دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: قلم
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6642-91-8
الصفحات: ٣٤٧

وقال ص ٥٥٦ : «اجمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عن هؤلاء وتصديقهم واقروا لهم بالفقه والعلم. وهم ستة نفر اخر دون الستة نفر الذين ذكرناهم في أصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام منهم : يونس بن عبد الرحمن وصفوان بن يحيى بياع السابري ومحمد بن أبي عمير وعبد الله بن المغيرة والحسن بن محبوب وأحمد بن محمد بن أبي نصر».

وقد اختلف فهم الأعلام لهذه العبائر فقيل متى ما وقع واحد من هؤلاء اثناء السند فاذا كان الطريق من الشيخ الطوسي ـ الذي يروي لنا الحديث مثلا ـ إليه معتبرا فلا تضر جهالة الوسائط بينه وبين الإمام عليه‌السلام.

ونسب هذا الرأي إلى الشهيد الثاني والشيخ المجلسي والبهائي وغيرهم.

وذهب صاحب الوسائل (١) إلى أكثر من ذلك فقال : ان الوسائط المذكورة كما لا تضر جهالتها كذلك لا يضر تضعيفها.

والصحيح ان غاية ما يستفاد من العبائر السابقة الاجماع على جلالة المذكورين وحسن حالهم ، وكأنه يراد ان يقال انه متى ما وقع أحد هؤلاء في السند فالرواية من ناحيته لا خلل فيها ، واما من قبله أو بعده فلا نظر إليه.

٥ ـ وقوع بني فضال في السند

بنو فضال ـ وهم الحسن بن علي بن فضال وأحمد بن الحسن بن علي بن فضال وعلي بن الحسن بن علي بن فضال ـ جماعة من الفطحية.

__________________

(١) الوسائل ٢٠ : ٨٠ ـ ٨١ من الطبع القديم.

١٨١

والفطحية فرقة تقول بامامة عبد الله الأفطح ابن الإمام الصادق عليه‌السلام.

وكان لبني فضال المعروفين بالوثاقة والعبادة أحاديث كثيرة.

ولكثرة احاديثهم وفساد عقيدتهم وجّه بعض الشيعة سؤالا إلى الإمام العسكري عليه‌السلام. عن الموقف الذي ينبغي اتخاذه اتجاه تلك الأحاديث.

ففي كتاب الغيبة للشيخ الطوسي رواية ينقلها عن عبد الله الكوفي خادم الشيخ النوبختي رضوان الله تعالى عليه يقول فيها : سئل الشيخ يعني الحسين بن روح عن كتب ابن أبي العزاقر بعد ما ذم وخرجت فيه اللعنة فقيل له فكيف نعمل بكتبه وبيوتنا منها ملاء؟ فقال : اقول فيها ما قاله أبو محمد الحسن بن علي صلوات الله عليهما وقد سئل عن كتب بني فضال فقالوا كيف نعمل بكتبهم وبيوتنا منها ملاء فقال صلوات الله عليه : خذوا ما رووا وذروا ما رأوا» (١).

ولاجل هذه الرواية اختار جمع من الأعلام منهم الشيخ الأنصاري في كتاب الصلاة (٢) ان أي رواية ورد في سندها بعض بني فضال فهي حجة ويعمل بها حتى لو اشتملت على ضعف في بعض رجالها بين بني فضال والإمام عليه‌السلام.

يقول قدس‌سره في أوائل كتاب الصلاة عند ذكره لرواية داود بن فرقد عن بعض اصحابنا : «وهذه الرواية وان كانت مرسلة إلّا ان سندها إلى الحسن بن فضال

__________________

(١) الغيبة : ص ٢٣٩.

(٢) ص ٢.

١٨٢

صحيح (١). وبنو فضال ممن امرنا بالأخذ بكتبهم ورواياتهم».

وفيه : ان الرواية المذكورة قابلة للمناقشة من حيث السند والدلالة.

اما من حيث السند فباعتبار ان الكوفي خادم الشيخ النوبختي مجهول لا يعرف عنه شيء.

