أضواء على دعاء كميل

المؤلف:

عز الدين بحر العلوم


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٦٤
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

المهمة ، وبذلك يتمكن الشخص من السير في هذه الحياة على النحو الأفضل .

أما الإِستبداد ، وعدم الإِطمئنان بأحد فإن لذلك ويلاته ومصائبه ولا نحتاج لسوق أمثلة على هذا الأمر لوضوح ذلك عند الجميع إذ ما من شخص إلا ويجد نفسه محاطاً بمشاكله ، وقضاياه بحيث يحتاج الى من يعينه في حل الكثير منها .

ومن هذا المنطلق نجد الدعاء خير معين للفرد للتغلب على هذا النوع من القضايا ، والمضايقات .

وإذاً فمن للإِنسان اقرب من ربه يناجيه ، ويطلب منه أن يكون له عوناً في نكباته ، وأزماته ؟

ان المؤمن الواعي يجد من لذة الدعاء ، والتضرع الى الخالق ما يفقده غيره من الذين لا يؤمنون بالله ، وبعظمته ذلك :

لأن الإِيمان بالله : يقوي من عزيمة الإِنسان ، ويدفعه لخوض هذه الحياة بثبات ، ورسوخ .

الإِيمان بالله : يرفع من معنويات المؤمن ليشعر بركونه الى تلك القوة القاهرة حيث لا يقف في طريق إرادتها شيء .

الإِيمان بالله : يوحي الى النفس بوجود اليد الحانية تلمس كل جرحٍ من جروحها بهدوء ، وعطف ، وحنان .

الإِيمان بالله : الدواء الشافي يجد طعمه كل مريض نفض الطب يديه من شفائه .

والإِيمان بالله : فوق كل هذا ، وذاك .

٦١
 &

والدعاء : هو الخيط الموصل بين العبد ، وربه .

وهو : النغم الذي تهدأ النفس على ترانيمه العذبة ، فتستمد منه الغذاء الروحي .

ـ وكما قلنا ـ إن الإِنسان كما يحتاج لجسمه الغذاء الكامل ليبقى حياً ، فكذلك الروح تحتاج الى الغذاء الكامل لتقوي على اكمال الشوط في هذه الحياة العاتية الزاخرة بالأتعاب ، والمشاكل .

وان فكرة الركون الى الغير لا تختص بالمؤمنين ، بل لا يستغني عنها حتى الملحدون الذين يعبدون الأصنام ، وما الدعاء بين يدي الصنم إلا هدوء للنفس يجده الداعي ، وهو يرتل أمام معبوده آيات الشكر ، والثناء ، ويطلب منه أن يبارك له .

أما القائلون بوجود الله ، فإنهم يرون من الوهن أن يبارك الإِنسان ويركن الى حجر لا ينفع ، ولا يضر ليبثه شكواه ، ويرجو منه ما يعجز عن القيام بتحقيقه ، بل لا بد من الركون ، واللجوء الى الله عز وجل خالق الخلق ، ومدبرهم ذي القدرة غير المتناهية .

( إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ ) (١) .

أدعية المعصومين واستغفارهم الإِشكال على ذلك :

العصمة هي : التنزيه عن ارتكاب الكبائر ، والإِتيان بالصغائر وهل أن ذلك من باب الملكة ، أو لا ؟

أو ما هو تعريف الذنوب الكبيرة ، وما هي الصغائر ؟

__________________

(١) سورة يس : آية (٨٢) .

٦٢
 &

كل ذلك موكول الى محله خوفاً من الإِطالة .

والمهم هو معرفة أن الإِمامية يرون في الأنبياء ، والمرسلين والأئمة من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم العصمة من الذنوب ويشترطون فيهم ذلك ، ويأتي هذا الإِشتراط نتيجة ما يتمتعون به من لزوم قيادتهم للأمة ، والقاء مسؤولية تبليغ الأحكام الشرعية على عواتقهم ، وهذه الصلاحيات لا بد لها من التنزه عن الذنوب ، والبعد عن القبائح .

