🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

بالبركة التي أنعم بها الله علينا إذ جعلنا من أتباع أهل بيت أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً؟

نعم ، إن استطعنا ذلك فلقد استفدنا من دموعنا خير استفادة. ثم إذا ارتقينا أكثر فإنّ إغماض العينين لن ينحصر بالإغماض الفيزيائي الحاصل جرّاء إطباق الجفن على الجفن ، بل يتعدّاه إلى المفهوم الكنائي المجازي من حيث صياغة منهجيّة علميّة تصنع من دموع الألم والحزن والمعاناة روافد فكر ومنابع ثقافة تروّي العقول والقلوب الضمأى لحقيقة كون الحسين نوراً ربّانيّاً يستضاء به للخلاص من دياجير الظلم والضلال ثم العروج نحو مراتب السعادة الإنسانيّة.

إنّنا من الحسين وفي الحسين وإلى الحسين «وسيلة الله وسفينة النجاة» نتمكّن من خلق أفضل الفرص والفضاءات التي تأخذ بنا إلى بناء الشخصيّة الذاتيّة والاجتماعيّة ، وبالتالي تكوين الشعور والعقل الجمعي الذي يعمل لأجل السعادة الشاملة المعهودة.

إنّ دموعنا وحزننا لمصاب أبي عبدالله عليه السلام خيرُ طريق ومحرّك لفهم الحسين (عليه السلام) منهجاً وثقافةً وعقيدةً وسيرةً ، الفهم الذي يمهّد لعمليّة التأ ثّر والتأثير التي تمهّد بدورها لمرحلة هامّة من مراحل الوعي الإنساني الصاعد نحو الكمال.

إنّ عنوان «أبي الأحرار» مفتاحٌ لأرقى مطلب وغاية إنسانيّة ، إنّها الحرّيّة التي استُشهد من أجلها صلوات الله وسلامه عليه ، ضحّى (عليه السلام)

٢٠١

بالغالي والنفيس ليوصل لنا رسالةً مفادها : أنّ فكرة الحرّيّة والإصلاح والتغيير القائمة على العزّة والكرامة الإلهيّة هي الفكرة التي تتكفّل سعادة الإنسان.

نعم ، سيبقى الحسين منار الرفض لكلّ مناهج الاستبداد والانحراف والظلم ، وسناء السائرين على دروب الخير والفلاح ، وملاك الحقّ والعدل والإيمان ، وسيبقى نهجه أبداً مصدراً ومرجعاً تنهل منه الفِكَر المؤمنة بالجوهر والاُصول ، المجانبة للاستعراضات الجوفاء والقشور ، التي تضع البحث والتحليل والمراجعة والمقارنة والاستقراء في سلّم الاُمور ، كي تكون النتائج ذات محتوى قيَمي نبيل ، كما تعلّمنا ذلك من أهل البيت (عليهم السلام) ، الذين كانوا يحسبون لكلّ خطوة ألف حساب بالحجّة والبرهان وهم المسدّدون المحميّون بعين الخالق المنّان.

اللّهمّ إنّك تعلم حبّنا لأهل بيت أذهب الله الرجس عنهم وطهّرهم تطهيرا ، اللّهمّ فلا تمنع عنّا بركات الاهتداء بهديهم والاقتداء بهم.

صَلّى اللهُ عَلَيْكَ يا أَبا عَبْدِالله وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتي حَلَّتْ بِفِنآئِكَ ، وَأَناخَتْ بِرَحْلِكْ ، عَلَيْكَ مِنّي سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْنِ. الَّذينَ بَذَلُوا مُهَجَهُمْ دُونَ الْحُسَيْنِ عَلَيْهِ السَّلامُ.

٢٠٢

ومضة رضويّة

أبا الحسن! عليّ بن موسى الرضا ، سيّدي ومولاي!

أتراني كما نعتني بعض أهلي وصحبي وأحبابي؟!

أتراني جافياً ناكراً جميل ألطافك وسابغ أفضالك وأنا الذي ترعرعت في أحضان جودك وكهف بركاتك؟!

أتراني إذ غادرتُ جنانك فأهنأ بلذيذ العيش وأنسى ألذّ حالاتي وأروع خواطري في ظلّ شامل عطفك وأنوار فيوضاتك؟!

أترى حيرتي تغادر قلبي وعقلي وأفكاري؟!

