دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: قلم
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6642-91-8
الصفحات: ٣٤٧

طريقة ثالثة

إذا كانت لدنيا رواية واحدة وصلتنا بطريقين مختلفين. وكل منهما يشتمل على ضعف من ناحية خاصة فبالامكان التلفيق بين الطريقين والحصول على طريق ثالث.

مثال ذلك : ان الشيخ الطوسي روى رواية بالسند التالي : المفيد عن أحمد ابن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين عن الحسن عن زرعة عن سماعة عن الإمام الصادق عليه‌السلام ... (١)

ونفس الرواية رواها الكليني كما يلي : محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن اسماعيل عن عثمان بن عيسى عن زرعة عن سماعة عن الإمام عليه‌السلام (٢).

ان الطريق الأول يشتمل على ضعف من ناحية أحمد بن محمد الذي يروي عنه المفيد لأنه أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد الذي هو من مشايخ الاجازة

__________________

(١) رجال هذا الطريق كلهم ثقات ما عدا أحمد بن محمد شيخ المفيد الذي هو أحمد بن محمد ابن الحسن بن الوليد بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة.

واما محمد بن يحيى وسعد وأحمد بن محمد ـ الذي هو أحمد بن محمد بن عيسى ـ والحسين بن سعيد الأهوازي والحسن بن سعيد الأهوازي وزرعة وسماعة فكلهم ثقات.

(٢) رجال هذا الطريق كلهم ثقات ما عدا علي بن اسماعيل ، فان محمد بن يحيى العطار هو شيخ الكليني المعروف بالوثاقة والجلالة. واما أحمد بن محمد بن عيسى والبقية فهم ثقات.

٢٨١

ولم تثبت وثاقته.

واما الطريق الثاني فهو يشتمل على ضعف من ناحية علي بن اسماعيل.

اما الضعف الموجود في الطريق الأول فيمكن التغلب عليه باعتبار ان المحذور الذي يولّده وجود أحمد بن محمد بن الحسن هو الشك في ان والد أحمد هل حدّت حقا ولده أحمد بالحديث المذكور أو ان أحمد تقوّل على والده ونسب إليه الحديث كذبا وزورا ، فان أحمد لو كان ثقة فبواسطة وثاقته يمكن ان نحرز ان والده قد اخبره بالخبر ولم يتقوّل على والده ، وحيث لم نحرز وثاقته فنحتمل تقوّله على والده.

والمشكلة من هذه الناحية يمكن التغلب عليها بواسطة الطريق الثاني ، فان المفروض ان الكليني في الطريق الثاني يقول ان محمد بن يحيى قد حدّثني بالحديث المذكور من دون تخلل أحمد في الوسط.

واما الضعف في الطريق الثاني الذي هو من ناحية علي بن اسماعيل فيمكن التغلب عليه بواسطة الطريق الأول فانه إذا ثبت ان محمد بن يحيى قد حدّث الكليني بالخبر فنأخذ بالطريق الأول ويحصل بذلك التغلب على المحذور من ناحية علي بن اسماعيل. وبعد هذا التلفيق بين السندين يمكن الأخذ بالرواية.

ويرد ذلك : اننا نحتمل ان أحمد بن محمد بن الحسن قد اختلق رجال السند الذين بينه وبين الإمام عليه‌السلام. ولا نريد ان ندعي بهذا انه اختلق الرواية بل ندعي ان

٢٨٢

من المحتمل اختلاقه للسند ، ومعه فلا يبقى بايدينا إلّا السند الثاني ، والمفروض وجود علي بن اسماعيل فيه الذي لم تثبت وثاقته.

٢٨٣

طريقة الميرزا محمد الاسترابادي

ذكر الميرزا محمد الاسترابادى ـ صاحب الكتاب الرجالي المعروف بمنهج المقال ـ طريقة لتصحيح بعض الاسانيد الضعيفة.