ومن هذا الإِطار التنزيهي يقع القائلون بالعصمة في مشكلة بكاء هؤلاء المنزهين عن الذنوب ، وتوبتهم ، وإستغفارهم فيقال : ما معنى التوبة ، والتضرع للتجاوز عن ذنب يكون الداعي منزهاً عنه ، وإذا كان النبي غير مذنب فما معنى تضرعه وطلب العفو ، والتوبة عن شيء لم يصدر منه ؟

وهكذا الحال فيما يحدثنا التاريخ عن حالات الإِمام علي بن أبي طالب عليه السلام ، وأولاده الذين علموا الناس كيفية الدعاء واذاقوهم حلاوة المناجاة مع الله عز وجل .

وقد زخرت كتب الادعية ، والأذكار من مناجاتهم ، وما تتضمن تلك المناجاة من خطاب الله : بعصيتك ، وتجاوزت ، وتجرأت وما شاكل من العبادات التي تتنافى ، ومقام العصمة من الذنب نعم غير المعصوم من الصلحاء ، والمؤمنين حيث يحتمل صدور الذنب من أحدهم ، ولو على نحو الصغائر البسيطة ، فلا يتصور في مثل هذا التعبير لو صدر منهم أي منافاة مهما كانت درجات التقوى عندهم عالية لأن المشكلة تتوجه الى حيز العصمة ، والتي يكون صاحبها

٦٣
 &

منزهاً عن الذنب فمثل هذا ما هو معنى عصيانه ، ومخالفته ؟

الجواب عن هذا الإِشكال :

وقد أجيب عن هذا الإِشكال ، أو بالأحرى قد ذكرت لحل هذه المشكلة وجوهاً عديدة :

الوجه الأول : ما ذكره الشيخ الصدوق ( رحمه الله ) في إعتقاداته حيث قال أنه كلما كان في القرآن مثل قوله تعالى : ( لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ ) (١) .

ومثل قوله تعالى : ( لِّيَغْفِرَ لَكَ اللَّـهُ مَا تَقَدَّمَ مِن ذَنبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ ) (٢) .

ومثل قوله تعالى : ( وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا إِذًا لَّأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ) (٣) .

وما اشبه ذلك ، فإعتقادنا فيه أنه نزل على إياك اعني واسمعي يا جارة : انتهى .

والمقصود به إسماع الأمة ، وحينئذ فيكون بكاء المعصومين ودعاؤهم ـ بناءً على هذا القول ـ هو إسماع الآخرين ، وإِلا فهم منزهون عن كل ذلك .

وهذا هو إختيار السيد المرتضى في كتابه تنزيه الأنبياء ، فإنه

__________________

(١) سورة الزمر : آية (٦٥) .

(٢) سورة الفتح : آية (٢) .

(٣) سورة الإِسراء : آية (٧٤ ـ ٧٥) .

٦٤
 &

أجاب عن الآية الأولى وهي قوله : لئن أشركت ليحبطن عملك ، ما لفظه : والجواب قد قلنا في هذه الآية أن الخطاب للنبي صلى الله عليه وآله وسلم والمراد به أمته فقد روي عن ابن عباس ( رض ) أنه قال : نزل القرآن بأياك أعني ، وإسمعي يا جارة .

الوجه الثاني : انه تعليم لأتباعهم كيف يتضرعون الى الله تعالى .

وقد رد هذا الوجه : بانه من البعيد أن يصرف الإِمام ، أو النبي صلى الله عليه وآله وسلم عمره في مثل ذلك مع إمكان التعليم بواسطة القول فلماذا إذاً يبكي ، ويتضرع ؟ على أن الأئمة ، وغيرهم من المعصومين قد يكون يعملون ذلك في كثير من الأوقات بعيدين عن أعين الناس ، وفي اماكن نائية عنهم ، بل وربما في مواضع لا يصل اليها من الناس أحد .

الوجه الثالث : أنه قد صدرت منهم الأفعال المكروهة كالصلاة في الثياب السود ونحو ذلك :

وضعف هذا الوجه : بإن إرتكابهم المكروهات إنما هو لأَجل التعليم والتفهيم حتى لا يظن بذلك أنه محرم بسبب النهي الوارد عليه فصدروه منهم إما على طريق الوجوب عليهم ، أو الأستحباب .