فمذ حطّ رحلي في ديار رغم أنّها من نمير ولائكم تروى وتمير وبفضاء معارفكم تحلّق وتطير ومن نسيم مرابعكم تشمّ أزكى المسك وأطيب العبير .. ديار هي إلى سناكم ترقب وترنو وبجوانحها إليكم تهوي وتهفو ..

وأنا إليك أيّها الحبيب أتوق تَوْقَ العاشق الولهان.

يا من شمخ بك الضاهران.

٢٠٣

يا من ولاؤه محفورٌ على صفحات الجنان.

يا ملاذ التائه وقطب الأمان.

يا كهف البائس وشعلة الحنان.

إليك أكتب عهد الحبّ والوفاء وخالص الامتنان.

أكتبه بعصارة القلب ورشح اللبّ وما تهمره العينان.

فلا بُعد المسافات ولا طول الأيّام عنك يغيّرني ويثنيني.

فأنا لأوبة إليك نذرت العمر وباقي سنيني.

أوبة لن يحول دونها سوى قضاء ربّ السماوات والأرضين.

أوبة تزيح حيرتي وتحقّق منيتي.

مُنية العيش ثم الموت إلى جوارك يا غريب أوليائي وسادتي.

اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا الْمُرْتَضَى ، الاِْمامِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ ، وَحُجَّتِكَ عَلَى مَنْ فَوْقَ الاَْرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الثَّرَى ، الصِّدِيقِ الشَّهِيدِ ، صَلاةً كَثِيرَةً تامَّةً زاكِيَةً مُتَواصِلَةً مُتَواتِرَةً مُتَرادِفَةً ، كَأَ فْضَلِ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَد مِنْ أَوْ لِيَائِكَ.

٢٠٤

مشهد الرضا

تعلّمت في مدينة الإمام الرضا (عليه السلام) ، مشهد المقدّسة ، الكثير ، عرفتُ إمكانيّة الانتماء إلى طبقة المثقّفين والكتّاب والمحقّقين حين عرفت مدى اغترافي من بحر الجهل والغرور كلّ الأعوام التي سرت وتصرّمت ، فعلمتُ أنّي لا أعلم شيئاً ، الأمر الذي مهّد لي السبيل لاُفق جديد ، اُفق الانتماء المذكور ; إذ المثقّف يدرك أنّ المعارف كالحفرة كلّما سبر الغور فيها كلّما ازدادت عمقاً واتّساعاً ، وإيمانه بهذه الحقيقة سلّم المجد وطريق النور ، نور المعرفة ، المعرفة الناهدة صوب تخوم الكمال الإنساني.

ألِقَتْ مشهدُ بالرضا ، ثامن العترة النجباء ، مشهد التي سيظل القلب يهفو لها مهما تمادت السنون وطالت الأيّام. إنّ في الأضلع أملٌ يسمو ، روحي خجلةٌ من مولاها ; إذ تشعر بالجفاء وعدم الوفاء ، علّها تقوّضه بأثر يحكي فكر الرضا ، نهجه ، رؤاه ، معارفه ، بصائره المعرفيّة والسياسيّة والاجتماعيّة. طلبتُ من زوجتي أن تبتهل لي إلى المولى تبارك وتعالى في صلاة ليلها ، طلبتُ السداد والفوز بتدوين أثر يكون عرفاناً منّي لجميل

٢٠٥

المولى بحقّي حينما لذت به والتجأت إليه فضمّني إلى كهف جوده الأكرم ومعقل علمه الأوفر ، فاغترفت من نمير علومه ما استدّ به ساعد التعلّم عندي ، فاستقام عودي وزاد شغفي ، شغف الانتهال من بركاتهم النورانيّة.

٢٠٦

ديار المولى الحبيب

أنا ابن مدينة جنوبيّة خالية من الأعتاب الطاهرة ، مملوّة بحبّ العترة البررة ، تنحدر اُصولي الأبويّة إلى مدينة النجف الأشرف وثم دزفول والحجاز أوّلاً ، كما كان ينقل عمّنا وشيخ عشيرتنا الأكبر.

أبعدتنا السلطات من العراق بذريعة الاُصول الإيرانيّة فاستقرّ بنا المقام في مدينة خرّمشهر لستّة أشهر ، داهمتنا الحرب فغادرناها صوب المدن القريبة ، ثم سكنّا مدينة قم المقدّسة لستّة أشهر أيضاً ، هاجرنا إلى مدينة مشهد المقدّسة التي توطنّا بها ، ثم انتقلتُ منها بعد خمسة عشر عاماً إلى مدينة قم المقدّسة التي لازلت فيها إلى الآن.

