دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

الشيخ محمّد باقر الإيرواني

دروس تمهيدية في القواعد الرجالية

المؤلف:

الشيخ محمّد باقر الإيرواني


الموضوع : رجال الحديث
الناشر: مدين
المطبعة: قلم
الطبعة: ٢
ISBN: 964-6642-91-8
الصفحات: ٣٤٧

إبراهيم بن هاشم عند ما قال : «لم اقف لأحد ... والأرجح قبول قوله» أو حينما اعتمد على إبراهيم بن سلامة حينما قال : «وكيل من أصحاب الكاظم عليه‌السلام لم يقل فيه الشيخ غير ذلك. والأقوى عندي قبول روايته».

ان العلّامة غالبا ما وبدرجة ٩٠% يعتمد على توثيقات الشيخ النجاشي ، وفي غيرها يعتمد على اعمال الحدس ، ومثل ذلك لا يصحح صدق الخبروية عليه لأننا نملك ذلك أيضا دون أي فارق.

وإذا قيل بان العلّامة كانت عنده كتب رجالية لا نملكها نحن من قبيل رجال ابن الغضائري أو رجال العقيقي أو رجال ابن عقدة فكيف لا تكون له ميزة علينا.

كان الجواب ان وصول مثل الكتب المذكورة للعلّامة غير مهم ، لأن رجال ابن الغضائري لا نطمئن بوصول نسخة صحيحة وبطريق معتبر إليه ، كيف والشيخ الطوسي ينقل في مقدمة الفهرست ص ٢ ان ابن الغضائري قد «عمل كتابين أحدهما ذكر فيه المصنفات والآخر ذكر فيه الاصول واستوفاهما على مبلغ ما وجده وقدر عليه غير ان هذين الكتابين لم ينسخهما أحد من اصحابنا واخترم هو رحمه‌الله وعمد بعض ورثته إلى اهلاك الكتابين وغيرهما من الكتب على ما حكى بعضهم عنه».

واما رجال السيد علي بن أحمد العقيقي الذي هو اسبق فترة من الشيخ الطوسي فلا يصلح للاعتماد عليه لان العلامة ذكر السيد العقيقي في القسم الثاني من كتابه الذي خصصه لذكر من لا يعتمد عليه.

١٢١

واما رجال ابن عقدة فقد كان موجودا لدى الشيخ والنجاشي واستفادا منه كل ما فيه ولم يبقيا للعلّامة شيئا يمكنه من خلاله اكتساب عنوان الخبروية وتميّزه بذلك علينا.

اصالة العدالة في كلمات العلّامة الحلي

قيل بان توثيقات العلّامة يمكن التأمل في قبولها من ناحية انه يعتمد في بعض توثيقاته على أصالة العدالة ، أي ان الأصل في كل إمامي لم يرد فيه تضعيف ولا توثيق هو العدالة. وحيث اننا لا نقبل الأصل المذكور فلا يصح لنا الاعتماد على توثيقاته.

واستشهد لاعتماده على أصالة العدالة ببعض المواضع من كلامه : ـ

١ ـ ما ذكره في ترجمة إبراهيم بن هاشم ص ٤ حيث قال ما نصه : «ولم اقف لاحد من اصحابنا على قول في القدح فيه ولا على تعديله بالتنصيص. والروايات عنه كثيرة. والأرجح قبول قوله».

ان حكمه بارجحية قبول قوله لا يتم إلّا بناء على أصالة العدالة وثبوتها في حق من لم يرد في حقه ضعف ولا توثيق.

٢ ـ ما ذكره في ترجمة أحمد بن إسماعيل بن سمكة ص ١٧ حيث قال ما نصه : «ولم ينص علماؤنا عليه بتعديل ، ولم يرد فيه جرح ، فالأقوى قبول روايته مع سلامتها عن المعارض».