الوجه الرابع : ما قيل أنه يجوز ان يوسوس لهم الشيطان في فعلٍ من الأفعال فيرجعون اليه تعالى ، وتكون تلك الوسوسة وسيلة الى اعالي الدرجات التي لا تحصل إلا بالتضرع والندم ، وليس هو من قبيل تسلط الشياطين الباعث على حط مرتبة الأولياء ، والتنزيل من مكانتهم الجليلة .

٦٥
 &

الوجه الخامس : ان ما صدر منهم إنما هو من باب إنشاء التواضع كقوله عليه السلام : أنا مثل الذرة ، أو دونها ، وليس هو من باب الإِخبار .

الوجه السادس : ما حكاه الشيخ البهائي في شرح الاربعين عن الفاضل الجليل بهاء الدين بن علي الاردبيلي في كتاب كشف الغمة وادعى انه من احسن ما تضمحل به هذه الشبهة قال رحمه الله : إن الأنبياء والأئمة عليهم السلام تكون أوقاتهم مستغرقة بذكر الله وقلوبهم مشغولة به وخواطرهم متعلقة بالملأ الأعلى ، وهم أبداً في المراقبة كما قال عليه السلام : أعبد الله كأنك تراه فان لم تره فانه يراك فهم أبداً متوجهون اليه مقبلون بكليتهم عليه فمتى يخطو عن تلك المرتبة العالية ، والمنزلة الرفيعة الى الإِشتغال بالمأكل والمشرب والتفرغ الى النكاح ، وغيره من المباحات عدوه ذنباً ، وإعتقدوه خطيئة فإستغفروا منه ألا ترى أن بعض أبناء الدنيا لو قعد يأكل ، ويشرب ، وينكح وهو يعلم أنه بمرأىً من سيده ومسمع ، لكان ملوماً عند الناس ، ومقصراً فيما يجب عليه من خدمة سيده ومالكه ، فما ظنك بسيد السادات ، ومالك الأملاك ، والى هذا أشار بقوله صلى الله عليه وآله وسلم انه لير ان على قلبي ، وأنا لأستغفر بالنهار سبعين مرة ، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم حسنات الأبرار سيئات المقربين . انتهى ما ذكره الإِردبيلي .

ثم عقبه الشيخ البهائي بقوله : « وقد اقتفى أثره القاضي الفاضل البيضاوي في شرح المصابيح عند شرح قوله صلى الله عليه وآله وسلم ليغان على قلبي واني لاستغفر الله في اليوم سبعين مرة

٦٦
 &

قال : الغين : لغة في الغيم وغانه على كذا أي غطّى عليه قال أبو عبيده في معنى الحديث : أي يتغشى قلبي ما يلبسه ، وقد بلغنا عن الأصمعي أنه سأل عن هذا الحديث فقال للسائل : عن قلب من تروي هذا ؟

فقال : عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال : لو كان غير النبي صلى الله عليه وآله وسلم لكنت أفسره . قال القاضي : ولله در الأصمعي في إنتهاجه منهج الأدب واجلاله القلب الذي جعله الله موقع وحيه ، ومنزل تنزيله وبعد فانه مشوب سد عن أهل اللسان موارده فتح لأهل السلوك مسالكه ، واحق من يعرب ، أو يعبر عنه مشايخ الصوفية الذين بارك الحق أسرارهم ، ووضع الذكر عنهم أوزارهم ، ونحن بالنور المقتبس من مشكاتهم نذهب ، ونقول :

لما كان قلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أتم القلوب صفاءً ، واكثرها ضياءً ، وأعرفها عرفاً ، وكان معيناً مع ذلك لتشريع الملّة ، وتأسيس السنة ميسراً غير معسرٍ لم يكن له بد من النزول إلى الرخص ، والالتفات إلى حظوظ النفس مع ما كان ممتحناً به من أحكام البشرية فكان اذا تعاطى شيئاً من ذلك أسرعت كدورة ما الى القلب لكمال وقته وفرط نورانيته ، فان الشيء كلما أرق ، وأصغى كان ورود المكدرات عليه أبين ، وأهدى وكان صلى الله عليه وآله وسلم اذا أحس بشيء من ذلك عده ذنباً ، واستغفر منه » انتهى .

الوجه السابع : ان مراتبهم عليهم السلام في معرفة الله تعالى

٦٧
 &

والاطلاع الى عالم الملكوت متجددة بتجدد الأيام ، والليالي متزايدة آناً فآناً ، فكلما ترقوا من مرتبة الى اخرى عدّواً تلك المرتبة السابقة ذنباً بالنسبة الى ما هم فيه .