هذا مضافا إلى ان الشيخ الطوسي ينقلها عن ابي الحسين ابن تمام عن عبد الله الكوفي ، وابن تمام مجهول أيضا.

واما من ناحية الدلالة فلان في المقصود منها احتمالين : ـ

أ ـ الشهادة بصحة جميع روايات بني فضال نظير شهادة الإمام العسكري عليه‌السلام بصحة جميع ما ورد في كتاب يوم وليلة ليونس بن عبد الرحمن حينما ادخله أبو هاشم الجعفري على الإمام العسكري عليه‌السلام واخذ يتصفحه وقرّضه بقوله : «هذا ديني ودين آبائي وهو الحق كله» (٢).

وبناء على هذا الاحتمال يتم ما افاده الشيخ الأنصاري حيث انه بعد شهادة الإمام عليه‌السلام بصحة جميع روايات بني فضال لا يبقى مجال للتدقيق في السند.

ب ـ بيان ان فساد عقيدة الراوي لا يمنع من الأخذ بروايته.

وبناء على هذا لا يتم ما افاده الشيخ الأنصاري ، إذ ليس المقصود الشهادة

__________________

(١) فان الرواية ينقلها الشيخ الطوسي بسنده المعتبر إلى الحسن بن علي بن فضال عن داود بن فرقد عن بعض اصحابنا عن ابي عبد الله عليه‌السلام. الوسائل باب ٤ من أبواب المواقيت حديث ٧.

(٢) رجال الكشي : ص ٤٨٤ رقم ٩١٥.

١٨٣

بصحة جميع روايات بني فضال بل بيان عدم وجود موجب للتوقف من ناحية بني فضال لا أكثر.

ونحن ان لم ندع اظهرية الاحتمال الثاني فيكفينا احتماله ، إذ الاحتمال يكفي لبطلان الاستدلال في مثل هذا المورد.

٦ ـ رواية أحد المشايخ الثلاثة

قيل بان أحد المشايخ الثلاثة ـ محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر البزنطي ـ إذا روى عن شخص كان ذلك دليل وثاقته.

واستند في ذلك إلى عبارة الشيخ الطوسي في كتابه عدة الاصول حيث قال : «وإذا كان أحد الراويين مسندا والآخر مرسلا نظر في حال المرسل فان كان ممن يعلم انه لا يرسل إلّا عن ثقة موثوق به فلا ترجيح لخبر غيره على خبره ، ولأجل ذلك سوت الطائفة بين ما يرويه محمد بن أبي عمير وصفوان بن يحيى وأحمد بن محمد بن أبي نصر وغيرهم من الثقات الذين عرفوا بانهم لا يروون ولا يرسلون إلّا عمن يوثق به وبين ما اسنده غيرهم ...».

ولعل حجية مراسيل هؤلاء الثلاثة هو الرأي المشهور استنادا إلى عبارة العدة.

هذا ولكن السيد الخوئي رفض ذلك لعدة وجوه من قبيل ان نسبة الشيخ التسوية إلى الأصحاب قد استند فيها إلى حدسه واجتهاده وليس إلى حسه بدليل انها لو كانت صحيحة ومعروفة لدى الأصحاب لذكرت في كلمات القدماء غير

١٨٤

الشيخ والحال انه ليس منها عين ولا أثر.

ومن قبيل ان عدم رواية هؤلاء إلّا عن ثقة قضية لا يمكن الاطلاع عليها إلّا من قبلهم ، وهم لم يصرحوا بذلك وإلّا لنقل ذلك عنهم وان مثل ابن أبي عمير قد اعلن عن التزامه بعدم الرواية عن غير الثقة.

ان هذه الاعتراضات وامثالها يمكن التغلب عليها بان نقل الشيخ الطوسي تسوية الطائفة معللا بعدم روايتهم عن غير الثقة يستبطن ضمنا شهادة الشيخ نفسه بوثاقة جميع مشايخ الثلاثة.

