🚘

ميراث محدّث اُرمَوى

سيّد جعفر اشكورى

ميراث محدّث اُرمَوى

المؤلف:

سيّد جعفر اشكورى


المحقق: سيّد احمد اشكورى ـ سيّد صادق اشكورى ـ سيّد جعفر اشكورى
الموضوع : دليل المؤلفات
الناشر: دار الحديث للطباعة والنشر
المطبعة: دار الحديث
الطبعة: ٠
ISBN: 964-493-212-9
الصفحات: ٣٨٤
🚘 نسخة غير مصححة

الفصل الرابع [من الدعاء]

الدعاء :

بسم الله الرحمن الرحيم

وَكانَ بَعْدَهُ هُدىً مِنَ الضَّلالِ ، وَنُوراً مِنَ الْعَمى ، وَحَبْلَ اللهِ الْمَتينَ ، وَصِراطَهُ الْمُسْتَقيمَ ، لا يُسْبَقُ بِقَرابَةٍ في رَحِمٍ ، وَلا بِسابِقَةٍ في دينٍ ، وَلا يُلْحَقُ في مَنْقَبَةٍ مِنْ مَناقِبِهِ ، يَحْذُو حَذْوَ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما ، وَيُقاتِلُ عَلَى التَّأويلِ ، وَلا تَأخُذُهُ فِي اللهِ لَوْمَةُ لائِمٍ ، قَدْ وَتَرَ فيهِ صَناديدَ الْعَرَبِ ، وَقَتَلَ اَبْطالَهُمْ ، وَناوَشَ ذُؤْبانَهُمْ ، فَاَوْدَعَ قُلُوبَهُمْ اَحْقاداً بَدْرِيَّةً وَخَيْبَرِيَّةً وَحُنَيْنِيَّةً وَغَيْرَهُنَّ ، فَاَضَبَّتْ عَلى عَداوَتِهِ ، وَاَكَبَّتْ عَلى مُنارَزَتِهِ ، حَتّى قَتَلَ النّاكِثينَ وَالْقاسِطينَ وَالْمارِقينَ.

وَلَمّا قَضى نَحْبَهُ ، وَقَتَلَهُ اَشْقَى الأشْقِيَاءِ مِنَ الأَوَّلِيْنَ والآخِرِيْنَ ، يَتْبَعُ اَشْقَى الْاَوَّلينَ ، لَمْ يُمْتَثَلْ اَمْرُ رَسُولِ اللهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فِي الْهادينَ ، بَعْدَ الْهادينَ ، وَالْاُمَّةُ مُصِرَّةٌ عَلى مَقْتِهِ ، مُجْتَمِعَةٌ عَلى قَطيعَةِ رَحِمِهِ ، وَاِقْصاءِ وُلْدِهِ ، اِلّا الْقَليلَ مِمَّنْ وَفى لِرِعايَةِ الْحَقِّ فيهِمْ.

فَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ ، وَسُبِيَ مَنْ سُبِيَ ، وَاُقْصِيَ مَنْ اُقْصِيَ ، وَجَرَى الْقَضاءُ لَهُمْ بِما (١) يُرْجى لَهُ حُسْنُ الْمَثُوبَةِ ، اِذْ كانَتِ الْاَرْضُ للهِ ، يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ ، وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ ، وَسُبْحانَ رَبِّنا اِنْ كانَ وَعْدُ رَبِّنا لَمَفْعُولاً ، وَلَنْ يُخْلِفَ اللهُ وَعْدَهُ ، وَهُوَ الْعَزيزُ الْحَكيمُ.

اللغة :

قوله : «يحذو حذو الرسول» ـ بالحاء المهملة والذال المعجمة ـ من الحذاء بمعنى الإزاء ، والتقدير حَذْي النعل ، أي قدرها بها. ويقال «غدا حَذْو فلان» أي فعل فعله.

قوله : «قد وتر فيه» وَتَر الرجلَ : أي أفزعه ، وَتَر القومَ : أي جعل شفعَهم وَتْراً ، أي نقصهم وقتل منهم.

قوله : «الصناديد» جمع صِنْدِد كزبرج : السيد الشجاع.

«الأبطال» جمع بَطَل ـ بالتحريك ـ : الرجل القوي المبارز في المعركة.

قوله : «ناوش ذؤبانهم» المناوَشَة : التناول في القتال والطلب والإسراع. و «الذُّؤْبان» ـ بضم الذال المعجمة ـ جمع ذِئْب بكسرها ، ومعناه واضح ، ويطلق عليه كلب البر. وذُؤبان العرب : لصوصُهم وًعَاليكهم.

__________________

١. في المخطوطة : «بِهِ» خلافاً لما يأتي آنفاً.

٨١

قوله : «أحْقاداً» الحِقْد بمعنى العداوة.

قوله : «أضبَّت على عداوته» ـ بالضاد المعجمة ـ بمعنى المواظبة والإمساك. أضَبَّ عليه : أي أمسكه. وأضَبَّ فلاناً : أي لزمه.

و «الناكثين» : الذين نكثوا بيعته كأصحاب الجمل ، كما أن «القاسطين» المنحرفون عنه كأصحاب صفين. و «المارقون» من مرق عن الدين كما تمرق السهم. هم البغاة الخوارج عليه كأصحاب النهروان.

«النحب» ـ بالحاء المهملة ـ : الموت والحاجة والأجل.

«الإقصاء» : بمعنى الإبعاد والتشريد ، أي جعله في المحل الأقصى ، أي الأبعد.

الإعراب :

قوله : «هدىً من الضلال ، ونوراً من العمى».

لما كان الهدى اسم معنىً كالنور المعطوف عليه ، لا يجوز كونهما خبرين عن اسم عين ، فلابدّ إما من تأويلهما بمعنى الهادي والمنوِّر ، أو جعلهما من قبيل «زيدٌ عدلٌ» من باب المبالغة. وحيث إن الهداية ضد الضلال ، والنور ضد العمى ، والضد في طرف مقابل مع الضد ، فيلزمه الإبعاد ؛ فكأنه قيل : إبعاداً به سبب الهداية من الضلال ، وبه سبب النور من العمى.

قوله : «حَذْو الرسول» الحذو مفعول مطلق نوعي ، مثل «ضربت ضرب الأمير».

