🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

أنّ لكلّ واحد منّا حاجات واُمنيات وبذمّته توصيات. نحمد الله تبارك وتعالى أن وفّقنا للمشي ـ ولو قليلاً ـ إلى سيّدنا ومولانا الحسين (عليه السلام) ، ونسأله ألاّ يجعله آخر العهد منّا لذلك.

يقول السيّد الشهرستاني : أثناء المسير وأنا اُطالع ملامح المدينة وجدتها تغيّرت كثيراً عمّا كنّا عليه.

عند نقطة التفتيش الاُولى ـ وعددها حوالي ستّ ـ قدم حجّة الإسلام والمسلمين السيّد أحمد الصافي إمام جمعة كربلاء والأمين العام للعتبة العبّاسيّة مستقبلاً ومرحّباً بسماحة السيّد والوفد المرافق له ، رغم ما كان يعانيه من وعكة صحّيّة.

قبل الخامسة عصراً بلغنا حرم أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) بين جموع الزائرين والزحام الذي لا يوصف ، فكنّا نشقّ طريقنا بصعوبة بالغة جدّاً ، وسط ذهول عجيب ، حقيقةٌ هذا الذي نرى أم حلمٌ جميل ، أحقٌّ نحن في حرم حامل لواء الحسين (عليه السلام)؟

في ذلك اليوم المزدحم جدّاً وإثر التعلّق الشديد بضريح أبي الفضل (عليه السلام) انفصمت بعض أجزاء الشبّاك ، فاضطُرّ إلى تخلية قسم الرجال لأجل التعمير والصيانة لعدّة ساعات ، فكانت فرصةً ذهبيةً لنا لأداء مراسيم الزيارة والضريح المقدّس خال من الزائرين ، وبالفعل أمضينا دقائق رائعة ما بين قراءة الزيارة والدعاء والصلاة ولثم الضريح المبارك. علماً بأ نّنا كنّا قد انقسمنا إلى عدّة مجموعات ، كلّ مجموعة تضمّ حوالي

١٨١

عشرة أشخاص ، الواحدة تتبع الاُخرى بعد عشرة دقائق لأداء مراسيم الزيارة.

توجّهنا عقيب ذلك نحو حرم الإمام الحسين (عليه السلام) ، إنّها بقعة ما بين الحرمين ، مشاهد رائعة اختلط فيها جمال الفضاء بعبقات الولاء الفوّاحة بأريج المعزّين ، موكبٌ يتلو موكباً بلا انقطاع أبداً ، وجوهٌ غطّاها غبار الطريق وتلطّخت بوحل الحزن والمواساة ، سالت دموع الألم والمصاب ، فكيف تراها إذن؟! هلاّ يذوب قلبك وتنهمر دموعك وأنت تعايش هذه الصور الشامخة من الحبّ الصادق والعشق الكبير لسيّد الشهداء (عليه السلام) وأصحابه الكرام؟!

بمَ تفكّر وأنت تغادر حرم الكفيل لتكون ما بين الحرمين كي تصل إلى ريحانة الرسول وقرّة عين الزهراء البتول ، بعد أشهر وسنوات وعقود من ألم الفراق ومرارة البعد الطويل ، ألا يستجاب الدعاء ، ألا تقبل الزيارة والصلاة؟! كلاّ وألف كلاّ ، حاشاهم أن يتركونا هكذا ، فهم غير مهملين لمراعاتنا ولا ناسين لذكرنا ولولا ذلك لمسّتنا اللأوى واصطلمتنا الأعداء.

عند الباب الرئيسي استقبلنا سماحة الشيخ عبدالمهدي الكربلائي ، وبعد مكوثنا قصيراً في مكتبه توجّهنا لأداء الزيارة ، يا لها من جموع غفيرة غصّ بها المقام حقّاً ، جموعٌ تهتف بصوت حماسي : لبّيك يا حسين ، بأصوات معبّرة عن حبٍّ عميق وهيجان كبير ... وأنت بين هذه الجموع لا تشعر سوى أنّك بين أمواج بشريّة هائلة لا تدري إلى أيّ

١٨٢

ساحل تأخذ بك ، الكلّ ينشد الضريح المقدّس ، أمّا نحن فلسان حال الواحد منّا يقول : سيّدي ومولاي جئتك من شقّة بعيدة ، جئتك من سفر بعيد ، جئتك بعد كلّ هذه الأعوام والسنين الطوال ، فلا تخيّب ظنّي بالوصول إلى ضريحك المقدّس لأمسك به وألثمه لثمَ شوق وهيام وولاء ومواساة. وهذا ما حصل بالفعل لأكثرنا والحمد لله.