وإذا قيل بان شهادة الشيخ هذه مستندة إلى الحدس فلا تكون حجة.

كان الجواب : ان احتمال استنادها إلى الحس موجود ـ ومعه يبنى على اصالة الحس ـ ولكن لا بسبب تصريحهم حتى يقال لو كان لهم تصريح لنقل بل لمعرفة ذلك من حالهم من خلال معاشرتهم فانه قد يعرف التزام بعض الأشخاص بقضية معينة من خلال معاشرتهم. والشيخ الطوسي قد تلقى هذا الالتزام والوضوح يدا بيد ، وبسببه ادلى بشهادته الضمنية.

واذا قيل كيف خفي ذلك على النجاشي؟

كان الجواب : ان هذا كسائر الموارد التي يشهد فيه احدهما بالوثاقة دون الآخر.

ونلفت النظر إلى ان رواية ابن أبي عمير مثلا لها اشكال ثلاثة : ـ

١ ـ ان يصرح باسم المروي عنه. وفي مثله يحكم بوثاقته ـ لشهادة الشيخ

١٨٥

الضمنية ـ بشرط عدم وجود معارض لها.

٢ ـ ان يقول عن بعض اصحابنا. وفي مثله لا يحكم بالوثاقة لأن بعض مشايخ ابن أبي عمير هو من غير الثقات ويحتمل ان هذا البعض هو من هؤلاء الضعاف.

٣ ـ ان يقول عن غير واحد من اصحابنا (١). وفي مثله يمكن الحكم بقبول الرواية لأننا إذا قمنا بعملية احصاء لمشايخ ابن أبي عمير لوجدنا ان مقدارهم يقرب من ٤٠٠ رجل ، والضعاف منهم ٥ والباقي ثقات. وإذا ضممنا إلى ذلك قضية ثانية وهي ان التعبير بكلمة : «عن غير واحد» يدل عرفا على ما لا يقل عن ثلاثة فسوف يثبت ان احتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة الضعاف وليس احدهم من البقية البالغة ٣٩٥ ضعيف جدا.

ولو اردنا استخراج قيمة الاحتمال المذكور امكننا ان نقول :

ان قيمة احتمال كون كل واحد من الثلاثة هو من الخمسة  (٢).

واحتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة وليس احدهم من البقية .

وعليه فاحتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة وليس احدهم من

__________________

(١) حيث تداول لدى ابن أبي عمير روايته «عن غير واحد من اصحابنا».

(٢) أي احتمال واحد من بين ثمانين احتمالا.

١٨٦

البقية يساوي احتمالا واحدا من بين ٥١٢٠٠٠ احتمال. وهو ضعيف جدا لا يعتني له العقلاء (١).

نتيجة ما تقدم

والنتيجة مما تقدم ان ابن أبي عمير إذا صرّح باسم شيخه حكم بوثاقته فيما إذا لم يكن له معارض.

وإذا عبّر بكلمة بعض اصحابنا فلا يحكم بالوثاقة.

ولو عبّر بكلمة «غير واحد» حكم باعتبار السند.

توثيقات عامة اخرى

والتوثيقات العامة ـ التي عرفنا صحة بعضها لا جميعها ـ لا تنحصر بما ذكر بل لها مصاديق اخرى نعرض عنها خوف الاطالة.

__________________

(١) وتطبيق حساب الاحتمال في مجال الرجال وفي علم الاصول والفقه في بعض ابحاثهما ينبغي ان يعدّ من الأفكار الرائعة جدا.

١٨٧

تمرينات

س ١ : ما المقصود من التوثيق العام؟ اذكر بعض الأمثلة لذلك.

س ٢ : ما هي العبارة المذكورة في مقدمة تفسير القمي التي استفيد منها وثاقة جميع من ذكر فيه؟

س ٣ : اذكر بعض الأعلام الذي اختار وثاقة جميع رواة تفسير القمي.

س ٤ : قد يقال بان مقصود القمي توثيق خصوص من يروي عنه بالمباشرة.

اذكر مناقشة السيد الخوئي لهذا الاحتمال.

