أضواء على دعاء كميل

المؤلف:

عز الدين بحر العلوم


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٦٤

إعطاء صورة واضحة عن حقيقة الملك ، وبيان ما هيته بل جل ما تعرض له هو بيان الوظائف الموكولة الى هذا الصنف من مخلوقات الله ، وبيان اعمالهم من حيث التسبيح له والتقديس لعظمته تعالى.

لذلك وقع الخلاف في معرفة حقيقة الملك بين العلماء فقال صدر المتألهين الشيرازي في مفاتيح الغيب :

«أعلم ان الناس اختلفوا في ماهية الملائكة ، وحقيقتها. وطريق الضبط ان يقال : ان الملائكة لا بد وان يكون لها ذوات قائمة بأنفسها في الجملة ، ثم إن تلك الذوات إما أن تكون متحيزة أو لا تكون.

أما الأول ففيه أقوال :

أحدها : انها أجسام لطيفة هوائية تقدر على التشكل بأشكال مختلفة مسكنها السماوات ، وهو قول الظاهرين.

وثانيها : قول طوائف من عبدة الأصنام ان الملائكة في الحقيقة هذه الكواكب الموصوفة بالإِنحاس ، والإِسعاد. فإنها عندهم أحياء ناطقة ، وان السعدات منها ملائكة الرحمة ، والنحسات منها ملائكة العذاب.

وثالثها : قول معظم المجوس ، والثنوية. وهو أن هذا العالم مركب من أصلين أولين : وهما النور ، والظلمة. وهما في الحقيقة جوهران شفافان قادران مختاران متضاداً النفس ، والصورة. مختلفا الفعل ، والتدبير. فجوهر النور : فاضل خير نقي طيب الريح. كريم الأصل ، والنفس. يسر لا يضر ، وينفع ، ولا يمنع ، ويحيي ، ولا يبلي.

٤٠١

وجوهر الظلمة : لم يزل يولد الأولياء ، وهم الملائكة لا على سبيل التناكح ، بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم ، والضوء من المضيء وجوهر الظلمة لم يزل يولد الأعداء ، وهم الشياطين على سبيل تولد السفه من السفيه لا على سبيل التناكح.

فهذه أقوال من جعل الملائكة أشياء متحيزة.

وأمال الثاني : وهو أن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها ، وليست بمتحيزة ولا بأجسام فهنا قولان :

أحدهما : قول النصارى ، وهو أن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة بذاتها المفارقة لأَبدانها على نعت الصفاء ، والخبرة. وذلك لأن هذه النفوس المفارقة ان كانت صافية خالصة ، فهي الملائكة وان كانت خبيثة كدرة ، فهي الشياطين.

وثانيهما : قول الفلاسفة. وهو أنها جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة ، وأنها بالمهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية ، وأنها أكمل قوة منها ، واكثر علماً ، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة الى الأضواء.

ثم ان هذه الجواهر على قسمين :

منها : ما هي بالنسبة الى أجرام الافلاك ، والكواكب كالنفوس الناطقة بالنسبة الى أبداننا.

ومنها : ما هي اعلى شأناً من تدبير أجرام الافلاك ، بل هي مستغرقة في معرفة الله ، ومحبته ، ومستقلة بطاعته ، وهذا القسم هم الملائكة المقربون. ونسبتهم الى الملائكة الذين يدبرون السماوات

٤٠٢

كنسبة أولئك المدبرين الى نفوسنا الناطقة. فهذاان القسمان قد اتفق الفلاسفة على إثباتهما.

ومنهم من اثبت نوعاً آخر من الملائكة وهي الملائكة الأرضية المدبرة لأحوال هذا العالم السفلي. ثم ان مدبرات هذا العالم إن كانت خيرة فهم الملائكة ، وان كانت شريرة فهم الشياطين.

فهذا تفصيل المذاهب في الملائكة. انتهى» (١).

