🚘

نفحات الذّات - ج ١

كريم الأنصاري

نفحات الذّات - ج ١

المؤلف:

كريم الأنصاري


الموضوع : العامة
الناشر: دليل ما
المطبعة: نگارش
الطبعة: ١
ISBN: 978-964-397-975-1
ISBN الدورة:
978-964-397-972-0

الصفحات: ٤٧١
🚘 الجزء ١ 🚘 الجزء ٢ 🚘 الجزء ٣
🚘 نسخة غير مصححة

شاسع بين هذا وذاك ، إثر المزايا التكوينيّة والتشريعيّة ـ المشار إلى بعضها آنفاً ـ التي توفّرت في الحسين عليه السلام دون غيره.

إنّنا حينما نفكّر بالحسين (عليه السلام) نسقاً بما يكتنفه من الأبعاد الثلاثة : الوحي والعقل والتجربة ، إنّما نعني به الخروج عن دائرة التضييق والخنق والتقييد والضغط والخضوع لجمود النصّ ، وهذا ما يدعونا إلى التأمّل الكبير في مقولته المعروفة : «ألا وأ نّي لم أخرج أشراً ولا بطراً ، إنّما خرجت لطلب الإصلاح في اُمّة جدّي ، اُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر» ، تأمّلاً لابدّ أن يفضي ـ بالإنصاف ـ إلى تكوين تصوّر مثير حول إيمان الحسين (عليه السلام) بحركة العقل والتغيير والتجديد ، فالنزعة الإنسانيّة ـ الأنسنة ـ كانت همّه الشاغل الذي لأجله وهب حياته ونفسه الزكيّة وأهل بيته وصحبه الكرام .. فالوحي أساس حركته وهادي نهضته ومبدأ نسقه ، والعقل حاكم على مسيرته ، والتجربة هي الحقيقة التي انغرست معه وبه ولازالت معطاةً فيّاضة. فما كان ابن مسكوية والتوحيدي وابن سينا هم أوّل من أنسن إسلاميّاً للإنسان إنسانيّته ، ولو سلّمنا أنّهم أدّوا هذا الجهد وقاموا بهذا الدور كما يدّعيه محمّد أرگون ، فقد سبقهم غيرهم من الذين دوّنوا الأنسنة الإسلاميّة عبر الممارسة الحيّة والتجسيد النابض ، فهذا هو الحسين عليه السلام قد بذل مهجته من أجل الحرّيّة والإصلاح كما أسلفنا ، ممّا جعله يتجاوز العقبة الزمكانيّة والإثنيّة والطائفيّة ، بدليل استلهام المسلمين وغيرهم من حركته الفكر والقيم والمبادئ ، وبقاء مفاهيمه طريّة تتأ لّق كلّما مرّت بها الأيّام والأعوام.

١٠١

وإن مات «إله نيتشه» ومات «إنسان فوكو» فهاموا على وجوههم بحثاً عن إنسان وإله جديد ، أو صيغة جديدة للإيمان بالله على رأي من يؤوّل صرخة نيتشه بأ نّها تعني موت ذلك الإله الذي ألقت بمفهومه الديانة المسيحيّة في عقول وقلوب الناس فغدت الحاجة ماسّة إلى آلية جديدة للإيمان بالله غير آلية المسيحيّة في القرون الوسطى ..

وإنّ المحاولات الغربيّة الساعية إلى إيصال العلوم الإنسانيّة مرتبةً بمصاف العلوم التجريبيّة لعلّ الإنسان يحيا من جديد ، لازالت غير موفّقة ..

وإنّ العثمانيّون بجمودهم على المذهب الحنفي وتهميشهم سائر المذاهب وحذفهم وبترهم للمذهب الشيعي قد كانوا طرف المعادلة في الشطر الآخر من العالم الذي أمات الأنسنة وقضى عليها ..

فإنّ نزعة الأنسنة تبقى عندنا نابضة دافقة رغم ضمورها واُفولها في هذا العصر أو ذاك ، لا تموت لأ نّها محور من محاور وجودنا وقطب من أقطاب انتمائنا وهويّتنا وأساس في مبادئنا وقيمنا ، نزعةٌ قُتِل أئمّتنا عليهم السلام من أجل إبقائها وتشييدها ، اضطُهِد رجالُنا وعلماؤنا ومفكّرونا بسبب إيمانهم بها ، ولازلنا ندفع ضريبتها إلى الآن ، حتى بدأت الأصوات تتعالى مؤخّراً من شطري العالم بوجوب منح الفرصة للتشيع العقلاني بالظهور وممارسة دوره في الأنسنة وبثّ القيم المعتدلة المتجرّدة عن العنف والقسوة والتطرّف .. إنّ تعالي هذه الأصوات نابع من تلك

١٠٢

التضحيات الجسام التي تحمّلناها في الكوفة وكربلاء وسامراء ومشهد وبغداد ومكّة والمدينة وسائر الأمصار ، فهي شجرة الدين المباركة التي (تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِين بِإِذْنِ رَبِّهَا).