س ٥ : هناك ثلاث مناقشات غير تامة بالنسبة إلى تفسير القمي. اذكرها مع بيان وجه عدم تماميتهما.

س ٦ : ما هما المناقشتان التامتان حول تفسير القمي؟

س ٧ : لماذا قيل بوثاقة جميع رواة كامل الزيارة؟

س ٨ : كيف يدفع الرأي القائل بوثاقة جميع رواة كامل الزيارة؟

س ٩ : لم تراجع السيد الخوئي عن خصوص رواة كامل الزيارة دون تفسير القمي؟

س ١٠ : قيل بوثاقة جميع مشايخ النجاشي. اذكر مستند ذلك.

١٨٨

س ١١ : اشكل على استفادة وثاقة مشايخ النجاشي. اذكر الاشكال والجواب عنه.

س ١٢ : ما هي عبارة الكشي في اصحاب الاجماع؟

س ١٣ : اختلف فهم العلماء للاجماع المدعى في كلام الكشي. اوضح الاختلاف المذكور.

س ١٤ : جاء ذكر أصحاب الاجماع مرتين : مرة في التوثيقات الخاصة واخرى في التوثيقات العامة. هل ترى في ذلك نحو تكرار أو تهافت أو لا ترى شيئا من ذلك؟ أوضح ذلك.

س ١٥ : من هم بنو فضال؟

س ١٦ : لماذا قيل بوثاقة جميع افراد السند المشتمل على بعض بنى فضال؟

س ١٧ : كيف يناقش القول المتقدم؟

س ١٨ : قيل بوثاقة جميع مشايخ الثقات الثلاثة. اذكر مستند ذلك.

س ١٩ : للسيد الخوئي عدة مناقشات للرأي القائل بوثاقة جميع مشايخ الثلاثة. اذكر مناقشة واحدة.

س ٢٠ : كيف تدفع مناقشات السيد الخوئي.

س ٢١ : طبّق فكرة حساب الاحتمال على مراسيل ابن أبي عمير بعد تشخيصك الحالة التي يمكن فيها ذلك.

١٨٩

س ٢٢ : أوضح الطريقة الرياضية لاستخراج قيمة احتمال كون مجموع الثلاثة هم من الخمسة الضعاف فقط.

س ٢٣ : هل سند حديث ١ باب ١٩ من أبواب مقدمة العبادات في وسائل الشيعة صحيح؟ أوضح ذلك.

١٩٠

النقطة الثالثة

مدرك حجية قول الرجالي

عرفنا فيما تقدم وجود عدة طرق لاثبات وثاقة الراوي وكان العمدة منها توثيق الرجالي.

وفي هذه النقطة نريد التعرف على مدرك حجية قول الرجالي. وفيما يلي نذكر عدة وجوه :

١ ـ ان يكون ذلك من باب الشهادة ، فكما ان الأخبار لدى الحاكم بان الدار الفلانية لزيد شهادة ويكون ذلك حجة من باب حجية الشهادة كذلك اخبار الرجالي بوثاقة الراوي شهادة ، ويكون حجة من باب حجية الشهادة.

وقد اختار ذلك جماعة من الأعلام منهم صاحب المعالم في معالمه (١).

__________________

(١) الطبع القديم : ص ١٩٤.

١٩١

وأورد على ذلك بان لازمه عدم قبول شهادة مثل النجاشي والشيخ الطوسي بالوثاقة ، لأن شرط قبول قول الشاهد كونه حيا وليس بميت.

كما وانه يلزم عدم قبول شهادة كل واحد منهما فيما إذا كان منفردا ، لأن شرط قبول الشهادة تعدد الشاهد وكونه اثنين.

كما وانه يلزم عدم قبول توثيق غير الإمامي الاثنى عشري ، لأن شرط قبول شهادة الشاهد عدالته ولا تكفي وثاقته. وعليه يلزم رفض توثيقات بني فضال التي ينقل الكشي بعضها لأنهم فطحية ، وذلك بعيد.