وبحكم محلّ الولادة والتنقّل القسري والاختياري بين هذه البلدة وتلك ، يهزّني الشوق إلى أيّام طفولتي وصباي ومحلّتي وأهلي وأصحابي ومدرستي ، إلى أيّام شدوي وحزني ، إلى كلّ شيء من ذلك الوطن الحبيب ... إلى المدن التي عشت فيها وانطبعت ذكرياتها في خاطري إلى الأبد.

٢٠٧

لكنّ أشدّ الشوق وأعذبه ذلك الشوق إلى ديار المولى ، إلى خير أنيس ، إلى الشمس التي ما برحت تسطع على القلوب لتنير العقول بسنى الولاء والعشق ، إلى ثامن الحجج ، إلى الإمام عليّ بن موسى الرضا عليه السلام.

هناك تعلّمت الحبّ واستمعت لنداء الولاء ، هناك عرفت معنى الصلاة والدعاء والابتهال ، صرت اُميّز بين الضلال والفلاح ، بين الخير والشرّ ، بين الحلال والحرام ، فبدأت أشعر بمفهوم الإنسانيّة وهو يدبّ في حناياي ويسري في عروقي مسرى الدم فيها ، وتغيّر معنى السكينة والاطمئنان عندي ، وصارت الثقة بالنفس ذات تفسير آخر لدي ، كما غدت العزّة والكرامة تفتح آفاقاً في أعماقي بشكل مختلف تماماً عن ذي قبل.

هناك بدأت أزيح عن جبيني وهم الثقافة الزائفة والمعرفة الكاذبة وأعترفت لذاتي وأقررت بأ نّي لستُ سوى مدّعياً لا أملك شيئاً ، فإن أحسنتُ الظنّ بحالي أقول : كنت أودّ أن اُحشر في زمرة أهل الثقافة والمعرفة لا غير. ولم يتغيّر الحال إلى الآن ، غير أنّي كنت اُكابر بغرور أجوف ، بينا اُسجّل الآن إقراري على نفسي ، فلعلّ هذا الإقرار يمنحني جواز الورود في مقدّمات نهل المعرفة الحقّة.

هناك بدأت تتّضح لي معالمُ الجدّ والسعي ، فشعرتُ أنّي بحاجة إلى حركة تخلّصني من مجالس البطّالين والدخول في مجالس العاملين ،

٢٠٨

وللإنصاف فلقد كانت انطلاقة من الصفر بكلّ ما لمعنى الصفر من مفهوم وتوابع .. كانت هي اللبنة الاُولى لبناء حياة جديدة وتفكير جديد وهدف جديد.

بات خير ما أطمح إليه : فهم وممارسة الدين بنحو يسمو فوق صرف كونه دين الآباء والأجداد ، أن يكون الدين الذي يهيمن على قلبي وعقلي منهاجَ الوعي والبصيرة ، لا إرثاً أرثه من اُمّي وأبي وأجدادي. هذا ما تولّد هناك أيضاً.

هناك أحسست بأ نّي أستطيع ، بأ نّي إنسانٌ بمقدوره التغيّر والنموّ والعطاء ، وأنّ ثمّة حاجة تدعوني إلى ترجمة ما حصلتُ عليه إلى واقع عملي وممارسة حقيقيّة ، فأدركت أنّي ربما أكون عنصراً نافعاً ومفيداً لذاتي أوّلاً ثم للمبادئ التي اُؤمن بها وأذبّ عنها على أساس كونها مفتاح السعادة الإنسانيّة.

إنّه إحساسٌ مفعم بالحبّ والأمل : أن تستطيع الاعتراف بالضعف ثم النموّ والعطاء ، فهذا ما يجعلك تخطو صوب مقصد مقدّس بلا ريب ، إنّه يجعل الحياة ذات معنى لا يتساوى فيها الأمس بالحاضر ولا الحاضر بالغد ، فتتحوّل إلى حركة دؤوبة لنيل المراد ، حركة القلب والعقل والفكر وكلّ الأعضاء ، التي طالما أدّت إلى صنع الفكرة ، إلى الإبداع ، إلى مشروع يحلّق في فضاءات القيم والمفاهيم الحقّة أروع تحليق.