قوله : «على التأويل» على للاستعلاء متعلق مع مدخوله على «يقاتل» ، وكأن المقاتلة مبنية ومؤسسة على التأويل ، وإلا فأهل التوحيد وأهل القرآن لا يجوز مقاتلة المسلم معه ؛ لأن الشهادتين أثرهما حفظ الدماء والأموال كما سبق في الفصل السابق ، إلا أنه قد يتفق لبعض الفرق من الفتن والبدع بحيث يوجب الارتداد والخروج عن الدين ، ولا يعلم ذلك إلا الإمام عليه‌السلام ؛ إذ يعلم تأويل القرآن. فتبين أن قتالَه معهم مبنيٌّ على تأويل القرآن.

قوله : «يتبع أشقى الأولين» الجملة حالية من فاعل «قتله» ، يعني إنّ قتلة أمير المؤمنين عليه‌السلام متبعة لأشقى الأولين عاقر ناقة صالح ؛ إذ كما أن ناقة صالح كانت من آيات الله ؛ أخرجها من الحجر بالإعجاز وخارق العادة ، وكان للقوم ، فيه منافع عديدة ، من جملتها أن عين القوم لعدم الكفاية كان ماؤها يوماً للناقة ويوماً آخر للقوم كما أشار تعالى إليه في الآية

٨٢

الشريفة : (هَـٰذِهِ نَاقَةُ اللَّـهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّـهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) (١) إلى قوله : (لَّهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ) (٢).

وكذلك أمير المؤمنين عليه‌السلام كان آية من آيات الله ، وكانت منافعه واضحة ، ومع وجود منافعه للملة قتله أشقى الأشقياء وأشقى من عاقر ناقة صالح.

قوله : «وجرى القضاءُ لهم بما يُرجى له حسن المثوبة».

قوله : «بما» متعلق بـ «جرى» ، أي جرى القضاء لهم بالمظلومية والمقهورية وغصب الحقوق وسد الباب وترك مراعاة المودة الموصى بها لهم ... الى غير ذلك من المصائب الواردة المرجوّ لها بحكم (إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) (٣) و «إن الصبر مفتاح الفرج» (٤) وإن التسليم لأمر الله تعالى له مقام عظيم ومراتب عالية.

قوله : «إذ كانت» تعليل لهذا المطلب ، يعني إن المالك يتصرف في ملكه ما يشاء ، فلو غُصب حق آل محمد ـ صلى الله عليه ـ برهة من الزمان مع صبرهم على القضاء والرضا بما أصاب لهم ، فقد عوَّض اللهُ عنه بملك طويل وسلطنة تامة في الدنيا ، وهو سلطنة آل محمد «ص».

قوله : «وسبحان ربنا» سبحان مفعول مطلق نوعي ، أي اُسبِّحُ مثل تسبيح ربنا ، كما قال ابن هشام ، إذ ليس كل تسبيح بمحمود ، ولا كل تنزيه بمرضي. هذا إن كان المصدر مبنياً للفاعل ، وإن كان مبنياً للمفعول فالمعنى واضح ، يعني اُسَبِّح تسبيحَ الرب المعبود بالحق لا المعبودات الباطلة.

قوله «ان» في : «ان كان وعد ربنا» مخففة من المثقلة ، ولذا دخل اللام في خبر كان بعدها.

__________________

١. سورة الأعراف ، الآية ٧٣.

٢. سورة الشعراء ، الآية ١٥٥.

٣. سورة الشرح ، ال آية ٦.

٤. نسبه إلى المشهور ، المازندراني ، في شرح اُصول الكافي (ج ٩ ، ص ٢٠٣) فقال : كما اشتهر «الصبر مفتاح الفرج». وعدّه التنوخي في الفرج بعد الشدة (ج ١ ، ص ٣٧) من الأمثال السائرة. وفي شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد (ج ١ ، ص ٣٢٢) عدّ من كلام علي عليه‌السلام : الصبر مفتاح الظفر ، والتوكل على الله رسول الفرج. وقال : من كلامه عليه‌السلام : انتظار الفرج بالصبر عبادة.

٨٣

البلاغة :

قوله : «حبل الله المتين» التعبير بالحبل عن أمير المؤمنين عليه‌السلام استعارة مصرِّحة ، قد ذُكر المشبَّه به واُريد به المشبَّه. ووجه الشبه كون أسباب النجاة من الغرق والحرق في مضيق البئر أو لجة البحر ، كالغريق بتشبث بكل حشيش ، فإذا تمسك بحبل قويم ومتين لا ينفصم ، ونجاه إلى الساحل ، وتخلص من الموت ، فهو النجاة المسبِّب من الاعتصام بالحبل ، فكذلك الغريق في ظلمات الجهل والكفر لا ينجو إلا بالاعتصام بأسباب الهداية المنصوبة من جانب الله تعالى ، وهو معنى الانتساب إلى الله ؛ فإن هذا الحبل معدّ من جانبه تعالى.

وقوله : «المتين» استعارة ترشيحية ؛ لكونه من ملائمات المشبَّه به ، كما أن الإنشاب من ملائمات الأظفار في «أنشبت المنيةُ أظفارَها». وكذلك الكلام في الصراط ، فهي استعارة مصرَّحة ، كما أن المستقيم استعارة ترشيحية.

ووجه الشبه في تشبيه علي عليه‌السلام بالصراط كونه موصِلاً إلى المطلوب وهو الجنة ، أو رضوان الله والفوز بمراتب عالية.

قوله : «وناوش ذُؤْبانَهم» الذئبان استعارة مصرَّحة ، اُريد به أشرارَ العرب ، بمشابهة الشرارة واللصوصية والإفساد والإيذاء. و «المناوشة» ترشيح.

قوله : «فأودع قلوبهم» الخ. إرادة الأشياء المودعة من الأحقاد. واستعارة مكنية. وإثبات الإيداع لها بقوله : «فأودع» استعارة تخييلية ، كما في قولهم : «أنشبت المنيةُ أظفارَها». ووجه الشبه : أن الأشياء المودعة ـ كما أنها محفوظة بعينها لا تتغير ولا تتبدل كما هو شأن الوديعة ـ فكذلك الأحقاد والأظغان المكنون في قلوب أولياء المقتولين في تلك الغزوات بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام ؛ لكونه العمدة والأصيل في تلك المعارك ، لم يبق دارٌ إلا وقد أقام لها مأتماً.