ومحصلها : ان طريق الصدوق إلى عبيد بن زرارة مثلا ضعيف بسبب وجود الحكم بن مسكين (١). ويمكن استخراج طريق صحيح للصدوق إلى عبيد بعد التوجه إلى أمرين : ـ

أحدهما : ان النجاشي له طريق صحيح إلى عبيد حيث ذكر في ترجمة عبيد ما نصه : «له كتاب يرويه جماعة عنه. اخبرنا عدة من اصحابنا عن أحمد ابن محمد بن يحيى عن عبد الله بن جعفر عن ابيى الخطاب ومحمد بن عبد الجبار وأحمد بن محمد بن عيسى عن محمد بن اسماعيل بن بزيع عن حماد ابن عثمان عن عبيد بكتابه».

ثانيهما : انه اتضح من خلال مراجعة طريق النجاشي إلى عبيد ان احد الرواة الواقعين في طريق النجاشي هو عبد الله بن جعفر (٢). وإذا رجعنا إلى فهرست الشيخ الطوسي وجدناه يذكر طريقا له إلى عبد الله بن جعفر بالشكل التالي : اخبرنا بجميع كتبه ورواياته الشيخ المفيد رحمه‌الله عن ابي جعفر ابن بابويه عن

__________________

(١) راجع مشيخة الفقيه : ص ٣١.

(٢) وهو عبد الله بن جعفر الحميري الثقة الجليل.

٢٨٤

أبيه ومحمد بن الحسن عنه.

إذن من خلال هذا نعرف ان الصدوق يروي بطريق صحيح جميع روايات الحميري.

وباتضاح هذين الأمرين يتضح ان بالامكان تحصيل طريق للصدوق إلى عبيد لانه من خلال الأمر الثاني عرفنا ان الصدوق يروي بطريق صحيح جميع روايات الحميري والمفروض انّا عرفنا في الأمر الأول ان الحميري يروي روايات عبيد بطريق صحيح فيثبت من ذلك ان الصدوق يروي بالتالي بطريق صحيح إلى عبيد جميع رواياته.

والطريق الجديد هكذا : الصدوق عن ابيه ومحمد بن الحسن عن الحميري عن ابي الخطاب ومحمد بن عبد الجبار وأحمد بن محمد بن عيسى عن محمد ابن اسماعيل بن بزيع عن حماد بن عثمان عن عبيد.

هذه حصيلة الطريقة المذكورة.

ويردها : انه بهذه الطريقة يمكن تصحيح كل رواية ثبت وجودها في كتاب عبيد وانها من جملة رواياته إلّا انه كيف يمكن اثبات ان الرواية التي نقلها الصدوق في كتابه الفقيه والتي وقع في طريقها الحكم بن مسكين هي موجودة في كتاب عبيد ومن جملة رواياته ، فان المفروض ان الصدوق نقلها بواسطة الحكم ابن مسكين ، ومن المحتمل ان الحكم ـ باعتبار عدم ثبوت وثاقته ـ قد اختلق تلك الرواية أو زاد فيها.

٢٨٥

اجل لو فرض ان الصدوق قد اخذ الرواية من كتاب الحميري لا من كتاب عبيد تمت الطريقة المذكورة ، ولكننا نحتمل ان الصدوق قد اخذها من كتاب عبيد الذي وصله بواسطة الحكم بن مسكين.

٢٨٦

طريقة للسيد الخوئي

نقل الشيخ الطوسي قدس‌سره جملة من الروايات عن علي بن الحسن بن فضال.

وإذا رجعنا إلى الفهرست وجدنا الشيخ يقول ما نصه : «اخبرنا بجميع كتبه قراءة عليه اكثرها والباقي اجازة أحمد بن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير سماعا واجازة عنه».

ان أحمد بن عبدون وان لم يوثقه الشيخ والنجاشي صريحا إلّا انه يمكن توثيقه من جهة كونه من مشايخ النجاشي. وقد تقدم في ابحاث سابقة امكان توثيق جميع مشايخ النجاشي (١).

وانما المشكلة من ناحية علي بن محمد بن الزبير حيث انه لم يوثق.

ولازم هذا سقوط جميع الروايات التي رواها الشيخ عن كتاب علي بن الحسن بن فضال من جهة ابن الزبير.

وحاول السيد الخوئي قدس‌سره (٢) التغلب على مشكلة ابن الزبير بالبيان التالي : اننا لو رجعنا إلى رجال النجاشي في ترجمة علي بن الحسن بن فضال وجدنا ان النجاشي يروي جميع روايات ابن فضال بطريق يبتدأ بابن عبدون ولا يتوسطه

__________________

(١) راجع : ص ٥٠.