بهذا التعليل المختزل والتبرير المختصر رمتُ توثيق شوقي إلى ديار

٢٠٩

المولى عليه السلام ، فإنّ لي حقّ الاعتزاز بهذا الشوق ، بل هو أدنى درجات الوفاء والاعتراف بالجميل لمولىً وتربة طاهرة منحناني الخير العميم والفضل العظيم.

٢١٠

وطوس بقبر يالها من خصيصة تسامت على الأوطان بالدرجات

ضاق صدري وهاج شوقي وتاهت أفكاري فهامستُ حناياي لاُتمتم بنغمات الولاء ، ولاء ساداتي المعصومين النجباء ، نغمات الحبّ وترانيم العشق وألحان الوئام الهيمى ، علّ صداها يحدث رنيناً في أعماقي اللهفى فأجد سبيلاً حاسماً لرؤىً طالما آلمتني إذ هي قاصرةٌ حيرى.

أتُرى جذوة هيام وفورة إحساس ورشحة فكر يُطفِىء لهيبها لسانٌ ألكنٌ كلساني ناهيك عن مفوّه برفعة واقتدار؟! أم يراعٌ أثلمٌ كيراعي ناهيك عن أديب عيلم مغوار؟! هيهات هيهات فنتاج الصنوين ـ القلب والعقل ـ مهما ألق واستطال فلا يزل يعاني النقص والابتسار.

سيّدي أبا الحسن يا عليّ بن موسى الرضا! أستميحك العذر وكيف لي التطاول بين يدي وافر جودك وسابغ كرمك ، لكنّها خواطر هيجى انقدحت لتستوقف أرض طوس وتعيد تذكيرها بنصيحة لها فيها النفع ولله الرضى : تمهّلي أرض طوس ، فلستِ سوى كسائر البقاع ، الأرض هي الأرض والسماء ذات السماء ، حتى نزلت شآبيب الإله وغدوتي موطن الرضا ومثوى ثامن النجباء ، فبالمولى حصراً شمختي وسلّم العلياء

٢١١

ارتقيتي ، وإلاّ فلا عزّ ولا ذكر ولا افتخار ، منسيّة مهملة كصفر على اليسار.

أستميحك العذر سيّدي أيّها الإمام الرؤوف! إنّما بأنفاسك الإلهية وأنوارك البهية سمت أرض طوس وخراسان ، وبرياض مثواك الطاهر ورحابك الزاهر استنارت بلاد فارس وكلّ ايران ، يا أعبق بقعة وأروع جنان.

فلا أدري أيجوز لي القول : وطوس بقبر يالها من خصيصة تسامت على الأوطان بالدرجات.

اللهم إنّي استغفرك وأتوب إليك إن قلت ما لا يرضي قادتي وساداتي ، استغفرك عن نفثة مصدور جاهر بولائه لهم (عليهم السلام) بجهل وقصور.

اللّهُمَّ صَلِّ عَلَى عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا الْمُرْتَضَى ، الاِْمامِ التَّقِيِّ النَّقِيِّ ، وَحُجَّتِكَ عَلَى مَنْ فَوْقَ الاْرْضِ وَمَنْ تَحْتَ الثَّرَى ، الصِّدِيقِ الشَّهِيدِ ، صَلاةً كَثِيرَةً تامَّةً زاكِيَةً مُتَواصِلَةً مُتَواتِرَةً مُتَرادِفَةً ، كَأَ فْضَلِ مَا صَلَّيْتَ عَلَى أَحَد مِنْ أَوْ لِيَائِكَ.

من مشهد الرضا (عليه السلام) ، من ديار الحبيب النائية ذي البركات الغامرة والأنوار القدسية الزاهرة دعونا وما دمنا ندعو لكم أعزّتنا وقرّة عيوننا ، يا من حفرتم على صفحات القلب أجمل العناوين الإنسانية واللمسات الإيمانية.

٢١٢

الأوبة

رغم اعتقادي بعدم حيلولة المسافات والأزمنة بين المرء وبين الانتماء والموالاة والعشق ; إذ الروح تسمو بخصائصها على كلّ الفواصل والحواجز المادّيّة وغيرها .. فلازلت ـ مذ غادرت بقاع طوس قبل عشرين عاماً ـ أتوق وأرسم للعودة أفكاراً وسبل ، رؤى اليقظة والنوم تأخذني لترميني في أحضان كهف طالما ضمّني بحنانيه ودفء مفاهيمه ومعارفه الثاقبة حتى صنع فيّ مقوّمات التوجّه الجادّ نحو الأمام.