هناك وفي تلك البقعة المباركة عند الضريح المقدّس سألني أحد الزائرين الإيرانيّين ـ وما أكثر الذين سألوا ـ من هذا السيّد؟ قلت : فلان ، قال : هل صحيح ما ينقل من وجود خلاف بين العليّين؟ قلت : العكس هو الصحيح.

قمنا بأداء مراسيم الزيارة والدعاء والصلاة ، ثم رجعنا إلى مكتب الأمين العام للعتبة الحسينيّة الشيخ عبدالمهدي الكربلائي.

تحرّكنا صوب شبكة آل البيت (عليهم السلام) فرع كربلاء المقدّسة ، التي يديرها السيّد عبّاس الشهرستاني والذي ننعته بأنّ نضجه سبق سنّي عمره.

١٨٣

اليوم الرابع

كربلاء المقدّسة

توجّهنا صوب الحرم الحسيني الشريف ، ملبّين دعوة أمين عام العتبة على مائدة الغداء في المضيف المبارك ، التى حضرها العديد من العلماء والفضلاء والوجهاء والشخصيّات السياسيّة والاجتماعيّة المعروفة.

رمنا عقيب ذلك الضريح المقدّس لأداء مراسيم الزيارة والدعاء والصلاة ، ولم نستطع الوصول إلى الضريح ; لعظمة الزحام الذي لا يوصف ، فقمنا بالمراسيم على بعد عدّة أمتار.

سرنا نحو حرم أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) ببطء شديد جدّاً إثر الحضور العجيب والجموع الإنسانيّة الكبيرة.

ولابدّ من الإشارة إلى أنّ مناسبة الأربعين الحسيني ـ بهذا التواجد الميليوني العظيم والزحف البشري المثير مشياً على الأقدام من شتّى الأماكن والبلدان ، القريبة والبعيدة ، والخدمات الهائلة بمختلف أشكالها

١٨٤

وأنواعها التي يوفّرها الناس تبرّعاً وطواعيةً دون دعم حكومي ولا إسناد رسمي ، باستثناء الإجراءات الأمنيّة والتنظيميّة ـ لهي أفخم وأوسع وأروع تجمّع إنساني عالمي ، فلا موسم الحجّ وإمكانيّات السعوديّة المعروفة ، ولا احتفالات رأس السنة الميلاديّة ، ولا طقوس سائر البلدان والاُمم ، بإمكانها منافسة أو مقارنة حضورها وخدماتها الذاتيّة أو الحكوميّة بمراسيم الأربعين الحسيني ، والأهمّ من كلّ ذلك هذا الحبّ والعشق والولاء والحماس الفريد رغم الأخطار وتربّص الأعداء وتواصل سقوط الشهداء والجرحى إثر الهجمات والتفجيرات التكفيريّة الحاقدة الحاسدة ، بل وكلّما سقط شهيدٌ أو جريح تضاعف العزم وتكثّف الحضور ، وما ازدياد الأعداد الميليونيّة عاماً بعد آخر إلاّ إمضاءٌ لذلك ، ناهيك عن المناسبات الشيعيّة الاُخرى طيلة السنة والحضور الميليوني الفاعل فيها.

مع هذا الازدحام المنقطع النظير كيف يمكننا أداء مراسيم الزيارة والوصول إلى الضريح المقدّس لأبي الفضل العبّاس؟! آنذاك اقتُرِحَتْ فكرةُ الصعود إلى سطح الحرم الشريف والقيام بمراسيم الزيارة من هناك ، اقتراحٌ لاقى الترحيب ، وبالفعل كانت دقائق رائعة لا توصف ، فأنت ومن ذلك المكان الشاهق تجد وكأ نّك أقرب من غيرك إلى أبي الفضل (عليه السلام) ، وتزداد إحساساً بالقرب بلحاظ روحانية الفضاء وجمال المنظر ، كما وأنت بذلك الارتفاع حين تشاهد الجموع الهائلة بين الحرمين الشريفين ينتابك شعورٌ لا يوصف ، فهنا وعلى مسافة أمتار قبّة العبّاس (عليه السلام) ومنائره الذهبيّة وقبالك قبّة ومنائر الحسين (عليه السلام) الذهبيّة ، وما بينهما لوحة أخّاذة خطّتها