أقول : لعل أول من عرف بتبنيه لأصالة العدالة هو ابن الجنيد ، فان الشيخ

١٢٢

الأعظم في رسالة العدالة الملحقة بآخر المكاسب وفي ص ٣٢٦ ذكر ان أحد معاني العدالة كونها بمعنى الإسلام وعدم ظهور الفسق حيث قال : وهو المحكي عن ابن الجنيد والمفيد في كتاب الاشراف والشيخ في الخلاف مدعيا عليه الاجماع.

هذا وعبارة العلّامة في الموضعين المذكورين ليست صريحة في الاستناد إلى اصالة العدالة. وله عبائر اخرى اوضح تدل على عدم اعتقاده باصالة العدالة نذكر منها : ـ

قوله في ترجمة اسماعيل بن الخطاب ص ١٠ بعد ان ذكر ورود رواية يترحم فيها الإمام عليه‌السلام على إسماعيل بقوله رحم الله اسماعيل بن الخطاب : «ولم يثبت عندي صحة هذا الخبر ولا بطلانه فالاقوى الوقف في روايته».

فلو كان يبني على أصالة العدالة فلماذا الوقف في روايته.

وقوله في ترجمة أحمد بن حمزة ص ١٨ : «روى الكشي عن حمدويه عن اشياخه قال كان في عداد الوزراء ، وهذا لا يثبت عندي عدالته».

وقوله في ترجمة بشير النبال ص ٢٥ : «روى الكشي حديثا ... ليس صريحا في تعديله فانا في روايته متوقف».

وقوله في ترجمة ثوير بن أبي فاخته ص ٣٠ بعد نقل حديث في حقه : «وهذا لا يقتضي مدحا ولا قدحا فنحن في روايته من المتوقفين».

إلى غير ذلك من الموارد التي يمكن العثور عليها بالتتبع في كلماته.

١٢٣

بل ان منهجته الخاصة لكتابه تدل على عدم اعتقاده باصالة العدالة حيث قسم كتابه إلى قسمين ففي القسم الأول يذكر من يعتمد على روايته وفي القسم الثاني يذكر من لا يعتمد على روايته اما لثبوت ضعفه عنده أو للاختلاف في توثيقه وتضعيفه أو لكونه مجهولا عنده.

انه بناء على اعتقاده باصالة العدالة لا معنى لذكره مجهول الحال في القسم الثاني الذي خصصه لمن لا يعتمد على روايته بل لا بدّ من ذكره في القسم الأول.

١٢٤

تمرينات

س ١ : طرق اثبات الوثاقة على قسمين بعضها يمكن بيانها في ضابط معين وبعضها لا يمكن فيه ذلك. اذكر بعض الامثلة لكل واحد من القسمين مع توضيح نكتة امكان بيان هذه في ضابط معين وعدم امكان بيان تلك.

س ٢ : هل عنوان طرق اثبات الوثاقة يلازم كونها حجة؟

س ٣ : نص المعصوم عليه‌السلام على وثاقة شخص طريق لاثبات الوثاقة بيد ان ذلك ليس على اطلاقه بل بشرط. اذكر ذلك الشرط.

س ٤ : تنازل بعض عن ذلك الشرط. اذكر وجه تنازله وكيفية مناقشته.

س ٥ : نص أحد الرجاليين القدامى دليل على الوثاقة بخلاف نص المتأخرين. اذكر المقصود من المتقدمين والمتأخرين.

س ٦ : ما هو الوجه في حجية نص احد المتقدمين على الوثاقة؟

س ٧ : اخبار الثقة تارة يكون في الموضوعات واخرى في الأحكام. أوضح المقصود من ذلك.

س ٨ : الاخبار عن الوثاقة هل هو اخبار عن الحكم أو عن الموضوع؟ ولماذا؟

س ٩ : ما المقصود من أصالة الحس؟ وكيف يستدل عليها؟

١٢٥

س ١٠ : هل خبر الثقة حجة إذا كان ناشئا من الحدس؟ ولماذا؟

س ١١ : النجاشي إذا لم يكن معاصرا لزرارة فكيف نقبل توثيقه له والحال ان شرط القبول كون الإخبار ناشئا عن الحس وهو مفقود في حالة عدم المعاصرة؟

س ١٢ : ما هو اشكال الشيخ فخر الدين الطريحي على توثيقات القدماء؟

س ١٣ : اشكل على توثيقات القدماء بكونها مرسلة. أوضح الاشكال المذكور وكيفية دفعه.