في مشهد أبتغي الطمأنينة والأمان والاسترخاء ، أروم الصفاء ، ما أروع ثلوجها حينما تدعوك لحرارة مقام المولى الإلهي ، أنوارٌ تخترق حجب الظلمات ، ظلمات القلب المتعب والروح المرهقة. في الأعماق شكوى ، آهات وآلام ومعاناة ، لا يستحقّ البوح بها إلاّ ذاك الصدر الدافىء والنور الدافق ; أسرارٌ أقفالها لا تفهم الانفراج إلاّ بفكّ الرمز ، وما يفكّ الرمز إلاّ مَن به العقل والقلب اهتدى.

ما أجمل سماء الولاية ، ما أرحب فضاء الحقيقة النوريّة ، واسطة الفيض الإلهي الرحموتية.

٢١٣

فصٌّ ألماسي رضوي يهدّئ الروع ويثبّت العزم ويقوّي الهمّة نحو السعادة الأبديّة.

سأظلّ أهفو وأسعى وأبذل الجهد لاُوطّئ للعودة أقداماً راسخة ، إلى أنيس النفوس ، إلى الإمام الرؤوف هَفْوَ العاشق المهووس.

إنّه مطمحٌ يستحقّ كلّ التضحيات والخسائر ، إنّه الربح الوافر والفلاح الباهر.

٢١٤

وقفة مع مفهوم الانتظار

أحقّاً نحن بانتظار ظهور الإمام الثاني عشر الحجّة بن الحسن عليهما السلام ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعد ما ملئت ظلماً وجورا؟

وماذا يعني لنا الانتظار من مفهوم حتى يندرج تحت طائلة حقل أو عنوان من حقول المعرفة وعناوينها الخاصّة ، ثم أيّة معرفة هذه التي تتجاذبها العقول : المعرفة العاديّة أم المعرفة العلميّة ، حتى نقرّر مصيرنا ومصير نموّ البحث وبلوغه المراتب المطلوبة؟

أو أنّه يندرج تحت طائلة حقل أو عنوان من الحقول والعناوين الارثوذكسيّة التي تختلط فيها التقاليد والمشاعر والأحاسيس والتبعيّة المحضة .. بلا محوريّة لحركة العقل وإدراكات الذهن البشريّة؟

بدءاً لابدّ من فهم الترابط العضوي وعدم انفكاك المصدر واسمه واسم الفعل عمّا يقع هو عليه ; إذ لا جدوى من الانتظار بلا منتظَر ـ بالفتح ـ ثم كيف يفهم المنتظِر ـ بالكسر ـ هذه المعاني والعلاقات ، إلى ذلك ـ والأهمّ ما في الأمر ـ كيف يستوعب المنتظِر البعد العقلاني للقضيّة ،

٢١٥

خصوصاً مع أخذ العوامل المكانيّة والزمانيّة بعين الاهتمام؟ فإنّه قد لا يصمد طويلاً إزاء الفرضيّات والنظريّات التي تناهض مبنى وجود المنتظَر ـ بالفتح ـ قبل أكثر من ألف عام وبقائه حيّاً إلى يومنا هذا ، وممّا يؤسف له في هذا المضمار أنّ المحاولات الجادّة التي اقتحمت فضاءات العقلانيّة لتثبت وجوده المبارك على هذه المشاكلة ضئيلة جدّاً رغم غزارة محتواها ومتانة نسقها وعمق براهينها ; وقد طغى التمسّك بالنصوص والإثباتات الميتافيزقيّة على أغلب البحوث والدراسات التي تتبنّى مبدأ بقائه عجّل الله فرجه إلى يومنا هذا.

إنّنا محكومون بالعقلانيّة سبيلاً أساسيّاً وطريقاً محوريّاً لإثبات صحّة المدّعى ; كي نستطيع مواجهة المباني والمبادئ التي ترفض مبدأنا ، ذلك رغم اتّفاق الجميع ـ تقريباً ـ على ظهور منقذ في آخر الزمان ، باختلاف التفاصيل.

وعلى فرض تجاوزنا هذه المراحل والأزمات فهل من انتظار حقيقي للإمام الثاني عشر من أئمّة أهل البيت عليهم السلام؟

لا شكّ أنّ كلّ المؤمنين بولاية أهل البيت عليهم السلام يبتهلون على الدوام بظهور الحجّة عجّل الله فرجه ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً بعدما مُلئت ظلماً وجورا ، رغم شذوذ بعض نخبهم بذهابه إلى أنّه عجّل الله فرجه سيولد فيما بعد وليس موجوداً أكثر من ألف عام موافقةً منه لرأي علماء العامّة في ذلك.