١٨٥

أنامل العشق وريشة الهيام بساداتنا الكرام ، لوحة الأمواج البشريّة المتلاطمة ما بين نموذج الوفاء والإخلاص والبطولة والشهامة من صوب ، ونموذج الإباء والحرّية والكرامة من صوب آخر ، اجتمعت كلّها في بوتقة الولاية الإلهيّة المقدّسة ، ولاية النبيّ الأكرم والوصيّ الأعظم وأبنائه الميامين الغرر ، اجتمعت لتحفر في عمق الضمير الإنساني أسمى آيات الحبّ والولاء.

أدّينا مراسيم الزيارة والدعاء والصلاة في ليلة لا تنسى.

دُعينا على مائدة العشاء في المضيف المبارك لأبي الفضل (عليه السلام) ، مأدبةٌ طيّبة وأكلٌ لذيذ كسائر مأدبات وأكلات مضائف أهل البيت (عليهم السلام) السابقة واللاحقة.

وامتازت القهوة التي احتسيناها في هذا المضيف المبارك عن نظائرها ، ففيها من الطعم والنكهة ما يجعلها فاخرة بشكل خاصّ ، سُئل صانعها فقال : طالما حاولتُ صنعها بهذه الكيفيّة في منزلي فلم اُوفّق أبداً ، قال : إنّها أنفاس أبي الفضل (عليه السلام).

أدّينا مراسيم زيارة الأربعين ليلة الثلاثاء احتياطاً أثناء تواجدنا في الحرم الحسيني الشريف قبل مغادرتنا إلى حرم أبي الفضل العبّاس (عليه السلام) ، كما قمنا صبيحة يوم الثلاثاء يوم الأربعين بأداء الزيارة ذاتها ومن الطابق الرابع للمؤسّسة حيث تتراءى أمام نواظرنا مآذن الحرم الحسيني المقدّس.

١٨٦

اليوم الخامس

النجف الأشرف

صبيحة يوم الثلاثاء موعد إيابنا إلى النجف الأشرف ، انطلق موكبنا ـ الذي رافقنا فيه محافظ كربلاء ـ حوالي الثامنة صباحاً ، وكان الطريق أشبه بالفارغ من المركبات ; لخصوصيّة الوقت ، حيث الكلّ لا زال في كربلاء إلاّ القليل الذي بادروا بالحركة أمثالنا.

حوالي التاسعة والنصف صباحاً وفور وصولنا النجف الأشرف تفقّدنا مستشفى أميرالمؤمنين (عليه السلام) الذي يقوم بإنشائه السيّد الشهرستاني بمتابعة فضيلة العلاّمة الشيخ إحسان الجواهري وتحت رعاية المرجعيّة العليا في واحدة من أهمّ مناطق النجف حيويّةً.

في مؤسّسة آل البيت (عليهم السلام) قضينا استراحةً قصيرة نسبياً ، ثم توجّهنا بعدها إلى مؤسّسة شهيد المحراب ، لقراءة الفاتحة على روح الشهيد آية الله السيّد محمّد باقر الحكيم وشقيقه حجّة الإسلام والمسلمين السيّد

١٨٧

عبدالعزيز الحكيم ، استمعنا لشرح مختصر عن المؤسّسة وأقسامها وأنشطتها أفادنا به نجل الشهيد فضيلة العلاّمة السيّد حيدر الحكيم الذي كان وآخرون معه بالاستقبال والتوديع.

من هناك توجّهنا نحو حرم أميرالمؤمنين (عليه السلام) ، قمنا بمراسيم الزيارة والدعاء والصلاة ، ثم حضرنا مأدبة الغداء التي أقامها حجّة الإسلام والمسلمين الشيخ ضياءالدين زين الدين أمين عام العتبة العلويّة على شرف السيّد الشهرستاني والوفد المرافق له ، وكانت مائدةً مباركةً طيّبة.

علماً بأنّ عدداً من الإخوان ـ ولأجل التبرّك بزاد أهل البيت (عليهم السلام) ـ احتفظ بقطعات الرغيف أو غيرها ليأخذها هديّةً قيّمة لأهله وأصدقائه ومعارفه ، بل إنّ البعض منّا جمع قطع رغيف من كلّ المضائف التي دُعينا على موائدها ، ابتداءً بالعتبة الكاظميّة وانتهاءً بالعتبة العلويّة.

