🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

... إلاّ حبّ الحسين

لا أدري متى ينقضي عجبي ; إذ كيف بي أن اُطيق الانطواء في مخبأي ، أختار الاستقرار ، أتجرّع علقم الانتظار ، فالفضاء كربلائيٌّ بامتياز واقتدار ، أريج أربعين المولى يعطّر الهواء ويمسّك الأبدان ، أنغام الرحيل تشنّف الأسماع والآذان ، مشاهد الزحف تبهر العيون وتشغل الأذهان ... إنّه موسم عشق إمام الإنس والجان ، يوم يفرّ المرء فوق المكان والزمان فيغدو الماضي حاضراً والحاضر آن ، وتُستبدَل الخرائط فتتغيّر جغرافيّة البلد والأوطان .. الكلّ ورائي سوى المعشوق أمامي ، سوى المولى غايتي ومرامي .. هنا محطّ رحالي وبلسم جروحي وآلامي ، هنا ينكسر القلم وتجفّ الريشة وينثلم مسلسل أفكاري ..

هنا ، الآن ، بحوث : «الاجتهاد ، حقّ الطاعة ، شكر المنعم ... في طول الشريعة أم في عرضها» «الشبهة الحكميّة ، المصداقيّة ، الموضوعيّة» ... «العلم الإجمالي ، الشبهة العبائيّة ، الشبهة المحصورة» ... «الأصل المثبت ، استصحاب القهقرى ، حجّيّة الاستصحاب من القسم الثالث ، حجيّة مفهوم الحصر ، الوصف ... من عدمها» ... «الحكومة

١٢١

والورود» ... «توقيفيّة العبادات» ... «الأحكام الثانويّة والضرورات» ...

«البُعد الرابع ، الحركة الجوهريّة» ... «الدليل الإنّي واللمّي» ... «النسب والقضايا والدلالات والصناعات» ... «سبقة التفكير على الوجود أو العكس» ... «التطوّر الدلالي للّفظ ، الإدراك الوظيفي» ...

«الواقعيّة ، الرمزيّة ، التجريديّة ، الكلاسيكيّة» ...

«الانطولوجيا ، الميتودولوجيا ، السوسيولوجيا ، الأنثروبولوجيا ، الثيولوجيا ، الكوموزلوجيا ، السيمياء» ...

«الكوانتم ، النسبيّة ، الأمبريقيّة ، الميكانيكا» ...

هنا ، الآن ، كلّ البحوث والعلوم والمعارف والفنون بلا استثناء : إمّا في إجازة أو خافتٌ صوتها ، مكسورٌ قلمها ، جافّةٌ ريشتها ، مشوّشةٌ أفكارها ... فلا نداء هنا ، الآن ـ بل في كلّ البقاع والأزمان ـ إلاّ نداء الحسين ، لا يراع إلاّ يراع الحسين ، لا إيقونة إلاّ إيقونة الحسين ، لا مبادئ إلاّ مبادئ الحسين .. ولا عشق إلاّ عشق الحسين ، لا حبّ إلاّ حبّ الحسين .. نعم ، سمّها ما شئت : ولاية ، عقيدة ، هويّة ، انتماء .. مهما اختلفت العناوين والأسماء فالأمر موحّد بسّاق .. إنّه الحبّ الذي ضربت جذوره في الأعماق واستطارت أنواره في الآفاق فهامت به القلوب والعقول بالاتّفاق ..

مهما خالفنا وتخلّفنا وراأينا وتملّقنا لكنّا صادقون في شيء من جنس اليقين ، فوالله إنّ لنا قلوباً تحبّ الحسين ..

