أضواء على دعاء كميل

المؤلف:

عز الدين بحر العلوم


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: دار الزهراء للطباعة والنشر والتوزيع
الطبعة: ٢
الصفحات: ٤٦٤

وأنا عبدك الضعيف الذليل ، الحقير ، المسكين ، المستكين».

أي رب : وان ما كان منشأه غضبك ، وإنتقامك ، وسخطك لا تقوى على حمله ، ومواجهة السماوات بطبقاتها ، والأرض ومن فيها ، وما فيها. فكيف يقوى إذاً على مواجهته هذا الجسم البالي المكون من هذه الأجزاء الضعيفة لحم ، ودم ، وعصب ، وعظم؟

يا رب : وأنا عبدك الضعيف ، والضعيف بكل ما تحمله هذه العبارة من معنى : ضعيف في الجسم ، والبنية ، والإِدارة يستحوذ علي الشيطان ، فينسيني ذكر الله العظيم.

أي رب : وأنا عبدك الموسوم بكل صفات الذلة ، والعبودية لك الذليل ، الحقير ، المسكين ، المستكين.

أما الذليل : فهو ضد العزيز ، والمهان بالنسبة اليه تعالى.

والحقير : هو من هان قدره فلا يعبأ به.

أما المسكين : فهو من لا شيء له من المال ، واختلف بينه وبين الفقير ، أيهما أسوأ حالاً ، فقيل المسكين أسوأ حالاً ، وقيل : الفقير ، ولهم في ذلك وجوه.

ولكن المراد به في هذه الفقرة ليس هو المسكين المالي ، بل المسكين وكما جاء في اللغة بمعنى آخر حيث أطلق على الذليل المقهور ، وهو المراد به هنا.

وأما المستكين : فهو الخاضع الذليل.

٣٤١

واذا كانت نية الداعي صادقة ، وهو يخاطب الله ، ويسم نفسه بهذه السمات التي ان دلت فإنها تدل على منتهى الخضوع والخشوع والعودة الى ظلال رأفة الله ، والإِنقياد لسلطانه ، وعظمته. وحاشا لله أن يرد مثل هذا الداعي بذله ، ومسكنته ، ويخيب رجاءه ، وهو على هذه الحالة من الذل ، والإِنكسار.

لا : بل هو كما بشر الله عباده في كتابه الكريم بقوله :

(نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (١).

«نبيء» وهو أمر منه تعالى لنبيه في الإِخبار بهذا الفيض الإِلهي الكريم.

«عبادي» وفي إضافة العباد اليه نوع من القرب اليه ، والإِختصاص به ، وفيه بعث الطاقة في الإِنسان عندما يشعر بها المذنب وهو يتلمس اليد الحانية تربت على كتفه لتحمل اليه الأمل الأخضر يشرق من خلال قوله : (أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).

غفور : بما تحمله هذه الكلمة من شدة التأكيد في المغفرة ، والتجاوز.

ورحيم : بما ينطوي عليه هذا التعبير من رنة هادئة تمثل الدعة ، والقبول ، والعطف ، والحنو.

١٥ ـ يا اِلهي ، وَرَبّي ، وَسَيِّدِي ، وَمَوْلايَ لأي الأمور اِلَيْكَ اَشْكُو ، وَلِما مِنْها اَضِجُّ وَاَبْكي. لأليم

__________________

(١) سورة الحجر : آية (٤٩).

٣٤٢

الْعَذابِ وَشِدَّتِهِ ، اَمْ لِطُولِ الْبَلاءِ وَمُدَّتِهِ ، فَلَئِنْ صَيَّرْتَنى لِلْعُقُوباتِ مَعَ اَعْدائِكَ ، وَجَمَعْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَهْلِ بَلائِكَ ، وَفَرَّقْتَ بَيْني وَبَيْنَ اَحِبّائِكَ وَاَوْليائِكَ ، فَهَبْني يا اِلـهى ، وَسَيِّدِي وَمَوْلايَ ، وَرَبّي صَبَرْتُ عَلى عَذابِكَ ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَلى فِراقِكَ؟ وَهَبْني يا اِلـهي صَبَرْتُ عَلى حَرِّ نارِكَ ، فَكَيْفَ اَصْبِرُ عَنِ النَّظَرِ اِلى كَرامَتِكَ؟ اَمْ كَيْفَ اَسْكُنُ فِي النّارِ وَرَجائي عَفْوُكَ».