س ١٤ : ما هو توجيه عدم حجية توثيقات المتأخرين؟

س ١٥ : ما هو دليل القائل بحجية توثيقات المتأخرين؟ وكيف يناقش؟

س ١٦ : لماذا لا تجري أصالة الحس في توثيقات العلّامة؟

س ١٧ : إذا قيل بحجية توثيقات العلّامة من باب كونه من أهل الخبرة فكيف ندفع ذلك؟

س ١٨ : هل يمكن الاعتماد على نقل العلّامة عن كتاب ابن الغضائري؟

س ١٩ : هل يمكن الاعتماد على نقل العلّامة عن السيد العقيقي؟ ولماذا؟

س ٢٠ : لماذا لا تظهر الفائدة في نقل العلّامة عن رجال ابن عقدة؟

س ٢١ : ما المقصود من أصالة العدالة؟ وكيف يوجه استناد العلّامة إليها؟

١٢٦

س ٢٢ : كيف تدفع الشواهد على استناد العلّامة إلى أصالة العدالة؟

س ٢٣ : هل سند حديث ١ باب ١٧ من أبواب مقدمة العبادات في وسائل الشيعة صحيح؟

١٢٧

تطبيقات عملية

١ ـ قال الحر العاملي في كتابه وسائل الشيعة في أول حديث ذكره بعد المقدمة ما نصه : محمد بن يعقوب الكليني رضي‌الله‌عنه عن ابي علي الأشعري عن الحسن ابن علي الكوفي عن عباس بن عامر عن إبان بن عثمان عن الفضيل بن يسار عن أبي جعفر عليه‌السلام : بني الإسلام على خمس : على الصلاة والزكاة والحج والصوم والولاية.

ان الحديث المذكور ينقله الحرّ العاملي من كتاب الكافى بقرينة قوله محمد ابن يعقوب الكليني.

وللتعرف على صحة السند المذكور لا بدّ من دراسة رجاله.

أما محمد بن يعقوب الكليني فهو غني عن التعريف وكالشمس في رابعة النهار إلّا انه لمزيد الاطلاع نذكر مقالة النجاشي في حقه : «شيخ اصحابنا في وقته بالري ووجههم ، وكان اوثق الناس في الحديث واثبتهم. صنف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يسمى الكافي (١) في عشرين سنة ... كنت اتردد إلى المسجد وجماعة من اصحابنا يقرأون كتاب الكافي على ابي الحسين أحمد بن محمد الكوفي الكاتب ...» (٢).

__________________

(١) هكذا العبارة في رجال النجاشي. والظاهر وجود خلل فيها.

(٢) معجم رجال الحديث ١٨ : ٥٠.

١٢٨

واما أبو علي الأشعري فهو كنية لأحمد بن ادريس شيخ الكليني الذي يروي عنه في الكافي كثيرا. قال عنه النجاشي : «كان ثقة فقيها في اصحابنا كثير الحديث صحيح الرواية». ونفس المضمون ذكره الشيخ الطوسي (١).

واما الحسن بن علي الكوفي فهو الحسن بن علي بن عبد الله بن المغيرة البجلي. قال النجاشي عنه : «ثقة ثقة» (٢).

واما العباس بن عامر فقد قال عنه النجاشي : «الشيخ الصدوق الثقة كثير الحديث» (٣).

واما أبان بن عثمان فقد ذكره النجاشي والشيخ ولكنهما لم يوثقاه بيد انه يمكن اثبات وثاقته من خلال دعوى الكشي اجماع الطائفة على وثاقة ستة من أصحاب الصادق عليه‌السلام أحدهم أبان بن عثمان ، حيث عقد عنوانا بالشكل التالي : تسمية الفقهاء من اصحاب أبي عبد الله عليه‌السلام ثم قال : «اجمعت العصابة (٤) على تصحيح ما يصح (٥) عن هؤلاء وتصديقهم لما يقولون واقروا لهم بالفقه : جميل بن

__________________

(١) معجم رجال الحديث ٢ : ٤١.