١٢٢

يا كلّ التاريخ والأماكن أجمعين ، يا مؤتمر الهيّام من طرّ الماضين والحاضرين ، يا ركب الملايين الخمسة والعشرة والعشرين ـ على اختلاف الراوين ـ الزاحف صوب الحسين ، أيّتها العشرات ومئات الملايين من الأحرار والشرفاء والعاشقين المرابطين خلف جبهات الماشين ، حيث فضاءات قيم وأخلاق وحماسة أبي الأئمّة الميامين :

بالله عليكم ما هذا الحسين وما هذا السرّ الربّانيّ في الخالدين ، بالله عليكم إنّا نغبطكم فاذكرونا حيث ثرى الحسين ، اذكرونا حين تفاعُلِ الصنوين وفيض الدمع على الخدّين ، اذكرونا بحقّ تريب الخدّين.

صلّى الله عليك سيّدي أبا عبدالله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك ...

١٢٣

ماذا لو لم يخرج الحسين؟

لو سلّمنا جدلاً أنّ موضوعنا عقلانيّ بعيدٌ عن الفضاءات الإلهيّة الميتافيزقيّة ، بمنأى عن الانتماءات الدينيّة العقديّة ، خارج الحدود الديموغرافيّة الإثنيّة ، فوق الاعتبارات الزمكانيّة .. أنّ موضوعنا سؤالٌ معرفيٌّ منحصرٌ في استفهام واحد يفتقر إجابةً لابدّ أن تستوفي حقّها العلمي بلا زيادة ولا نقصان :

ماذا لو لم يخرج الحسين؟

يعني ذلك : لم تكن كربلاء ولم يكن الطفّ وأحداثه الشهيرة.

إذن كيف يبدو حال العالَم؟

كيف تبدو القيم والمبادئ والأخلاق؟

كيف يبدو حال الفكر والنصّ ـ أيّ نصّ ـ قراءةً ومراجعةً ومقارنةً واستقراءً ودلالةً وتأويلاً ومعالجةً واستنتاجاً واستنباطاً؟

هل تترامى آفاق العقل الثاني ، أو ما يسمّى بالأخلاق والحكمة العمليّة ، فتكون كما تبدو عليه الآن؟

١٢٤

هل تعجّ الأجواء الاُصوليّة الفقهيّة العَقَديّة ، الحوزات والمدارس والمراكز والمؤسّسات والمعاهد الدينيّة والعلميّة والثقافيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة والفنيّة ... فتكون كما تبدو عليه الآن؟

هل تظلّ نظرية «مبدأ العلّيّة» مهيمنةً على فكر النهضة ولا تنحسر إزاء تأ لّق نظريّة «الاحتمال» التي تنكر إلوهيّة الطبيعة وتنادي بإله فوقها وفوق علّيّتها؟

هل يرقى الحبّ والعشق بشتّى مراحله ومنازله ودرجاته وترقى إنسانيّة الإنسان ، أم تبقى تراوح مكانها دون ازدهار؟

تساؤلات اُثيرت على سبيل الإشارة لا الحصر ، بإزائها تساؤلات اُخر بالاتّجاه المعاكس مفادها مثالاً :

ما تأثير خروج الحسين على كلّ الفضاءات والمضامير المذكورة؟

هنا نجد «المقارنة» تفرض حضوراً جدّيّاً فاعلاً ، المقارنة بين خروج الحسين وافتراض عدمه ، وليس بخاف على الكثير كون «المقارنة» من أساسيّات البحوث العقلانيّة .. وهكذا افترضنا البحث عقلانيّاً بامتياز كي ننأى به عن جميع الشبهات والافتراءات والتضليلات ..

بعبارة اُخرى : يكون سؤال «خروج الحسين وافتراض عدمه» والآثار المترتّبة عليه نفياً وإثباتاً ، بالمقارنة المعرفيّة العلميّة ، من صلب سؤال الحياة الكبير : من أين ، في أين ، إلى أين.

لا شكّ أنّنا لا نستطيع إفراغ الحياة والتاريخ والحقيقة والثقافة

١٢٥

والأخلاق والأحاسيس من قضايا ومحتويات واقعيّة ، من شيء اسمه «الحسين» من شيء اسمه «خروج الحسين ومقتله في أرض يقال لها : كربلاء» من شيء اسمه «خلود الحسين» ، حتى يومنا الحاضر على أدنى تقدير عقلاني ، بهذا الحجم والمساحة والحضور الهائل الفاعل.