الوجه الثامن : ان العبد الممكن المتلوث بشوائب النقص والعجز ، قابل التلبس بجميع المعاصي لولا الألطاف الإِلۤهية ، فاعترافهم عليهم السلام بالذنوب انما هو بالنسبة الى المادة البشرية لا بإعتبار العصمة الإِلۤهية وقد أشير الى هذا في قول يوسف عليه السلام ان النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي وقوله تعالى : (وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا ) وقوله عليه السلام « اللهم لا تكلني الى نفسي طرفة عين » .

الوجه التاسع : ان التكاليف إنما هي بإزاء النعم فكلما كانت النعمة على العبد أتم كان تكليفه أشد من غيره ، ولذا كلفوا عليهم السلام بتكاليف شاقة ، ولا ريب أنه تعالى قد منحهم من النعم ما لم يمنحه غيرهم ، فهم يهمون بالشكر الذي هو ثمن النعمة ، ولم يطبقوه فيعدون أنفسهم في مرتبة التقصير والذنب ، فيستغفرون منه .

وقد روي عن عطاء أنه قال دخلت على إحدى زوجات النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقلت أخبريني بأعجب ما رأيت من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فبكت وقالت : وأي شأنه لم يكن عجباً إنه أتاني في ليلتي ، فدخل معي في فراشي ، أو قالت في لحافي حتى مس جلدي جلده ، ثم قال ذريني اتعبد لربي فقلت : اني احب قربك ، فأذنت له ، فقام الى قربة ماء فتوضأ ، ولم يكثر

٦٨
 &

صب الماء ، ثم قام يصلي ، فبكى حتى سالت دموعه على صدره ، ثم ركع فبكى ، ثم سجد فبكى ، ثم رفع رأسه ، فبكى ، فلم يزل كذلك حتى جاء بلال ، فأذنه بالصلاة فقلت يا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يبكيك ، وقد غفر الله لك ما تقدم لك من ذنبك ، وما تأخر ؟ قال : أفلا أكون عبداً شكوراً ، ولم لا أفعل وقد انزل الله علي أن في خلق السماوات ، والأرض . الى آخر الآية .

الوجه العاشر : انه تعالى معشوقهم الحقيقي ، ومقصودهم فهم يحبون أن لا يعصى ، فإذا رأوا من غيرهم معصية إتكلت خواطرهم الشريفة حيث أنه وقع بحضرتهم ، فهم يعدونه ذنباً كما لو جلس أحدنا في مجلس فسمع غيبة أخيه .

الوجه الحادي عشر : إمكان أن يكون الإِستغفار ، والتوبة في نفسها عبادة فهم بهذا الدعاء ، والتضرع يعبدون الله لا أنهم أذنبوا وهم يطلبون منه تعالى غفران ذلك الذنب وبين يدي ـ القارىء الكريم ـ نضع هذه الوجوه ليختار بنفسه ما يحلو له أن يختاره منها ، ويراه مناسباً ، وملائماً لحل هذه الشبهة (١) .

ادب الداعي :

يقول العارفون ، واصحاب الكتب التي تضمنت الأدعية ، والاذكار بان الداعي لا بد له من الالتزام بآداب يحسن به التحلي بها وهو يتجه الى خالقه يتضرع اليه ، وقد تصدوا لذكرها .

__________________

(١) لاحظ لهذه الوجوه اسرار العارفين : ٣٤ ـ ٣٥ ، وما جاء في التعليق على أصول الكافي : طبعة دار الكتب الاسلامية / ٢ / ٤٣٨ / تعليق الغفاري .

٦٩
 &

وفي الحقيقة تأتي هذه الآداب نابعة من الموقف الذي يقفه الإِنسان بين يدي الله ، وهو المطلع على السرائر .