فتحصّل : أنّ السياق الذي يتنزّل بنهضة الحسين عليه السلام إلى دون فضائها ويجعلها حدثاً كنظائره من الأحداث التي سجلّها التاريخ واحتفظ بها في أروقته على اختلاف النقل والروايات والدواعي والأهداف .. سياقٌ باطلٌ بما قدّمناه.

كما تحصّل من ثنايا البحث أنّ نهضة الحسين عليه السلام مصدر إشعاع ومنبع فيض وطبيعة قيم وانتماء ومبادئ ، والطبيعة تبقى طبيعة دونها المفردات والمصاديق ، فلا تساوقها وتساويها تلك المفردة أو ذاك المصداق ، فالحسين هو الحسين فلا آخر نظيره أو قرينه ، وكذا يوم عاشوراء هو يوم عاشوراء فلا آخر نظيره أو قرينه ، وتبقى كربلاء هي كربلاء فلا نظير ولا قرين لها.

نعم ، لاغلق للباب بوجه التأسّي ; فالحسين عليه السلام تحرّك واستشهد كي يفتح آفاقاً للحرّيّة والعدالة والعقلانيّة والإصلاح والتغيير والمراجعة والاستقراء والمقارنة ، آفاقاً لحفظ القيم والمبادئ والمفاهيم المقدّسة ، فهو الاُسوة الحسنة كما كان جدّه رسول الله (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء والمرسلين ، كما لا غلق للباب إزاء كون بيت الشعر المعهود يعني : بقاء نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) بمضامينها وثقافتها فاعلة تغذّي الفضاءات العَقَدية

١٠٣

والأخلاقيّة والإنسانيّة فيوضات من الخير والبركة والهداية منذ ذلك اليوم حتى قيام الساعة.

وبذلك يمكننا الحصول على السياق المطلوب ، سياق سموّ نهضة الحسين عليه السلام فوق التعادل والتنزيل المذكورين ، السموّ الذي يدفع بها إلى موقعها الحقيقي ، في أنّ الحسين بقوله وفعله وتقريره عدل القرآن الناطق.

١٠٤

لماذا الحسين؟

بينا كنت اُطالع بنوع من الانهماك الجزء الأوّل من مشروع محمّد عابد الجابري في العقل العربي ، المختصّ بتكوينه ، الذي يظهر منه أنّ مراده به الفكر والثقافة والمعرفة العربيّة والإسلاميّة .. اُطالع تمحوره حول العقل العربي والإسلامي ، واليوناني ، والاُوربّي ، إذ يرى أنّ هؤلاء الثلاثة وحدهم قد مارسوا التفكير النظري العقلاني بالشكل الذي سمح بقيام معرفة علميّة أو فلسفيّة أو تشريعيّة منفصلة عن الاُسطورة والخرافة ، ومتحرّرة إلى حدّ كبير من النظرة «الإحيائيّة» التي تتعامل مع أشياء الطبيعة كأشياء حيّة ذات نفوس تمارس تأثيرها على الإنسان وعلى إمكانيّات المعرفة ..

ثم يخوض في كلّ واحد من العقول الثلاثة باقتضاب ، فيبدأ باليوناني وأنّ هراقليطس هو أوّل من قال بفكرة «اللوغوس» أو العقل الكوني ، أي عقل كلّي يحكم الظواهر ويتحكّم في صيرورتها الدائمة الأبديّة وأنّ العقول البشريّة تستطيع التوصّل إلى معرفة صحيحة عن ظواهر الطبيعة إذ هي شاركت في العقل الكلّي. لقد تصوّر هراقليطس

١٠٥

العقل الكوني «محايثاً» للطبيعة ومنظّماً لها من داخلها ، إنّه بذلك يميل إلى إقرار نوع من وحدة الوجود باعتبار «المحايثة» المذكورة.

في حين أنّ تصوّر آناكساجوارس لـ «النوس» ـ العقل الكلّي ـ مختلف ; إذ جعل منه مبدأً مفارقاً غير مندمج في الطبيعة ولا محايثاً لها ، فالعقل الكلّي عبارة عن نفس مستقلّة تصدر عنها نفوس مستقلّة.

نهضت من رحم الفكر الهراقليطسي الرواقيّة ، ومن الفكر الآناكساجوارسي الفلسفة السقراطيّة.