وهناك تعاريف أخرى ذكر منها ما جاء عن صدر المتألهين السبزواري وغيره. ولكنا نكتفي بهذا المقدار من النقل لأنا أردنا اعطاء صورة عن اختلاف وجهة نظر العلماء في حقيقة الملائكة.

على أنا لا نجد بداً من الرجوع الى القرآن الكريم ، والسنة لنصل من خلالهما الى ما يوضح لنا حقيقة هذه المخلوقات العلوية ، ومعرفة ما وكل اليهم من اعمال في هذا العالم ، وهل أنهم كالجن أمم ، ويكلفون بالأحكام ، ويجازون على تصرفاتهم أم لا؟

والذي يظهر لنا من مجموع الآيات ، والأخبار الشريفة القول :

بأن الملائكة : موجودات لا تظهر لنا بذواتها فلا تراها الأعين بل هي مخلوقاته تعالى ، ولها قابلية التشكل بأشكال بعض الآدميين لانزال العذاب ، أو لغير ذلك من الأمور.

ولم يذكر من أسمائهم في القرآن إلا جبرائيل ، وميكائيل.

__________________

(١) نقلاً عن القاضي السبزواري في شرحه لدعاء كميل : ١٨٣ ـ ١٨٤.

٤٠٣

أما وصفهم : فقد تعرضت الآية الكريمة لذلك فقالت :

(جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (١).

وطبيعي أن العين لم تألف حيواناً يطير بأكثر من جناحين. فإذا صدقنا أن الملك مخلوق قسم منه له جناحان ، وقسم ذو ثلاثة أجنحة ، والقسم الرابع له أربعة أجنحة فلا يأخذنا العجب إذا سمعنا الإِمام الصادق «عليه السلام» يقول :

«خلق الله الملائكة مختلفة وقد أتى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) جبرئيل ، وله ستمائة جناح» (٢).

وعن ابن جريح أن لجبريل ستة أجنحة جناح بالمشرق وجناح بالمغرب وجناحان على عينيه وجناحان منهم من يقول على ظهره ومنهم من يقول : متسرولاً بهما» (٣).

ونحن لا نعجب من هذه الاجنحة العديدة بعد أن نقرأ ذيل الآية السابقة (يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّـهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

والخلق صنعه ، وهو على كل شيء قدير ، وهم محجوبون عنا ، ونحن في مأمن من النظر اليهم ليأخذنا الهول من مخلوق له ستمائة جناح ، ولا ندري ما مقدار حجم الجناح ، وكيفية تركيبها

__________________

(١) سورة فاطر : آية (١).

(٢) الميزان في تفسير القرآن. سورة فاطر : آية (١).

(٣) الدر المنثور : ٥ / ٢٤٤.

٤٠٤

ولماذا هذا العدد الهائل؟ وكان بالإِمكان ان يزود الله جبرائيل بجناحين فقط ويزوده بطاقة يتمكن بواسطتها من أداء مهمة الاجنحة الستمائة ، أو نقول : لا حاجة الى الجناح ، بل كان بالإِمكان أن يكون جبرائيل يصعد الى السماء ، ويهبط الى الأرض بغير جناح ، وإنما بقدرته كما حدث ذلك للنبي سليمان بن داود (عليهما السلام) عندما أراد حضور ملكة سبأ بلقيس عنده فخاطب أعوانه قائلاً :

(قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَن يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ.

قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ. قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ) (١).

ولنأخذ في حسابنا مدى السرعة التي زود بها هذا الذي أطلق عليه القرآن اسم «من عنده علم الكتاب» وهو عبد من عباد الله ليأتي بعرش الملكة بلقيس قبل أن يطبق سليمان جفناً على جفن من عينيه. وهل يعقل أن يكون ذلك بطرق عادية لو لا الطاقة الربانية التي زود بها هذا العبد؟

ولماذا لم يكن جبرائيل مثله؟ وهكذا بقية الملائكة الذين قالت عنهم الاحاديث المروية من قبل الفريقين بأنهم مزودون بأجنحة تزيد على ما زود به جبرائيل من الستمائة جناح ، وربما كان لهم من الحجم مالا تصدق عقولنا ، ونحن نسمع الحديث يقول :

«بأن ما بين شحمتي أذني بعض الملائكة مئات الأميال

__________________

(١) سورة النمل : الآيات (٣٨ ، ٣٩ ، ٤٠).