الآلام الروحية لها تأثيرها السيء على الإِنسان ، فهي لا تقل تعذيباً للنفس من الآلام الجسدية الناشئة من الخدوش والحروق ، وغير هذا ، وذاك مما يطرأ على الجسم من الم نتيجة إصابته بعارض من العوارض الخارجية ـ وعلى سبيل المثال ـ فكثيراً ما نجد شخصاً يعيش في دوامة من آلامه النفسية لأنه يرى قرينه ، أو من هو دونه ينال حظوة لدى أبناء المجتمع الذي يعيش فيه بينما يكون محروماً من هذا النوع من المكانة ، فيبقى يكابد الاماً نفسية سرعان ما تجعله فريسة للأَمراض ، والأفكار.

ولهذا الموضوع أمثلة كثيرة ، وهذا من الوضوح بمكان لمعرفة ذلك من قبل الجميع إذ قلما نجد من لا يبتلى بقضية تكون نتائجها مما يترك في النفس الماً ما دامت هذه الحياة قائمة ، وما دام هذا الإِنسان عرضة لما يطرأ عليه من حوادث ، ومشاكل. ن

ومن هذا المنطلق نجد الدعاء يضيف الى حساب الداعي عاملاً آخر من عوامل الابتلاء ، والتخوف ذلك هو ما يكابده الداعي من

٣٤٣

آلام نفسية وهو يقاسي أنواع العذاب في النار ، ومنها أنه يكون محروماً من الاجتماع بأولياء الله ، وحشره مع أعداء الله ، ومن حقت عليهم كلمة العذاب. فهو لا يجد نفسه بالمكانة التي تليق به في ذلك الجو الكاسف ، لهذا يطالب ربه بالعفو عنه لانه بشر ، وهو محدود الطاقات فكيف يمكنه تحمل هذا النوع من التعذيب النفسي بالإِضافة الى ما كتب له من العذاب الجسدي الذي يسببه الحرق في نار جهنم؟

وأخيراً يختم الداعي هذا الفصل بما يراه حلاً يتمكن به من الخلاص من هذه الآلام الطارئة والتخفيف منها حيث سيضج اليه ، ويبكي ويصرخ كما تفعل من فقدت عزيزها ، ويناديه بأسماء حبيبة اليه لثقته بان الله هو الرحمن ، وهو الرحيم (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ) (١).

«يا إلهي وربي وسيدي ولأي الأمور اليك أشكو ولما منها أضج وأبكي».

يا إلهي ، وربي ، وسيدي. عبارات كلها ترمز الى الله عز وجل والدعاء يكررها في أغلب الفصول ، وفي مبدأ كلٍ منها زيادة في التعلق به والاستغاثة له. وفي تكرارها من الخضوع ، والخشوع ما يدركه الداعي ويجد له حلاوة توحي اليه بالاستكانة الى أمنه ، وأمانه.

أشكو : وشكا فلان فلاناً الى فلان تظلم اليه ، وأخبره عنه

__________________

(١) سورة الشورى : آية (٢٥).

٣٤٤

بسوء فعله به فالمخبِر (شاك) والمخبَر عنه (مشكو) والخبر (الشكوى) والمخبر (مشكو اليه) (١).

فالشكوى بحسب نظر اللغويين تتضمن أربعة أركان.

شكوىً ، وشاكٍ ، ومشكو ، ومشكو اليه.

وفيما نحن فيه لا بد من ملاحظة هذه الأركان ، وحصولها في شكوى العبد.

أما الداعي : فهو (شاكٍ) لأنه مخبر عن نواياه.

والله عز وجل هو (المشكو اليه) لأنه الحاكم المطلق ، والعادل الذي لا يجور.

(والشكوى) هي الأمور التي تتضمنها الفقرات الآتية من قوله : (لاليم العذاب ، وشدته ، أم لطول البلاء ومدته) وهي ما يتألم منه الداعي ويستغيث مه ، ونبقى لنبحث عن (المشكو) وبالإِصطلاح القانوني من رفعت الشكوى ضده. فمن يا ترى هذا الذي يشكو الداعي منه ، ويوجه الداعي الدعوى ضده؟

والجواب : ان ذلك هو مصدر اللطف ، والرحمة ، وهو مصدر الرقة ، والرأفة.

وكما سبق للدعاء أن وجه الداعي الى أن يستشفع به الى نفسه حيث قال فيما سبق : «وأستشفع بك الى نفسك». فهو هنا أيضاً يوجهه الى ذلك.

__________________

(١) أقرب الموارد : مادة (شكي).

٣٤٥

وقد ناجى الإِمام زين العابدين علي بن الحسين «عليه السلام» ربه فقال «وأنا يا سيدي عائذ بفضلك هارب منك اليك».

والتعبير فيما نحن فيه من هذا القبيل ، فالداعي يهرع الى ربه لانه يهرب منه اليه فهو الخسم ، وهو الحكم ، وهو المستغاث به.