سار العقل الاُوربيّ في فلسفته الحديثة على نفس الاتّجاه ; إذ جعل ديكارت وكنت العقل البشري هو المنظّم للتجربة والمشرّع للطبيعة. إلى أن جاءت نظريّة الكمّ «الكوانتا» حيث أحلّت «الاحتمال» محلّ «الحتميّة».

يرشح من ذلك : أنّ المطابقة بين العقل ونظام الطبيعة ، والقول بأنّ العقل يكتشف نفسه في الطبيعة ومن خلال التعامل معها ، ثابتان أساسيّان في بنية الفكر الغربي : اليوناني والاُوربّي.

أمّا العقل العربي والإسلامي فإنّه يتمحور حول ثلاثة أقطاب : الله ، الإنسان ، الطبيعة.

وبالتكثيف يحذف «الله» من العقل اليوناني والاُوربّي ، بينا تحذف «الطبيعة» من العقل العربي الإسلامي.

١٠٦

ويلعب «الله» دور الوسيط بين الإنسان والطبيعة في العقل اليوناني والاُوربّي ، في حين تلعب «الطبيعة» دور الوسيط بين الله والإنسان في العقل العربي والإسلامي.

وفي العقل اليوناني والاُوربّي «الله» هو وسيلة لفهم الطبيعة أو ضامن لصحّة فهمه لها ، أمّا العقل العربي الإسلامي فيرى أنّ العقل يتأمّل الطبيعة ليتوصّل إلى خالقها «الله».

ويرى العقل اليوناني والاُوربّي في ميدان المعرفة أنّ الاتّجاه هو من المعرفة إلى الأخلاق ، بينا يعتقد العقل العربي والإسلامي أنّ الاتّجاه هو من الأخلاق إلى المعرفة.

بعد كلّ ذلك يشير الجابري إلى التفاوت بين العرب والعجم في إطار «المعياريّة» التي يتعرّض لها الجاحظ ، إذ يقول ـ أي الجاحظ ـ في مقام الإشادة بالعرب : إنّهم سريعو البداهة والحكم ، والارتجال من خصائصهم وكأ نّه إلهام بلا معاناة ومكابدة ولا إحالة فكر ولا استعانة ولا اجتهاد ولا خلوة ولا مشاورة ومعاونة وطول تفكّر ودراسة الكتب كما هو حال الفرس والعجم .. غافلاً ـ أي الجاحظ كما يرى الجابري ـ وغيرَ منتبه إلى أنّه بذلك يسلب العرب القدرة على «التعقّل» بمعنى الاستدلال والمحاكمة العقليّة ..

... بينا كنت اُطالع ذلك وإذا بتساؤل عريض أخذ مساحةً واسعةً من عقلي وتفكيري : «لماذا الحسين؟» من بين الكلّ ، لِمَ الخلود بهذا الشكل

١٠٧

والمضمون إلى يومنا بنحو تصاعدي ، ثم كيف فرض السؤال وجوده وأنا اُطالع ما ذكرت؟ ما هي العلاقة بين خلود الحسين وتكوّن العقل العربي والإسلامي؟

لعلّ خصائص العقل العربي المعياريّة التي ذكرها الجاحظ من سرعة البداهة والحكم والارتجال ، قبال خصائص العجم والفرس من المعاناة والتفكير الطويل والاجتهاد والمشاورة ودراسة الكتب وغيرها ، هي التي أحضرت سؤال «الحسين» بعقلي وذهني ، ولاسيّما أنّ هناك من يعدّ ما صدر من الجاحظ استلاباً لقدرة العرب على التعقّل. وربما حقيقة الأمر كما عليه رأي الجاحظ والجابريّ ـ المستشكل ـ على حدٍّ سواء ، وبذلك لابدّ للعقل العربي أن يُلحِقَ بخصائصه خصائص العجم ليتأمّل ويبحث ويراجع ويحفر ويبعثر ويقارن ويستقرئ ويحلّل ويستنتج الصحيح ، فإنّها دعوة لمراجعة الفكر والتاريخ والمناهج المعتمدة ، دعوة إلى تقصّي الحقائق بكلّ وضوح وشفّافيّة على أساس من النسق العلميّ المعرفيّ بأدوات تسمو على الانحياز والطائفيّة والإغماط ، إلى دراسة «الحسين» وسرّ الخلود الذي يزداد عنفواناً كلّما مرّت الأيّام والسنون ، «الحسين» الذي رقى فوق إشكاليّة الخلافة ومعارضة نظام الحكم الاُموي القائم آنذاك ، ليتحوّل إلى فكر وثقافة راسخة في ضمير الاُمّة والإنسانيّة قد تركت آثارها ـ التي لن تزول ـ على الواقع العقائدي والاجتماعي والسياسي والاقتصادي ، وباتت مسلّمةً من مسلّمات الهويّة والانتماء والعقل العربي الإسلامي.