٤٠٥

والفراسخ» كل ذلك موكول إلى علمه تعالى وليس لأحدٍ أن يعترض ، أو يشكك في شيء من ذلك ما دام هذا ، وأمثاله من خلق الله ، وخاضع لقدرته اليس هو القائل جلت عظمته :

(خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَىٰ فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ) (١).

ولا ندري لماذا الفرق بين السموات ، والأرض. فالسماء نصبها الله بغير عمدٍ كما نشاهدها ، وتشاهدها آلات التقريب الدقيقة ولا نحتمل فيها السقوط على الأرض ، ولا أي اختلال في حركة الإِجرام الموجودة فيها ، والتي يكبر الكثير منها حجم أرضنا هذه ، ولكنه بالنسبة الى الأرض ، وهي كوكب صغير بالنسبة لبعض ما في السماوات فضلاً عن السماء نفسها نراه عز وجل يخبر : بأنه قد ثبتها برواسي؟

والمقصود بالرواسي كما يقول المفسرون : الجبال الموجودة في الأرض جعلها الله حافظة للأرض لئلا تتحرك ، وتضطرب باستمرار كالمثبتات التي تحفظ السفن من الاضطراب في البحار.

وقد أيد العلم الحديث ذلك. والآن فللتساؤل مجال ، فالسماء تقف تضرب بجناحيها من غير عمد ، ولا تتحرك قيد شعرة. والأرض بحجمها الصغير تحتاج الى الجبال ، والتي قد يصل طول بعضها آلاف الأميال ، أو أكثر لئلا تضطرب ، وتميد بمن عليها. وان من خلق السماء ، وجعلها بغير عمدٍ لقادر أن يخلق الأرض

__________________

(١) سورة لقمان : آية (١٠).

٤٠٦

أيضاً بغير عمد. ولكنها حكمة الله جلت عظمته وه قدرته التي لا تحد بحدٍ خلقت الإِثنين على هذا النحو من الاستناد وغير الاستناد.

ونحن اذا ما اردنا أن نفتح باب السؤال ، ونلزم هذه الأمور الى الخضوع الى المقاييس العلمية في كل شيء لانفتح علينا اكثر من سؤال ، وسؤال ، وأخيراً نجد أنفسنا عاجزين عن الإِجابة الدقيقة عن أمورٍ لم تشأ القدرة الإِلهية كشف حقائقها الى الجميع.

٢ ـ الملائكة ما هي مهمتهم؟

في الوقت الذي نرى القرآن الكريم لا يعطي صورة واضحة عن بيان حقيقة الملائكة إلا أنه قد عرض بعض الأعمال التي يقومون بها.

ومن تلك الأعمال :

١ ـ العبادة : وبهذا المقدار تصرح الآيات الكريمة فيقول تعالى عنهم : (وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَّعْلُومٌ وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ) (١).

(وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ).

(وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَن فِي الْأَرْضِ) (٢).

__________________

(١) سورة الصافات : آية (١٦٤ ـ ١٦٦).

(٢) سورة الشورى : آية (٥).

٤٠٧

أماك يف يسبحون وصفة ذلك فهو ما لم يذكره القرآن بل على العكس نراه تعالى يقول : (وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَـٰكِن لَّا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ) (١). (وممن لا نفقه تسبيحه هم الملائكة).

٢ ـ الرسالة : وقد قال تعالى : (جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا) (٢).