وينبغي الالتفات إلى انه يكفينا توثيق أحد العلمين : النجاشي أو الشيخ ، ولا يلزم ثبوت توثيقهما معا لجريان السيرة العقلائية على الاكتفاء بتوثيق الواحد في اثبات الوثاقة. أجل توثيق أحد العلمين يكفي بشرط عدم تضعيف الآخر وإلّا سقط.

(٢) معجم رجال الحديث ٥ : ٤١.

(٣) المصدر السابق ٩ : ٢٢٧.

(٤) أي جماعة الشيعة.

(٥) أي على عدّ الخبر مقبولا إذا ثبت وروده عن هؤلاء.

١٢٩

دراج وعبد الله بن مسكان وعبد الله بن بكير وحماد بن عثمان وحماد بن عيسى وأبان بن عثمان» (١).

وتقريب حجية الاجماع المذكور ان يقال : ان الاجماع المذكور إذا كان حقا وثابتا في الواقع فهو دليل على وثاقة هؤلاء ، وإذا لم يكن ثابتا واقعا فيمكن ان يقال ان نفس دعوى الكشي الاجماع المذكور تستبطن شهادة ضمنية منه على وثاقة الستة المذكورة.

وإذا قيل ان قيام الاجماع على تصحيح رواية هؤلاء لا يستلزم الاجماع على الوثاقة ، لأن تصحيح الرواية يعني قبولها ، وقبول الرواية من شخص لا يعني توثيقه ، إذ لعلها تقبل من باب احتفافها بقرائن خاصة أوجبت العلم بصدقها.

كان الجواب ان هذا وجبه فيما لو انعقد الاجماع على قبول رواية معينة لشخص ، اما إذا انعقد على قبول جميع رواياته فذلك يساوق الحكم بوثاقته.

واما الفضيل بن يسار فقد وثّقه الشيخ والنجاشي. وقد روى الكشي في حقه جملة من الأحاديث منها ان الإمام الصادق عليه‌السلام كان إذا رأى الفضيل يقول : «بشر المخبتين. من أحبّ ان يرى رجلا من أهل الجنة فلينظر إلى هذا». وفي رواية اخرى كان عليه‌السلام إذا رآه يقول : «مرحبا بمن تأنس به الأرض».

وينقل عن الشخص المتصدي لتغسيل الفضيل عند موته إنه كان يقول : اني لاغسل الفضيل وان يده لتسبقني إلى عورته فخبّرت بذلك أبا عبد الله عليه‌السلام فقال لي

__________________

(١) معجم رجال الحديث ١ : ١٥٧.

١٣٠

رحم الله الفضيل بن يسار وهو منّا أهل البيت» (١).

ومن خلال هذا كله يتضح ان جميع رجال السند ثقات وان الرواية حجة.

٢ ـ والرواية الثانية نقلها الحرّ العاملي بهذا الشكل : وعن علي بن إبراهيم عن ابيه وعبد الله بن الصلت جميعا عن حماد بن عيسى عن حريز بن عبد الله عن زرارة عن أبي جعفر عليه‌السلام قال : بني الإسلام ...

والرواية المذكورة ينقلها الحرّ عن الكافي بقرينة ابتداء السند بعلي بن إبراهيم ، فان الكليني هو الذي يروي في الكافي عن علي بن إبراهيم.

وعلي بن إبراهيم هو صاحب التفسير المعروف بتفسير القمي ، وهو غني عن التعريف. وقد قال النجاشي في حقه : «ثقة في الحديث ثبت معتمد صحيح المذهب ...» (٢).