حينئذ تكون المقارنة العقلانيّة بين خروج الحسين وعدمه في أرقى مصاديقها وأرفع تفاعلاتها ، فتعطي بذلك انطباعاً بديهيّاً بغنى النتائج التي تُظهِر البون الكبير بين الوجود والعدم ، بين خروج الحسين وتأثيراته على العالم والبشريّة ، وعدم خروجه وتأثيراته عليهما.

لو تجرّدنا افتراضاً عن كلّ أمر فإنّنا لا يمكن أن نتجرّد عن كوننا جميعاً إنّما نحيي بالحسين تبادراً : الإصلاح ، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، الإيثار ، الحبّ ، السلام .. فهل تريد الإنسانيّة أكثر من ذلك ، وهل تخلّد سواه؟!

إنّ سكون دم الحسين الخلد لم يكن اعتباطاً ولم يأت من فراغ ، إنّها عصارة المنهج الذي يستقي مضامينه وأدواته من قيم واُصول وقواعد تؤمن بالدليل والمنطق والحوار ، فلا تنفي الآخر ولا تحذفه ، تسعى بكلمتها بلا ترويع وتحريف ، تجهد أن تقود حيث مراتع الهداية والنجاة والفلاح.

إذن خرج الحسين لأ نّه كان لابدّ أن يفعل ذلك ، كان لابدّ أن يعيد الاُمور إلى نصابها الصحيح ، وعلى أدنى تأثير فإنّه استطاع إنقاذ الذاكرة

١٢٦

البشريّة من إغماء غير معلوم المدى قبال الظلم والفساد المستشري ، تمكّن من إشعال شمعة في دروب الحريّة والعدل والتغيير ، الشمعة التي تبقى متّقدةً أبداً مهما اجتمع ظلام العالَم قاصداً إطفاءها.

خرج الحسين فسكن القلوب وآثار العقول ، لسبب بسيط مفاده : الإخلاص.

فلو لم يخرج الحسين لكان حال العالَم أسوأ بكثير ممّا هو عليه الآن.

١٢٧

لا يوم كيومك أبا عبدالله

سيّدي :

أوَ تمضي راحلاً فتُبقي عليلاً لا يقوى وزينباً حيرى؟

أوَ تمضي راحلاً فتخلّف أطفالاً تيهى ونساءً ثكلى؟

إلى أين المسير يا نور العين وضياء الخافقين؟

أيُّ قلب قلبك يا ملاذ العاشقين؟

أيُّ صبر صبرك يا ملجأ المفجوعين؟

أيُّ مسافر عظيم أنت سارت بركبك الجنان والمشاعر؟

أيُّ مغادر كبير أنت سارت برحلك العقول والبصائر؟

أيُّ غائب أنت قد تأبّدتَ الحضور؟

أيُّ صريع أنت حيّاً يا أبد الدهور؟

أيُّ مرمّل أنت يا شامخاً فوق الشموخ؟

أيُّ مخضّب أنت يا رافضاً ذلّ الرضوخ؟

سيّدي أبا الأحرار :

١٢٨

أيّها الإمام المعصوم المفترض الطاعة!

أيّها العالِم بأحداث الأمس والغد والساعة!

أنّى لنظائري بمحضرك ـ يا روح الروح ـ إبداء العُتبى ..

لكنّها لوعة هائم مذهول إزاء أناة فيك لا تُدرَكُ قطعا ..

وقفة عَقَديٍّ راح يتأمّل :

كيف ارتضيت ياذا الولايتين أن يحلّ بك وأهلك وصحبك وعيالك ذاك الذي حلّ؟

رغم أنّك جئت بها كما خطّتها إرادة السماء ..

بعلمك اللدنّي وأنوار إلهامك الشمّاء ..

حيث ذوّبتَ الألم وأبرأت الجرح وصغت الصبر نهجاً في ذروة العلياء ..

فغدا دمك القاني سرّاً إلهيّاً لا تدركه الأفهام والآراء ..