وتتوالى الآيات وهي تصرح بأن هناك طوائف من الملائكة مضافاً الى التزامهم بالعبادة ، والتسبيح فهم رسل الله الى الخلق في أعمال عديدة منها : الملائكة لاموكلون بإنزال العذاب الدنيوي على الذين تقتضي أعمالهم مجازاتهم في الدنيا قبل الآخرة.

(وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَىٰ قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ) (٣).

(وَلَمَّا أَن جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ إِنَّا مُنزِلُونَ عَلَىٰ أَهْلِ هَـٰذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (٤).

ومنها : الملائكة المعاونون لملك الموت في قبض الأرواح فقد قال تعالى : (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّىٰ إِذَا

__________________

(١) سورة الإِسراء : آية (٤٤).

(٢) سورة فاطر : آية (١).

(٣ ـ ٤) سورة العنكبوت : الآيات (٣١ ، ٣٣ ، ٣٤).

٤٠٨

جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ) (١).

وهؤلاء هم أعوان الملك الموت (٢) وقيل : أن الملائكة تقبض الأرواح ثم يذهب بها ملك الموت ، وقيل : ثم يقبضها منهم ملك الموت.

وأخرج عبد الرزاق ، وابن جرير ، وابن المنذر عن مجاهد قال : جعلت الأرض لملك الموت مثل الطست يتناول من حيث شاء ، وجعلت له اعوان يتوفون الأنفس ، ثم يقبضها منهم (٣).

وقد دلت روايات عديدة على وجود ملائكة للعذاب ، وملائكة للرحمة ، وغير هؤلاء ، وهؤلاء.

ومنها : ملائكة الحفظ ، وقد نوه القرآن عنهم كما في الآية السابقة من قوله تعالى : (وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً) (٤).

وقال المفسرون عن هؤلاء الحفظة بأنهم الملائكة الذين يحفظون الأعمال ويكتبونها.

هؤلاء هم الملائكة ، وهذه صور من أعمالهم وتجنباً عن الإِطالة عرضنا هذا المقدار وإلا فالمصادر لتفسير القرآن تحمل صوراً كثيرة في هذا المجال. ويكفينا هذا المقدار من النقل اذ ليس لنا كثير فائدة من وراء التحقيق في معرفة مخلوقات حجبهم الله عن عباده ، وعلى

__________________

(١) سورة الأنعام : آية (٦١).

(٢) مجمع البيان : في تفسير هذه الآية.

(٣) الدر المنثور : ٥ (١٦).

(٤) سورة الأنعام : آية (٦١).

٤٠٩

الاخص انهم سكان كوكب غير كوكبنا ، وخارجون عن محيط كرتنا الأرضية.

وعوداً على موضوعنا ـ المبحوث عنه ـ من معرفة الكرام الكاتبين الذي جاء ذكرهم في الدعاء لنقول : انهم من الملائكة ، ومهمتهم حسبما حددها القرآن الكريم هي : ضبط ما يصدر من الإِنسان من خير وشر كما يظهر ذلك من الآيات التالية :

(وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ. كِرَامًا كَاتِبِينَ. يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ) (١).

(إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) (٢).

(إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ) (٣).

(بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ) (٤).

(فَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ) (٥).

هؤلاء هم الملائكة الكاتبون. ومن الآية الثانية نلاحظ أن لكل

__________________

(١) سورة الانفطار : الآيات (١٠ ، ١١ ، ١٢).

(٢) سورة ق : الآية (١٨).

(٣) سورة يونس : آية (٢١).

(٤) سورة الزخرف : آية (١٨٠).

(٥) سورة الأنبياء : آية (٩٤).

٤١٠

انسان ملكان احدهما يكون عن يمينه ، والآخر عن شماله يكتبون أعماله.

وقيل : أن صاحب اليمين مخصص لضبط ما يصدر من الشخص من حسنات بينما خصص صاحب الشمال لضبط ما يصدر منه من سيئات.