٢ ـ ان يكون ذلك من باب حجية قول أهل الخبرة ، فكما ان قول الدلال الذي يحدد قيم الأشياء حجة من باب كونه من أهل الخبرة فكذلك اخبار النجاشي مثلا بوثاقة الرواة حجة من الجهة المذكورة.

ويرده : ان المورد لا يكون من موارد شهادة أهل الخبرة إلّا إذا احتاج إلى اعمال الاجتهاد والنظر ، وواضح ان اخبار النجاشي بالوثاقة لا يتوقف على ذلك لأن الوثاقة هي من الامور المحسوسة أو القريبة من الحس.

وان شئت قلت : ان الكتب الرجالية كانت متوفرة زمن النجاشي وكان بواسطتها يحكم بوثاقة هذا وذاك ، ومجرد هذا لا يصيره من أهل الخبرة ، إذ هو نظير من كان واقفا على مرتفع وينظر إلى مجئ هذا وذاك عليه‌السلام يخبرنا بذلك فهل ترى اننا نقبل اخباره من باب كونه من أهل الخبرة؟ كلا.

٣ ـ ان يكون ذلك من جهة حصول الاطمئنان من قول الرجالي ، وحيث ان الاطمئنان حجة بالسيرة العقلائية التي لم يثبت الردع عنها فيثبت حجية

١٩٢

قول الرجالي.

ويرده : ان حصول الاطمئنان من قول الرجالي نادر جدا.

ومن الغريب ما ينقل عن بعض اعلام مدرسة النجف الأشرف من حصول القطع له بوثاقة من يوثقه الشيخ الطوسي قدس‌سره.

٤ ـ ان يكون ذلك من باب حجية خبر الثقة بتقريب ان سيرة العقلاء قد جرت على التمسك بخبر الثقة في جميع المجالات. وهي حجة ما لم يثبت الردع عنها في مورد خاص كما هو الحال في الزنا فانه قد دلّ الدليل على عدم ثبوته إلّا بأربعة شهود ، وكما في السرقة حيث دلّ الدليل على عدم ثبوتها إلّا بشاهدين.

وبناء على هذا الرأي لا يشترط في الموثّق العدالة بل يكفي كونه ثقة متحرزا عن الكذب. كما وانه لا يشترط التعدد بل يكفي اخبار الواحد. كما وانه لا تشترط حياته.

كل ذلك من جهة انعقاد السيرة العقلائية على التمسك بخبر الثقة من دون اشتراط التعدد والعدالة والحياة.

وممن اختار هذا الرأي من المتأخرين السيد الخوئي قدس‌سره.

مشكلة الارسال في التوثيقات

هناك اشكال ظريف ـ اشرنا له سابقا ـ يرد بناء على الرأي الأخير بالخصوص.

وحاصله : ان النجاشي حينما يخبر بوثاقة شخص معين فهو يخبر عن ذلك

١٩٣

من باب وصوله له يدا بيد وثقة عن ثقة ، فاخباره على هذا عن الوثاقة اخبار يمرّ بسلسلة من الثقات.

وبناء على هذا يقال : لو كان النجاشي يخبرنا عن حكم الإمام الصادق عليه‌السلام بقضية معينة لما كنّا نقبل اخباره إلّا بعد ان يخبرنا بسلسلة الرواة الذين يعتمد عليهم في النقل. ولا نكتفي منه لو قال في الجواب ان جميع افراد السلسلة ثقات. اننا نرفض ذلك منه لاحتمال كون بعض من يشهد بوثاقتهم له جارح يشهد بضعفه فما لم يصرح باسم افراد السلسلة يبقى هذا الاحتمال مانعا من الأخذ بشهادته بالوثاقة.

ومن هنا كانت المراسيل في باب الأخبار عن الأحكام الشرعية مرفوضة من جهة النكتة المذكورة.

ونفس هذا يرد في توثيقات النجاشي نفسه فهو حينما يخبر عن وثاقة راو معين يكون اخباره من خلال سلسلة الثقات ، وحيث ان اسماء افراد السلسلة لا ينقلها فنحتمل وجود جارح لبعضهم.