ـ وفي الوقت نفسه ـ المستغاث منه. فأركان الشكوى فيما نحن فيه تكون ثلاثة بدلاً من أربعة.

وفي تعبير الداعي بقوله : «ولما منها أضج ، وأبكي» نوع من تحريك عواطف من لجأ اليه ، فالضج ، هو الصيحة ، والجلبة يقال : ضج ضجيجاً فزع من شيء ، وخافه ، فصاح ، وجلب.

وأضج القوم : صاحوا ، وجلبوا.

فالتعبير : بأضج ، يصور لنا الداعي ، وهو يصيح باكياً بحيث يحدث له جلبة ، وصياحاً ، وهي حالات من يفقد شيئاً ، فيذهل عن وضعه ويخرج عن إتزانه ، وكل ذلك مما يضفي على منظره ما يقتضي الترحم عليه ، وهو على هذه الحالة من الإِرتباك والذهول.

«لأليم العذاب وشدته أم لطول البلاء ومدته».

قدم الداعي في عرض العذاب الجسدي والروحي.

العذاب الجسدي حيث تبدأ النار بأخذ مفعولها ، وردد أنه لا يدري أيضج الى الله ، ويصرخ باكياً لأليم العذاب ولشدته ، أم لطول المدة التي سيمكث فيها مخلداً في النار تبعاً لذنبه وحجمه.

٣٤٦

وقد بينا فيما سبق أن أيام الآخرة لا يتمكن بالتحديد من ضبطها بعد ان صرح القرآن الكريم بان الملائكة ، والروح تعرج اليه : «في يوم كان مقداره خمسين الف سنة».

وعلى كل حال فهي على نحو الإِجمال ليست كأيامنا في الدنيا من حيث القصر ، وإشتمالها على أربع وعشرين ساعة ، والشهر ثلاثون يوماً ، والسنة من ثلاثمائة وستين يوماً ، بل لها حساب خاص نعلم على نحو الأجمال أيضاً أن حسابه طويل ، وعسير. ولذلك يأخذ الداعي بعين الإِعتبار ذلك التعذيب الجسدي ، وشدته وطول مدته ، فيكون ذلك سبباً لضجيجه وعجيجه.

«فلئن صيرتني للعقوبات مع أعدائك ، وجمعت بيني وبين أهل بلائك ، وفرقت بيني وبين أحبائك ، وأوليائك».

وهذه هي العوامل التي تسبب للداعي العذاب النفسي ، حيث يسرح به التصور فيجد نفسه وسط الجموع المكدسة في نار جهنم بعيداً عن روح الله ورحمته ، وبعيداً عن أولياء الله وأحبائه ، وهم أولئك الصفوة الخيرة الطيبة. وإذا به مع المجرمين ، والملحدين وأولئك الذين قضوا أعمارهم ، وهم لا يتحلون بالفضيلة.

وهذا ما يجعل نفس الداعي تحترق الماً ، وهي ترى هذا المصير الضحل بإنتظارها غداً ، يوم لا ينفع مال ولا بنون.

«فهبني يا إلهي ، وسيدي ، ومولاي صبرت على عذابك فكيف أصبر على فراقك؟».

فهبني : هذه الكلمة مؤلفة : من فاء التفريع على ما سبق من قوله

٣٤٧

في الدعاء «فلئن صيرتني للعقوبات» ومن كلمة (هب) وهي : من أفعال القلوب تلازم الأمر دائماً ، وهي بمعنى (ظنني) أو (إعتبرني) والمعنى الذي يريده الداعي في هذا التفريع هو : الخطاب مع ربه ، والقول : بانك يا ربي ، وإلهي لئن فعلت بي ما كنت مستحقاً له من الجزاء حيث صيرتني للعقوبات مع أعدائك ، وفرقت بيني وبين أحبابك ، ومن كانوا الصفوة لك. فهبني يا إلهي تحملت وصبرت على هذا العذاب ، ولكن من الذي يصبرني على فراقك ، والبعد عنك ، وهذا ما سأبقى أكابد آلامه النفسية ، والذي هو أشد واعظم مرارة ، ولوعة من العقوبات الجسدية.

وقضية فراق الله ، والذي يتضجر منه الداعي ما هو إلا البعد عنه والحرمان من محبة الله لعبده ، ومحبة العبد لربه.

هذا الحب المتبادل بين العبد وربه ، هو الذي يغذي الروح ، ويعلو بالنفس الى الآفاق السامية لتجد حلاوة الإِيمان تتجسد لها في كل ما تراه في الوجود.

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّـهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) (١).