وفي تسميتهم بالكرام في القرآن ، وفي الدعاء ذكرت وجوهاً عديدة :

منها : ان القرآن الكريم دأب على وصفهم بالكرام في كثير من الآيات ، وذلك لأنهم منزهون عن كل ذنب ، وهم عباد الله المطيعون المسبحون له ، ويقدسونه ، وبأمره يعملون.

وقيل : بأن كاتب الحسنات يكتب الحسنات لمن فعلها عشراً ، وكاتب السيئات يمهل من صدرت منه سبع ساعات لعله يرتدع ويتوب : ويستغفر وسواءً كان هذا سبب التسمية ، أو ذاك وهكذا موضوع الخوض في معرفة كيف يكتب الملكان الحسنات والسيئات ، المهم هو الوقوف من وراء معرفة وجود الملكين الكاتبين. وهكذا ما نراه من تصريح الدعاء برقابة الله عز وجل من وراء الملكين لإِحصاء ما يخفى عليهما من مخالفات العبد.

على أن نتفهم من كل ذلك : بأن الإِنسان لم يترك سدى ، بل لا بد أن يضع في حسابه أن كل ما يصدر منه من لفظ ، أو عمل وحتى النوايا التي ينويها مسجل عليه ، ومضبوط في حسابه ، وليشعر بأن التواري عن أعين هذا النوع من الرقباء أمر مستحيل ، لأنهم مع الإِنسان اينما يكونون ، وفي كل وقت. وأخيراً فيواجه بالمشهد

٤١١

الرهيب يوم القيامة كما يحدث عنه القرآن الكريم يقول عز وجل :

(وَتَرَىٰ كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَىٰ إِلَىٰ كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ هَـٰذَا كِتَابُنَا يَنطِقُ عَلَيْكُم بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ) (١).

وحسب الإِنسان أن يواجه بمثل هذا الكتاب الذي ينطق بالحق فقد ثبت فيه كل شيء ، ولا مجال للانكار ، أو المراوغة.

هذه الرقابة هي التي تجعل من الفرد إنساناً كاملاً يحترم الآخرين ولا يتطاول ، أو يتجاوز ، ويؤدي ما عليه بالنسبة الى الحقين : الإِلهي ، والآدمي «وجعلتهم شهوداً علي مع جوارحي».

أما كيف تشهد جوارح الإِنسان عليه منضمة الى الكرام الكاتبين فإن الآيات الكريمة صرحت بذلك.

(يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٢).

(وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّـهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) (٣).

(الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا

__________________

(١) سورة الجاثية : آية (٢٩).

(٢) سورة النور : آية (٢٤).

(٣) سورة فصلت : آية (١٩ ـ ٢٠).

٤١٢

كَانُوا يَكْسِبُونَ) (١).

(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا) (٢).

أما كيفية الشهادة فإن الظاهر من الآيات المذكورة هي : أن كل عضو يشهد بما يختص به فما يناسب اللسان من اللسان وما يناسب اليد من اليد ، وهكذا.

ولكن كيف تشهد ، وهي جوارح؟ ذلك ما قالت عنه الآية الكريمة في قوله تعالى :

(وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنطَقَنَا اللَّـهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) (٣).

فالشهادة تكون بواسطة النطق الصادر من الأعضاء.

ولكن هل هو نطق كنطق الإِنسان لتبقى انطقنا على حالها من دون تصرف؟ فيمنح الله الأعضاء قدرة النطق فتتكلم ، وتشهد بأن الذنب الفلاني كالكذب ـ مثلاً ـ صدر من هذا العضو ، وهو اللسان ، والمشي الى الحرام صدر من الرجلين.

أو يقال : بأن النطق في الأعضاء غير النطق الذي نألفه من الإِنسان وقد أطلق عليه النطق من باب التشبيه لان النطق لا يطلق حقيقة على غير كلام الإِنسان ، وحينئذٍ فيكون نطق كل عضوٍ بشكل

__________________

(١) سورة يس : آية (٦٥).