ولا نحتاج لإِثبات هذه الحقيقة من بيان ما نستدل به على ضرورة تحلي الداعي بالآداب الدعائية ، فإن هذه قضايا لها من شواهد الحال ما تمر به كثيراً في حياتنا اليومية ، ونرتب الأثر عليها ـ وعلى سبيل المثال ـ فإنا نجد الشخص منا لو أراد مقابلة شخصية مسؤولة لها مكانتها الإِجتماعية ينشغل باعداد نفسه بالمظهر اللائق من حيث الشكل ، واللباس ، وكذلك ينتقي من التعابير المنمقة ما يتخيل انه يؤدي مطلوبه على النحو الأفضل ، فنراه يستعد لهذه المقابلة ليخرج منها بالفائدة المتوخاة .

ومن هذا الواقع الخارجي يرى المعنيون بشؤون الدعاء ان الداعي لا بد له من تهيئة نفسه لمناجاة ربه ، واعدادها بالمظهر الذي يؤهلها للوقوف بين يدي الرب الجليل .

ولكن لا كما يقف الإِنسان امام شخص كبير له مكانته الإِجتماعية ـ كما قلنا ـ حيث ينتقي من الثياب أغلاها ، ومن العطور وأدوات الزينة فان هذا لا أثر له في حساب الله ، بل الذي له حسابه هو الأمور النفسية الباطنية ، وتصفية الروح من الشوائب ليقف الداعي بين يدي ربه ، وهو مقبل عليه لا أنه مشغول القلب .

يقول الإِمام أبو عبد الله الصادق عليه السلام :

« ان الله عز وجل لا يستجيب دعاءً بظهر قلبٍ ساهٍ ، فإذا

٧٠
 &

دعوت فأقبل بقلبك » (١) .

وفي رواية اخرى : « واعلموا أن الله عز وجل لا يستجيب دعاء من قلب خامل » (٢) .

وموضوع إقبال الداعي ، وتوجهه له الأثر التام في قبول العبد ، وخلوص نيته .

ويتوقف هذا على أن يكون الداعي عند دعائه واقعياً ففي مقام الاستغفار لا بد وان يدعو وهو تائب على أن لا يعود الى ما صدر منه من الذنب ، والا فما هي الفائدة في طلب يصدر من شخص ينوي العود الى مثل تلك المخالفات ؟ ان التوبة ، وتهذيب النفس من شرائط تهيئة الداعي نفسه للوقوف بين يدي ربه فقد جاء في المصادر التاريخية أنه أصاب الناس في بني اسرائيل قحط شديد ، فخرجوا مراراً فأوحى الله الى نبيهم « أن أخبرهم انكم تخرجون اليَّ بأبدان نجسة ، وترفعون اليَّ اكفاً قد سفكتم بها الدماء ، وملأتم بطونكم بالحرام . الآن قد اشتد عليكم غضبي ، ولن تزدادوا مني إلا بعداً » (٣) .

وعن سفيان الثوري : بلغني أن بني اسرائيل قحطوا سبع سنين حتى أكلوا الميتة من المزابل ، واكلوا الأطفال ، وكانوا كذلك يخرجون الى الجبال يبكون ، ويتضرعون ، فأوحى الله عز وجل الى أنبيائهم عليهم السلام لو مشيتم اليَّ بأقدامكم حتى تحفى ركبكم ، وتبلغ

__________________

(١) أصول الكافي كتاب الدعاء باب الاقبال على الدعاء حديث .

(٢) احياء العلوم للغزالي ١ (٣٩٩) .

(٣) احياء العلوم للغزالي : ١ (٤٠٠ ـ ٤٠١) .

٧١
 &

أيديكم عنان السماء ، وتكل السنتكم عن الدعاء ، فاني لا أجيب لكم داعياً ، ولا أرحم لكم باكياً ، حتى تردوا المظالم الى أهلها ، ففعلوا فمطروا من يومهم . وربما عقب البعض على هذه الاحاديث المتضمنة لهذه القصص بانها غير نقية السند ، فلا اهمية لها من حيث النقل .

ونجيب على هذا الإِعتراض : بأن الموضوع لا تعلق له بحكم شرعي ليتوخى الفقيه في مقام إستنباط الحكم الشرعي ان يفحص السند ، والسلسلة التي توصل الخبر الى المعصوم عليه السلام ليتصل منه الى النبي صلى الله عليه وآله وسلم ومنه الى لوح التشريع ، بل القضية تدور حول تصفية الداعي وتنقيتها بالتوبة ، وعدم العود الى المخالفات ، وما نقلناه في هذا الصدد من قصص بني اسرائيل ، وغيرهم ، او ما هو موجود من مثل هذا التعبير يلاحظ فيه المضمون اذا كان عالياً ، ويشرح نفسه بنفسه ، ويؤكد على صحة مضمونة .