(٢) معجم رجال الحديث ١ : ٨٢.

٢٨٧

ابن الزبير ، أي انه طريق صحيح.

انه من خلال هذا نفهم ان استاذ الشيخ الطوسي والنجاشي الذي ينقلان عنه روايات ابن فضال هو ابن عبدون.

وإذا ثبت ان طريق النجاشي صحيح تثبت بذلك صحة جميع الروايات التي نقلها الشيخ عن ابن فضال لان استاذهما مادام واحدا ـ والمفروض انه ثقة ـ فلازم ذلك ان ما ينقله لتلميذيه ـ الشيخ والنجاشي ـ واحد ، إذ لو لم يكن واحدا فلازم ذلك ان يكون كاذبا في احد نقليه ، وهو خلف فرض وثاقته.

وإذا ثبت وحدة النقل وعدم اختلافه فحيث ان ذلك النقل الواحد قد وصل إلى ابن عبدون بطريق صحيح ـ وهو الطريق الثاني الذي ينقله النجاشي ـ فيلزم من ذلك صحة الروايات التي ينقلها الشيخ عن ابن فضال.

وباختصار : ان كتاب ابن فضال مادام قد وصل لابن عبدون بطريقين احدهما صحيح فكل ما ينقله الشيخ من روايات ابن فضال بتوسط ابن عبدون يلزم ان يكون حجة.

والضابط العام لهذه الطريقة : انه إذا كان طريق الشيخ إلى كتاب راو معين ضعيفا في الفهرست والمشيخة معا فمتى ما كان طريق النجاشي إلى ذلك الكتاب صحيحا وكان شيخهما الذي يرويان عنه ذلك الكتاب واحدا فبالامكان التعويض بطريق النجاشي الصحيح عن طريق الشيخ الضعيف.

وقد تبنى قبل السيد الخوئي هذه الطريقة السيد بحر العلوم في رجاله حيث

٢٨٨

قال ما نصه : «وقد يعلم ذلك (١) من كتاب النجاشي فانه كان معاصرا للشيخ مشاركا له في أكثر المشايخ كالمفيد والحسين بن عبيد الله وأحمد ابن عبدون وغيرهم ، فاذا علم روايته للاصل أو الكتاب بتوسط أحدهم كان ذلك طريقا للشيخ» (٢).

ويمكن التأمل في الطريقة المذكورة من ناحيتين : ـ

أ ـ ان من المحتمل ان ابن عبدون كانت لديه نسختان من كتاب ابن فضال احداهما تختلف عن الاخرى ، ونقل احدى النسختين للشيخ الطوسي بواسطة ابن الزبير والنسخة الاخرى للنجاشي بواسطة غيره. ومع وجود هذا الاحتمال فلا يمكن الجزم بان كل ما حدث به ابن عبدون النجاشي فقد حدث به الشيخ الطوسي. ولا يلزم من اختلاف نقله كذبه مادامت النسخة مختلفة.

وإذا قلت : ان أحاديث ابن فضال التي سمعها من الإمام عليه‌السلام مادامت واحدة فمن أين جاء اختلاف النسختين؟

قلت : ان ذلك له مناشئ منها ان يكون ابن الزبير باعتبار عدم ثبوت وثاقته قد زاد في نسخته التي استلمها من ابن فضال أو حرّفها.

ب ـ ان الطريقة المذكورة لو تمت كبرويا فهي ليست تامة صغرويا ، أي ان الاستشهاد لها بالمثال المتقدم غير تام لعدم كون استاذ الشيخ النجاشي في

__________________

(١) أي طريق الشيخ الطوسي.

(٢) رجال السيد بحر العلوم ٤ : ٧٥.

٢٨٩

روايات ابن فضال واحدا فان طريق الشيخ إلى ابن فضال وان كان بالشكل التالي : ابن عبدون عن علي بن محمد بن الزبير عن ابن فضال إلّا ان طريق النجاشي بشكل آخر وكالتالي : «قرأ أحمد بن الحسين (١) كتاب الصلاة والزكاة ومناسك الحج و ... على أحمد بن عبد الواحد (٢) في مدة سمعتها معه. وقرأت انا كتاب الصيام عليه في مشهد العقيقة عن ابن الزبير (٣) عن علي بن الحسن. واخبرنا بساير كتب ابن فضال بهذه الطريق. واخبرنا محمد بن جعفر في آخرين (٤) عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن بكتبه».