وبكلمة مختصرة : كما ان النجاشي لو قال : قال الصادق عليه‌السلام الخمر نجس لا نقبل اخباره لأنه مرسل فكذلك اخباره عن الوثاقة حيث انه مرسل فلا يقبل.

وهذا الاشكال يرد ـ كما قلنا ـ على خصوص الرأي الأخير دونه على بقية الآراء ، إذ بناء عليها لا يكون قول الرجالي حجة من باب الاخبار ليقال ان الاخبار المرسل ليس حجة.

وقد ذكرنا فيما سبق جوابا عن هذا الاشكال يرجع حاصله إلى ان الكتب

١٩٤

الرجالية حيث كانت كثيرة زمن النجاشي والشيخ الطوسي فهما بذلك يكونان قد واجها جوا من الوضوح في وثاقة هذا وذاك ، وقد استندا إلى هذا الجو من الوضوح وليس إلى نقل كابر عن كابر كي يقال بحاجة جميع السلسلة إلى اثبات الوثاقة بغير معارض وهو غير ممكن مع عدم معرفة اسماء الوسائط.

وهذا الجواب ان تم فبها وإلّا فبامكاننا تقديم جوابين :

١ ـ نسلم بكون الوجه في حجية قول الرجالي دخوله تحت كبرى حجية خبر الثقة. ولا يضر الارسال في التوثيق لبيان مركب من مقدمتين : ـ

أ ـ ان السيرة العقلائية قد جرت على ان الثقة لو قال اخبرني ثقة بكذا قبل ذلك منه ولا يقال له من هو الثقة الذي اخبرك فلعلك مشتبه وله جارح.

ب ـ ان الثقة حينما ينقل لنا توثيق شخص فهو ملتزم بانه ينقل التوثيق عن الثقات وإلّا فما فائدة اخباره بوثاقة شخص عن غير الثقات.

وبضم احدى المقدمتين للاخرى يثبت ان الشيخ الطوسي حينما ينقل الوثاقة عن شخص فهو ملتزم ويشهد بكونه ثقة ، وهذا الثقة الثاني يشهد بكون من ينقل عنه ثقة ، وهكذا.

٢ ـ ان بالامكان تقديم مدرك جديد وهو الشهادة ، بان يقال يوجد لدينا أمران : شهادة الثقة واخبار الثقة. والسيرة العقلائية قد جرت على قبول شهادة الثقة من دون تفحص عن مدركه وبدون فرق بين كون الشاهد حيا أو لا ، عادلا أو ثقة ، واحدا أو متعددا. وحيث ان السيرة المذكورة لا ردع عنها شرعا فهي حجة.

١٩٥

اجل نستدرك لنقول ان العقلاء يقبلون شهادة الثقة بشرط احتمال استنادها إلى الحس احتمالا معتدا به.

وهذا الاحتمال ثابت في حق النجاشي والشيخ لكثرة الكتب الرجالية في زمانهما.

وإذا سألت عن الفرق بين هذا الجواب والجواب الأول من الأجوبة الأربعة المتقدمة.

كان الجواب ان ما سبق كان ناظرا إلى الشهادة بمعناها الشرعي الذي هو متقوم بتعدد الشاهد وحياته وعدالته ، بينما هذا الجواب ناظر إلى الشهادة بمعنى ثان انعقدت عليه سيرة العقلاء وهو ان الثقة الواحد إذا شهد بشيء قبلت شهادته وان لم يكن حيا ولا عادلا.

وإذا قيل ما الفرق بين اخبار الثقة وشهادة الثقة؟

كان الجواب : ان الملحوظ في اخبار الثقة مجرد كونه ناقلا بدون ان يفترض حكمه الخاص بينما الملحوظ في شهادة الثقة نقله للشيء مع افتراض حكمه على طبقة واعماله لرأيه. فالثقة تارة ينقل الوثاقة بدون تبن لها واخرى ينقلها مع تبنيه لها وحكمه على طبقها. والأول يدخل تحت عنوان اخبار الثقة والثاني يدخل تحت عنوان شهادة الثقة.