قوله : «فأضبَّت» إما على إعجام الضاد فلا استعارة فيه ، بل هو بمعنى الإلزام والإمساك على ما عرفت ، ولكن لو كان بالصاد المهملة من «صَبَّ الماءَ» فهي استعارة تخييلية. والقلوب التي هي مرجع ضمير الفاعل ، قد شبّه في النفس بالمياه المنصبة استعارة بالكناية. ووجه الشبه الاستيلاء والاستيعاب.

٨٤

المعنى :

قوله : «لا يُسبق بقرابة في رحم ولا بسابقة في دين».

أما القرابة في الرحم فهو ابن عم الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، مع قطع النظر عن كونه مؤاخياً له وصهراً وأبا سبطيه. فهذا الارتباط النسبي بينه وبين الرسول مخصوص به عليه‌السلام ، لا يسبقه فيه أحد.

نعم ، يمكن الخدشة في ذلك بالعباس وحمزة عمَّي الرسول ؛ فإنهما أقرب من ابن العم ؛ لكونهما في الدرجة الاُولى. ولكنه مدفوع بما ورد في الأخبار في هذا المقام في أولوية علي عليه‌السلام من العباس بمواريث النبوة ، بأن أعيان بني الاُمّ أولى من بني العلات ؛ فإن عبد اله وأبا طالب من أب واُمٍّ واحدة ، ولكن العباس وغيره من اُمهات شتى.

ولو اُغمض عن ذلك فنقول : لا يبعد في هذه العبارة جعل قرابة الرحم وسابقة الدين بهيئة الاجتماع ، كالخاصة المركبة في قولنا : «الخفاشُ طائرٌ ولودٌ».

فلو سلمنا كون العم أقرب من ابن العم فلا سابقة لهما في الدين ، فحمزة قَبِل الإسلامَ في السنة الثالثة من البعثة والعباس بعد الهجرة إلى المدينة بعد غزوة بدر ، وأمّا علي عليه‌السلام فقد آمن به صلى‌الله‌عليه‌وآله في اليوم الثاني [من البعثة] قبل كل أحد ، ولم يسبقه في الدين أحد من الرجال. فلله درّه ، ليس بمسبوق في القرابة وسابقة الدين ولا بملحوق من حيث الفضيلة والمنقبة.

قوله : «ولا تأخذه في الله لَوْمةُ لائم» يعني إنه عليه‌السلام لمّا كان في أفعاله وأقواله وحركاته وسكناته وغرضه رضوان الله ، فكما كان يعتدّ برضاء المخلوق أو سخطه ، كان يقول ما يرضى به الله تعالى وإن سخط به الخلق ، لا كما صنعه الخطيب بدمشق حتى قال له السجاد عليه‌السلام : ويحك أيها الخاطب! اشتريتَ مرضاة المخلوق بسخط الخالق (١).

ولقد كان في مراعاة رضى الخالق بحيث ما كان يلاحظ قرابته ، حتى أنه لم ينظر إلى أخيه عقيل وهو من اُسراء بدر ، مع أنه قد التجأ إليه به سبب الاُخوّة. وما راعى حقوق الاُختية في دار اُمّ هانئ يوم فتح مكة ، إذ دخلها لإخراج المقصرين. وقال في حق بنته اُم كلثوم في قضية القلادة التي استعارتها من خازن بيت المال إلى ثلاثة أيام ، فالتفت علي عليه‌السلام إلى ذلك وعاتب بنته ، ثم دعا ابن أبي رافع وعاتبه ، فقال : أعرتها إياها بشرط الضمان ، فقال عليه‌السلام : ولولا ذلك لكانت اُمّ كلثوم أول هاشمية قطعت يدها! (٢) إلى غير ذلك من حالاته

__________________

١. مثير الأحزان ، ص ٨١ ؛ بحار الأنوار ، ج ٤٥ ، ص ١٣٧ ؛ مقتل الحسين عليه‌السلام لأبي مخنف ، ص ٢٢٧.

٢. انظر : مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام ، ج ١ ، ص ٣٧٥ ؛ حلية الأبرار ، ج ٢ ، ص ٢٨٧ ، ح ٦.

٨٥

المنقولة الكاشفة عن تصلبه في أمر الدين من دون ملاحظة لَوْم ولا عتاب.

قوله : «فأودع قلوبهم أحقاداً بدريةً».

أقول : أما الأحقاد البدرية فواضحة ؛ لأنّ المحاربة مع أهل مكة والعمدة فيهم بنو أميّة ، وكذلك الأحقاد الحنينية ؛ فإن المحاربة ـ وإن كانت مع الهوازن ـ إلا أن أهالي مكة ومنهم بنو اُميّة قد ظهر منهم في هذه الغزوة بعض الإقدامات ، من حيث كونهم متزلزلين ومضطربين من جهة فتح مكة بما يقرب من شهر أو شهرين قبل ذلك ، حتى أن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قد أعطى أكثرَهم من غنائم حنين قسمة كثيرة ومنع الأنصار ، وليس ذلك إلا لتأليف قلوبهم وحبَّبهم ولسدّ باب فتنتهم.

وهذا كله واضح ، وإنما الإشكال في الأحقاد الخيبرية ؛ فإن المحاربة [في خيبر] مع اليهود ، ولم يظهر من جماعة اليهود بعد النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه‌السلام لما كان يصح انتسابه إلى آثار تلك المحاربة. ولكن يمكن الجواب عن ذلك بأن الفتح لمّا كان في تلك الغزوة باسم أمير المؤمنين ، وقلعُه باب خيبر ممعروف من الأخبار والسير ، حتى قيل فيه أشعار وأبيات كما في قصيدة ابن أبي الحديد :

يا قالع البابِ الذي عن حمله

عجزت أكفٌّ أربعون وأربعُ (١)

مع أن رجال الصحابة قد انهزم كلُّ واحد منهم مع جنده قبله في الأيام السابقة ، ومع انهزامهم في اليوم السابق ، كان يرجو كلٌّ منهم إعطاءَ الراية غداً لهم ، لما وعد صلى‌الله‌عليه‌وآله بقوله : لاُعطينَّ الرايةَ غداً رجلاً يجبُّ اللهَ ورسولَه ، ويحبُّه اللهُ ورسلُه (٢). لكونهم آيسين من عليٍّ لابتلائه شديداً بوجع العين ، فلما كان الغد دعا النبي علياً ـ وكان أرمد ـ فحضر ، فأعطاه اللواء بعد أن استشفى لعينيه بلعابه الشريفه ، وقال : اللهم احفظه من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله ، وقِهِ الحرَّ والبردَ ... إلى آخره.