ان المستفاد من هذه الفقرات ان للنجاشي طريقين إلى ابن فضال :

١ ـ ابن عبدون عن ابن الزبير عن علي بن الحسن.

٢ ـ محمد بن جعفر عن أحمد بن محمد بن سعيد عن علي بن الحسن.

والطريق الأول لا ينفع لانه وان ابتدأ بابن عبدون إلّا انه يشتمل على ابن الزبير كما يشتمل عليه طريق الشيخ.

والطريق الثاني وان لم يشتمل على ابن الزبير إلّا انه لا يبتدأ بابن عبدون.

فكلا الطريقين اذن لا ينفع ، فان الذي ينفع هو الطريق الذي يبتدأ بابن

__________________

(١) وهو المعروف بابن الغضائري ، وكان من زملاء النجاشي والشيخ الطوسي.

(٢) وهو ابن عبدون.

(٣) وهو علي بن محمد بن الزبير.

(٤) هو اسم مكان معين.

٢٩٠

عبدون ولا يشتمل في وسطه على ابن الزبير ، إذ لو لم يبتدا بابن عبدون لم يكن شيخ النجاشي والشيخ الطوسي واحدا. ولو اشتمل وسطه على ابن الزبير لم يرتفع المحذور الموجود في طريق الشيخ الذي نريد التخلص منه.

٢٩١

طريقة اخرى للسيد الخوئي

هناك طريقة اخرى للسيد الخوئي قدس‌سره حاول التغلب بها على مشكلة أحمد ابن محمد بن يحيى وغيره ممن لم تثبت وثاقته.

ولتوضيحها نذكر المثال التالي : ان الشيخ الطوسي في الاستبصار ج ١ ص ٢٣ ذكر رواية بالسند التالي : الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن ابيه عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر.

ان السند المذكور لا خدشة فيه إلّا من جهة أحمد بن محمد بن يحيى حيث لم تثبت وثاقته بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة لاثبات الوثاقة.

وللتغلب على مشكلته يمكننا ان نختار أي رجل آخر ممن يكون بين أحمد والإمام عليه‌السلام. ولنفرض اننا اخترنا محمد بن أحمد بن يحيى. وبعد ذلك نراجع كتاب الفهرست للشيخ ، فاذا وجدنا ان للشيخ طريقا صحيحا إلى محمد ابن أحمد بن يحيى نعوّض بذلك الطريق الصحيح عن تلك السلسلة الضعيفة في السند السابق (١).

__________________

(١) وإذا رجعنا إلى الفهرست ص ١٤٤ وجدنا ان الشيخ الطوسي يذكر طريقين إلى محمد بن أحمد بن يحيى أحدهما صحيح والآخر ضعيف. اما الضعيف فهو نفس الطريق السابق الذي نريد التخلص منه ، وهو هكذا : «الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه عن محمد بن أحمد بن يحيى». واما الصحيح فهو هكذا : «أخبرنا جماعة عن محمد بن علي ابن الحسين عن أبيه عن أحمد بن ادريس عن محمد بن أحمد بن يحيى».

٢٩٢

والتوجيه الفني لفكرة التعويض هذه هي ان الشيخ الطوسي يقول بعد ذكره لاسم صاحب الترجمة واستعراض كتبه ما نصه : اخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن ... وفلان عن ...

ان محمد بن أحمد بن يحيى ما دمنا قد افترضناه في وسط السند فيصدق ان الرواية المبحوث عن سندها هي من جملة رواياته. واذا صدق انها من جملة رواياته شملها التعبير العام المتقدم ـ اخبرنا بجميع كتبه ورواياته ـ وامكن تصحيحها بواحد من تلك الطرق المذكورة في الفهرست في ترجمة محمد بن أحمد بن يحيى ، فان ظاهر تعبير الشيخ الطوسي حينما يقول أخبرنا بجميع كتبه ورواياته ... ان كل ما وصل اليه باحد الطريقين فقد وصل اليه بالطريق الثاني ، فالرواية المنقولة عن محمد بن أحمد بن يحيى بالطريق الضعيف قد وصلت إلى الشيخ بالطريق الآخر الصحيح أيضا.