ويكفي في اثبات وثاقته ان الكليني قد نقل ما يقرب من ثلث روايات الكافي عنه ، ونحن لا نحتمل ان الكليني ينقل ثلث روايات كتابه عن شخص لا يعتقد بوثاقته ، انه ليس من شأن العاقل ذلك.

واما والد علي المعروف بإبراهيم بن هاشم فقد أكثر ولده النقل عنه ، وقد ذكره النجاشي والشيخ من دون توثيق. وغاية ما ذكرا في حقه انه كوفي انتقل إلى قم واصحابنا يقولون انه أول من نشر حديث الكوفيين بقم.

__________________

(١) معجم رجال الحديث ١٣ : ٣٣٥.

(٢) المصدر السابق ١١ : ١٩٣.

١٣١

وقد استفيد من هذا التعبير مدح الرجل دون توثيقه ، ومن هنا تعدّ الرواية التي يرد في سندها حسنة لا صحيحة (١).

وقد تمسّك السيد الخوئي قدس‌سره لاثبات وثاقته برواية ولده عنه في تفسيره وقد قال ـ ولده ـ في مقدمة التفسير انه يروي تفسيره عن الثقات كما وتمسك لاثبات توثيقه بوروده في اسناد كامل الزيارات الذي شهد مؤلفه جعفر بن محمد ابن قولويه في المقدمة بوثاقة جميع من ورد اسمه فيه.

وهذا طريق جيد لمن يعتقد بالمبنى المذكور ، ولكن سيأتي منّا عند البحث عن التوثيقات العامة المناقشة في ذلك.

والأنسب في نظرنا لاثبات توثيقه ان يقال : ـ

أ ـ ان نشر حديث الكوفيين في مدرسة قم المعروفة بالتشدد لا نحتمل امكان تحقيقه إلّا من رجل جدير بقبول الأحاديث منه ، وهو ليس إلّا من كان ثقة بل في أعلى درجاتها. وهل يحتمل قبول الأحاديث في أجواء تلك المدرسة المتشددة من شخص لم تثبت وثاقته.

ب ـ ان ولده قد أكثر الرواية عنه جدا ، ونحن لا نحتمل ان هذا الاكثار قد تحقق بالرغم من عدم الاعتقاد بالوثاقة.

واما عبد الله بن الصلت فقد قال عنه النجاشي : «ثقة مسكون إلى روايته» (٢).

__________________

(١) الحسنة هي الرواية التي يكون جميع رجال سندها أو بعضهم امامية ممدوحين بلا تعديل.

(٢) معجم رجال الحديث ١٠ : ٢٢٢.

١٣٢

وينبغي الالتفات إلى انه يكفينا وثاقة أحد الرجلين ـ أي إبراهيم بن هاشم أو عبد الله بن الصلت ـ ولا يلزم ثبوت وثاقتهما معا وان كانا صدفة ثقتين.

واما حماد بن عيسى فهو الجهني غريق الجحفة. قال النجاشي عنه : «كان ثقة في حديثه صدوقا» (١). وقد طلب من الإمام الكاظم عليه‌السلام ان يدعو له بان يرزقه الله دارا وزوجة وولدا وخادما والحج كل سنة فقال عليه‌السلام : اللهم صل على محمد وآل محمد وارزقه دارا وزوجة وولدا وخادما والحج خمسين سنة. قال حماد فلما اشترط خمسين سنة علمت اني لا أحج أكثر من خمسين سنة ، فقال حماد وحججت ثماني واربعين سنة ، وهذه داري قد رزقتها وهذه زوجتي وراء الستر تسمع كلامي وهذا ابني وهذا خادمي وقد رزقت كل ذلك. وحح بعد ذلك حجتين تمام الخمسين ثم خرج بعد الخمسين حاجا فلما صار في موضع الاحرام دخل يغتسل فجاء الوادي فحمله فغرق رحمه‌الله تعالى (٢).

واما حريز بن عبد الله فهو السجستاني. قال عنه الشيخ : «ثقة كوفي» (٣).