ومن الواضح أن هذه أسباب عظيمة للحقد والعداوة لكبار الصحابة ، كما أن الانهزام والفرار في غزوة الحنين في أول الأمر لما أصابهم العين السوء بملاحظة كثرة جيش الإسلام ، وعدم بقاء الأصحاب مع النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ، إلا القليل مما يقرب العشرة منهم أمير المؤمنين عليه‌السلام ، حتى أن النبي لما رأى هزيمة الأصحاب أمر العباس عمَّه ـ وكان جهوريَّ الصوت ـ بأن

__________________

١. شرح القصائد الهاشميات والعلويات ، ص ١٤٠ ، وهو من القصيدة السادسة من القصائد العلويات السبع.

٢. الدعوات للراوندي ، ص ٦٣ ؛ الكافي ج ٨ ، ص ٣٥١ ؛ علل الشرائع ، ج ١ ، ص ١٦٣.

٨٦

يناديهم ، فصاح بأعلى صوته : يا أصحاب سورة البقرة ، ويا أهل بيعة الشجرة ، أين تفرون؟! (١)

ثم إن النبيّ ـ مع كونه لا يقرأ الشعر إلا منكسراً ، ولا يقول شعراً كما في الآية الشريفة : (وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ) (٢) ـ تكلَّم بكلام موزون ، بل يمكن درجه في الشعر ، للترغيب والتحريص ؛ فإن الشعر له أثر مخصوص في القلوب تنفعل عنه الطباع جداً ، فقال صلى‌الله‌عليه‌وآله :

أنا ابنُ عبد المطلب

أنا النبيُّ لاكذب (٣)

فتأثر القوم من كلماته صلى‌الله‌عليه‌وآله ، [لا] سيما بعد نداء العباس بعبائر مهيِّجة ؛ فإنّ تعليق الحكم بالوصف مشعر بالعلية : أما سبب كون البيعة تحت الشجرة مهيجاً لهم فواضح ؛ لكونهم قد بايعوه على أن لا يخذلوه ولا يتركوه بين الأعداء ويحفظوه وأولاده ... إلى غير ذلك من العهود والمواثيق. وأما تشويقهم بتذكار سورة البقرة ، فيمكن أن يكون لتذكير قصة البقرة التي بإصابة بعضها بالميِّت صار حيّاً بإذن الله ، ففي هذا الجهاد الواقع بإذن الله وبين يدي رسول الله حياة أبدية وسعادة دائمة ، بل لم يكن أكثر فقرات تلك القصة من استخلاص المتهمين بالقتل بظهور القاتل ومن انتفاع الإسرائيلي بثمن البقرة وغير ذلك إلا به سبب التوسل والصلاة على محمد وآله ـ صلوات الله عليهم أجمعين ـ على ما في تفسير الإمام [العسكري] عليه‌السلام.

وكيف كان فالمنهزمون في تلك الغزوة ـ وإن رجعوا بعد النداء ، فلهم مع من هو ثابت القدم كأمير المؤمنين عليه‌السلام منافرة ومعاندة قهرية ؛ لعدم السنخية. فهذه الأحقاد والضغائن كانت مودعة وكامنة في قلوبهم قد ظهرت بعض آثارها في حق أمير المؤمنين ، فتولدت حرب الجمل وصفين والنهروان.

بل لا يبعد أن يكون شهادته عليه‌السلام أيضاً أثراً من آثارها ، وادّخر بعض الآثار إلى زمن أولاده ، حتى ظهر بعض من تلك الآثار في حق الحسين عليه‌السلام. أما ترى أنّ وقعة الطفِّ من

__________________

١. الأمالي للمفيد ، ج ١ ، ص ١٤٢ ؛ مناقب آل أبي طالب عليه‌السلام ، ج ١ ، ص ١٦٦ ؛ بحار الأنوار ، ج ٢٠ ، ص ١١٨ ، تفسير القمي ، ج ١ ، ص ٢٨٧.

٢. سورة يس ، الآية ٦٩.

٣. الأمالي للطوسي ، ص ٥٧٤.

٨٧

أظهر تلك الآثار ، حتى أن ابن سعد قد شجَّع فرسان أهل الشام وهيَّج أحقادَهم إذ قال لهم : ويحكم! أتدرون من تقاتلون؟! هذا ابن الأنزع البطين ، هذا ابن قتّال العرب ، احملوا عليه من كل جانب (١). فإنّ غرضه لم يكن مدح أبيه بالشجاعة ، بل تذكير العداوة السابقة ليُقدموا على المحاربة [...] بنظر الانتقام ، ولذا فرّع عليه قوله : «فاحملوا».

وبقي من تلك الآثار بعض أقسامها ، فأظهرها ابن معاوية وبيده قضيب خيزرانة ، وبين يديه رأس الحسين عليه‌السلام ينكت به ثناياه ويقول :

ليت أشياخي ببدر شهدوا

جزع الخزرج من وقع الأسل

لأهلّوا واستهلّوا فرحاً

ثم قالوا يا يزيد لا تشل (٢)

هذه أحقاد بدر وحنين ، وأمّا أحقاد خيبر بالنسبة إلى طوائف اليهود في حق الحسين وعترته ، فقد ظهرت عند دخول دمشق لما عبروا بهم من محلات اليهود ، وينادي مروان أخ اليهود بل الأشرّ منهم : «يا معشر اليهود ، هؤلاء من أولاد أحمد الذي قد قتل رجالكم وسبى نساءكم ، وجلاكم عن أوطانكم!» ، فأشعلوا عند ذلك النيران والقصب ورضخوا الرؤوس والاُسارى بالأحجار.