(٢) سورة الإِسراء : آية (٣٦).

(٣) سورة فصلت : آية (٢١).

٤١٣

خاص. وكل ذلك ممكن لأَن الموضوع يرجع الى قدرة الله ، وهو على كل شيء قدير.

والمهم هو أن الأعضاء تراقب الإِنسان في اعماله فتشهد بالنطق أما أن النطق كيف هو؟ فقد عرفت أن الآية مطلقة من هذه الجهة ولم تتعرض الى التفصيل ، ولا يؤثر ذلك على كون الأعضاء من جملة ما يتألف من جهاز الرقابة على الإِنسان.

«وكنت أنت الرقيب علي من ورائهم ، والشاهد لما خفي عنهم».

واذا خفي على الملكين شيء ، أو على الأعضاء ما كان ينويه العبد ويروم الإِتيان به من دون تحقق لذلك في الخارج.

(هُوَ اللَّـهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ) (١).

(أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّـهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ) (٢).

(أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُم) (٣).

وليتصور الإِنسان نفسه ، وكيف أن الرقابة تحوطه من كل مكان الملكان ، وجوارحه ومن وراء ذلك عين الله الساهرة.

ولكن مع كل ذلك :

__________________ ـ

(١) سورة الأنعام : آية (٣).

(٢) سورة التوبة : آية (٧٨).

(٣) سورة الزخرف : آية (٨٠).

٤١٤

«وبرحمتك أخفيته ، وبفضلك سترته».

وما أعظمها رحمة ان الله الذي أحصى على العبد كل شيء ، وكل شاردة ، وواردة كان بإمكانه أن يجعل له العقوبة بأن يطلع الناس على ما قام به ، أو ما همّ به من القيام به ليسقط من أعين الكل ، وينال جزاءه في الدنيا قبل الآخرة ، ولكنه ، وبرحمته أخفى ذلك ، وبفضله ستره تحنناً منه ، فلك الحمد يا رب على نعمك ما ظهر منها ، وما بطن.

«وأن توفر حظي من كل خير تنزله ، أو إحسان تفضله ، أو برٍ تنشره ، أو رزقٍ تبسطه ، أو ذنب تغفره ، أو خطأ تستره».

حيث كان الداعي في صدد فتح صفحة جديدة من حياته المتزنة مع ربه لذلك فقد طلب فيما سبق ـ من قوله ـ «إلهي وسيدي فأسألك بالقدرة التي قدرتها» ـ الى قوله ـ «ان تهب كل جرمٍ أجرمته ، وكل ذنب أذنبته» ـ الخ ـ وكان بهذه الفقرات يريد تصفية ما عليه من مخالفات ، وجعل صفحة ذمته بيضاء ليحظ فيها بعد ذلك كل خير ، وكل عمل يرضي الرب.

ولكن الحياة الجديدة والتي ينوي السير على مخططها المعتدل يحتاج الى الاستعانة بالله ، وطلب المعونة منه ليستمد من فيضه ما يمكنه من قطع ما بقي من العمر لذلك عطف على ما سبق من قوله «أن تهب» قوله : «وان توفر حظي من كل خير تنزله».

والتوفير : هو : التكثير من الوفرة ، والوفور. أما الحظ فهو

٤١٥

النصيب ، والقسمة التي قسمها الهل لكل مخلوق فهو لا يريد الخير ، والإِحسان ، والبر فقط ، بل يطلب الوفير من كل شيء ينتفع به.

وهكذا نجد الإِنسان لا يترك آماله الواسعة فهو يريد ، ويريد ، ويطلب المزيد لأَنه مبني بحسب طبعه على الكسب ، والاستزاده. وحبذا لو كانت كل نواياه من هذا القبيل يطلب الوفير من الخير ، والموفور من الإِحسان ونقف أمام الفقرتين : «أو ذنب تغفره ، أو خطأ تستره».