ـ وعلى سبيل المثال ـ ففي القصتين المذكورتين نرى آثار الصحة عليهما بادية فإن من رفع يداً ملطخة بالدماء ، وملأ بطناً من الحرام ماذا يأمل من ربه ، وهو العادل فهل يأمل الإِجابة ، والعطف عليه ؟ وهكذا من تعدى على حقوق الآخرين ، وظلم فهل يؤمل لمثل هذا ان يؤمن الله على دعائه ، ويستقبله بوجه يقبل عليه فيه ؟

وحاشا لله ان يظلم أحداً ، أو يقبل بوجهه على من كانت هذه أفعاله ولي ولكل أحد ان يجيب : بلا ، ويلحقها بما شاء من أدوات النفي . إن الله عز وجل عادل ، وهو بصير بعباده ، وهو للمظلوم نعم العون فلا يجامل شخصاً هذه أحواله ، ويستجيب له دعواته .

٧٢
 &

ـ وفي الوقت نفسه ـ هو الظالم الخصم العنيد الذي لا يتركه يرتع ويسرح ويمرح ويتمرغ في تجاوزاته .

وإذا رأينا ما يوهم بظاهره الإِستجابة لمثل هذا الظالم ، أو تركه فإنما ذلك لأنه من مصاديق الآية الكريمة :

( إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّهِينٌ ) (١) .

وإذاً فليس التغاضي من باب الاقبال ، والقبول .

وإذاً : فتصفية النفس والاقبال في الدعاء هي مفتاح الطريق الموصل الى الله ، ورحابه الطاهرة ليجد الداعي من ربه اذناً صاغية ، ونداء يحسن بنغماته العذبة تهدهد سماعه وهي تقول :

بشراك أيها الداعي اقبلت على ربك ، فأقبل ربك بوجهه عليك ـ ومن اداب الداعيَ : الإِلحاح في الطلب ، فعن الإِمام الصادق عليه السلام قوله « ان الله عز وجل كره إلحاح الناس بعضهم على بعض في المسألة ، واجب ذلك لنفسه ان الله عز وجل يحب أن يسأل ، ويطلب ما عنده » (٢) .

وفي حديث آخر : « رحم الله عبداً طلب من الله عز وجل حاجة ، فألح في الدعاء » (٣) .

ويأتي الإِلحاح في قائمة آداب الداعي نتيجة تعلق الشخص بمطلبه الذي يريد تحققه من ربه ، وفي الإِلحاح بعد كل هذا زيادة

__________________

(١) سورة آل عمران : آية (١٧٨) .

(٢ ـ ٣) أصول الكافي : كتاب الدعاء باب الالحاح في الدعاء ، والتثليث / حديث ٤ ـ ٦ .

٧٣
 &

اتصال بالله ، وتوجهاً اليها .

ومن آداب الداعي : ان يتيقن بالإِجابة ، وقد صرحت بذلك أخبار كثيرة ، وفيها « ثم استيقن الإِجابة » (١) .

( وإذا دعوت ، فأقبل بقلبك ، وظن حاجتك بالباب ) (٢) .

ويتوخى من وراء هذا الشرط أن لا يدب اليأس الى قلب الداعي وهو يرى التأخير في الإِستجابة ذلك لأن اليأس من رحمة الله ، والقنوط منه كبيرة من الكبائر ، وقد نهي العبد عن ذلك بنص القرآن المجيد حيث يقول تعالى :

( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّـهِ إِنَّ اللَّـهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) (٣) .

ويقول تعالى : ( قَالَ وَمَن يَقْنَطُ مِن رَّحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ ) (٤) .

( وَلَا تَيْأَسُوا مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّـهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ) (٥) .

__________________

(١ ـ ٢ ) نفس المصدر السابق : باب الاقبال على الدعاء حديث / ١ ـ ٣ .

(٣) سورة الزمر : (٥٣) .

(٤) سورة الحجر : آية (٥٦) .

(٥) سورة يوسف : آية (٨٧) .