قوله : «وجرى القضاءُ لهم بما يُرجى له حُسنُ المثوبة» : يعني إنهم لما ابتلوا بمصائب شديدة من القتل والسبي والإقصاء كما في وقعة الطف ؛ فإنهم قد أبعدوا وشرّدوا عن أوطانهم كما قال دعبل فيما قال :

مشرَّدون نُفوا عن عُقْرِ دارِهِم

كأنهم قد جَنَوا ما ليس يُغتفُر (٣)

ويمكن [أن تكون] الإشارة به إلى الغريبين الأب : موسى بن جعفر غريب بغداد ، وابنه أبي الحسن الرضا غريب خراسان ؛ وإن انتهى آخرهما إلى القتل والمسمومية ، ولكن الأظهر في مصداق الإقصاء هو وجود حجة العصر ـ عجل الله فرجه ـ فقد جرى له القضاء بالغيبة الكبرى ، ولكن يُرجى له حسن المثوبة ، بأن يكون ظاهراً كي يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ، وهو الذي اُشير إليه بقوله : إذ كانت الأرضُ لله يُورثها من يشاء ،

__________________

١. مناقل آل أبي طالب عليهم‌السلام ، ج ٣ ، ص ٢٥٨ ؛ بحار الأنوار ، ج ٤٥ ، ص ٥٠ ؛ العوالم (الإمام الحسين عليه‌السلام) ، ص ٢٩٣ ؛ مقتل الحسين عليه‌السلام لأبي مخنف ، ص ١٩٧.

٢. روضة الواعظين ، ص ١٩١ ، المسترشد ، ص ٥١٠ ؛ مقاتل الطالبيين ، ص ٨٠ ، الاحتجاج ، ج ٢ ، ص ٣٤.

٣. عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج ١ ، ص ٢٩٨ ضمن ح ٣٦ ؛ مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام ، ج ٢ ، ص ٥٤.

٨٨

وهو المراد من الوعد كما أشار إليه بقوله : (إِن كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا) (١).

ولما انتهى الكلام إلى ذكر الغيبة الكبرى فعند ذلك قد هاجت الأشواق وسالت الأحداق لكآبة الفراق ، فقال : فعلى الأطائب ... الخ.

الترجمة :

وبود امير المؤمنين عليه‌السلام بعد از پيغمبر هدايت كننده از گمراهى وروشنايى دهنده از نابينايى وريسمان خدا كه محكم است وراه وى كه راست است.

مسبوق نشده به قرابت وخويشى پيغمبر وملحوق نشده در منقبتى از مناقبش ، رفتار مى‌كند به مثل رفتار پيغمبر ودعوا مى‌كند از روى تأويل ، ونمى‌گيرد او را در راه خدا [سرزنش] سرزنش كننده‌اى.

به تحقيق تنها گذاشت پهلوانان عرب [را] كه ياوران ايشان [را] به قتل رساند ، وهلاك نمود گرگان ايشان را ، پس امانت گذاشت در دل‌هاى ايشان عداوت‌هاى بدر وحنين وخيبر وغير اينها را. پس دل‌ها متفق گرديد در عداوتش وبه رو افتادند براى مبارزت وى تا اين كه شكنندگان بيعت را (كه اصحاب جمل باشند) كشت ، وهمچنين منحرفين از عدالت را (كه اصحاب صفين باشند) ومارقين (كه شيوخ نهروان باشند) بكشت.

زمانى كه وقت او گذشت وكارش تمام شد ، كشت او را شقى‌ترين اشقياى اولين وآخرين ، در حالتى كه تأسّى مى‌كرد در اين عمل به شقى‌ترين اولين.

اطاعت كرده نشد امر پيغمبر درباره هدايت كنندگان بعد از هدايت كنندگان ، وامّت اصرار دارند بر دشمنى پيغمبر ، اجماع دارند بر بريدن نسلش وتبعيد ذريه‌اش از آبادانى ، مگر جمعى قليل از دوستداران [كه] مراعات حق ايشان را وفا نمود [ند]. پس كشته شد هر كه كشته شد واسير شد هر كه اسير شد وتبعيد شد هر كه تبعيد شد ، وجريان يافت قضاى پروردگار براى ايشان به نحوى كه اميد گرفته مى‌شود برايش نيكويى مآل ؛ زيرا كه زمين مال خداست به هر كه مى‌خواهد ارث مى‌گذارد از بندگان خود وعاقبت براى پرهيزكاران است وپاكيزه است پروردگار ما.

به درستى كه هست وعده پروردگار ما كرده شده وهرگز خلف نمى‌كند خدا به وعده خود ، واوست غالب وكار كننده از روى حكمت.

__________________

١. سورة الإسراء ، الآية ١٠٨.

٨٩

الفصل الخامس [من الدعاء]

الدعاء :

بسم الله الرحمن الرحيم

فَعَلَى الْاَطائِبِ مِنْ اَهْلِ بَيْتِ مُحَمَّدٍ وَعَلِيٍّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِما وَآلِهِما ـ فَلْيَبْكِ الْباكُونَ ، وَاِيّاهُمْ فَلْيَنْدُبِ النّادِبُونَ ، وَلِمِثْلِهِمْ فَلْتَذْرِفِ الدُّمُوعُ ، وَلْيَصْرُخِ الصّارِخُونَ ، وَيَضِجَّ الضّاجُّونَ ، وَيَعِـجَّ الْعاجُّوَن.