وصار مقتلك قبساً وضّاءً تستنير به ضمائر الشرفاء ..

حتى ألِقَتْ زينب العقيلة امثولةً في العلم والهيبة ومفخرةً لطرّ النساء ..

وسمق السجّاد انموذجاً في المعرفة ورمز الإصرار على ديمومة فكر الولاء ..

وإنهاءً للمطاف لا نهايته أقول وجميعنا نقول :

١٢٩

سيّدي! حيث أمسى عنوان «سيّد الشهداء» مختصّاً متبادراً فيك دون سواك ، وصرت ثار الله وابن ثاره والوتر الموتور ، وحيث غدوت أنت والدين الحنيف صنوين لا تفترقان ، بتنا ـ لزاماً ـ سلماً لمن سالمك وحرباً لمن حاربك.

صلّى الله عليك سيّدي ويا مولاي يا أبا عبدالله وعلى الأرواح التي حلّت بفنائك ...

١٣٠

الحسينُ سِرٌّ إلهي

لشهرين وأكثر تنتشر مظاهر الحزن ومجالس العزاء والوعظ بمختلف ألوانها وأشكالها .. إنّها ذكرى مأساة الطفّ الأليمة ، فاجعة كربلاء التي استشهد فيها الإمام الحسين عليه السلام وأصحابه الكرام ، ذوداً عن الدين الحنيف والقيم المقدّسة ، لأجل الإصلاح في الاُمّة التي سادها الظلم والانحراف وعمّت فيها المفاسد بشتّى صورها ومصاديقها.

من موضع العزّ والكرامة استنفد الإمام (عليه السلام) الحجج والذرائع للوصول إلى حلٍّ يمنع الحرب وسفك الدماء لكنّهم أبوا إلاّ أن ينزل على رغبتهم بالبيعة ليزيد بن معاوية خليفة المسلمين!! بلا أيّ خيار آخر ... فقال (عليه السلام) من جملة ما قال : «مثلي لا يبايع مثله ... هيهات منّا الذلّة ... يأبى الله علينا ذلك ... الموت أولى من ركوب العار ...»

بدأ الجيش الجرّار الحرب على الإمام الحسين (عليه السلام) وصحبه الكرام الذين ناهز عددهم السبعين فقط ، صبيحة يوم العاشر من محرّم الحرام سنة ٦١ هـ وانتهت عصر ذلك اليوم باستشهاده (عليه السلام) وثلّته الطيّبة المؤمنة جميعاً.

١٣١

نقول : قلّما خلّد التأريخ والإنسانيّة شخصاً وصحبةً مثلما خلّد الحسين (عليه السلام) وصحبه ، لماذا؟ إنّه الإخلاص الحقيقي للقيم والمبادئ والأخلاق ، إنّه السرّ الإلهي الذي لا يمكن دركه واستيعابه إلاّ بالبصيرة الثاقبة والوعي المنصف والإيمان الصافي.

هل أدركنا هذا السرّ يا ترى؟

هل عندنا المقوّمات اللازمة من تلك البصيرة وذانّك الوعي والإيمان لندرك ذلك السر الإلهي العظيم؟

لا شكّ أنّ الغالب منّا سائرٌ على دين الآباء والأجداد ، فنحن نبكي الحسين كوننا تعوّدنا ذلك ، ونحبّ الحسين لأ نّنا وجدنا فضاءاتنا تعيش هذا الشعور والإحساس ، لأ نّه من أهل البيت النبوي (عليهم السلام) وقد قتله ظلماً وعدواناً يزيد بن معاوية ، لأ نّه ... وهل هذا يكفي في فهم واستيعاب سرّ الخلود المشار إليه؟!

بل الذين سبروا الغور لأجل بلوغ المرام بالمناهج العلميّة والطرق المعرفيّة لم تترشّح مساعيهم سوى عن إضاءات معيّنة أثارت اهتمام الرأي العام والخاصّ لكنّها لم تدرك المقصود.