٢١٦

ولكن هل هذا الابتهال والاعتقاد مبني على قناعة علميّة عقلانيّة أم على تبعيّة تقليديّة؟ والظاهر أنّ الكفّة الثانية راجحة بامتياز ; لعدم نهوض النخب والكوادر من العلماء والمفكّرين والمتخصّصين بالدور المطلوب طبق المناهج المعرفيّة العلميّة الصحيحة في توعية الاُمّة توعية سليمة قائمة على الوضوح والشفّافيّة ، إلاّ القلّة الضئيلة التي أشرنا إليها ; حيث عرضت نتاجات راقية أدركت فيها الحاجة العقلانيّة ومتطلّبات الزمان والمكان فكان بحقّ رشحاً رائعاً من رواشح العقل الشيعي المتقدّم.

ولعلّ في عدم نهوض غالبيّة المشار إليهم مؤشّراً مؤسفاً على عدم الأهليّة والكفاءة في معالجة حاجة الاُمّة على هذا الصعيد بالخصوص ، وسائر الأصعدة المماثلة على وجه العموم.

نعود إلى السؤال المحوري ثالثةً : هل من انتظار حقيقي له أرواحنا فداه؟

لا غرو أنّ ظهوره سيقلب المعادلات والموازين وسيضرب بيد من حديد على كلّ القيم الظالمة والمبادئ الفاسدة والعناصر المنحرفة ، وسيعيد الاُمور إلى نصابها الصحيح ونهجها القويم ، وإلاّ كيف يملأ الأرض عدلاً؟! وبذلك ستطيح رؤوس وتسقط عروش وتهوي كيانات ، وهذا ما يؤلم ويزعج الكثير.

فلِمَ يأتي إذن؟!

٢١٧

أن لا يأتي يعني : بقاؤنا على عروشنا وترفنا واستبدادنا وغطرستنا وهيمنتنا وللمستضعفين الحجر!!

فهل يأتي أم لا يأتي؟

سلامٌ عليك سيّدي يوم ولدت ويوم عانيت ولازلت تعاني البعد وجمر الانتظار حتى يأمر المولى الكريم فتظهر لتلقم الظالمين حجر العدل وتنبت البسمة على شفاه المستضعفين وقلوب المظلومين التي تاقت إلى المنقذ الأمين ، إليك يا سليل النجباء الطاهرين.

٢١٨

حبيب الزهراء

كتب لي أحد الإخوة باللغة الفارسيّة :

«تَرْسَم كه شعر سنگ مزار من اين شود

اُو هم جمال يوسف زهرا نديد ورفت»

يعني : خشتي أن يُحفَر على صخرة قبري : هو أيضاً رحل ولم يحظَ برؤية جمال يوسف الزهراء (عليهما السلام) «أي الحجّة أرواحنا فداه».

فأجبته :

أنت أفضل حالاً منّي ; إذ أخشى أن لا أحد يقبرني ، فأظلّ فريسةً لمن ينهشني ، فلا جمال الحبيب أرى ولا تشفع لي الزهراء.

٢١٩

ومضة زينبيّة

هممت بيراعي تنميق مقال كنت قد حكتُ خيوطه الرئيسة ورسمتُ هياكله البسيطة قبل أيّام قليلة .. فعقدت العزم على تدوينه هذه الليلة وإذا بنداء الولاء لعقيلة الطالبيّين زينب الكبرى يهزّ جوارحي ويضرب في أعماقي مؤاخذاً وفي فضاء أفكاري معاتباً :

أما آن لك أن تخطّ في العالمة غير المعلّمة ، في القلب الصبور واللسان الشكور ، رواشحَ الانتماء ونتاج الاعتقاد ومعاني العشق في السادة الأسياد وخير العباد؟!

أما آن لك أن تكتب في التالية تلو المعصوم ، في من شاطرت الحسين (عليه السلام) الوظائف والمهامّ والمصائب والآلام ولا سيّما في ذلك اليوم وهو أبو الأيّام ، في العاشر من محرّم الحرام ، في طفّ الخلود والملاحم العظام؟

أما آن لك أن تدوّن في من تسنّمت التدبير في ذلك الحال الرهيب والظرف العصيب ، فواصلت الدرب بألق وشموخ منقطع النظير ، فجاءت

٢٢٠