اَيْنَ الْحَسَنُ ، اَيْنَ الْحُسَيْنُ ، اَيْنَ اَبْناءُ الْحُسَيْنِ ، أيْنَ (١) صالِحٌ بَعْدَ صالِـحٍ ، وَأيْنَ صادِقٌ بَعْدَ صادِقٍ ، وَاَيْنَ السَّبيلُ بَعْدَ السَّبيلِ ، اَيْنَ الْخِيَرَةُ بَعْدَ الْخِيَرَةِ ، وَاَيْنَ الشُّمُوسُ الطّالِعَةُ ، اَيْنَ الْاَقْمارُ الْمُنيرَةُ ، اَيْنَ الْاَنْجُمُ الزّاهِرَةُ ، اَيْنَ اَعْلامُ الدّينِ وَقَواعِدُ الْعِلْمِ ، اَيْنَ بَقِيَّةُ اللهِ الَّتي لا تَخْلُو مِنَ الْعِتْرَةِ الْهادِيـَةِ ، اَيـْنَ الـْمُعَدُّ لِـقَطْعِ دابِرِ الظَّلَمَةِ ، اَيْنَ الْمُنْتَظَرُ لاِقامَةِ الْاَمْتِ وَاْلعِوَجِ ، اَيْنَ الْمُرْتَجى لاِزالَةِ الْجَوْرِ وَالْعُدْوانِ ، اَيْنَ الْمُدَّخَرُ لِتَجْديدِ الْفَرآئِضِ وَالسُّنَنِ ، اَيْنَ الْمُتَخَيَّرُ لاِعادَةِ الْمِلَّةِ وَالشَّريعَةِ ، اَيْنَ الْمُؤَمَّلُ لاِحْياءِ الْكِتابِ وَحُدُودِهِ ، اَيْنَ مُحْيي مَعالِمِ الدّينِ وَاَهْلِهِ ، اَيْنَ قاصِمُ شَوْكَةِ الْمُعْتَدينَ ، اَيْنَ هادِمُ اَبْنِيَةِ الشِّرْكِ وَالنِّفاقِ ، اَيْنَ مُبيدُ اَهْلِ الْفُسُوقِ وَالْعِصْيانِ وَالطُّغْيانِ ، اَيْنَ حاصِدُ فُرُوعِ الْغَيِّ وَالشِّقاقِ ، اَيْنَ طامِسُ آثارِ الزَّيْغِ وَالْاَهْواءِ ، اَيْنَ قاطِعُ حَبائِلِ الْكِذْبِ وَالْاِفْتِراءِ ، اَيْنَ مُبيدُ الْعُتاةِ وَالْمَرَدَةِ ، اَيْنَ مُسْتَأصِلُ اَهْلِ الْعِنادِ وَالتَّضْليلِ وَالْاِلْحادِ ، اَيْنَ مُـعِزُّ الْاَوْلِياءِ وَمُذِلُّ الْاَعْداءِ ، اَيْنَ جامِعُ الْكَلِمَةِ عَلَى التَّقْوى ، اَيْنَ بابُ اللهِ الَّذى مِنْهُ يُؤْتى ، اَيْنَ وَجْهُ اللهِ الَّذى اِلَيْهِ يَتَوَجَّهُ الْاَوْلِياءُ ، اَيْنَ السَّبَبُ الْمُتَّصِلُ بَيْنَ الْاَرْضِ وَالسَّماءِ ، اَيْنَ صاحِبُ يَوْمِ الْفَتْحِ وَناشِرُ رايَةِ الْهُدى ، اَيْنَ مُؤَلِّفُ شَمْلِ الصَّلاحِ وَالرِّضا ، اَيْنَ الطّالِبُ بِذُحُولِ الْاَنْبِياءِ وَاَبْناءِ الْاَنْبِياءِ ، اَيْنَ الطّالِبُ بِدَمِ الْمَقْتُولِ بِكَرْبَلاءَ ، اَيْنَ الْمَنْصُورُ عَلى مَنِ اعْتَدى عَلَيْهِ وَافْتَرى ، اَيْنَ الْمُضْطَرُّ الَّذي يُجابُ اِذا دَعا ، اَيْنَ صَدْرُ الْخَلائِقِ ذُوالْبِرِّ وَالتَّقْوى ، اَيْنَ ابْنُ النَّبِىِّ الْمُصْطَفى ، وَابْنُ عَلِيٍّ الْمُرْتَضى ، وَابْنُ خَديجَةَ الْغَرّآءِ ، وَابْنُ فاطِمَةَ الْكُبْرى.

اللغة :

قوله : «فلتذرف الدموع» من ذَرَف العين ، من باب ضرب : إذا سال دمعها.

قوله : «وليصرخ» بالخاء المعجمة ، من باب نصر : من الصَّرْخة بمعنى الصيحة والاستغاثة.

__________________

١. لم يوجد «أين» في ما نقله المحدث القمي في هدية الزائرين ، وكذلك المورد الآتي.

٩٠

قوله : «ويَعِجَّ» بالجيم من باب ضرب ، من عَجَّ عَجيباً : أي رفع صوته بالتلبية.

قوله : «لإقامة الأمْت» الأمْت كالسَّمْت : الارتفاع كالتلّ الصغير أو الهبوط.

«القاصم» من القَصْم بالقاف ، بمعنى كسر الشيء بصوت ، كما أن «الفَصْم» بالفاء : القطع لا بصوت ، ولذا قالوا : إن الفرق بينهما كالفرق بين فائهما.

قوله : «مُبِيْد» من أباد بمعنى : أهلك.

«حاصد» من حَصْد النبات : أي قطعه.

«الحبائل» جمع حِبَالة ـ بالكسر ـ : ما يُصاد به الشيء.

«العُتَاة» جمع العاتي ، من العتوّ بمعنى : التمرد.

قوله : «بذحول الأنبياء» الذحول جمع ذحل ـ بالذال المعجمة والحاء المهملة ـ بمعنى : الثأر.

الإعراب :

قوله : «فعلى الأطائب» متعلَّق بما بعده «فليبك» ، والفاء في «فليبك» للسبيبة ، والشرط محذوف ، أي فإذا كان الأمر كذلك ، إذ لم يُمتثل أمر النبي في عترته ، واجتمعت الأمّة على مقتهم بالقتل والأسر والتبعيد ، فيحق للباكي البكاء على هذا المصاب.

قوله : «فلتُذرف الدموعُ» بصيغة المجهول ، والدموع نائب الفاعل. والظاهر أن «ذَرَف» متعدّ ، فإذا نسب إلى العين بصيغة المعلوم يقال : ذَرَفَتِ العينُ أي أسالت وصبَّت دمعها. وإذا نسب إلى الدمع فبصيغة المجهول.

قوله : «صالحٌ بعد صالحٍ» بدل من الأبناء لا عطف بيان ؛ لعدم المطابقة في التعريف.

البلاغة :

قوله : «أين الحسن وأين الحسين».

اعلم أن الاستفهام حقيقته طلب الفهم ، و «أين» اسم استفهام وضعت للسؤال عن المكان ، ولكن كما أن الإخبار قد لا يُراد منه بيان فائدة الخبر أو لازمها ، بل يستعمل في مقام التحسر أو التوجع ـ كما قيل في قول زكريا : (رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا) (١) غرضه التحسر من الشيخوخة وعدم الوارث ، وكذا فيما قالته امرأةُ عمران : (رَبِّ

__________________

١. سورة مريم ، الآية ٤.