يحبهم ، ويحبونه. هذا الحب المتبادل بين الله ، وعباده الذين آمنوا يصور لنا التعلق ، والإِنشداد بين عبيد إطلع الله على ما في ضمائرهم من حبٍ لذاته ، ومعرفة بحقيقته فعرفوا من هو الله ، وعرفوا هباته ، وعطاياه ، وسماحته ، وكرمه ، وعفوه ، وغفرانه.

__________________

(١) سورة المائدة : آية (٥٤).

٣٤٨

وعرفوا إحاطته بهذا الكون ، وقدرته عليه كل ذلك وجدوه في أنفسهم ، فأحبوه ، وهاموا في حبه ، فكانوا مثال الإِخلاص ، والفناء في ذاته المقدسة.

وهذا الإِمام جعفر بن محمد الصادق «عليه السلام» يناجي ربه قائلاً : «إلهي كيف أدعوك وقد عصيتك ، وكيف لا ادعوك ، وقد عرفت حبك في قلبي» (١).

الخوف ، والرجاء يصطرعان في النفس حيث تبدو أثار هذا الصراع واضحة من خلال هذه المناجاة الرقيقة التي تنساب من فم الإِمام هادئة.

الخوف من المعصية يقف حائلاً بين الإِنسان ، وربه فكيف يدعوه بلسان خالفه فيه؟.

والرجاء بعفوه ، ورحمته لأَن القلب مطوٍ على حبه ، وهو خير شافع اليه.

ولا بد ان يتغلب بعد هذا الصراع النفسي : عامل الرجاء ، فتبدو اشراقة الأمل تحمل البشرى للداعين والراجين ، واذا بالعبد يندفع يدعو ، ويلح ويريد ، ولا ينفك عن التعلق بربه فقد عرف أنه يريد من ربٍ كريم ، وكيف لا أدعوك ، وقد عرفت حبك في قلبي؟».

هؤلاء هم الذين يعبدون رباً أحبهم ، وأحبوه لا خوفاً من نارٍ ، ولا طمعاً في جنة ، وفي هؤلاء يقول تعالى فيما أوحى الى بعض الصديقين (إن لي عباداً من عبادي يحبونني ، وأحبهم ، ويشتاقون

__________________

(١) أمالي الصدوق : ص (٣٠٩) المجلس السابع والخمسون/ المطبعة الحيدرية / النجف الأشرف.

٣٤٩

إلي ، وأشتاق إليهم ، ويذكرونني وأذكرهم ، وينظرون الي وأنظر اليهم).

قال اصديق : يا رب ما علامتهم؟

قال عز وجل : يراعون الظلال بالنهار كما يراعي الواعي الشفيق غنمه ويحنون الى غروب الشمس ، كما تحن الطيور الى أوكارها عند الغروب. فإذا جهنم الليل ، وإختلط الظلام ، وفرشت الفرش ، ونصبت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الى أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي ، وتملقوني بأنعامي. فبين صارخ ، وباكٍ ، ومتأوهٍ ، وشاكٍ. وبين قائم ، وقاعد وبين راكع وساجد. بعيني ما يتحملون من أجلي ، وبسمعي ما يشتكون من حبي. أول ما أعطيهم ثلاثاً :

أقذف من نوري في قلوبهم ، فيخبرون عني كما أخبر عنهم.

والثانية : لو كانت السماوات والأرض ، وما فيهما في موازينهم لاستقللتها لهم (١).

والثالثة : أقبل بوجهي عليهم. أفترى من أقبلت بوجهي عليه يعلم أحد ما أريد أن أعطيه؟

هذا الحب المتبادل بين العبد وربه ، وبين الحبيب وحبيبه ، لا يعرف طعمه إلا أولئك الذين قال فيهم : «أقبل بوجهي عليهم».

ولا يدركه إلا من وصل الى المدارج التي تؤهله لان يقول الله في

__________________

(١) المحجة البيضاء : ٨ / ٥٨ ـ ٥٩ / منشورات مكتبة الصدوق.

٣٥٠

حقه «وأشتاق اليهم» واحبهم ، وأذكرهم ، وأنظر اليهم.