وهذا هو معنى السرّ ، ناهيك عن السرّ الإلهي ، فكيف يكون سرّاً وهو مكشوف للداني والقاصي؟! مع تقديرنا لكلّ الاجتهادات والقراءات والأفهام فإنّها ليست سوى محاولات واحتمالات.

ولكونه سرّاً إلهيّاً حمل لوازمه معه ، من الخلود والشموخ والبهاء

١٣٢

والعظمة ، وسيبقى هكذا حتى قيام الساعة.

اَلسَّلامُ عَلَيْكَ يا اَبا عَبْدِ اللهِ ، وَعَلَى الاَْرْواحِ الَّتى حَلَّتْ بِفِنآئِكَ ، عَلَيْكَ مِنّى سَلامُ اللهِ اَبَداً ما بَقيتُ وَبَقِىَ اللَّيْلُ وَالنَّهارُ ، وَلا جَعَلَهُ اللهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنّي لِزِيارَتِكُمْ ، اَلسَّلامُ عَلَى الْحُسَيْنِ ، وَعَلى عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلى اَوْلادِ الْحُسَيْنِ ، وَعَلى اَصْحابِ الْحُسَيْنِ.

١٣٣

ومضة أربعينيّة

أيطيب مقامي وتهنأ أيّامي ويهدأ بالي وأنا الذي مازجتْ عقلي وخامرتْ قلبي صورُ تلك الأربعينيّة المثيرة بمشاهدها النابضة حبّاً وولاءً ، عشقاً واعتقاداً بسيّد الشهداء وأبي الأئمّة النجباء؟!

ما أجلدني وما أقسى فؤادي ، أيّ موال أنا لا أهتزّ شوقاً ولا اُيمّم عزماً صوب مرابع المولى ومراتع السبط الغنّاء؟!

تبّاً لدموع لا تبحر بي حيث اقيانوس الحسين

تبّاً لقوائم لا تحملني حيث ثرى الحسين

تبّاً لهيام لا يحلّق بي حيث اُفق الحسين

تبّاً لنبض لا يهفو بي حيث ترانيم الحسين

تبّاً للبٍّ لا يسبر بي الغور حيث أعماق الحسين

ما أتعسني وعذيري صاحبتي وبَنِيَّ ومالي

ما أتعسني وعذيري عيشي وراحتي وداري

فيازحف الملايين ضمّني وإلى المولى خذني

١٣٤

فيازحف الملايين قد تقتُ فبالله عليك اذكرني

يا سرّ الخالق ولغزه السرمديّ العجيب

أيّها الوتر الموتور وثأر السماء الحبيب

عزائي أنّي اُحبّكم حبّاً قد خالط منّي اللحم والدم والعظما

اُحبّكم حبّاً فوق الكذب والملق والرياء والنفع قد علا وتساما

اُحبّكم حبّاً قد تخطّى الحبّ فأمسى ولاءً واعتقاداً والتزاما

السلام على الحسين وعلى عليّ بن الحسين وعلى أولاد الحسين وعلى أصحاب الحسين الذين بذلوا مهجهم دون الحسين (عليه السلام).

١٣٥

لكي يبقى الأربعون حسينيّاً بامتياز

في شهر محرّم الحرام من سنة ٦١ هـ. ق كانت كربلاء وكانت أحداث الطفّ المثيرة ، وهاهي اليوم كربلاء مقدّسة شهيرة ... خرج خامس المعصومين ثالث الأئمّة الميامين الحسين بن علي بن أبي طالب (عليهما السلام) ، غير أشر ولا بطر ، رافضاً مبايعة خلافة الظلم والفساد والغدر ، آمراً بالمعروف ناهياً عن المنكر ، طالباً الإصلاح في اُمّة الجدّ خاتم الرسل والأنبياء محمّد ، فجاد ـ من أجل ذلك ـ بغاية ما يمكن أن يجود به المرء من الجود ، ضحّى بمهجته الربّانيّة ، بذل بكلّ عزم وإخلاص نفسه الملكوتيّة بعد ما استفرغ الوسع في إلقاء الحجّة وبيان الحال والمآل ، فاستوفى شروط الإعذار بكلّ وضوح واقتدار .. وَلَكَمْ وعظ وحذّر وأنذر وذكّر ، وهل أعلم منه أوْلاً ومشارفةً ـ بقول الاُصوليّين ـ بعواقب الاُمور؟!