بعد استراحة قصيرة في مقرّ الأمانة العامّة للعتبة العلويّة المقدّسة تحرّك الموكب صوب مدينة العلم التابعة لسماحة السيّد السيستاني مدّ ظلّه الواقعة في منطقة الحامية ، التي لم تكتمل بعد ، وللإنصاف وجدناها مدينة ضخمة تضمّ حوالي ٩٦٠ وحدة سكنيّة.

بعد صلاتي المغرب والعشاء ، كان السيّد الشهرستاني على موعد مع سماحة المرجع الأعلى السيّد السيستاني مدّ ظلّه ، جلسة على انفراد تعدّ استكمالاً للجلسة الاُولى وما دار فيها من قضايا وتوصيات. دامت الجلسة حوالي الساعة والنصف ، أي من الساعة السادسة حتى السابعة

١٨٨

والنصف. حضرها في الأثناء نجل سماحة المرجع الأعلى السيّد محمّد باقر السيستاني.

المحطّة الأخيرة قبل الرجوع إلى إيران كان معهد العلمين التابع لفضيلة العلاّمة الدكتور السيّد محمّد بحرالعلوم ، ولم تكن دعوة عشاء فحسب ، بل أشبه بمؤتمر تكريم واحتفاء بالسيّد الشهرستاني والوفد المرافق له ، حضورٌ كبير من البيوتات والعلماء والأفاضل والنخب والوجهاء والشخصيّات اللامعة غصّت بهم قاعة المعهد.

ولابدّ هنا من الإشادة والإشارة إلى القصائد العصماء التي نظمها وألقاها فضيلة السيّد مهنّد جمال الدين ، سواء في النجف الأشرف أو كربلاء المقدّسة ، ذلك الإلقاء والدفء والحسّ المرهف الذي يذكّرنا دوماً بأبيه الراحل الكبير السيّد مصطفى جمال الدين (رحمه الله).

صبيحة يوم الأربعاء ، صبيحة المغادرة والرجوع إلى إيران.

محافظ النجف الأشرف الاُستاذ عدنان الزرفي قاد السيّارة التي أقلّت سماحة السيّد إلى المطار.

محافظ كربلاء الاُستاذ عقيل الطريحي حضر أيضاً في المطار مودّعاً سماحة السيّد والوفد المرافق له.

ما أشبه الجمعة بالأربعاء ، عناقٌ في عناق ، ذاك عناق اللقاء وهذا عناق الوداع.

١٨٩

تأخّرت الطائرة عن الإقلاع لأكثر من ساعة.

حوالي الحادية عشرة والنصف كنّا في مطار الإمام الخميني (قدس سره) بطهران وكأنّ حلماً جميلاً قد انقضى بأروع لحظات اليقظة.

قد يكون ملفّ رحلة العراق ، رحلة العتبات ، بلغ نقطة النهاية الدينامكيّة ، لكنّه سيظلّ مفتوحاً يحاكي الماضي والحاضر والمستقبل ، ويفتح آفاقاً شتّى ومحاور عدّة على صعيد التحليل والاستنتاج والقراءة والمقارنة والمراجعة. كما سيبقى واحداً من أجمل صفحات الذاكرة التي تشمخ وتزهو أكثر كلّما مرّت الأيّام وتصرّمت سنّي العمر.

علينا الاعتراف بعدم استطاعتنا الإحاطة بكلّ مجريات الرحلة وأحداثها ومواقفها ونوادرها ; لكثافة برامجها وسرعة حركتها الفائقة وتعدّد رجالاتها ، إلى ذلك : أنّها حصلت في أيّام هي من أعظم أيّام العراق حضوراً جماهيريّاً هائلاً لا مثيل له ، امتلأت بهم كلّ الطرق والمدن المؤدّية إلى كربلاء المقدّسة.

والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمّد وآله الطيّبين الطاهرين.