وطبيعي ان لا يتوصل الى معرفة هذا العطاء إلا من عرف حقيقة ، ومصدر العطاء وهو الله تعالى :

وعجيب أن نسمع من يقول عن هذا الإِرتباط المقدس بين العبد وربه : أنه من نوع من التصوف والرهبنة ، والإِنشغال بما وراء الغيب مما يوحي الى النفس ذلك الخمول ، والإِنعزال عن المجتمع مع أن طبيعة الحياة الضاحكة المشرقة ، والرقراقة تأبى كل هذه الخلجات والغلسات. ولهؤلاء نقول : أن الإِسلام بشريعته السمحاء ، وبتعاليمه القيمة جمع بين الدنيا ، والآخرة وأعطى كلاً منهما حقه ، فأمر بأن يستقبل الإِنسان الحياة بوجه ضاحك بإسم ، وبساعدين قويين يشمرهما الى العمل ، وبآمال طويلة عريضة تشمل الأيام ، والأيام الطويلة حتى كأنه يعيش أبداً. ودفع بالإِنسان أن يلقي عن كتفيه أردية المسوح لئلا تتأخر عجلة الحياة ، وتتلكأ المسيرة الاِجتماعية ، ويحصل التصدع في بناء المجتمع الواحد. ولكنه ـ في نفس الوقت ـ نظر إلى الآخرة نظرة من لم يسمح بتأخير ما عليه من حقوق الله ، وحقوق الآخرين لحظة واحدة.

ان الحديث ا لسابق يتدرج في بيان صفات المحبين فيقول :

«فإذا جنهم الليل ، واختلط الظلام ، وفرشت الأسرة ، وخلا كل حبيب بحبيبه نصبوا الي أقدامهم ، وافترشوا لي وجوههم ، وناجوني بكلامي» الخ.

اذا جهنم الليل : وهو الوقت الذي تشتد ظلمة الليل فيه ، ولنفرضه بعد مرور الثلث الأول من الليل. هذا الوقت بحسب العادة يكون من حق الإِنسان الشخصي لانه قد أدى ما عليه في

٣٥١

النهار الى المجتمع ، والى العيال ، فعاد الى بيته ، وأسرته وفي هذه العودة بالذات نرى رب الأسرة قد أدى ما عليه من العبادة من اداء فريضتي المغرب والعشاء وقد فرغ أيضاً من حقوق الأسرة ، وما تفرضه عليه من مراعاة. كل ذلك قد اداه ، وعاد الى مخدعه ليعطي لبدنه قسطاً من الراحة والهدوء. في هذا الوقت إذا نهض الى عبادة ربه ، ومناجاته والخلوة اليه بقلب منكسر ، وشوق الى لقائه كان حقاً على الله أن يلتفت الى هذا العبد الذي قدم منجاة ربه على راحته الشخصية فيقذف من نوره في قلبه ، ويستقل حسناته فيزيدها لهم ، ويقبل بوجهه عليه.

هذا الحب بين العبد ، وربه ، وهذا التعاطف بينهما يخشى الداعي من عدم حصوله من قبل الله ، وحرمانه من هذه اللذة عندما يكون طريداً من بابه ، ومحكوماً عليه بالنار مع أعدائه فكيف يصبر على هذا الفراق ، والبعد عن الله؟

والذي نلمحه من فقرات الدعاء في هذا الفصل هو التدرج من إظهار الجزع من فراق أحباء الله ، وأوليائه الى فراق الله نفسه حيث يقول الداعي : «وفرقت بيني وبين أحبائك ، وأوليائك» الى أن يقول : «فكيف أصبر على فراقك»؟

ولربما كان هذا منشأ إعتراض على السياق الدعائي حيث سلك هذا التدرج لان المناسب كان أن يذكر فراق الله أولاً لأنه الأهم من فراق غيره ، ثم يتضجر بعد ذلك من بعده عن أحباء الله ، وأوليائه والذي يتمثل بفراقهم فيبدأ بالأهم لينتهي بالمهم لا العكس.

ولكن يجاب عن ذلك : أن الترتيب المتدرج به الذي سلكه

٣٥٢

الدعاء في سياقه أجمل مما يوجهه المعترض من التدرج العكسي ، ذلك لأن الداعي بدأ ببيان حالته النفسية ، وهي ما عليه من الضجر ، والتألم من بعده عن احباء الله ، وأوليائه وهو في نار جهنم مقر أعداء الله ، وأهل بلائه ، وبعدها التفت الى ما هو الأهم من ذلك وهو بُعدُه بهذه الحالة عن الله ، وابتلائه بفراقه ، من قبيل ما يقال دارجاً ، وعلى لسان أهل العرف بعد أن يعدد الإِنسان مصائبه فيقول : والأعظم من كل ذلك هو كذا.

فيبدأ بالمهم ، ثم ينتقل الى الأهم من باب المفاجأة.

وأما التدرج العكسي حيث يبدأ الداعي ببيان تضجره من فراق الله لينتهي ببيان ما يتحمله من فراق أولياء الله فيفقد الروعة الواقعية إذ من يبتلى بفراق الله ويكون موضعاً لغضبه ، وعدم رضاه لا يبقى في حسابه لفراق غيره ـ ولو كان ذلك الغير ولياً ـ زيادة تأثير.