إلى ذلك : فقد حاول تجنّب إراقة الدماء وإزهاق النفوس بطرحه العديد من المعالجات والحلول .. لكنّ القوم أبوا إلاّ أن يخيّروه بين السلّة والذلّة فسجّل رائعة الكرامة السرمديّة : «هيهات منّا الذلّة».

ولمّا أبى الحسين الركوع لمنظومة التعسّف والجور ولم يأبه بشهرة

١٣٦

ومال وجاه وعناوين زائلة ، ركعت له الدنيا وكذا الدار الآخرة .. لم يساوم فجاءه الخلود بين يديه يسعى .. لم يتخاذل فألانَ بالدم صلب الحديد وهزم الحسام والقنا ، لم ينثن فاستقامت له القلوب حبّاً والعقول تدبّرا ..

فكيف هو الجمال يا تُرى؟! وللجمال صورٌ وآفاقٌ وأعماقٌ عمقى ; حيث الفكر والأدب والفنّ والحياة والعشق والهوى ... كلٌّ منها ينهل من الجمال ويتزوّد حيث رام ورمى.

والذاكرة الجادّة الملتزمة هي التي تستقي وتنال ما تروم بأمانة ودقّة واحتياط من جمال الحسين ، فلا الاستحسان الباطل ولا الاستنباط البراغماتي ولا التسييس الجهوي ولا التجيير الفئوي ولا الطموح الرغبوي بإمكانه التحليق في فضاءات الحسين ; إذ سرعان ما يلفظه الباطن الحقيقي ويرفضه النور القدسي فيطفو على السطح قشراً بالياً ويتراءى في الأبصار ظلاماً ماضيا.

إنّ الحسين (عليه السلام) وأربعينه جمالٌ إلهي ، عطاءٌ سماوي ، منحةٌ ربّانيّة قدّر لها الله تبارك وتعالى أن تكون حركةً نابضةً لا تعرف السكون مطلقا ، وقبساً مباركاً لا تنطفئ أنواره قطعا ، ونميراً عذباً يستدعي الألباب كي تغور فيه وتنهل منه غرفا ، وزحفاً ميليونيّاً يهتف : لبّيك يا حسين إماماً ومولى ، وحضوراً منطلقاً من بحبوحة الفطرة الإنسانيّة يعلن : ها أنا ذا ... بلا افتقار للترويج والإعلام والتطميع وإغراءات الدنيا.

إنّ الحسين (عليه السلام) وأربعينه قد خرق اللاشعور وتجاوز مباحث الوعي

١٣٧

وحلّق فوق دهاليز العقل الجمعي وترك مراحل التصوّر والصناعة والثبوت تعدو وراءه بعيدا ; فأيٌّ من القضايا والنسب والدلالات والمعادلات ليس بإمكانها إعطاء تصوّر واضح وتفسير مشخّص وحلّ دقيق لشيء اسمه الحسين وسرّ خلوده الذي يزداد ألقاً يوماً بعد آخر ويرقى.

أليس علينا إذن العمل جميعاً على الإسهام في إبقاء قضيّة الحسين (عليه السلام) عموماً وأربعينه خصوصاً خارج نطاق التجاذبات الفرديّة والفئويّة والجهويّة ، وعدم الخدش والمساس بقدسيّتها وفطريّتها ، واحترام أحاسيس الناس ومشاعرهم الصافية ، كي تبقى تشعّ علينا بالأنوار الإلهيّة والفيوضات العلويّة .. فلتكن كلّ الصور صور الحسين (عليه السلام) وهكذا كلّ اللوحات والمكتوبات والمقروءات والمرئيّات والمسموعات ، بلا تجاوز وتجاسر وتوهين ; كي نجعلها خالصةً لوجه الله ربّ العالمين ، ولكي نُقرّ عين الحسين (عليه السلام) بأ نّنا زينٌ لا شينٌ على آل العصمة الميامين.