وبذلك سوف نحصل على سند صحيح بالشكل التالي : جماعة عن محمد ابن علي بن الحسين عن أبيه عن أحمد بن ادريس عن محمد بن أحمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر.

وينبغي الالتفات إلى ان الشخص الذي نحاول انتخابه من بين افراد السند يلزم ان يكون واقعا قبل أحمد بن محمد بن يحيى ، أي واقعا بينه وبين الإمام عليه‌السلام ولا ينفع كونه بعد أحمد وإلّا لم نتخلص من مشكلته كما هو واضح.

كما وينبغي ان يكون ذلك الشخص الذي تم انتخابه قد ذكره الشيخ في

٢٩٣

الفهرست وذكر اليه طرقا بعضها صحيح (١).

والسيد الشهيد قدس‌سره تعرض إلى هذه الطريقة في بعض كلماته (٢) وارتضاها بشرطين : ـ

أ ـ ان يكون قبل الشخص الضعيف ـ الذي يراد التخلص من مشكلته ـ شخص ثقة ، وللشيخ الطوسي اليه طريق صحيح.

وفي مثالنا السابق كان محمد بن أحمد بن يحيى شخصا ثقة قبل أحمد ، وللشيخ اليه طريق صحيح (٣).

ب ـ ان يكون الطريق الضعيف الذي يراد التخلص منه مذكورا كاحد الطرق إلى محمد بن أحمد بن يحيى.

ففي المثال السابق كان الطريق الضعيف الذي يراد تعويضه ـ وهو الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن ابيه ـ مذكورا في الفهرست كاحد الطريقين إلى روايات محمد بن أحمد بن يحيى.

والوجه في اعتبار الشرط المذكور : ان السند الذي يراد التخلص منه إذا لم يكن احد الطريقين بان كان المذكور طريقا او طريقين اجنبيين عن الطريق

__________________

(١) هذه الطريقة ذكرها السيد الخوئي في مواضع متعددة من ابحاثه القديمة فراجع التنقيح ج ٢ ص ٤٦٣ ، ج ٣ ص ٤٨٦. ولكننا لم نسمعها مه طيلة فترة تلمذنا عنده ، وذلك يدل على عدوله عنها.

(٢) راجع كتاب بحوث في شرح العروة الوثقى ج ٣ : ص ١٢٥ ، ج ٤ ص ٥١.

(٣) ينبغي الالتفات إلى ان هذا الشرط ليس شيئا جديدا وزيادة على ما ذكره السيد الخوئي.

٢٩٤

الضعيف فلا يمكن ان نستفيد ان ما رواه الشيخ بالطريق الضعيف قد رواه بالطريق الصحيح بل من المحتمل ان يكون قد رواه بالطريق الضعيف فقط. اما إذا ذكره كاحد الطريقين فلا يأتي الاحتمال المذكور ، لأن ظاهر تعبير الشيخ ـ اخبرنا بجميع كتبه ورواياته فلان عن ... وفلان عن ... ـ ان كل ما رواه باحد الطرق فقد رواه ببقية الطرق ولا يقصد من ذلك ان بعض الروايات رواها ببعض تلك الطرق والبعض الآخر رواه بالطرق الاخرى.

هذه حصيلة الطريقة المذكورة. وهي لو تمت لكانت نافعة وسيالة في كثير من الموارد.

وقد يخطر للذهن مناقشتها بما يلي : ان مجرد ورود محمد بن أحمد بن يحيى في السند لا يوجب الجزم بكون الرواية هي من جملة رواياته حتى يشملها تعبير الشيخ الطوسي ـ اخبرنا بجميع رواياته وكتبه فلان عن ... وفلان عن ... ـ لاحتمال ان أحمد بن محمد بن يحيى قد اختلق الرواية بالسند المذكور ونسبها إلى والده ومحمد بن أحمد بن يحيى وهما من ذلك براء.