١٩٠

الدم والسيف

في التأريخ أحداثٌ ملأى بالنزاعات والصراعات والمعارك والحروب ، ومن الحروب ما كانت ماراثونيّة طالت عشرات السنين واستنزفت قوى أقاليم ودول وشعوب ، واُخرى سريعة طاحنة ، فيها قتل وجرح وأسر وسبي ونهب وقسوة وظلم ونصر وانتكاسة ، تتغيّر بها موازين وتتبدّل معادلات وتُرسَم خرائط من جديد وتُنتَزع عهود ومواثيق والتزامات ، كلّها تنصبّ بنفع الغالب القوي ، وأهمّ ما في الأمر تقوّض الفضاء القيَمي والمفاهيمي والمبادئي بفضاء الغالب المنتصر ، وهذا هو الأخطر في تلك النزاعات والصراعات والمعارك والحروب.

نعم ، تمكّنت ماكنة الحرب الاُمويّة من حسم معركة عاشوراء الشهيرة خلال بضع ساعات بعد توفير المقدّمات الضروريّة لهذا الحسم السريع من خلال آلة الترهيب والترغيب ، فمالَ الناسُ عن آل البيت عليهم السلام بعد كلّ تلك العهود والمواثيق والمكاتبات المعروفة بطلب قدوم الإمام الحسين بن علي عليهما السلام ، فلم يبق معه عليه السلام إلاّ

١٩١

النخبة المخلصة من آله وأصحابه الذين لم يبلغ عددهم الثمانين على أشهر الروايات ، إزاء جيش جرّار ، أقلّ ما تفيده الروايات أنّه بلغ حوالي ثلاثين ألف جندي.

طبق المعادلات والحسابات الموجودة على الأرض فالمعركة محسومة سلفاً ، معركة سبقها وقارنها تنسيقٌ منظّم وآلية ثقافيّة تسعى لاستثمار الفضاء المشحون لصالحها ، فكان صوت القيادة الدينيّة والسياسيّة واحداً آنذاك ، الأمر الذي سهّل مهمّة الاُمويّين في إضفاء الشرعيّة على حربهم مع الحسين عليه السلام ، حيث جعلوا منه عليه السلام رجلاً خارجاً عن الدين وإمام زمانه ، مستحلّ الدم والمال ، وهذه الناس التي قادها الجهل الرهيب والطاعة العمياء والطمع والخوف قد وجدت المبرّر الكافي لقتال الحسين عليه السلام بكلّ حزم وإصرار وقسوة.

إذن كلّ الترشيحات ترجّح كفّة الاُمويّين ، وليس في الاُفق ما يدعو إلى أدنى تفاؤل بنصر الحسين عليه السلام ، إلاّ المعجزة وحدها ، فهي الكفيلة بتغيير موازين المعادلة.

ولسنا في وارد الخوض في «المعجزة» ـ التي مرادنا منها هنا ليس المعجزة المادّيّة ، وإلاّ فالحسين عليه السلام قد قُتِل هو وصحبه جميعاً وسُبيت النساء والأطفال ... بل معجزة ما آلت إليه نهضة الحسين عليه السلام من إشعاعات وتأثيرات ظلّت تتفاعل طوال أربعة عشر قرناً

١٩٢

ولا زالت تتلألأ وتزداد عنفواناً كلّما مرّت عليها الدهور والأيّام ـ ومفهومها ابتداءً ، بل سنجعل حصيلة البحث خاضعةً لأسباب ومقدّمات تلوح من إحداها علائم المعجزة ، ذلك كي لا نغمط قيم الدين ومبادئه الحقّ المشروع ، ولا نخدش الفكر السامي الذي حمله الحسين عليه السلام في قيادة الاُمّة عموماً وتلك المعركة المعهودة على وجه الخصوص.

بمعنى آخر : لا يمكن لنا أن نرمي نتائج نهضة أبي الأحرار عليه السلام في سلّة «المعجزات» فقط ، بل كانت المعجزة إحدى قوائمها وليس كلّ شيء فيها ، رغم وقوفنا على المعجزة وقدسيّتها ومنبع فيوضاتها النورانيّة ، وتسليمنا بكونها : الأمر الخارق الذي لا يحصل إلاّ على يد نبي مرسل أو إمام مفترض الطاعة أو ولي من أولياء الله تبارك وتعالى ، ولاسيّما مع دركنا أنّها غير منافية للعلم المادّي ، وإنّما هو قصور أدوات العقل عن فهم الأسباب التي تحقّقت بموجبها المعجزة ; فهي ليست خروجاً عن قوانين الطبيعة أو خرقاً لها بل تقدّمٌ في عالم المحسوس عن عالم المعقول السائد وقتها ـ أي المعجزة ـ وأ نّها قفزة زمنيّة إلى الأمام في تطويع قوانين الطبيعة ; فـ «فلق البحر» و «إحياء المسيح الموتى» و «نار إبراهيم» ... هي مصاديق ذلك.

