤية» تغنينا عن نزاعات الألفاظ ومعاركها المعقّدة التي قد تبعدنا عن محور البحث بدل الحصول على نتائج معرفيّة واضحة الأدوات والمحتوى والمعالم قد تدنينا من الفهم السليم والإيمان الصحيح.

نعم ، لقد اختصر الإمام الحسين (عليه السلام) فلسفة الحياة في هذه اللوحة الدلاليّة الكبرى ، حين خطّها ونقشها في يوم عزيز على المسلمين والمؤمنين ، يوم عرفة المقدّس ; إذ الإنسان المسلم الخارج عن مظاهر الدنيا ومفاتنها ، الداخل في الفضاء القدسي الروحاني بذلك الحال والملبس الذي يذكّره بيوم البعث والنشور ، الآتي من كلّ فجٍّ عميق ليشهد منافعه الاُخرويّة ، ليلمس حصاده (وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَد) (٣) ... وإذا بملحمة ريحانة المصطفى تهزّ مسامعه وحناياه وعقله ، حين تدعو الفكر

__________________

١. سورة الإنسان : ٣.

٢. سورة البلد : ٨ ـ ١٠.

٣. سورة الحشر : ١٨.

٢٨

والذهن كي يسمو فوق الرؤية المادّيّة محلّقاً في آفاق الرؤية المعرفيّة ، رؤية يقينيّة تتجاوز الحواسّ بتأ لّق العقل الذي ينبغي أن يرى ، فالعين أنهت وظائفها ، إنّما عين العقل هي التي تتحمّل المسؤوليّة بعدئذ في سوق الروح والجسم حيث مرابع الأمان ومراتع الفلاح ، حيث الحبيب الأوّل والآخر ، حيث الباقي بعد فناء الأشياء.

السلام عليك سيّدي أباعبدالله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك ، عليك منّي سلام الله أبداً ما بقيت وبقي الليل والنهار ولا جعله الله آخر العهد منّي لزيارتكم ...

٢٩

حقّ الدِّين

من الخفّة والسذاجة وعدم النضوج واللياقة بمكان أن ينفرط عقد العقلانيّة والمتانة والتماسك فوراً أو تدريجيّاً بمجرّد حالة غضب أو استفزاز أو حسّ بالتشفّي والانتقام وتصفية الحسابات ، والأخطر ما في الأمر أن يُجرَف المرء عنوةً ويولَج في تلك المطبّات رغماً عنه فيخرج عن طوره وعقلانيّته ومتانته وتماسكه ، ويسقط في وحل الذبّ عن المواقف والآراء ، متشبّثاً بكلّ ما يطفح به ويقذفه إلى مناطق الخلاص من صحيح وسقيم.

علينا ألاّ نهوي إلى تلك المهاوي السحيقة لمّا تتعكّر الأجواء ، فالمفروض ألاّ تعريض ولا تشفٍّ ولا حسّ انتقام وثأر ، بل مقدار كاف من المتانة والعقلانيّة في معالجة الاُمور والقضايا الحادثة.

وأشدّ ما يُخشى منه خرق أحد الأطراف التعهّد والالتزام العامّ ممّا يجعل الموقف حرجاً قد لا يحتمل السكوت ، فماذا عسانا فاعلين؟ أيضاً لا مفرّ هنا من المتانة والعقلانيّة والتماسك ومزيد الصبر والأناة.

٣٠

إن قيل : إنّ الصخر الأصمّ يتفسّر بفعل الضربات المتواصلة ، فكيف بمتانتنا وعقلانيّتنا وتماسكنا مقاومة هذا النوع من الضرب؟ ولاسيّما حين يعمّ الضرر الجميع وينفرط العقد وتختلّ التوازنات وتضطرب المعادلات وتزداد الاُمور سوءاً ووخامة؟

قلنا : لا نعني بالمتانة والعقلانيّة والتماسك : الاستسلام والضعف وقبول الإذلال والحطّ من الشأن والكرامة .. إنّما نعني بها ممارسة المناهج التي يقرّها الدين والأخلاق والإنسانيّة ، كلّ ظرف بحسبه.

ما نريد إيصاله من مفهوم : أنّ الاُمور يجب أن تكون مبنيّةً على معادلة يحكمها التوازن والنظم الناشئين من الفكر السليم والعقل الصحيح ، ولا شكّ أنّ ديمومة التوازن والنظم تابعة لمدى الالتزام والتقيّد ببنود ومضامين المبادئ الاعتقاديّة والشرعيّة المجمع عليها.