فما هو تأثير فراق هؤلاء اذا أعرض الله بوجهه الكريم عنه ، وهل أن تقدير العبد لهم إلا لأنهم منتسبون اليه تعالى ، وهم أحباؤه وأولياؤه.

إن التدرج الدعائي كما هو مثبت أجمل ، ويحمل معنى أسمى من التدرج من المهم الى الأهم كما يريده المعترض.

«وهبني صبرت على حرِّ نارك فكيف أصبر عن النظر الى كرامتك».

ومرة أخرى هبني يا إلهي صبرت على حرِّ نارك ، والتي هي :

٣٥٣

(لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ) (١).

بل تحرق كلها يقع فيها. وقد ذكرت أخبار كثيرة عن نار جهنم الشيء الكثير إذ تصل حرارتها الى مسافات بعيدة جداً وقد جاء عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله : «تعوذوا بالله من جب الحزن ، أو وادي الحزن قيل : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) وما وادي الحزن؟ قال : وادٍ في جهنم تتعوذ منه جهنم كل يوم سبعين مرةٍ» (٢).

وفي حديث آخر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) «في جهنم سبعون الف وادٍ ، وفي كل وادٍ سبعون شعب في كل شعب سبعون الف ثعبان ، وسبعون الف عقرب لا ينتهي الكافر ، والمنافق حتى يواقع ذلك كله».

وغير هذا من الأخبار. ولا نعجب من هذا الحديث عندما يقول (صلى الله عليه وآله وسلم) «في جهنم سبعون الف وادٍ» فإن جهنم لا بد أن تكون بهذه السعة ليتناسب المكان مع المكين. فهذا الحشد من البشر على مر القرون لا بد له من مكان واسع كهذا الوصف ، واكثر.

وكل ذلك لو تحمله الداعي كما يقوله ، فكيف يصبر عن النظر الى كرامة الله؟ وهي العزة. فهو كما نعت نفسه : عزيز ، وذو منعة ولكل عزيز منزلة عظيمة تميزه عن غيره ، فكيف يقبل أن يرد مثل

__________________

(١) سورة المدثر : آية (٢٨).

(٢) احياء العلوم للغزالي : ٤ (٦٥٩).

٣٥٤

هذا اللاجيء الذليل؟ جاء مستعطفاً ، وركع بين يديه سائلاً وهو يردد :

«أم كيف اسكن في النار ورجائي عفوك»؟

وتأتي هذه الجملة معطوفة على الجملة السابقة من قول الداعي : وهو يناجي ربه قائلاً : «وهبني يا إلهي صبرت على حر نارك فكيف أصبر عن النظر الى كرامتك».

وقد يبدو التساؤل واضحاً عن عدم التناسق في هذا التدرج بين هاتين الجملتين فبعد أن يفرض الداعي أنه وطن نفسه وصبر على تحمل حر نار جهنم فما معنى إستفهامه الإِنكاري عن أنه كيف يسكن في النار فلماذا ، وكيف حصل هذا التحول؟

وفي عرضنا للجواب عن ذلك نقول :

الظاهر ان المراد من تحمل الداعي ، وصبره على حر نار جهنم في الجملة الأولى هو تحمله للمدد المحدودة المؤقتة لو كان عقابه يقضي ببقائه فيها مدة معينة ن ويفهم ذلك من قوله في الجملة الثانية «أم كيف أسكن» حيث يظهر من ذلك السكنى الدائمية ، ولذلك فهو لا يطيق البقاء الدائمي في النار لو فرض نفسه متحملاً ، وصابراً على البقاء لمدد معينة. وبهذا يتم التناسق الداعي بين هاتين الجملتين من الصبر على حر ناره ، وعدم طاقته على السكنى فيها.

واذا ما عدنا الى هذه الفقرة من الدعاء : «أم كيف أسكن في النار ورجائي عفوك» لرأينا الداعي محقاً في إستفهامه الإِنكاري في سكناه في النار مع أنه يقف بين يدي ربٍ رحيم يرجو عفوه ، ولا

٣٥٥

يتخلف عن اجابة من دعاه ، بل ول ايخيب من رجاه. والداعي لا يذهب بالشوط بعيداً لو تعجب عن أنه كيف يسكن في النار ، ورجاؤه متعلق بربه اليس هو القائل ـ كما جاء عن الإِمام أبو عبد الله الصادق عليه في حديث له ـ.