١٠٨

لا أعتقد أنّ تمام السرّ يكمن في إصرار مؤيّدي الحسين (عليه السلام) على «المنهج الإحيائي» لوقعة الطفّ مهما كانت خلفيّاته الانثروبولوجيّة والسيكولوجيّة والسيوسولوجيّة حاضرة في ضميرهم وعقلهم وأحاسيسهم ; حيث مرّ سائر العلويّين بمصائب وأحداث لا تقلّ معاناةً وآلاماً وتضحيات ممّا حدث في عاشوراء كربلاء ، بل ليس بإمكاننا الإحاطة بما لاقاه العلويّون من قتل وذبح واعتقال وتشريد وتسليب وحذف ونفي عبر شتّى الأدوات والأساليب منذ صدر الإسلام إلى يومنا هذا. هكذا الحال بالنسبة إلى أتباعهم وما لاقوه من قتل ونفي وتشريد وسبي وتسليب على طول التأريخ. لذا فإنّ مدرسة آل البيت (عليهم السلام) عموماً غدت مرمى السهام والحملات المتنوّعة بتنوّع الزمان والمكان ، وبات الافتراء والتشويه والتحريف ـ مضافاً إلى إباحة الدماء وإزهاق النفوس السائرة على نهجهم ـ غاية المناوئين والمخالفين ، وبه تطيب نفوسهم وتطمئنّ قلوبهم وتسكن ضغائنهم. وأئمّة البيت (عليهم السلام) هم الذين قالوا : ما منّا إلاّ مقتول أو مسموم ، كما وردت بذلك النصوص.

إنّ لقتل الحسين (عليه السلام) وقعاً آخر فاق أثره بالقياس الحسّي الظاهري حتى مقتل أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام رغم مكانته الدينيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والعلميّة ، وإن كنّا ـ نحن الشيعة ـ نسلّم طبق الفهم العَقَدي أنّهم كلّهم من نور واحد.

نعم ، لا يمكن إنكار فضاعة الآليّة التي قتل بها الحسين (عليه السلام) ، وكيف احتُزّ رأسه الشريف والنخبة من أهل بيته وأصحابه ، ثم كيف سُبيت عياله

١٠٩

ذلك السبي المعروف .. لكنّ التاريخ يورد أخباراً لا تقلّ فضاعةً في قتل الأنبياء والأوصياء في حالات سبي مروّعة يندى لها جبين الإنسانيّة.

ما نودّ التنويه إليه : أنّ بقاء الحسين حيّاً حاضراً في الضمير والعقل الإنساني حضوراً فاعلاً يزداد ألّقاً وعنفواناً يوماً بعد آخر ، لا ينحصر سببه بالآليّة الإحيائيّة التي يمارسها أتباعه وهواة نهضته ; ولا في كونه إماماً من أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) قد قُتل بطريقة على غاية من البشاعة ، ناهيك عن كونه سبط الرسول وريحانته وسيّد شباب أهل الجنّة ; ولا في البرنامج الإصلاحي التغييري الذي حمل لأجل تحقّقه مهجته على كفّيه ..

إذ العقل والمنطق لا يرى كفاية الأسباب المشار إليها لبقاء الحسين سرمديّاً هكذا رغم عظمة وأهمّيّة كلّ واحد منها .. آنئذ لابدّ أن نرى ماهيّة الشروط والصفات التي توفّرت فيه عليه السلام كي يكون على هذا الحال ، فهل من خصوصيّة فيه قد خفيت على الجميع ، هل في دمائه سرّ معيّن ، أم لشخصه الشريف موضوعيّة ذاتيّة ، وهل للغيب دخل في القضيّة ...؟ هل مارس العقل العربي والإسلامي وظائفه والتزاماته وأدواته المعرفيّة وأنساقه العلميّة في الإجابة عن سلسلة من التساؤلات المصيريّة التي بقيت دون إجابات؟

فأين المائز إذن الذي جعل من الحسين (عليه السلام) وقضيّة مقتله شيئاً خالداً كلّما مرّت عليه السنون كلّما ازداد عزّاً وشموخاً بلا أدنى إغراءات مادّيّة وإعلاميّة ولا حوافز ولا تطميعات أو تهديدات بفرض عقوبات اقتصاديّة