٩١

إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّـهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ) (١) وأمثال ذلك ـ فكذلك الاستفهام لا يُستعمل دائماً في المعنى الحقيقي ، فقد يُراد منه التقرير أو التوبيخ أو التهكم. والظاهر أن المقام قد اُريد به التشجيع والترغيب ؛ فإنّ الداعي في مقام الاستغاثة والالتجاء بالله تعالى في تعجيل فرج حجة العصر ، فغرضه من سؤال مكان الحسنين عليهما‌السلام والأئمة المظلومين تذكار مظلوميتهم ومصائبهم ؛ ليكون أرغب في تعجيل فرج المنتقِم.

قوله : «حَبَائل» استعير الحبائل للبدع وأقوال الكفر والنفاق ، بمثابة أنها من صنائع الشيطان ومصائده ؛ ليصيد بها قلوب الضعفاء من المسلمين.

قوله : «أين بابُ الله» لمّا كان الله تعالى منزِّهاً عن العلائق الجسمانية ـ على ما هو مبرهَن في الكلام ـ فنسبة الباب أو الوجه لابدّ أن يكون بضرب من التأويل ، فاستعير له الباب كما استعير له الوجه من باب الاستعارة التخييلية ، فتشبه ذاته الأقدس في النفس بالبيت أو بإنسان ذي وجه استعارة بالكناية ، والغرض بيان مراتب أمير المؤمنين وعترته المعصومين سلام الله عليهم. وكما أنه لا يُؤتى البيت إلا من طريق الباب ، فلا يتيسر معرفة الله تعالى إلا ببياناتهم ، ولا يُتوجه إليه تعالى إلا بهم.

المعنى :

لما انتهى الكلام في العبارات السابقة إلى مظلومية آل محمد ـ سلام الله عليهم ـ وجريان القضاء لهم بالقتل والسبي والتبعيد ، ويحق للسامعين أن يبكوا عليهم ويجزعوا لمصابهم. ومعلوم أن البكاء وسيلان الدموع عند استماع مظلومية واحد من آحاد الناس ومن نوع البشر ـ مع قطع النظر عن الخصوصيات ومراعاة بعض الجوامع والسنخية ـ من مقتضيات الطبيعة البشرية ، وكلما ازدادت المناسبة فتزيد الرقة وبسببها يزيد البكاء ، فإنّ الحزن إذا استولى على القلب فتصعد البخارات المتولَّدة من حرارة الباطن به سبب الحزن والألم ، فيستحيل عند تصاعدها إلى الدماغ ماءً و ـ تتقاطر من مجارى الدمع ، وإلا فيوجب بياض العين ، كما في حق يعقوب ـ على نبينا وآله وعليه‌السلام ـ حيث قال تعالى : (وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ) (٢).

__________________

١. سورة آل عمران ، الآية ٣٦.

٢. سورة يوسف ، الآية ٨٤.

٩٢

فالبكاء في الواقع نحو تشفٍّ للقلب وتخلية للباطن ومثلِّل للأحقاد والضغائن ، ولذا كان أهل مكة ينهون نساءهم عن البكاء على قتلى بدر ؛ كي لا تخمد نار العداوة ولا يقعدوا عن قصد الانتقام ، كما صنعوا ذلك ، إذ هيّؤوا الأسباب لغزوة اُحُد في السنة الآتية.

وكيف كان ، فالبكاء مستند إلى رقة القلب المسبَّبة عن التناسب بين الباكيّ والمبكيّ عليه ، وكلما ازدادت المناسبة اشتد البكاء ، فيكشف ذلك عن فرط المحبة. مثلاً : إن كان المبكيّ عليه مؤمناً أو عالماً أو هاشمياً فتشتد العلاقة ، وبسببها [يشتد] البكاء ، فالبكاء على آل محمد ـ صلوات الله عليهم ـ به سبب القرابة من النبي كاشف عن فرط الولاء والمحبة ، فحسنه من جهة المكشوف عنه ، وإلا فلا خصوصية للكاشف ، ولذا كان التباكي كالبكاء من حيث إقامة الشعار وحفظ شؤونات المحبوبية ، فالتباكي في هذا المقام كالتيمم بدل اضطراري من الماء والنظر إلى المكشوف عنه لا الكاشف.

ومن هنا تندفع إشكالات كثيرة من حيث العكس والطرد ؛ فإن بكاء ابن سعد وأمثالهم في كربلا ما كان مسبَّباً عن المحبة والولاية لخصوص [الـ] عترة الطاهرة ، بل كان لقتضاء الطبيعة البشرية ، وقد قلنا : إن الغرض هو المكشوف عنه.

وكذلك الإشكال في أن خروج قطرة من العين كيف يطفئ نار جهنم ويوجب محو السيئات الكثيرة ، وأيّ مناسبة بين العمل القليل والجزاء الكثير؟ فإنّ جوابه ـ مع قطع النظر عن كون مبدأ الفيض غير متناهية فيوضاته ، ويعطي الكثير بالقليل و (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) (١) ـ أن هذه الثمرات في الحقيقة على المكشوف ـ وهو الولاء والمحبة ـ لا نفس البكاء.

قوله : «أين الحسن وأين الحسين».

هذا الكلام مزيد توجّع وتحسّر ؛ على ما أشرنا إليه من أن الاستفهام ليس على حقيقته. وأمثال هذه الكلمات على الطبيعة البشرية تحريص وترغيب وبعث على الانتقام ، واستدعاء من الواحد القهار ، أو تشجيع واستغاثة إلى حضرة حجة الله عجل الله فرجه.

ولا يخفى ما في العبارة من اللطف في التعداد ، فإنّ أبناء الحسين إلى حجة العصر ثمانية ، يمكن أن تكون العبارات «صالح بعد صالح» إلى قوله «بعد الخيرة» على الترتيب

__________________

١. سورة الأنبياء ، الآية ٢٣.

٩٣

إشارة إلى الحجج الثمانية ، ويكون «الصادق» الأول منطبقاً على مركزه ، وهو أبو عبد الله جعفر الصادق صلوات الله عليه.