وقد قيل في سبب قتل حريز انه كان يسكن سجستان مع أصحاب له وكان الغالب على البلد المذكور الشراة (٤) ، وكانوا يسمعون منهم ثلب أمير المؤمنين عليه‌السلام وسبه فيخبرون حريزا ويستأمرونه في قتل من يسمعون منه ذلك فاذن لهم ، فلا

__________________

(١) معجم رجال الحديث ٦ : ٢٢٤.

(٢) المصدر السابق ٦ : ٢٢٧.

(٣) المصدر السابق ٤ : ٢٤٩.

(٤) أي الخوارج.

١٣٣

يزال الشراة يجدون منهم القتيل بعد القتيل ولا يحتملون صدور ذلك من الشيعة لقلة عددهم وكانوا يتهمون المرجئة ويقاتلونهم ، ولما وقفوا على حقيقة الأمر اخذوا في طلب الشيعة فاجتمع حريز واصحابه في المسجد فعرقبوا عليهم المسجد وقلبوا أرضه عليهم رحمهم‌الله تعالى (١).

ولحريز كتاب يعرف بكتاب الصلاة وهو من الكتب المشهورة والتي عليها المعول على ما ذكر الصدوق في مقدمة الفقيه ج ١ ص ٣.

ويدخل حماد بن عيسى يوما على الإمام الصادق عليه‌السلام ويقول له : تحسن ان تصلي يا حماد ، فقال : يا سيدي انا احفظ كتاب حريز في الصلاة ، فقال عليه‌السلام : لا عليك قم صل ، فلما صلى صلاته التي لا تتناسب وشيعة جعفر الصادق عليه‌السلام قال عليه‌السلام : ما اقبح بالرجل منكم ان يأتي عليه ستون ستة أو سبعون سنة فما يقيم صلاة واحدة بحدودها تامة (٢).

ان الرواية المذكورة تدل على مدى أهمية كتاب حريز حتى ان حمادا كان يحفظه.

واما زرارة فهو غني عن التعريف. ويكفينا في تقريظه قول الإمام الصادق عليه‌السلام لجميل بن دراج : بشرّ المخبتين بالجنة : بريد بن معاوية العجلي وابا بصير ليث بن البختري المرادي ومحمد بن مسلم وزرارة أربعة نجباء امناء الله

__________________

(١) معجم رجال الحديث ٤ : ٢٥٢.

(٢) وسائل الشيعة باب ١ من أبواب أفعال الصلاة حديث ١.

١٣٤

على حلاله وحرامه ، لو لا هؤلاء انقطعت آثار النبوة واندرست (١).

تنبيه

ذكر صاحب الوسائل عند نهاية الخبر المذكور ما نصه : «ورواه أحمد بن ابي عبد الله البرقي في المحاسن عن عبد الله بن الصلت بالاسناد المذكور».

والمقصود من هذه العبارة الاشارة إلى ان الخبر المذكور لا يختص الشيخ الكليني بنقله بل قد نقله البرقي في كتابه المعروف بالمحاسن.

والبرقي ينقله عن عبد الله بن الصلت عن حماد بن عيسى عن حريز عن زرارة الذي هو الاسناد المتقدم في رواية الكليني.

ونلفت النظر إلى انه بعد ان ثبت لدينا صحة الطريق السابق للكليني فلا نحتاج بعد ذلك إلى اثبات صحة الطريق الثاني للبرقي. بيد انه لو فرضنا عدم صحة الطريق السابق فكيف نثبت صحة الطريق المذكور.

انه يلزمنا أولا ان نعرف طريق صاحب الوسائل إلى البرقي ثم نعرف طريق البرقي إلى الإمام عليه‌السلام.

اما طريق صاحب الوسائل إلى البرقي فهو صحيح لانه ذكر في آخر الوسائل ان جميع الكتب التي ينقل عنها كالمحاسن وغيره قد وصلت اليه بعدة طرق تنتهي إلى الشيخ الطوسي.

__________________

(١) معجم رجال الحديث ٧ : ٢٢٢.