وكم هو لائق بنا أن نلتزم في زمن الغيبة بحفظ القانون والأخلاق واحترام حقوق الآخرين ونراعي الشعور العامّ والنظام ..

١٣٨

محرّم وصفر

في شهري محرّم وصفر ولاسيّما في العشرة الاُولى من محرّم الحرام يتغيّر كلّ شيء فينا وفي مظاهر حياتنا ، فنحن أتباع أهل البيت (عليهم السلام) بمجرّد حلول هذين الشهرين يطغى علينا الحزن والألم ; لشهادة إمامنا الثالث الحسين بن علي (عليهما السلام) ، الذي قُتل مظلوماً ضمآناً ـ مع الثلّة الطيّبة من أهل بيته وأصحابه ـ بأمر من يزيد بن معاوية ، سنة ٦١ هـ. ق ، في وادي الطفّ بمدينة كربلاء ، حيث اصطفّ جيشه الجرّار المكوّن من ألوف الجنود لمقاتلة مجموعة لا تتجاوز الثمانين رجلاً ، لا لذنب سوى أنّه عليه السلام رفض مبايعة إنسان مستحلٍّ للحرمات ، شارب للخمر وفاعل للموبقات ، شهد بكفره وفسقه القريب والبعيد. وإنّما خرج عليه السلام لطلب الإصلاح في اُمّة جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) ، أراد أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ... فحصل الذي حصل ...

كنّا في الصغر نمارس شعيرة الحزن والألم والبكاء في محرّم الحرام ممارسةً فطريّةً عفوية ، فيخيّم على قلوبنا وأحاسيسنا سحاب الكآبة

١٣٩

والشجن ، أمّا مدننا فإنّها تلبس أبراد السواد ، وتنصب فيها المآتم والمجالس والمنابر في كلّ محلّة وزقاق.

وسيراً على دين الآباء والأجداد كنّا نجدّد الحزن والعزاء كلّ عام على أبي الأحرار وسيّد الشهداء (عليه السلام) ، وتبلغ الذروة ليلة العاشر من المحرّم ، اليوم الذي قتل به أبو عبدالله (عليه السلام) والثلّة المؤمنة من أهل بيته وأصحابه (عليهم السلام) ، بحيث كنّا نرى السماء ـ اعتقاداً بريئاً فطريّاً ـ وقد اصطبغت باللون الأحمر تأسّياً بالحسين (عليه السلام) ، الذي ضحّى بدمائه الزاكيات ; لتورق شجرة الدين وتسمو القيم الحقّة وتُنشر المبادئ الإنسانيّة المقدّسة ، فنبقى نحيا تلك الليلة وذلك اليوم بالألم والحزن والبكاء وهكذا تستمرّ مظاهر العزاء والمجالس والبرامج المختلفة حتى أواخر شهر صفر.

وللطفولة حدودها وخصائصها وعالمها ، كنّا نفعل كلّ شيء ـ على نحو الحقيقة والظاهر ـ لنثبت حبّنا وولاءنا لأهل البيت (عليهم السلام) .. ومن فرط هيمنة اسم الحسين (عليه السلام) على قلبي وأحاسيسي وكثرة تداول قضيّته وعظمة مأساته كنت أعتقد أنّ أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) هو ابن الحسين (عليه السلام) ، وليس العكس ، ولمّا نلتُ سهمي من النضج وعلمت الواقع وجدت أميرالمؤمنين (عليه السلام) أشمخ مما يجول في اُفقي المتواضع ; إذ ولد إنساناً عظيماً استطاع حفظ الدين والرسالة.

ومن شدّة الانغماس ببرامج محرّم الحرام والانهماك في تسجيل حضور فاعل فيها ما كان تفكيري البريء يقبل بأنّ حادثة كربلاء قد

١٤٠