وتكمن أهمّيّة الأمر فيما لو أنّ مفروض القضيّة كيانات وتجمّعات ومحاور وأقطاب ورموز لها شأنها وثقلها المؤثّر الاستراتيجي ، فإن لم يستطع كلّ واحد منها إحكام منافذه وتنفيذ التزاماته ومواثيقه ، سواء في ذلك المقرّر منها تدويناً وتحريراً أو المتّفق عليها عرفيّاً وأخلاقيّاً وقيميّاً ، كانت النتائج هدّامةً كارثية.

وبالرغم من خطورة الموقع الذي تشغله هذه المعاقل المشار إليها والدور الذي تؤدّيه ، لكنّها كثيراً ما تغفل عن قضايا أو تتغافل عنها إهمالاً وغطرسةً وتعالياً ، أو لخطأ في الحسابات والتقديرات ، فتراها على الدوام

٣١

محطّ النقد والهجوم اللذين لا يسلمان غالب الأحيان من المبالغة والإضافة بل وحتى التجنّي والافتراء ، فباتت صبغة البذخ والترف وگعدات السمر ولذائذ الدنيا ومجاملة السلاطين والقبول بالأمر الواقع مهما كان وتلبية الرغبات الذاتيّة والاهتمام بمظاهر الدين والشعارات والقشور دون الاُصول والجوهر والمفاهيم العميقة ، هي الصبغة التي صبغها إيّاها الآخرون ، بل هي صبغت ذاتها بذاتها بفعل الكبر وتجاهل الاُمور الهامّة والحسّاسة التي تثير اهتمام الناس ولا تثير اعتناءها بها.

إنّها تمرح وتلعب وتلهو وتأكل وتشرب و ... وتتحدّث من على منابر الوعظ والعلم والثقافة والأخلاق بسجايا وسيرة أهل البيت عليهم السلام والصلحاء والمؤمنين بينا الناس غارقون في الفقر والمسكنة والحاجة.

تتمسّك بالمظاهر وتمرّر من خلالها مطامحها ورغباتها وتدعو الناس إلى التعمّق فى قيم الدين ومبادئه.

فهي ديماغوجيّة في ما يخدمها ، تلهب الشارع حماساً وانفعالاً ; لتأمين مصالحها والتستّر على ما خفي من قضاياها .. صمٌّ بكمٌ عميٌ في ما لا يخدمها ، فتتلاعب بأحاسيس الناس ومشاعرهم أنّى تشاء.

وذروة المرارة تكمن في كونها قد اتّخذت الدين وشرعه المبارك درعاً لها ومؤوّلةً له طبق مذاقها تأويلاً انتقائيّاً ، ممّا حدا بل جرّأ المخالفين والمعاندين إلى فتح نار الحقد والتوهين صوب الدين الحنيف والقيم

٣٢

الحقّة ; إذ وجدوا بهؤلاء وأفعالهم خير مصداق في الانتقاص من الدين وتسجيل الخلل والعيب عليه.

إنّنا قبال تكليف مقدّس يدعونا جميعاً إلى عرض الدين فكراً وممارسةً بالنهج الصحيح والبراءة من تلك الفعال والمظاهر براءة الذئب من دم يوسف.

٣٣

الإسلام دين التغيير

ممّا جرى في العالم خلال شهر واحد فقط :

هجمات باريس الإرهابيّة على مجلّة «شارلي إيبدو» وما تلاها من الرسوم المسيئة للنبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله) والاعتداءات والمظاهرات المناوئة للإسلام والمسلمين في عدّة من الدول الأُوربيّة ..

مقتل رئيس اللجنة المكلّفة بالتحقيق في انفجار المركز اليهودي في بوينس آيرس عاصمة الأرجنتين والمتّهمة فيه إيران وحزب الله ..

حزب الله يردّ على الهجوم الإسرائيلي في القنيطرة ولا تصعيد يُذكَر إلى الآن ..

فوز اليسار المتمايل نحو الشرق ـ وروسيا بالذات ـ في الانتخابات اليونانيّة الأخيرة ..

أنصار الله الحوثيّون يفرضون هيمنتهم وشروطهم على الحياة السياسيّة في اليمن ..

الخلافات الحادّة تعصف بالعلاقة بين الكونغرس والحكومة في

٣٤

أميركا حول الملفّ النووي الإيراني والعقوبات على وجه الخصوص وما رشح منها من دعوة الكونغرس لنتانياهو لإلقاء خطاب هناك حول التهديد النوويّ الإيراني ..

التغييرات الواسعة في المناصب الوزاريّة والحكوميّة السعوديّة عقيب وفاة الملك عبدالله وتسلّم الملك سلمان مقاليد الحكم ..

إقرار الموازنة في العراق بسهولة وإنسيابيّة بخلاف السنين السابقة ..