إنّنا لو جرّدنا نهضة سيّد الشهداء عليه السلام عن حقيقتها وواقعها المحسوس وسلّمناها قضيّةً غيبيّةً بحتةً فقد أقحمناها عالم الجبر ، وعالم الجبر لا ينهض أبداً بخلق المزايا والصفات ومراتب الرفعة والسموّ لهذا

١٩٣

الإنسان أو ذاك ; فالحركة الغيبيّة ستكون الحاكمة المطلقة على كلّ شيء ، وهذا خلاف تكويني وتناقض واضح مع المشروع الإلهي القائم على كون الأمر ما بين الأمرين ، أي لا جبر ولا تفويض.

وهذا أيضاً بابٌ من أبواب السعي لتشريح نهضة الحسين عليه السلام وحقّها الذي تستأهله من خلال فهم المزايا الكبيرة التي كان يتمتّع بها عليه السلام وأصحابه المخلصين.

وإذا فرغنا من مبحث المعجزة والجبر بات علينا الالتفات إلى المقوّمات الذاتيّة التي كان يمتلكها الإمام الحسين عليه السلام في إدارة دفّة الصراع مع الاُمويّين ، فلقد تعامل بعناية فائقة ودقّة كاملة وذكاء كبير مع كلّ الأحداث التي مرّت به عليه السلام ، واستفاد من كلّ المؤن المعرفيّة والمناهج العلميّة والمضامين المبدأيّة ، وتمكّن من توظيفها ببراعة مذهلة في معركته القيَميّة تلك ، فكان الحصاد العظيم والفتح المبين الذي اكتمل بالنجاح المنقطع النظير في يوم عاشوراء ; حيث صنع عليه السلام من واقعة ذلك اليوم صرحاً من الاُسس والمفاهيم التي تزداد ألَقاً كلّما دارت الأعوام والسنون ، فلقد كان يعلم عليه السلام أنّه وأصحابه سيُقتَلون وأنّ مصيرهم الفناء الجسدي ، لذا خطّط وبرمج ونسّق كلّ خطوة يخطوها وكلّ كلمة يقولها أو سكتة يتأمّل بها ويتدبّر فيها ماذا يقرّر من الفعل والترك ..

فكان نهج خروجه من المدينة وتوديعه لجدّه رسول الله صلّى الله

١٩٤

عليه وآله واُمّه الزهراء عليها السلام وأخيه الحسن عليه السلام وحواره مع ابن والده محمّد بن الحنفيّة ، وإبقائه لابنته المريضة فاطمة الصغيرة ، واستصحابه النساء والأطفال ، ثم ذهابه إلى مكّة ونوع الطريق الذي سلكه إلى كربلاء ، وحصار الحرّ بن يزيد الرياحي ونصحه عليه السلام له ذلك النصح الذي أتى اُكله يوم عاشوراء ، وما سبقه من قضيّة زهير بن القين ، وحديثه مع ابنه عليّ الأكبر وأحداث ليلة الواقعة ، وتمحيصه أصحابه ، وخطاباته قبل المعركة وأثنائها ، واُسلوب تقديمه أنصاره وأهل بيته للقتال ، ومسألة العطش والطفل الرضيع ، والصلاة تحت ظلّ السهام .. التي مزجها طرّاً وأغدق عليها من نفحاته القدسيّة وروحانيّته الطاهرة الممتلئة نوراً وإخلاصاً ووفاءً لقيم السماء ، بل كان عليه السلام هو النور الإلهي المتجلّي ، فإليه ومنه تنتهي وتصدر الفيوضات الربّانيّة المباركة ، قطب عالم الإمكان الذي لولاه لساخت الأرض بأهلها ...

ففي كلّ ذلك برهانٌ ساطعٌ ودليلٌ جلي على خصوصيّة وشموخ الحسين عليه السلام وعلوّ مزاياه الفريدة.