١٩٦

تطبيقات

نعود إلى التطبيقات من جديد.

ذكر الحرّ العاملي في الوسائل الباب ٣ من أبواب الماء المطلق ما نصه : ـ

١ ـ محمد بن الحسن عن محمد بن محمد بن النعمان المفيد عن ابي القاسم جعفر بن محمد بن قولويه عن أبيه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد عن الحسين بن سعيد وعبد الرحمن بن أبي نجران عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن أبي عبد الله عليه‌السلام ...

ان الرواية المذكورة نقلها الحر عن احد كتابي الشيخ الطوسي بقرينة قوله محمد بن الحسن وهو الشيخ الطوسي.

والرواية صحيحة السند لوثاقة جميع افراد السند. وقد تقدمت الاشارة لهم فيما سبق.

ونلفت النظر إلى ان الرواية المذكورة بالرغم من صحتها بطريق الشيخ الطوسي لا يمكن الاعتماد عليها لأن الحر قال بعد ذلك : ورواه الكليني عن علي ابن إبراهيم عن أبيه وعن محمد بن اسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حماد عن حريز عمن اخبره عن ابي عبد الله عليه‌السلام مثله. وهذا يدل على وجود واسطة مجهولة بين حريز والإمام عليه‌السلام ، وحيث لا نحتمل تعدد الرواية فتسقط عن الاعتبار لاحتمال وجود واسطة مجهولة.

١٩٧

٢ ـ وباسناده عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن ابن أبي عمير عن حماد يعني ابن عثمان عن الحلبي عن أبي عبد الله عليه‌السلام ...

أي وباسناد الشيخ الطوسي عن علي بن إبراهيم.

والرواية صحيحة السند لأن سند الشيخ إلى علي بن إبراهيم صحيح فراجع المشيخة. وبقية افراد السند ثقات.

اما علي ووالده وابن ابي عمير فقد تقدموا.

واما حماد فهو من اصحاب الاجماع.

واما الحلبي فهو عبيد الله بن علي بن أبي شعبة الحلبي. قال النجاشي : كان يتجر هو وابوه واخوته إلى حلب فغلب عليهم النسبة إلى حلب. وآل أبي شعبة في الكوفة بيت مذكور من اصحابنا ... وكانوا جميعا ثقات مرجوعا إلى ما يقولون وكان عبيد الله كبيرهم ووجههم. وصنف الكتاب المنسوب إليه وعرضه على ابي عبد الله عليه‌السلام وصححه. قال عند قراءته : اترى لمثل هؤلاء مثل هذا (١).

__________________

(١) معجم رجال الحديث ١١ : ٧٧.

١٩٨

تمرينات

س ١ : هناك عدة مدارك لاعتبار قول الرجالي. اذكر المدرك الأول منها مع مناقشته.

س ٢ : هل المدرك الثاني لاعتبار قول الرجالي حجة بنظرك؟

س ٣ : اوضح المدرك الرابع مع توجيهه.

س ٤ : اوضح اشكال الارسال في التوثيقات؟

س ٥ : لماذا يختص اشكال الارسال في التوثيقات بخصوص المدرك الرابع؟

س ٦ : اذكر الجواب السابق الذي نقلناه عن مشكلة الارسال في التوثيقات.

س ٧ : اوضح الجواب الأول الذي ذكرناه من اشكال الارسال في التوثيقات.

س ٨ : اوضح الجواب الثاني عن ذلك.

س ٩ : ما الفرق بين الجواب الثاني الذي ذكرناه والجواب الأول من الأجوبة الأربعة المتقدمة؟

١٩٩

س ١٠ : ما الفرق بين اخبار الثقة وشهادة الثقة؟

س ١١ : هل حديث ١ الباب ٢٠ من أبواب مقدمة العبادات في وسائل الشيعة صحيح السند؟ أوضح ذلك ببيان كامل.

٢٠٠