مقتل العشرات من الجيش المصريّ في هجمات «أنصار بيت المقدس» شماليّ سيناء وما أعقبها من تصنيف القضاء المصريّ حركة حماس تنظيماً إرهابيّاً ..

هجمات الپاكستان الأخيرة الإرهابيّة التي أودت بحياة عشرات الشيعة ..

ذبح «داعش» للرهينتين اليابانيّين ..

طرفا النزاع المسلّح في دولة جنوب السودان يتّفقان على تقاسم السلطة ..

توقّف فضائيّة «العرب» ـ التي أنشأها الأمير الوليد بن طلال ويرأسها الإعلاميّ المعروف جمال خاشقجي ـ عن البثّ بعد أقلّ من ٢٤ ساعة على انطلاقها من البحرين ، قيل : ذلك إثر اللقاء بخليل مرزوق المعارض البحرينيّ الشيعيّ البارز ..

إيران ترسل القمر الصناعي (الفجر) إلى الفضاء ..

٣٥

روسيا والصين والهند (٤٠% سكّان العالم ـ ٢٠% الإنتاج العالمي) تجتمع لإيجاد نوع من التماهيّ الاستراتيجي الساعي إلى إيجاد تغيير في النظام الدوليّ القائم حاليّاً ..

هذا ليس برنامجاً خبريّاً يستعرض ما جرى خلال شهر تقريباً ، أو ثمّة قائمة معلومات وسرد أحداث تهيّىء لتحليل سياسي معيّن يسعى صاحبه ـ بعبقريّة وحنكة وذكاء ـ للربط بين مختلف الوقائع والمتغيّرات السريعة الخاطفة من أجل الخروج باستنتاج يتلخّص بنظريّة المؤامرة تارةً والعمالة والخيانة اُخرى وصراع الحضارات والديانات والمذاهب والأعراق ثالثةً ثم رابعة وما بعدها ..

إنّما الأمر ببساطة تامّة هو : أنّ العالَم يتغيّر ، الزمان يتصرّم ، الحركة دائمة مستمرّة ، كلّ ذلك يحدث بأسرع ممّا نتصوّر .. لذا نقول : إنّها الفرصة ، فرصة التغيير نحو الأحسن (إِنَّ اللهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) .. ولا نقصد من التغيير سوى ذلك الذي يعود بنا إلى الفطرة السليمة ، فطرة الله التي فطر الناس عليها .. نعم ، التغيير الذي يبدأ من الذات وفي الذات وإلى الذات ثم يحلّق في الحيّز الأوسع الأشمّ ، بما للذات من معنىً أخصّ وأعمّ ..

وأرقى أنواع التغيير تلك الحاصلة من التفكير السليم الخاضع للمنهج العلميّ الصحيح ، منهج المبادئ والاُصول والأخلاق والرؤى التي صاغتها ثقافة الخير والفلاح وسعادة الإنسان أنّى كان ويكون ، تلك التي لا نعثر

٣٦

عليها إلاّ في كنوز الحقّ والحقيقة ، محارم وحي الله وخزنة أسرار السماء ، أهل بيت الطهر النجباء .. إنّه طريقٌ ومقصدٌ واضح المعالم والعلائم كوضوح الشمس في رابعة النهار غير المعتم الغائم .. إلاّ من اُشرِب العجل فأنكرها مكابرةً رغم الاستيقان في الخفاء والباطن ..

فهاهم آل العصمة (عليهم السلام) ونوّابهم العامّون المراجع العظام وسائر الصلحاء من الفقهاء والعلماء والنخب الرموز الأتقياء ، سفن النجاة ومنار التغيير وأعلام الهداية وأقطاب الفلاح ومحاور الصلاح ، الملاذ الآمن والملجأ المطمئنّ والمعقل الوسيع ، هاهم البيت الذي يحتضن الجميع بلا أدنى تمييز وتفضيل وترجيح طبقاً للميزان الدقيق والضابط الإلهيّ الرفيع : (وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللهَ أَتْقَاكُمْ).

الإسلام إذن هو دين التغيير نحو الأحسن الأرقى ، نحو الفطرة الاُولى ، وهل شيءٌ أرقى من الفطرة السليمة التي تعني : الحبّ والإيمان والخير والأمان وسعادة طرّ بني الإنسان دنياً واُخرى؟!

٣٧

رجل الدين

رجل الدين : دَمِثُ الخُلق ، عَطِشُ العلم ، لا ترويه الرشفة ولا تكفيه الغرفة ، كلّما ازداد رام المزيد.

عاملٌ بعلومه ، عَمَلَ العارف الخبير ... زاهدٌ بدنياه وزهوها الخطير ، لايغرّه زخرفها ولا يخدعه ظاهرها ... مخترقٌ لبّ الحقائق قاصدٌ أعماقها ، رافضٌ قشورها.