١١٠

وغيرها ، ولا مؤثّرات وجلسات استشاريّة ، ولا تحضيرات واستعدادات يُرصَد لها هائل الأموال وتوظّف لها مختلف الطاقات والإمكانيّات .. بل صار الحسين رغم مرور أربعة عشر قرناً على قتله هو الذي يسيّر العقول والقلوب ، فانعقدت به موضوعات المعرفة والثقافة والأدب والتأريخ ، كلّها تراجع وتقرأ وتحلّل وتبحث في نهضته المباركة ، نهضة الإصلاح والتغيير لواقع هيمن عليه الاستبداد والحقد والفهم البراغماتي لقيم الدين ومبادئه ، فامتدّت الذراع الاُمويّة لتنال من حقيقة الفكر والرسالة وتسخّر العقل والثقافة وطاقات الاُمّة نحو حالات الاضطراب العقائدي والفوضى الثقافيّة ، عبر اختلاق الأكاذيب والوقائع المزوّرة والنصوص الوهمّيّة ، فانتشر الفساد المعرفي وامتدّت آثاره إلى يومنا هذا. ولولا الفكر الإصلاحي والنهج التغييري الذي سلكه الحسين وضحّى بمهجته وخيرة أهله وصحبه من أجله لأطبق التيّار الاُموي على كلّ مقدّرات الاُمّة وأحكم قبضته وسدّ كلّ منافذ العقل والاجتهاد .. ولولا نسق الحسين لما عاد للأصالة والثوابت حديثٌ يذكر ، ولما بنت العقلانيّة كيانها في بقاع الفكر الحواريّ الإسلاميّ الشيعي.

فرغم أنّ الحسين (عليه السلام) حقيقةٌ شاهقةٌ بدمائه وفكره ومعرفيّته وثقافته وعقيدته وتغييره وإصلاحه ونهجه ، وواقعٌ لا تغتاله الأوهام والخيالات ، لكنّ هذا ليس السرّ المقصود في معنى الخلود المعهود ; إذ الاستقراء التاريخي يضبط حالات مناظرة وشبيهة لما عليه الحسين (عليه السلام) من نهج وحركة وأصالة التُزِم بها إلى آخر المطاف دون أدنى استسلام وتخاذل

١١١

وخضوع ، ولكن يبقى السؤال : لِمَ لا سرمديّة ولا خلود كسرمديّة وخلود الحسين؟

إذن ما الذي جعل من الحسين قضيّةً لا تنتهي وفكراً دوّاماً ومصدرَ فيض لا تجفّ منابعه ، لماذا يبكيه محبّوه كلّما مرّ ذكره وسردت مأساته رغم الفاصل التاريخي الكبير ، فيعقدون له المآتم التي تزداد هيبةً وعظمةً ويتنافسون بإظهار أرقى مراتب الولاء والعشق والعزاء ، وصار التمسّك بشعائر الحسين وإحياء ذكراه خطّاً أحمر لا يمكن تجاوزه ، وهكذا يدوم الحديث فيه (عليه السلام) والبكاء عليه طيلة أيّام السنة ولاسيّما في شهري محرم وصفر ; إذ تتغيّر كلّ المظاهر ، وتتهيّأ النفوس لستّين يوماً من الحزن والألم ، وتعطّل كلّ برامج الفرح والسرور بانطلاقة ذاتيّة محضة دون أدنى تأثيرات ومغريات ومحفّزات ، ويكون الواحد من أتباعه ومحبّيه على أهبّة الاستعداد ليبذل ما لديه فخراً واعتزازاً في سبيل إحياء ذكراه الخالدة؟

إنّ الحسين يعني في قلوب مواليه كلّ شيء ، فهو المبدأ والقيمة والنهج الذي لا نظير له ، إنّه عدل القرآن المبين والهادي إلى سواء السبيل ، والالتزام بفكره وأخلاقه يعني خير الدنيا والآخرة ، إنّه الحدّ الفاصل بين الكفر والإيمان ، منقذ البشريّة من الانحراف والضلال.

أمّا النخب من المعرفيّين وذوي الاختصاص والرموز الفكريّة والعلميّة والثقافيّة فقد أنتجت في نسقه ومبادئه وسيرته خيرة آثارها ، السيرة التي لم تأفل بل تزداد عنفواناً وعطاء كلّما مرّت العقود والقرون والأحقاب ،

١١٢

رواشح من المدوّنات والمقولات خاضت وتخوض فيه عليه السلام مراجعةً وقراءةً واستنطاقاً ومقارنةً واستقراءً وتحليلاً وغوراً في مناطق من وجوده الفكري والقيمي لا زالت مجهولةً لدى النخب والطاقات المختصّة .. في مساحات من مبادئه ظلّت غامضة وعُدّت أسراراً من أسرار وجوده الشريف ، ولا غرو في ذلك ، أليس الحسين عدل القرآن؟ أليس للقرآن سبعة بطون ، كلّ بطن فيها من القيم والمعارف والعلوم ما لا يعدّ ويحصى ، هكذا الحسين فهو بحر متلاطم من الاُسس والقواعد والمضامين التي لا تنضب ولا تقرّ ، فهو بذلك شجرة مباركة تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها.