وان شئت قلت : ان تطبيق الطريقة المذكورة فرع الجزم بصدق كون الرواية هي من جملة روايات محمد بن أحمد بن يحيى ، والجزم بذلك فرع الجزم بعدم كذب أحمد في اختلاق الرواية بالسند المذكور. وإذا جزمنا بعدم كذب أحمد فلا نكون بحاجة بعد ذلك إلى هذه الطريقة والاستعانة بفكرة التعويض.

هكذا قد تناقش الطريقة المذكورة.

بيد انها تندفع بالشرط الثاني الذي اضافه السيد الشهيد ، فان الطريق

٢٩٥

الضعيف الذي نريد الاستعاضة عنه إذا كان أحد الطريقين الذين ذكرهما الشيخ الطوسي فلازمه ان كل رواية إذا رويت بالطريق الضعيف فهي مروية بالطريق الثاني الصحيح ، وحيث ان الرواية التي بايدينا والتي نريد تحصيل سند جديد لها هي مما رويت بالطريق الأول الضعيف فهي مروية حتما بالطريق الثاني الصحيح ولا يبقى لاحتمال كذب أحمد قيمة ، لأن الشيخ بنفسه يصرّح اني ارويها بالطريق الأول الضعيف وكل رواية ارويها بالطريق الضعيف فانا ارويها بالطريق الثاني الصحيح.

والصحيح في المناقشة ان يقال : اننا نحتمل ان الشيخ الطوسي حينما قال «اخبرنا بجميع رواياته وكتبه فلان ...» فهو يقصد ان محمد بن احمد بن يحيى متى ما ابتدأت به السند فانا اروي عنه بهذه الطرق المتعددة ولا يقصد اني أروي بهذه الطرق عن محمد بن أحمد بن يحيى حتى لو وقع في اثناء السند. ان هذا الاحتمال موجود ، ومع وجوده فلا يمكن تطبيق الطريقة المذكورة (١).

__________________

(١) كانت هذه المناقشة تخطر في ذهننا حتى رايناها في كلمات السيد الشهيد نفسه فراجع تقرير بحثه الاصولي ٥ : ٦٠ ، ٤٣٦.

٢٩٦

تطبيقات عملية

١ ـ ورد في الوسائل الباب ٥ من أبواب القيام من كتاب الصلاة ح ٥ ما نصه : «علي بن جعفر في كتابه عن أخيه قال : سألته عن المريض ...».

ان هذه الرواية يرويها الحرّ عن كتاب علي بن جعفر ، فان كتاب علي بن جعفر كان عند الحر ، وهو أحد مصادر أحاديث وسائل الشيعة.

والطريق إليه صحيح ، لأن صاحب الوسائل يروي جميع المصادر التي اعتمدها بطرق كثيرة معتبرة تنتهي إلى الشيخ الطوسي ، والشيخ الطوسي له طريق معتبر إلى علي بن جعفر.

اما ان الحر له طرق معتبرة تنتهي إلى الشيخ الطوسي فيتضح ذلك من خلال مراجعة آخر الوسائل حيث ذكر جملة من الفوائد ، وضمن بعضها (١) ذكر طرقه إلى تلك المصادر ، وهي طرق كثيرة تتشكل من علمائنا الأبرار.

واما ان طريق الشيخ الطوسي إلى علي بن جعفر صحيح فلان طريقه في المشيخة وان كان ضعيفا حيث قال : «وما ذكرته عن علي بن جعفر فقد اخبرني به الحسين بن عبيد الله عن أحمد بن محمد بن يحيى عن أبيه محمد بن يحيى عن العمركي النيسابوري البوفكي عن علي بن جعفر». وأحمد بن محمد بن يحيى لم

__________________

(١) وهي الفائدة الخامسة.

٢٩٧

تثبت وثاقته بناء على عدم كفاية شيخوخة الاجازة في اثبات الوثاقة.

وبالجملة طريق الشيخ في المشيخة وان كان ضعيفا إلّا انه في الفهرست صحيح حيث قال : «اخبرنا بذلك جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن أبيه عن محمد بن يحيى عن العمركي الخراساني البوفكي عن علي بن جعفر عن أخيه موسى الكاظم عليه‌السلام. ورواه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن بابويه عن أبيه عن سعد والحميري وأحمد بن ادريس وعلي بن موسى عن أحمد بن محمد عن موسى بن القاسم البجلي عنه».