إنّ كذا شخصيّة بهكذا مواصفات ، تمكّنت من توظيف كلّ إمكانياتها الذاتيّة الرفيعة المستوى المدعومة من مبدأ القوّة العليا المسيطرة ، الله تبارك وتعالى ، في قلب موازين الصراع ، الذي كان صراعاً محسوماً مادّيّاً ، فترشّح من ذلك اليوم المثير جملة قيم ومفاهيم وأخلاق وحقائق ظلّت سرمديّة إلى يومنا هذا ، وستبقى تحاكي القلوب والعقول وتزداد حضوراً مدى السنين والقرون. وهذا هو معنى انتصار الدم على السيف ،

١٩٥

المعنى الذي ابتكره الحسين عليه السلام وجاد به على الإنسانيّة.

نعم ، لقد خلق استشهاد الحسين عليه السلام فرصاً جديدة للاستقامة والتصحيح ، فانفصلت السلطة الدينيّة عن السلطة السياسيّة بعدئذ كأوّل مؤشّر وراشح من رواشح نهضته عليه السلام ، وإن كان لنا في الفقهاء السبعة كلام يطول بيانه ليس محلّه هنا.

كما وشيّدت زينب بنت علي والإمام زين العابدين عليهم السلام المركز الإعلامي الذي باشر في بثّ ونشر وتعريف نهضة الحسين عليه السلام.

أيّتها المرأة! أنّى كنتِ وتكوني ، فهذه زينب عليها السلام قد شاطرت الحسين عليه السلام في إرساء اُسس الأخلاق والمبادئ والقيم الإنسانيّة وديمومة عطائها المبارك ، سواء بتحمّلها مسؤوليّاتها أيّام الواقعة أو بعدها ، ولاسيّما وقفتها الشهيرة التي أنّبت ووبّخت بها يزيد بن معاوية على فعلته الشنعاء ، وتحدّيها الكبير النابع من غزارة علمها ودقيق درايتها وعظم شأنها ورفيع قدرها ; خصوصاً لمّا دوّت بمفهومها المقدّس : «فوالله لا تمحو ذكرنا ولا تميت وحينا ...» الذي يعدّ غرّة ناصعة في جبين الرسالة الإسلاميّة ، الرسالة التي خرّجت هكذا امرأة بهذه المزايا ، امرأة استوعبت الدين والناس والمجتمع وفهمت معادلة الصراع فهماً ناضجاً عالياً ممّا أتاح لها تقييم الأوضاع المستقبليّة ، تقييماً صادراً عن عمق وبصيرة ورؤية حادّة دقيقة ، وأدلّ دليل على الشيء وقوعه ، وليس هذا

١٩٦

التمسّك بحبّ الحسين وقيمه ومبادئه إلاّ تصديقاً لذلك المفهوم الذي ما كان ليُصدَّق في ظلّ المعادلة التي كانت حاكمة آنذاك.

فتحصّل : أنّ مقوّمات نجاح نهضة الحسين عليه السلام عدّة محاور وأقطاب ، كلّها ساهمت مجتمعة في إبقاء قيمها ومبادئها وأهدافها حيّة نابضة أبد الدهور. وهامّ الأمر أن صارت رؤى الحسين عليه السلام صمّام الأمان الذي يحمي الدين من التشويه والتزييف والحذف ، والبركان الدائم من الحركة والتجدّد والتغيير طبق الاُسس الثابتة والمفاهيم الراسخة.

ولا نريد الخوض في موضوع الشعائر الحسينيّة ; إذ البحث فيها يستدعي التفصيل والتجزئة والتحليل والمقارنة والمراجعة ... وكلّ ما نقوله بهذا الصدد على وجه الخاطفيّة : إنّ حفظ القيم التي استُشهد من أجلها الحسين وأصحابه عليهم السلام واجب ديني وشرعي وإنساني. ولسنا من أهل الفتوى ولا في منزلتها ، بل هذا الذي نفهمه وتعلّمناه من خلال آراء علمائنا وأقطابنا وعقلاء العالم.

وهذا الحفظ متنوّع الوسائل والآليّات والأدوات ، كلٌّ بحسبه ، ولا يمكن لنا فرض آلية معيّنة أو حذف اُخرى في هذا السياق إن كان الأمر لا يتنافى مع قوانين الشريعة وأحكامها ، ولاسيّما أنّ قضيّة الحسين عليه السلام قد احتلّت أبعاداً واتّسعت آفاقاً لا يمكن منعها بأيّ وسيلة من الوسائل ، هذا ما ثبّته التأريخ لنا بوضوح ، فالكلّ يمارس عشقه وذوبانه وتأ ثّره وعقيدته بالحسين طبق أدائه وآليّته ، فما دام ذلك مشروعاً غير

١٩٧

محرّم صار إجهاضه وحذفه محلّ تساؤل كبير. نعم ، يمكن تنقيحه وتهذيبه بالشكل الذي يحفظ للشعائر حيويتها وطراوتها وعنفوانها.