إنّ موسوعة الحسين ـ بكلّ أحرفها ومحتوياتها وفهارسها وحركاتها ورواشحها وديمومة عناصرها ـ تقصر همّتنا عن الإحاطة حتى بعناوينها ورؤوس أقلامها ، ناهيك عن تفصيلاتها وبياناتها.

ثم إنّ عالم اليوم ليس كعالم الأمس ; حيث غدا بفعل التقنيّة الحديثة كنقطة واحدة يصلها قاصدها أنّى شاء وأراد ، فما عاد الستار الحديدي الذي كان يُضرَب على العقول والأفكار مجدياً ، فالمعلومة حيّة حاضرة لمن رامها ، وهذا ما أقلق الكثيرين من الذين أوهموا مواليهم وتابعيهم قروناً طوال بسلسلة من الأفكار والمعلومات المزيّفة ; إذ حرّفوا التاريخ والقيم وتلاعبوا بمصير الاُمم والشعوب وساقوا الإنسان إلى مهاوي الرذيلة والانحراف والضلالة ، إنّهم في خوف وخشية من الحقيقة الوضّاءة التي تدحض تصوّراتهم وتفضح ضبابيّة رؤاهم الباطلة ، وما هذا الوجل من

١١٣

سريان «الفكر العلوي» وانتشار حقائقه ومبادئه بين أوساط المسلمين وغيرهم ، المعبّر عنه لدى طيف واسع من النخب والمعرفيّين بـ «الفكر العقلاني» ، إلاّ مؤشّر أوّلي على مستقبل ينذر بسقوط عروش العقول الزائفة ، عقول الفكر والثقافة والمعرفة المبنيّة على اُسس الوهم والافتراء والكراهيّة والحذف والترويع.

تأسيساً على التغيّر السريع الذي يشهده العالم بفعل الأدوات الحديثة والآليات الجديدة على صعيد الفكر والثقافة والعلم ، فإنّها دعوة صادقة إلى إعادة تقييم تكوّن العقل العربي الإسلامي من جديد ، العقل الذي تكوّن غالبه على أساس من الانتماءات القبليّة والعصبيّة والسياسيّة والاجتماعيّة والمعايير البراغماتيّة ، العقل الذي مازجته الأحقاد والأضغان والثارات الجاهليّة ، العقل الذي جانَبَ أدوات الدين من نصّ وإجماع وغيرهما فارتمى في أحضان المطامع والاغراءات والتهديدات والأحلاف المشبوهة.

لقد تكوّن العقل العربي والإسلامي في ظروف سادها الاستلاب والاستبداد والغدر والتآمر غالباً ، وحينما تُمرَّغ الحقيقة تحت أقدام الكره والحسد والمصالح الخاصّة ينبثق عقل يعاني النقص والضعف والخلل ، وهذا ما لا يخفى على الجميع.

لذا فدراسة تكوّن العقل العربي والإسلامي تحتاج الجرأة العلميّة في الطرح والنقد ، الأمر الذي يستدعي تعرية المزيّفات التي لا زالت تُعَدّ

١١٤

ثوابت واُصولاً في اعتقاد غالبيّة سواد الاُمّه. هذه الخطوة بإمكانها أن تمثّل نواة الانطلاق نحو بناء عقل عربي وإسلامي قائم على الحقيقة ، مشيّد باُسس ومناهج وأدوات علميّة.

من هنا لعلّي أجد الترابط المنشود بين ما كنت اُطالع من مشروع محمّد عابد الجابري في العقل العربي والإسلامي ، وبين السؤال الذي فرض وجوده على ذهني وعقلي : لماذا الحسين؟ إذ أرى أن قراءة الحسين قراءة صحيحة مستندة إلى الاُسس العلميّة والمعرفيّة السليمة سيسهم بشكل كبير في إعادة تقييم العقل العربي والإسلامي وأسباب تكوّن غالبه على اُسس من الزيف والوهم والأدوات غير العلميّة.