«إن الله تبارك وتعالى يقول :

وعزتي ، وجلالي ، ومجدي ، وإرتفاعي على عرشي ، لأقطعن أمل كل مؤملٍ من الناس غيري ، ولأكسونه ثوب المذلة عند الناس ، ولأنحينه من قربي ، ولابعدنه من فضلي.

أيؤمل غيري في الشدائد ، والشدائد بيدي ، ويرجو غيري؟

ويقرع بالفكر باب غيري ، وبيدي مفاتيح الأبواب ، وهي مغلفة وبابي مفتوح لمن دعاني؟

فمن ذا الذي دعاني لنوائبه فقطعته دونها؟

ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني؟

جعلت آمال عبادي عندي محفوظة فلم يرضوا بحفظي.

وملأت سماواتي ممن لا يمل من تسبيحي ، وأمرتهم أن لا يغلقوا الأبواب بيني ، وبين عبادي فلم يثقوا بقولي.

الم يعلم من طرقته نائبة من نوائبي أنه لا يملك كشفها أحد غيري إلا من بعد إذني؟

فما لي أراه لاهياً عني؟

أعطيته بجودي ما لم يسألني ثم إنتزعته عنه فلم يسألني رده وسأل

٣٥٦

غيري.

أفيراني أبدأ بالعطاء قبل المسألة ، ثم أسأل فلا أجيب سائلي؟

أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟

أوليس الجود والكرم لي؟

أوليس العفو والرحمة لجيدي؟

أوليس أنا محل الآمال فمن يقطعها دوني؟

أفلا يخشى المؤملون أن يؤملوا غيري؟

فلو أن أهل سماواتي ، وأهل أرضي أملوا جميعاً ، ثم أعطيت كل واحدٍ منهم مثل أمل الجميع ما انتقص من ملكي مثل عضو ذرة.

وكيف ينقص ملك أنا قيمه؟

فيا بؤساً لقانطين من رحمتي.

ويا بؤساً لمن عصاني ، ولم يراقبني (١).

إن هذا العتاب الهادئ بما فيه من رقة الحديث بين الرب وعبده هو الذي يدفع بالداعي أن يعجب من شدة العقوبة اذا كانت جرائمه تقتضي الحكم عليه بسكن النار.

«فمن ذا الذي دعاني لنوائيه فقطعت دونها»؟

«ومن ذا الذي رجاني لعظيمة فقطعت رجاءه مني»؟

__________________

(١) مرآة العقول للشيخ المجلسي : ٨ / ٢٥ ـ ٢٧ / منشورات دار الكتب الإِسلامية / طهران.

٣٥٧

وها هو يرجوه أن يتجاوز عنه بعد أن جاءه إنساناً تائباً نادماً على ما صدر منه.

ولماذا يخشى الرد من ربٍ يقول :

أبخيل أنا فيبخلني عبدي؟

أوليس الجود والكرم لي؟

أوليس العفو والرحمة بيدي؟

وهكذا ينساب العتاب رقيقاً فيقف الداعي منكسراً امام مصدر القوة ، والعظمة.

أمام مصدر القهر والغلبة.

فبماذا يجيب إن طرق باب غيره أو ذهل فلم يقصد رحابه راجياً؟

ولذلك نرى الدعاء يوجه الداعي الى أن يقتحم هذا البحر الفياض من العفو ، وينعم بهذه الرحمة الأهلية ، فلا يبالي بنوعية الذنب ما لم يكن تجاوزاً على حقوق الآخرين بعد ان كان هو محل الآمال وهو الجواد الكريم.

إن هذا النوع من الرجاء ليجعل من الداعي إنساناً حذراً من الوقوع في المخالفات مرة أخرى ، ذلك لأن الله لم يغلق الباب في وجهه ليحصل له اليأس من روح الله ، واذا به ينقلب إنساناً منتقماً شريراً ، وعضواً فاسداً في المجتمع ، بل هو إنسان ملأ الرجاء قلبه فكان وديعاً راجياً يأمن منه كل أحد ، فلا يرى للرذيلة بعد ذلك ملجأً ، ولا لما نهى الله عنه مسلكاً.

٣٥٨

١٦ ـ فَبِعِزَّتِكَ يا سَيِّدى ، وَمَوْلايَ اُقْسِمُ صادِقاً لَئِنْ تَرَكْتَني ناطِقاً لاَضِجَّنَّ اِلَيْكَ بَيْنَ اَهْلِها ضَجيجَ الاْمِلينَ ، ولأصرخنّ اِلَيْكَ صُراخَ الْمَسْتَصْرِخينَ ، ولأبكين عَلَيْكَ بُكاءَ الْفاقِدينَ ، ولأُنادينك اَيْنَ كُنْتَ يا وَلِيَّ الْمُؤْمِنينَ. يا غايَةَ آمالِ الْعارِفينَ يا غِياثَ الْمُسْتَغيثينَ. يا حَبيبَ قُلُوبِ الصّادِقينَ ، وَيا اِلهَ الْعالَمينَ.