إنّ حفظ فكر الحسين عليه السلام ونهضته قائمٌ بحفظ المظاهر والمحتوى ; إذ حفظ المظاهر بالشكل الصحيح يوفّر فرصة بقاء الكثيرين متمسّكين بالدين ومبادئ آل البيت عليهم السلام ، اُولئك الذين لا يتمكّنون بصورة واُخرى من اقتحام المحتوى والتعامل معه بروح علميّة معرفيّة منهجيّة ; نتيجة افتقادهم المقوّمات والمؤن والفضاء اللازم ، فهم من خلال مجالس الوعظ ـ مثلاً ـ والاستماع والمشاهدة وممارسة الشعائر يُبقون على عقيدتهم وعشقهم وثباتهم حيّاً نابضاً.

أمّا حفظ المحتوى فهو عمل تخصّصي لا ينهض به إلاّ ذوو المعرفة والعلم الذين توفّرت لهم المقوّمات والمؤن والفضاء المناسب للحصول على الرؤى والمفاهيم التي تكوّن الخزين الحافظ للدين وكلمته المقدّسة.

إنّنا نستطيع إيصال ثقافة نهضة الحسين عليه السلام ، ثقافة المحتوى والعمق الفكري ، عبر استخدام الوسائل والأدوات التي تمتاز بالجاذبيّة والاستقطاب والتأثير المباشر على أذهان الناس وأحاسيسهم ، وبذلك يمكننا الجمع بين المحتوى والمظاهر. ولا ننسى أنّ عالَم اليوم عالَم الفضاء والتواصل الاجتماعي والإعلامي. وبما أنّ رسالة الدين هي إسعاد البشريّة وهدايتها وأنّ نهضة الحسين (عليه السلام) مصداقٌ ألِقٌ من مصاديقها ، بات من الواجب إيصال ثقافة الحسين (عليه السلام) عبر أرقى السبل وأنجعها.

١٩٨

إنّنا كلّما راجعنا وقرأنا وتفحّصنا نهضة الحسين عليه السلام لا شكّ أنّها ستمنحنا الجديد من العطاء العلمي المعرفي الثقافي ، والعزم العقائدي ، والحسّ العاطفي ، وكلّ البركة والخير والسعادة والأمان ، فما جاد عليه السلام بنفسه الطاهرة إلاّ لكي يستقيم الدين وتسعد الحياة وتطيب النفوس بمسك الهداية والقيم الحقّة.

١٩٩

لحظات السعادة

إن استطعنا ـ ونحن في لحظات الألم والحزن ـ أن نغمض أعيننا ونتذكّر لحظات السعادة التي مرّت بنا ، نتذكّر أنّ الحياة ذات ألوان مختلفة ... نستفاد من لحظات الألم والحزن لنخلق شعوراً يقودنا نحو السعادة ... إنّنا إن استطعنا أن نعيش السعادة حال «إغماض العين» فهذا يعني «متابعة السعادة» ، يعني أنّنا ينبغي ألاّ نتوقّف ، بل نعمل لنعيد لحياتنا معناها الحقيقي ، من الحركة الفاعلة المفعمة بالأمل والطموح إلى بلورة ما نصبو ونهدف إليه ميدانيّاً.

بكينا كثيراً هذه الأيّام ـ نحن أتباع ومحبّي أهل البيت (عليهم السلام) ـ لمصاب أبي الأحرار الإمام الحسين عليه السلام وما جرى في وقعة الطفّ الشهيرة من أحداث مأساويّة ومواقف متباينة صارت ملاكاً وميزاناً للحقّ والباطل ، للخير والشرّ ، للنور والظلام ، للهداية والضلال ...

بماذا ينفعنا هذا البكاء ، وهل نستطيع ان نروّي بتلك الدموع ظمأ العقول وعطش القلوب إلى النور الذي يهدينا إلى الحقّ ، إلى السعادة والبهجة الإنسانيّة المعهودة؟ هل نستطيع إغماض العينين ونتذكّر سعادتنا

٢٠٠