بعبارة اُخرى : قراءة الحسين قراءةً منهجيّةً علميّةً تكفي لفهم حقائق وحقوق ومبادئ غابت أو غُيّبت عن السواد الأعظم من الاُمّة ، وإزاحة الستار عنها ضمن مشروع شمولي سوف يؤسّس لثورة من التغيير المنهجي والانقلاب الفكري والتحوّل المعرفي في عقل الاُمّة وثقافتها ، ويفتح للحقيقة فضاءً مناسباً يدفع بنا من واقع ردي إلى واقع تتأ لّق فيه القيم والمبادئ الحقّة ، إلى واقع يلعب فيه العقل العملي دوراً حاسماً في الإصلاح والتغيير ، إلى مساحات مترامية من الحوار والتلاقح والتلاقي تخرجنا من دوائر العنف والكراهيّة والأحقاد المترسّبة في الضمائر والقلوب منذ القدم إلى حياة ينعم فيها الإنسان بالأمان والسلام والحبّ والرفاه.

١١٥

وإزاء ذلك لا نرفض اقتراحاً أو مشروعاً يدعو ـ مثلاً ـ إلى قراءة أبي بكر وعمر بن الخطّاب وعثمان بن عفّان وغيرهم من رموز المسلمين وقادتهم ونخبهم قراءًة منهجيّةً علميّةً مادمنا نؤسّس لمشروع كبير ينهض بالعقل العربي والإسلامي من واقع مؤلم إلى واقع تموج فيه الآمال والطموحات الخيّرة.

بإمكاننا أن نلتقي ونتحاور ضمن قواعد ومناهج علميّة معرفيّة حضارية عقلانيّة ، لقاءاتنا وحواراتنا لا تعني زوال الخلاف بيننا ، فهذا ما لا يمكن أبداً ، لكنّنا نستطيع أن نعطي لاختلافنا صيغة أخلاقيّة على ضوء القيم والمبادئ التي نؤمن بها جميعاً حينما آمنّا بالإسلام ديناً ومنهجاً للحياة بكاملها.

بإمكاننا أن نجعل من خلافاتنا عامل تقدّم وازدهار ; انطلاقاً من قاعدة التنافس الشريف المقبولة لدينا جميعاً ..

إنّ القتل والترهيب والنفي والتكفير والافتراء والسبّ واللعن أدواتٌ توصلنا إلى طريق مسدود ، إلى مزيد من التشتّت والضياع الديني والاجتماعي والسياسي والاقتصادي.

إنّ العقل العربي الإسلامي قادر بلا شكّ ـ إن امتلك الإرادة والتصميم ـ على تذويب كلّ الحواجز التي تعيق التفكير والثقافة المشتركتين.

إنّ صفات العرب والعجم ـ كما يراها الجاحظ ـ تستطيع أن تؤسّس لنسق فكري منسجم يمتاز بخصائص شموليّة تجمع الكلّ وتشحذ

١١٦

الطاقات لمراجعات وقراءات واستقراءات ومقارنات وحفريّات تنتج رؤية حضاريّة أكثر تقارباً وأقلّ اختلافاً ، على اُسس من العقلانيّة والتفهّم المشترك.

إنّنا بذلك نتمكّن من إزالة الجدار الشاهق الذي شُيّد بيننا ، وندرك حينها ـ بحضاريّة وانفتاح ـ أنّ اعتقادات الشيعة وأفكارهم وتصوّراتهم محترمة ، كما أنّ اعتقادات السنّة وأفكارهم وتصوّراتهم محترمة ، ولاسيّما أنّ مبادئ ومضامين العقل العملي هي الفضاء المناسب لهذا النوع من التفهّم والاحترام.

وهذا ما بإمكانه أيضاً المساهمة في حلحلة إشكاليّة «الفرقة الناجية» والتقدّم خطوات نحو حلّها وحسمها نهائيّاً.

و «الكلمة السواء» التي يجتمع عليها السنّة والشيعة لا شكّ أنّها أرسخ وأثبت وأمدّ جذوراً وفروعاً من تلك «الكلمة السواء» التي تجمعنا بأهل الكتاب ، فالدعوة إلى حوار حضاري ـ قائم على المشتركات ـ بين المسلمين وأهل الكتاب قد أسّس لها القرآن الكريم : (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَة سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) (١) وبمفهوم الموافقة وفحوى الخطاب والأولويّة فإنّ «كلمة السواء» التي تربط الشيعة بالسنّة ـ وبالعكس ـ هي أشمل وأقوى من «كلمة السواء» التي تربط المسلمين بأهل الكتاب.

نعم ، نقرأ الحسين (عليه السلام) ، نقرأ علي بن أبي طالب (عليه السلام) ، جعفر

__________________

١. سورة آل عمران : ٦٤.