١٣٥

وإذا رجعنا إلى فهرست الشيخ الطوسي في ترجمة البرقي وجدنا له طريقا معتبرا إليه.

وبذلك يثبت صحة طريق الحرّ إلى البرقي.

واما طريق البرقي إلى الإمام عليه‌السلام فقد تقدم عند بيان طريق الكليني انه صحيح.

ويبقى علينا أيضا ان نعرف حال البرقي ، وحيث انه ثقة فلا اشكال إذن في الطريق المذكور من هذه الناحية أيضا.

٣ ـ قال صاحب الوسائل في الرواية الثالثة ما نصه : «وعن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه‌السلام قال الا ...

وهذه الرواية ينقلها الحرّ عن الكافي أيضا بقرينة انه ابتدأ السند بمحمد بن يحيى الذي هو شيخ الكليني ويروي عنه كثيرا.

هذا مضافا إلى انه قد ذكرها بعد الروايتين السابقتين المنقولتين عن الكليني ، فلو اراد النقل عن الشيخ الطوسي مثلا لابتدأ السند بمحمد بن الحسن الطوسي ، ولكنه ما دام مستمرا في النقل عن الكليني فلا حاجة له إلى تكرار ذكر اسم الكليني كل مرة.

وللتعرف على حال السند المذكور نقول :

اما محمد بن يحيى فهو محمد بن يحيى العطار القمي الأشعري شيخ الكليني

١٣٦

والذي يروي عنه كثيرا في الكافي. يقول عنه النجاشي : «شيخ اصحابنا في زمانه ثقة عين كثير الحديث» (١).

واما أحمد بن محمد فهو أحمد بن محمد بن عيسى الأشعري الرجل العظيم المعروف بكثرة الرواية والوثاقة.

والاسم المذكور وان كان مشتركا بين جماعة متعددين إلّا اننا جزمنا بكونه ابن عيسى الأشعري من خلال رواية محمد بن يحيى عنه لأن محمد بن يحيى يروي عن أحمد بن محمد بن عيسى وهو تلميذه الملازم له.

قال عنه النجاشي : «أبو جعفر رحمه‌الله شيخ القميين ووجههم وفقيههم غير مدافع وكان أيضا الرئيس الذي يلقي السلطان. ولقي الرضا عليه‌السلام» (٢).

واما علي بن النعمان فهو على ما قال النجاشي : «كان علي ثقة وجها ثبتا صحيحا واضح الطريقة» (٣).

وقد قيل انه اجتمع ثلاثة في المسجد الحرام هم صفوان بن يحيى وعبد الله ابن جندب وعلي بن النعمان فتعاقدوا جميعا ان مات واحد منهم يصلي من بقي بعده صلاته ويصوم ويحج ويزكي عنه مادام حيا ، فمات علي وعبد الله وبقي صفوان بعدهما ، وكان يفي لهما بذلك (٤).

__________________

(١) معجم رجال الحديث ١٨ : ٣٠.

(٢) المصدر السابق ٢ : ٢٩٦.

(٣) المصدر السابق ١٢ : ٢١٥.

(٤) المصدر السابق ٩ : ١٢٤.

١٣٧

واما ابن مسكان فهو عبد الله بن مسكان. قال عنه النجاشي : «ثقة عين» وهو احد اصحاب الاجماع الستة من أصحاب الصادق عليه‌السلام.

وقد قيل انه كان لا يدخل على الإمام الصادق عليه‌السلام خوف ان لا يعطي مقام الإمامة ما تستحق من إكبار وتبجيل (١).

واما سليمان بن خالد فهو على ما قال النجاشي : «كان قارئا فقيها وجها ... وخرج مع زيد ، ولم يخرج معه من أصحاب ابي جعفر عليه‌السلام غيره ، فقطعت يده وكان الذي قطعها يوسف بن عمر بنفسه. ومات في حياة ابي عبد الله عليه‌السلام فتوجع لفقده ودعا لولده واوصى بهم اصحابه ...» (٢).