٧٤
 &

وقد ذكرت بعض الأمور عدت من الآداب التي يحسن بالداعي ان يجتنبها ومنها : ان لا يكون ممتلىء البطن ، وان لا يكون شديد النعاس ، وغير ذلك مما يصرف الداعي عن التوجه المطلوب نحو المولى ، ومناجاته .

آداب الدعاء :

وكما ذكر العارفون للدعاء آداباً تقدم ذكر البعض منها ، كذلك ذكروا للدعاء ، أموراً استحسنوا أن يطبقها الداعي في دعائه .

منها : أن لا يدعو على مؤمن بشرٍ ، وان لا يدعو بقطيعة رحم .

ومنها : أن يختار الأوقات المناسبة للدعاء من كونه بعد صلاة مكتوبة ، أو في آناء الليل ، أو في اوقات نزول المطر ، أو عند زحف المسلمين لقتال الكفار ، أو غير هذا ، وذاك من الأوقات التي ذكرها المعنيون بأمور الدعاء في كتبهم ، وهكذا الحال بالنسبة الى اختيار الاماكن المقدسة من المساجد ، والمشاهد المشرفة .

ومنها : أن يفتتح دعاءه بذكر الله ، والثناء عليه ، والصلاة على نبيه .

ومنها : ان يستقبل القبلة ، ويرفع يديه كهيئة السائل الذليل .

ومنها : خفض الصوت حيث يكون بين المخافتة ، والجهر .

ومنها : ان يترك السجع في الدعاء ، ويترسل في مناجاته .

وفي الحقيقة ان كلما ذكروه في هذا الخصوص من التقييد

٧٥
 &

بالأوقات والكلام ، وغير ذلك ليس معناه أن غير ذلك لا يقبل ، ولا يعتبر عند الله ، بل ان هذا كما قلنا ، من أداب لقاء العظماء ، والتحدث اليهم ، ومن أعظم من الله ، واعلى مقاماً منه يستعد العبد للمثول بين يديه ، وهو رب الخلائق ، وفوق كل شيء ؟

ولنستعرض بعض هذه الآداب المذكورة .

فمثلاً تكلف السجع إنما حرص أهل الذكر على تجنبه لأنه يشغل الإِنسان عن التوجه الى الله ، والتحدث معه بلغة التضرع ، والخضوع ، بل يجعل الإِنسان منشداً الى انتقاء الالفاظ المنمقة ، وتنسيق العبارة واخراجها على روية واحدة ، وعلى المحافظة على القافية فيما يسبق من الجمل ، وحينئذٍ يخرج الداعي من جو الدعاء الخاشع الى مقام عرض الديباجة ، والكتابة للمقالات ، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله : « إياكم والسجع في الدعاء » (١) .

وهكذا الحال اذا لاحظنا خفض الصوت ، فإن أصول اللياقة ، والأدب تقضي ان يكون المتكلم مع من هو أعلى منه هادئاً متزناً في حديثه ، فرفع الصوت لا يناسب مثل هذه المقامات .

وليطمئن الداعي بعد كل هذا الى أن الله ليس بأصم ليرفع صوته ليسمعه ولا غائب عنه ليعلمه بوجوده ، فقد جاء عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

انه لما دنا من المدينة كبر ، وكبر الناس ، ورفعوا أصواتهم فقال

__________________

(١) احياء العلوم للغزالي : ١ / ٣٩٨ .

٧٦
 &

النبي صلى الله عليه وآله وسلم : يا أيها الناس ان الذين تدعون ليس بأصم ، ولا غائب إن الذي تدعون بينكم وبين اعناق ركابكم .

وإذا كان الدعاء هو التضرع ، والمناجاة مع من هو أقرب الى الداعي من ظله فلماذا اذاً رفع الصوت ، والتهريج ؟

أما المكان فله أهميته ، فالاماكن المشرفة تتشرف بمن نسبت اليه كما أن الأوقات لها أهميتها أيضاً ، ولربما تكون من وسائل توجه الإِنسان الى خالقه ، والانشداد اليه ـ وعلى سبيل المثال ـ فإن الدعاء في آناء الليل ، وفي وقت السحر ليبعث في النفس نشاطاً لاقبالها على الله ، وخشوعها بين يديه بعد أن أخذ البدن قسطاً من الراحة من النوم فيكون الإِنسان نشطاً لعبادة ربه .