١١٧

الصادق (عليه السلام) ، الحجّة الغائب (عليه السلام) ، أبابكر ، عمر بن الخطّاب ، معاوية بن أبي سفيان ... والقراءة بمفهوم العصر والحضارة تعني : استخدام الأدوات المعرفيّة والأنساق العلميّة للوصول إلى النتائج الصحيحة والدقيقة ، ولا إشكال في المنافسة الفكريّة الشريفة التي تكشف الحقائق وتزيل الأوهام وتؤسّس لعقل عربي وإسلامي قائم على العلم والأخلاق والمفاهيم السليمة.

وقاعدة العقل : أنّه كلّما كثرت فرص القراءات والمراجعة والاستقراء والمقارنة والتحليل والحفر والبعثرة كلّما نشأت للعقلانيّة فضاءات أكبر وآفاق أوسع ; إذ العقل يقصد الحقيقة لا غير ، والحقيقة تنابذ الأوهام والأباطيل والافتراءات والأساليب العدوانيّة ، وتتناغم مع المنطق والحوار والأخلاق.

ولابدّ من الاعتراف بصعوبة الانفكاك عن ثقافات وتراث واعتقادات وأعراف نشأ عليها الإنسان وترسّخت نظرته للحياة والكون والخالق على أساسها .. لكنّ البحث عن صيغ مشتركة للعقل العربي والإسلامي يستدعي تنازلات مرّة من أجل بلوغ الحقيقة ، ولا مفرّ من ذلك أبداً ، وإلاّ لبقي الحال على ما هو عليه ، بل يزداد سوءاً يوماً بعد آخر ، بفعل المتراكمات والترسّبات التي تنخر في عقل الاُمّة وضميرها وأحاسيسها وأخلاقها.

إلى ذلك : فإننا إذ نطمح بمشروع عقل عربي وإسلامي لابدّ أن تكون

١١٨

الشموليّة إحدى قوائمه التي لا تنفصل عنه مطلقاً ، الشموليّة التي تتجاوز المكان والزمان والقبيلة والعشيرة والمذهب والعرق والأعراف الخاصّة وتصهرها في بوتقة العقل الذي يمارس وظائفه بحالتين في آن واحد :

الاُولى : أن يكون في أعلى نقطة من نقاط الكيان الديني ، كي يمارس الإشراف بأرقى صوره ومصاديقه ، وهذا ما يعني أيضاً الاغتراف من مسلّمات الفكر الثابتة والأصيلة نصّاً كانت أم عقلاً أم إجماعاً ، أم غيرها.

الثانية : الغور في مفردات الفكر والهويّة وتشابكاتها وتقاطعاتها وتنافراتها بكلّ خصائصها ونقاط قوّتها وضعفها وخللها ، وبهذا «الإشراف» وهذا «الغور» سيكون للشموليّة معنىً مفيدٌ ومكانٌ هامٌّ في جهد العقل العربي والإسلامي ومساعيه نحو إيجاد قواعد مشتركة وآليات منسجمة للممارسة والتطبيق.

إنّ ذلك سيجنّبنا الوقوع في سلسلة الأفكار والنظريّات الوقتيّة والمقطعيّة التي حاولت معالجة مشاكل العقل ضمن اُطر زمانيّة أو مكانيّة معيّنة ، كما هو الحال في النتاج الكانتي والديكارتي ـ مثلاً ـ لمّا انطلقا بقيم ومبادئ وتصوّرات غابت عنها الشموليّة المكانيّة والزمانيّة واختصّت بمعالجة قضايا ذلك العصر وتلك الجغرافيّة ، فصارت بعد ذلك مجرّد أرشيف وتجربة مرّت وفقدت فاعليّتها.

على أن كلّ محاولة تنصبّ في الإطار الزمني أو المكانيّ الخاصّ

١١٩

ستبقى قابعة في دهاليز الظلام الوقتيّة المقطعيّة ; فإنّ مفهوم «تؤتي أُكلها كلّ حين بإذن ربّها» ومفهوم «أنّى» ونظائرهما لا تجعل تلك المحاولة في أدنى قسط من الراحة ثم البقاء والاستمرار طويلاً ، ناهيك عن الفشل والسقوط المهيب.

إذن ، نحن محكومون بالشموليّة ، وقواعد العقل العمليّ ، والقراءة المنهجيّة العلميّة الصحيحة ، والالتزام بالقوائم المشتركة من ثوابت واُصول ; كي نخرج بعقل عربي وإسلامي يلبّي الطموح وينقذ الاُمّة ممّا هي عليه الآن من تشتّت وضياع وتناحر.

(إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ) (١)

__________________

١. سورة الأنبياء : ٩٢.

١٢٠