اسانيد اخرى

قال صاحب الوسائل بعد فراغه من نقل الحديث الثالث ما نصه : «ورواه البرقي في المحاسن عن أبيه عن علي بن النعمان. ورواه الشيخ باسناده عن الحسن بن محمد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله عليه‌السلام عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله نحوه. ورواه الحسين بن سعيد في كتاب الزهد عن علي بن النعمان مثله إلى قوله الجهاد. وعن محمد بن يحيى عن أحمد ابن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن ثعلبة عن علي بن عبد العزيز عن ابي عبد الله عليه‌السلام نحوه. ورواه الشيخ باسناده عن محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى.

__________________

(١) معجم رجال الحديث ١٠ : ٣٢٤.

(٢) المصدر السابق ٨ : ٢٤٥.

١٣٨

ورواه الصدوق باسناده عن علي بن عبد العزيز. ورواه البرقي في المحاسن عن الحسن بن علي بن فضال مثله».

ان مقصود الحرّ العاملي من هذه العبارة الاشارة إلى وجود اسانيد وطرق اخرى للحديث المذكور. وإذا اردنا ايضاحها بشكل أكمل امكن بيانها كما يلي :

الأول : نقل الحديث المذكور البرقي في محاسنه عن أبيه عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن أبي جعفر عليه‌السلام ...

ولم يشر الحر في هذا الطريق إلى الوسائط ما بين علي بن النعمان والإمام عليه‌السلام من جهة اشتراكها بين هذا الطريق والطريق السابق الثابت في الكافي ، فلاجل الاختصار حذف الوسائط المشتركة بين الطريقين.

وهذا الطريق صحيح أيضا لأن سند الحر إلى البرقي صحيح كما تقدمت الإشارة إليه في ذيل الحديث الثاني.

والبرقي نفسه ثقة ووالده ثقة أيضا. وبقية الرواة من علي بن النعمان وحتى الإمام عليه‌السلام كلهم ثقات أيضا حسبما تقدم.

الثاني : روى الحديث المذكور أيضا الشيخ الطوسي في التهذيب بسنده إلى الحسن بن محمد بن سماعة عن ابن رباط عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد عن ابي عبد الله عليه‌السلام.

وللتعرف على حال الطريق المذكور لا بدّ من التعرف على سند الشيخ الطوسي إلى الحسن بن محمد بن سماعة ، وذلك بمراجعة مشيخة التهذيب ج ١٠ ص ٧٥ ، فانه قد ذكر طريقه إلى الرجل المذكور.

١٣٩

الثالث : روى الحديث المذكور أيضا الحسين بن سعيد صاحب كتاب الزهد عن علي بن النعمان عن ابن مسكان عن سليمان بن خالد.

ولا بد من التعرف على سند الحر إلى الحسين بن سعيد ، وهو صحيح على ما في آخر الوسائل لانه ينتهي إلى الشيخ الطوسي وهو له طريق معتبر إلى الحسين بن سعيد على ما في الفهرست.

ويبقى ان نعرف السند من الحسين بن سعيد وحتى الإمام عليه‌السلام ، وهو صحيح.

الرابع : روى الحديث المذكور الكليني ثانية في مورد ثان عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن ثعلبة عن علي بن عبد العزيز.

الخامس : روى الشيخ الطوسي الحديث ثانية في التهذيب عن الكليني في الكافي عن محمد بن يحيى. واما محمد بن يحيى فقد روى الحديث عن أحمد ابن محمد بن عيسى عن ابن فضال عن ثعلبة عن علي بن عبد العزيز. وحذف صاحب الوسائل ذلك اعتمادا على ما سبق.

السادس : روى الحديث المذكور أيضا الصدوق في الفقيه عن علي بن عبد العزيز عن الإمام عليه‌السلام.

واما سند الصدوق إلى علي بن عبد العزيز فلا بد من مراجعته في مشيخة الفقيه.

السابع : روى الحديث المذكور أيضا البرقي في محاسنه ثانية عن الحسن

١٤٠