انه في هذه العبارة يذكر الشيخ إلى علي بن جعفر طريقين هما : ـ

أ ـ جماعة عن محمد بن علي بن الحسين عن ابيه عن محمد بن يحيى عن العمركي عن علي بن جعفر.

وهذا طريق صحيح.

اما الجماعة فلان اقلها ثلاثة ، ولا نحتمل اجتماع ثلاثة من مشايخ الشيخ الطوسي على الكذب خصوصا وبالامكان تحصيل الاطمئنان بان أحد الثلاثة هو المفيد او الحسين بن عبد الله الغضائري حيث يكثر الشيخ عنهما النقل في الفهرست.

واما محمد بن علي وابوه فهما الصدوق الابن والصدوق الأب ، وهما غنيان عن التوثيق.

واما محمد بن يحيى فهو العطار شيخ الكليني وهو من الثقات الاجلة.

٢٩٨

واما العمركي فهو ثقة أيضا حيث وثّقه الشيخ الطوسي.

ب ـ محمد بن علي عن ابيه عن سعد والحميري وأحمد بن ادريس وعلي بن موسى عن أحمد بن محمد عن موسى بن القاسم البجلي عنه.

وهذا الطريق صحيح أيضا. وتكفينا صحة الطريق الأول عن اثبات صحة هذا الطريق.

٢ ـ ذكر الحرّ العاملي في كتاب الصلاة من وسائله الباب ٩ من أبواب نافلة شهر رمضان الحديث الأول ما نصه : «محمد بن الحسن باسناده عن الحسين بن سعيد عن صفوان عن ابن مسكان عن الحلبي قال ...».

ثم قال بعد فراغه من ذكر الرواية ما نصه : «ورواه الصدوق باسناده عن ابن مسكان.

ان عبارة الحرّ هذه تدل على ان الحديث المذكور قد رواه كل من الشيخ الطوسي والشيخ الصدوق.

ويكفينا للحكم بصحة الرواية صحة أحد الطريقين ، فلا يلزم صحة كل من طريق الشيخ والصدوق بل يكفي صحة احدهما.

وحيث ان طريق الشيخ صحيح فلا حاجة إلى تحقيق حال طريق الصدوق.

ولاثبات صحة طريق الشيخ نقول :

اما الحسين بن سعيد والبقية إلى الإمام عليه‌السلام فكلهم ثقات اجلاء.

والمهم تحقيق حال طريق الشيخ إلى الحسين بن سعيد وقد ذكر قدس‌سره في

٢٩٩

المشيخة (١). عبارة معقّدة بالشكل التالي : «وما ذكرته في هذا الكتاب عن الحسين بن سعيد فقد اخبرني به الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان والحسين بن عبيد الله وأحمد بن عبدون كلهم عن أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد عن أبيه محمد بن الحسن بن الوليد.

واخبرني به أيضا أبو الحسين بن أبي جيد القمي عن محمد بن الحسن بن الوليد عن الحسين بن الحسن بن ابان عن الحسين بن سعيد.

ورواه أيضا محمد بن الحسن بن الوليد عن محمد بن الحسن الصفار عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد» (٢).

ان العبارة المذكورة تدل على ان الشيخ يروي أحاديث ابن سعيد بطريق يتوسطه محمد بن الحسن بن الوليد.

كما وتشير إلى ان للشيخ إلى ابن الوليد طريقين ، وان لابن الوليد طريقين إلى ابن سعيد.

اما الطريقان من الشيخ إلى ابن الوليد فهما : ـ

أ ـ المفيد وابن الغضائري وابن عبدون كلهم عن أحمد بن محمد عن ابيه.

__________________

(١) راجع : ص ٦٣ من المشيخة المذكورة آخر التهذيب.

(٢) وذكر الشيخ بعد تلك العبارة المتقدمة ما نصه : «وما ذكرته عن الحسين بن سعيد عن الحسن عن زرعة عن سماعة وفضالة ...». وهذه العبارة لا تريد التعرض إلى بيان طرق اخرى إلى الحسين بن سعيد كما لا يخفى على من راجعها.

٣٠٠