يضاف الى ذلك ما يضفيه الوقت الهاديء المظلم من الرهبة في نفس الداعي حيث يجد المكان هادئاً ، والليل قد ضرب بردائه فغطى الكون بظلامه الدامس ، وفي هذا الجو يقف الداعي بين يدي ربه الذي لا تأخذه سنة ، ولا نوم . بينما داعب الكرى جفون المخلوقين وقد غلقوا أبوابهم ، وانحجب بعضهم عن البعض الآخر .

ولكن باب الله مفتوح في وجه من قصدوه .

٧٧
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUEAdhwa-Doa-Komaylimagesrafed.png

٧٨
 &

مع دعاء كميل

قد لا أبالغ اذا قلت ـ كما سبق ـ أنه لا يوجد لبقية المذاهب والأديان كما للمسلمين ، وللشيعة منهم بوجه خاص من الأدعية من الوفرة ، والنوعية ما ليس لغيرهم مثله . والكثير من ذلك صحيح السند ، ونقصد بذلك الاِطمئنان بصحة صدوره عن النبي « صلى الله عليه وآله وسلم » أو أحد المعصومين « عليهم السلام » .

ومع هذه الوفرة فما هو سبب إختياري لدعاء كميل ، وشرحه ؟

بإمكاني في مقام اجابتي على مثل هذا السؤال أن الخص الأسباب بالأمور التالية :

١ ـ إن هذا الدعاء يتمتع بثقة عالية من حيث السند ، فلا يشك أحد من الخاصة ، والعامة بصدوره عن الإِمام أمير المؤمنين عليه السلام وتعليمه لكميل بن زياد ، والذي سمي الدعاء بإسمه .

أما أنه من تأليفه ، أو من إملائه وهو دعاء الخضر عليه السلام وقد املاه على كميل فليس هذا موضع تحقيقه ، بل المهم هو أن نعلم بصدوره عن الإِمام نفسه ، وهذا معلوم .

على أن لي شخصياً رأي خاص في الدعاء ، فإن المحقق في سنده يهتم به الباحث في مقام ذكر ما يترتب عليه من الثواب الذي

٧٩
 &

ذكر له . أما من ناحية ما يشتمل عليه من مضامين عالية فهذا ما يتكفله الدعاء نفسه حيث نرى بعض الأدعية رصينة من حيث المادة تحمل بين طياتها معاني سامية تفرض . لنفسها هالة من الثقة تحيط بالدعاء ، مما يجعل النفس تركن الى ذلك الدعاء لأن الدعاء لو لاحظناه لرأيناه لا يخرج عن كونه ذلك الرابط الشفاف الذي يربط بين العبد وربه ، ويرفع بنفسه الى المراتب العالية ، فيسهل مهمة الانسجام بين الدعاء والداعي ، وإقباله على الله فيما يناجيه .

ولكن مع كل ذلك نرى للدعاء إذا كان صحيح السند مكانته في نفس الداعي إذ يجد لصدوره من أهله نوعاً من التبرك بقراءته ويستشعر من ذلك أنه مضمون الطريقية لدعاء النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، أو أحد خلفائه به .

٢ ـ إنشدادنا لهذا الدعاء ، والتفافنا حوله ، ومنشأ ذلك :

أن كثيراً من الأدعية مرتبة في أوقات خاصة بها ـ فمثلاً ـ دعاء الإِمام الحسين عليه السلام او ولده الإِمام زين العابدين عليه السلام يقرآن ، مرة واحدة في السنة في يوم عرفة ، وبعده يودعهما الداعي ليلتقي بهما في العام القادم مرة أخرى اذا سنحت له الفرصة . وهكذا في الأدعية الواردة في الأعياد ، وفي أيام شهر رمضان أو المرتبة لأيام السنة ، وكذا ما يقرأ عند بعض الاحداث التي تلم بالإِنسان ومعنى ذلك أن الداعي لا يقرؤها كثيراً .

نعم : أدعية التعقيبات الواردة بعد الصلوات يلتقي بها الإِنسان كل يوم لكن هذه الأدعية قصيرة وقد لا يلتزم الإِنسان بقراءتها بعد كل صلاة .

٨٠