فما معنى طلب الوفرة من الغفران للذنب ، أو الوفرة في ستر الخطأ مع أن الذنب : إما ان يغفر ، أو لا. والخطأ : إما أن يستر ، أو لا. ولا معنى للتكثير في أمثال ذلك؟

ونجيب على ذلك : بأن معنى الوفرة في غفران الذنب قد يكون طلب المزيد من الغفران من جهة تحمل ما صدر من الإِنسان إزاء حقوق الآخرين من ظلمهم ، والتعدي عليهم بطريقة التعويض لهم تفضلاً من الله على الداعي ليخلص بذلك من كل الشوائب بعد أن كان قد أقدم على فتح صفحة جديدة في حياته.

أو يقال : ان الوفرة في غفران الذنب هو الفرق بين طلب المغفرة فقط ، وبين المغفرة والتفضل من الله على العبد بان يوفقه في المستقبل لعدم صدور أي مخالفة منه.

وربما قيل غير هذا ، وذاك.

أما طلب الوفرة في ستر الخطأ فيقال فيه :

إن العمل الخطأي الذي يصدر من العبد فإنه وان كان معذوراً

٤١٦

فيه من جهة العقاب ولكن إخفاء ذلك ، وشمول ذلك لكل خطأ سواءً كان في العمل ، أو الأمور العقيدية فهو من تفضلات الله على عبده لو أخلص العبد في نيته مع ربه ، وصدق في توبته.

يا رب ، يا رب ، يا رب ، يا إلهي ، وسيدي ، ومولاي ومالك رقي ، يا من بيده ناصيتي».

نداءات ، واستغاثات متلاحقة ، وتكرار لإِسم الرب ، والإِله ، والسيد والمولى ، وكلها كما يقول الشاعر :

عباداتنا شتى وحسنك واحد

وكل الى ذاك الجمال يشير

كلها ترمز الى الذات المقدسة ، والى من يستغيث به العبد ، وهو الله ومن التضرع بأسمائه عز وجل ... الى اللجوء بالاستغاثة بصفاته فمالك الرق ، معناه : أن الداعي عبد ، وهو المالك. ولذلك أتبع هذه الفقرة بقوله : «يا من بيده ناصيتي».

والناصية : الجبهة ، وهي أعلى مكان يرفعه الإِنسان لأَنه يكون في مقدم الرأس. والرأس هو ما يشمخ به الإِنسان ، فيرفعه عالياً.

وتعبر هاتان الجملتان : «مالك رقي ، ومن بيده ناصيتي».

عن الخطاب لمن يملك قياد العبد ، وبيده طوق عبوديته أي يا من بيده مقاليد أموري ، وتمام أمري.

«يا عليماً بضري ، ومسكنتي. يا خبيراً بفقري ، وفاقتي».

الضر : والمسكنة ، والفقر ، والفاقة ، الفاظ مرت معانيها

٤١٧

وكلها تدل على حاجة العبد ، واحتياجه لخالقه. وفيها منتهى الضراعة ، والذلة ، وفيها كشف لحقيقة الداعي أمام ربه.

وبهذه الفقرات يدلل الداعي على صدق دعواه في طلب توفير الرزق له ، وكذا البر ، والإِحسان ، فيما سبق من الفقرات المتقدمة. فهو بطلبه ذلك صادق لأَن ربه عالم بحاجته ، وفقره ، ومسكنته ، ولا يخفى عليه شيء.

«يا رب يا رب أسألك بحقك وقدسك واعظم صفاتك وأسمائك».

ومن طلب الرزق ، والبر ، والإِحسان ينتقل الدعاء الى مطلب آخر يريده الداعي من ربه ليركز بذلك قاعدة صفحة جديدة مع الله. إنه يدخل في عالم العبادة ، والشكر ، والقيام بما يلزمه أزاء ربه.