اَفَتُراكَ سُبْحانَكَ يا اِلهى ، وَبِحَمْدِكَ تَسْمَعُ فيها صَوْتَ عَبْدٍ مُسْلِم سُجِنَ فيها بِمُخالَفَتِهِ ، وَذاقَ طَعْمَ عَذابِها بِمَعْصِيَتِهِ ، وَحُبِسَ بَيْنَ اَطْباقِها بِجُرْمِهِ وَجَريرَتِهِ ، وَهُوَ يَضِجُّ اِلَيْكَ ضَجيجَ مُؤَمِّل لِرَحْمَتِكَ ، وَيُناديكَ بِلِسانِ اَهْلِ تَوْحيدِكَ ، وَيَتَوَسَّلُ اِلَيْكَ بِرُبُوبِيَّتِكَ. يا مَوْلايَ فَكَيْفَ يَبْقى فِي الْعَذابِ وَهُوَ يَرْجُو ما سَلَفَ مِنْ حِلْمِكَ؟ اَمْ كَيْفَ تُؤْلِمُهُ النّارُ ، وَهُوَ يَأْملُ فَضْلَكَ وَرَحْمَتَكَ. اَمْ كَيْفَ يُحْرِقُهُ لَهيبُها ، وَاَنْتَ تَسْمَعُ صَوْتَهُ وَتَرى مَكانَه؟ اَمْ كَيْفَ يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ زَفيرُها ، وَاَنْتَ تَعْلَمُ ضَعْفَهُ؟ اَمْ كَيْفَ يَتَقَلْقَلُ بَيْنَ اَطْباقِها ، وَاَنْتَ تَعْلَمُ صِدْقَهُ؟ .. اَمْ كَيْفَ تَزْجُرُهُ زَبانِيَتُها ، وَهُوَ يُناديكَ يا رَبَّهُ؟ اَمْ كَيْفَ يَرْجُو فَضْلَكَ

٣٥٩

في عِتْقِهِ مِنْها فَتَتْرُكُهُ فيها؟ هَيْهاتَ ما ذلِكَ الظَّنُ بِكَ ، وَلاَ الْمَعْرُوفُ مِنْ فَضْلِكَ ، وَلا مُشْبِهٌ لِما عامَلْتَ بِهِ الْمُوَحِّدينَ مِنْ بِرِّكَ ، وَاِحْسانِكَ. فَبِالْيَقينِ اَقْطَعُ لَوْ لا ما حَكَمْتَ بِهِ مِنْ تَعْذيبِ جاحِديكَ ، وَقَضَيْتَ بِهِ مِنْ اِخْلادِ مُعانِدِيكَ لَجَعَلْتَ النّارَ كُلَّها بَرْداً وَسَلاماً ، وَما كانَت لِاَحَدٍ فيها مَقَرّاً وَلا مُقاماً. لكِنَّكَ تَقَدَّسَتْ اَسْماؤُكَ اَقْسَمْتَ اَنْ تملأها مِنَ الْكافِرينَ مِنَ الْجِنَّةِ ، وَالنّاسِ اَجْمَعينَ ، وَاَنْ تُخَلِّدَ فيهَا الْمُعانِدينَ. وَاَنْتَ جَلَّ ثَناؤُكَ قُلْتَ مُبْتَدِئاً وَتَطَوَّلْتَ بالإنعام مُتَكَرِّماً : اَفَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ.

ويشتمل هذا الفصل على ثلاثة مقاطع من الدعاء.

يبدأ المقطع الأول من قوله : «فبعزتك يا سيدي ، ومولاي أقسم صادقاً» وينتهي بقوله : «يا حبيب قلوب الصادقين ويا إله العالمين».

وفي هذا المقطع نرى الداعي يخرج فيه عن هدوئه ، واتزانه ليعلن لربه بأنه سينزع عن كتفيه لباس المسكنة ، ويخرج عن طوره. فيجعل من جهنم منبراً لإِظهار جزعه مستعملاً لذلك كل عوامل الضجيج ، والفزع صارخاً باكياً مستغيثاً ليجلب بهذه الطريقة عطف الله عليه ، وليؤكد له تعالى بأن آماله في التجاوز عنه لم تنقطع حتى ولو أدخل في جهنم ، وحكم عليه فيها بالبقاء مقدار المدة المحكوم بها عليه.

٣٦٠