مهوى الأفئدة والضمائر ، تستشعره الناس مرفأً مطمئنّاً وملاذاً آمناً.

في نطقه وصمته حكمة ، في سكوته وحركته بركة.

لسنا مثاليّين ، لكنّا هكذا نرى رجل الدين ، هكذا يرى الدينُ رجلَ الدين ، وما أكثر رجال الدين الذين هم لهذه الصفات حائزون .. إنّما الكلام مع الذين هم لها أو لبعضها مفتقدون ..

حذاري ، فالناس كلّ الناس ترقبكم كظلّكم ، عدساتهم تلتقط أدقّ التصاوير واللقطات ، آذانهم تسترقّ النجوى والهمسات ، ناهيك عن كتابه تبارك وتعالى الذي لا يغادر صغيرةً وكبيرةً إلاّ وأحصاها. فلا تكونوا عبثاً ثقيلاً على أقرانكم واُناسكم بل وأنفسكم ، كونوا زيناً ولا تكونوا شيناً ...

٣٨

ألم يرنّ في حناياكم جرس مولانا الإمام الصادق (عليه السلام) حينما أراد أصحابَه أن يكونوا كما ينبغي أن يكونوا حتى تقول الناس : رحم الله جعفر ابن محمد هكذا أدّب أصحابه .. رحم الله جعفر بن محمد هكذا أرسى دعائم فكر ونهج وثقافة لازال سنا أنوارها ألقاً وضّاءً ... رحم الله جعفر بن محمد هكذا أنجبت مدرسته رجالاً ، أقطاباً ، أعلاماً ، في صمتهم النطق وفي نطقهم الصمت ، في سكونهم الحركة وفي حركتهم السكون ، في حكمتهم آيات من العِبَر والمعاني العظام ، في أفكارهم قراءات من التفسير والتأويلات ، في سيرتهم مناهج حياة وفلاح وكمالات .. تهفو القلوب إليهم ، تسبح العقول في فضاءات معارفهم ، ينساق الوجدان إلى روائع إيمانهم ...

«رحم الله جعفر بن محمد» صرخةٌ ليتها لم ولن تغيب عنّا كلّنا ولاسيّما رجل الدين منّا ; إذ إنّه قرّة عين مدرسة الصادق (عليه السلام) وعليه المعوّل في بيان الحقائق والأخذ بيد الخلق إلى السعادة والعزّ السامق.

لا نقل : إنّ «لو» الإمام الصادق (عليه السلام) كانت تحضيضيّة وانتهى كلّ شيء .. فلنقل بإنصاف : غذّت مدرسة الصادق (عليه السلام) ـ على مرّ التاريخ ـ ميادين العلم وسوح المعرفة وفضاءات البشرية بأساطين الأخلاق والحكمة والفكر ، ولا زالت وهكذا ستبقى حتى يُظهِر الله أمره.

هيهات أن نثلج صدور أعدائنا مادمنا أتباع مدرسة قادتُها مراجعُها ، تلك أمانيّهم تموت ويموتون بغيظهم ، نحيا وتحيا قيمنا الأصيلة ومبادئنا النبيلة.

٣٩

إذا فسد العالِم فسد العالَم

ما أصعب أن تلزم الصمت وتمسك عن الكلام وأنت في عنفوان النطق وغزارة المحتوى ، صعوبة وكأ نّها نارٌ تكتوي بها الحنايا وتستعر منها الأعماق ، مرارةٌ تذوّب الكبد وتذهل الإحساس وتشتّت الأفكار .. تسكت لأنّ السكوت خيار الظرف ، لا أدري فلعلّ ذلك «الزمان» قد حلّ بنا ، حيث العافية به في عشرة أجزاء ، تسعة منها في العزلة وواحدة في الصمت ، بعد ما حلّ منذ أمد بعيد واقعُ تساوق القبض على الإيمان مع القبض على جمرة النار ...

لهيبٌ في القلب أن يخرس اللسان ويمتنع عن الأداء والتعبير عمّا تلقّته الحواسّ من «أشياء» ; صوناً للعهود والمواثيق والمبادئ ، ولكن هيهات هيهات أن يدوم الصمت أبدا ، فلابدّ من نافذة أو مسرب تتنفّس من خلاله الأفكار ورواشح الحواسّ .. كلمة ، إشارة ، همسة ، حتى السكوت قد يكون بذاته أبلغ من النطق وأبين وأسرع ; بل يقولون : إنّ لغة العيون عالمٌ بحدّ نفسه.

والأخطر ما في الأمر تفاعل الفكر مع هذه «الأشياء» أو أن تفرض

٤٠