وكل هذا يحتاج الى توفيق منه عز وجل لعبده ليأخذ بيده ، ويساعده على أداء المهمة. ولهذا الطلب يقدم الداعي مقدمة تمهيدية فيقسم عليه بحقه وقدسه ، واعظم صفاته ، وأسمائه. والأمر موكول اليه تعالى فهو وحده يعلم أن أعظم صفاته ، وأسمائه ما هي.

وعلى الإِجمال يقسم عليه بها.

وقد قيل في أعظم الصفات والأسماء أقوال :

فقيل : أعظم الصفات هي : الرحمانية ، والرزاقية.

وقيل : القيومية ، لرجوع جميع صفاته الإِضافية اليها كالعالم

٤١٨

والقادر ، والخالق ، والرازق ، وهكذا.

وقيل اعظم صفاته : واجب الوجود لأن جميع الصفات الحقيقة ترجع اليها وقيل : غير هذا ، وذاك.

ولكن الدعاء أوكل الموضوع اليه لأَنه سبحانه هو العالم بأعظم صفاته وأسمائه دون تعيين اسم ، أو صفة خاصة.

«أن تجعل أوقاتي في الليل والنهار بذكرك معمورة».

وهذا هو المطلوب من الله ، والذي لأجله أقسم عليه بأعظم صفاته وأسمائه ، وبحقه ، وبقدسه.

إنه يريد من ربه أن يكون ذاكراً لله على كل حال سواءً في الليل ، أو النهار وفي كل وقت هو منتبه فيه كما جاء في قولهم : «رطب فمك بذكر الله العظيم».

كما وقد جاء ذكر الله في آيتين كريمتين :

(الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ) (١).

وقوله تعالى : (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّـهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِكُمْ) (٢).

وذكر هذه الحالات يعطي إرادة الذكر المستمر على كل حال في القيام ، والقعود ، والاضطجاع.

وجاء في الأخبار عن الإِمام الصادق «عليه السلام» قوله :

__________________

(١) سورة آل عمران : آية (١٩١).

(٢) سورة النساء : آية (١٠٣).

٤١٩

«لا بأس بذكر الله وأنت تبول فان ذكر الله عز وجل حسن على كل حال فلا تسأم من ذكر الله» (١).

وفي حديث آخر عنه «عليه السلام».

قال الله عز وجل لموسى : (اكثر ذكري بالليل والنهار ، وكن عند ذكري خاشعاً وعند بلائي صابراً ، واطمئن عند ذكري ، واعبدني ، ولا تشرك بي شيئاً الي المصير. يا موسى اجعلني ذخرك ، وضع عندي كنزك من الباقيات الصالحات) (٢).

وفي حديث آخر ان الله عز وجل أوحى الى موسى «عليه السلام» :

(يا موسى ، أنا جليس من ذكرني. فقال موسى : فمن في سترك يوم لا ستر إلا سترك؟ فقال : الذين يذكرونني ، فأذكرهم ، ويتحابون في فاحبهم. فأولئك الذين إذا أردت أن أصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم) (٣).

آيات ، وأحاديث كريمة تصور لنا كيف يريد الله لعبده ان ينشد اليه ويجعل من الذكر الخيط الموصل للمثول في رحابه المقدس ليكون سبحانه جليس من ذكره ، وأنيس من اشتاق اليه. وعندها ينال الدرجة السامية ، فيدفع به بلاء من استحقوا غضبه ، وإكراماً لهؤلاء الصفوة تنكشف الشدة عن المذنبين.

ومن هذه النافذة يتطلع الداعي ليطلب من ربه ان يمنحه هذه الخصلة فيوفقه بجعل أوقاته من الليل ، والنهار معمورة بذكره ليذكره

__________________

(١ ـ ٢ ـ ٣) أصول الكافي : كتاب الدعاء / باب ما يجب من ذكر الله عز وجل في كل مجلس / حديث : (٦ ، ٩ ، ٤).

٤٢٠