ثم إنّه أتى بعبارة جامعة حيث قال : أين الشموس الطالعة ... الخ. والتعبير عنهم بالشمس تارةً وبالقمر أو النجم اُخرى لاعتبارات متناسبة ، فالتعبير بالشمس إشارة إلى إضاءتهم العوالم الظلمانية من دون كسب نور ، ولا استضاءة من أهالي عصرهم ، كما أن نور الشمس ليس مستفاداً من غيره ، والتعبير بالقمر إشارة إلى كون علومهم مستفادة ومكتسبة من المبادئ العالية ، وكل إمام قد أخذ من الإمام السابق إلى أن ينتهي إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، والتعبير بالنجم إشارة إلى أنه كما يُحتاج إليها لأجل النور والضوء في الطرق والبحار لأجل سير السفن كما قال تعالى : (وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ) (١) فكذا يُحتاج إليهم لأجل الاهتداء.

فإن قلت : كيف التفكيك بين الحجج السابقة وبين حجة العصر المشار إليه بقوله بعده : أين بقية الله ، فكان الأولى تقديمه على العبارات الجامعة السابقة كالشموس الطالعة والأقمار المنيرة؟

قلت : لعل السرّ أن حجة العصر لم يمكن الاستضاءة به في زمن الغيبة الصغرى أو الكبرى ؛ فما دام له الخفاء ، لا يوصَف بالشمسية أو القمرية.

وإن أبيتَ عن ذلك وقلت : إن شَمَسَ غاية الأمر أن الغيبة كالسحاب الحائل بين الشمس وبين أهل الأرض ، فإن كان مانعاً عن وقوع الشعاع فليس مانعاً عن إضاءة العالم ولو من وراء السحاب ، ولذا قيل كما عن الخواجة قدس‌سره في التجريد : «ووجوده لطف ، وتصرُّفه لطف آخر ، وعدمه منا» (٢).

والحاصل أنّ المنافع المترتبة على تصرفه من إقامة الحدود ونصب الحكّام وفصل الخصومات وغير ذلك من الألطاف القريبة ، وإن فقدت في زمن الغيبة المسبَّبة من سوء أعمالنا والمستندة إلى عدم استعدادنا لتشرف حضرته السنية وتقبيل سدّته البهية ، ولكن منافع وجوده المقدس من جريان الأنهار ونمو الأشجار واختلاف الليل والنهار وتدبير أمر الأرض والسماء من حركة المتحرك وقرار القارّ ، إلى غير ذلك مما يُستند إلى وجود الحجة على ما يُستفاد من الأخبار ، وإليه اُشير في دعاء العديلة «وبوجوده ثبتت الأرض والسماء»

__________________

١. سورة النحل ، الآية ١٦.

٢. نقله عنه النراقي في عوائد الأيام ، ص ٢٤٦.

٩٤

كثيرة جداً ، فوجود حجة العصر ـ عجل الله فرجه ـ في حال الغيبة أيضاً كالشمس في الإضاءة ، فلا وجه للتفكيك عن سائر الحجج سلام الله عليهم.

فنقول : لعل التفكيك بملاحظة أن النداء في الأولين من قبيل المندوب له والمستغاث له لتهييج الحمية ، والنداء بالنسبة إلى الإمام الحاضر من قبيل نداء المستغاث به والمندوب إليه ؛ والوجه واضح ، فإنَّ كلاً من الأئمة السابقين مظلوم في عصره ، حيث بايع طاغوتاً من طواغيت عصره ، ولكنه ـ عجل الله فرجه ـ هو الموعود من الله تعالى بالنصرة والغلبة ، ولم يدخل في بيعة طاغوت أصلاً ، ولذا عقّب النداء بما يؤيد ذلك وقال : أين المعدّ لقطع دابر الظلمة.

ويُستفاد من قوله : «أين المدَّخر لتجديد الفرائض والسنن ، أين المتخيَّر لإعادة الملة والشريعة» أنه ـ عجل الله فرجه ـ يجدّد الشريعة ؛ كما في بعض الأخبار : يأتي بكتاب جديد وبشرع جديد على العرب شديد (١). ولكن لا كما صنعه بعض الفرق المتجددة من تغيير الأساس ؛ حيث جعل الصوم مثلاً تسعة عشر يوماً في أيام الاعتدال ؛ فإن هذا التغيير الكمي والكيفي والمحتوى في مثل هذا الحكم الضروري لا يُطلق عليه التجديد ، بل التجديد هو التعمير والبناء على الأساس الباقي ، حيث إنّ بعض الخبر [الذي] يناسب به سبب مرور الدهور وشوب الأغراض وضعف الدواعي لحفظ الشريعة قد غُيِّر إلى غير محله فيرده إلى أصله ، كما يصنعه في المساجد التي زاد فيها السلف ببدعهم وإجحافاتهم ، وهذا معنى الإعادة التي اُشير إليها في قوله «لإعادة الملة».

قوله : «أين باب الله الذي منه يؤتى ، أين وجه الله الذي إليه يتوجه الأولياء».

أقول : حيث إنّ الله تعالى أجلّ وأقدس من التمكن في بيت حتى يكون له باب ، أو التجسم حتى يكون له وجه ، فقد أُريد بهما ـ بنحو من التجوُّز والاستعارة ـ أن المعرفة بالله

__________________

١. نقل البياضي في الصراط المستقيم : (ج ص ، ص ٢٦٠) عن أبي جعفر عليه‌السلام أنه قال : والله لكأني أنظر إليه بين الركن والمقام ، يبايع الناس بكتاب جدي ، وأمر شديد ، وسلطان من السماء ، لا ترد له راية.

وروى الصفار القمي في بصائر الدرجات : (ص ١٧٥ ح ١٣) عن أبي عبد الله عليه‌السلام في رواية : كيف أنت إذا رأيت أصحاب القائم قد ضربوا فساطيطهم في مسجد الكوفة ، ثم أخرج المثال الجديد على العرب الشديد.

٩٥

بواسطة الأنبياء والسفراء ، فنبينا الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله هو الواسطة بالنسبة إلينا إلى معرفة ذاته الأقدس ، وقد جعل صلى‌الله‌عليه‌وآله علياً عليه‌السلام باباً بقوله : أنا مدينة العلم وعلي بابها ، ولا يؤتى المدينة إلا من بابها.

ولا اختصاص بعليٍّ عليه‌السلام ، بل كل حجةٍ في عصره هو الباب إلى الله ؛ على ما في الصافي في تفسير آية : (وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) (١) في سورة البقرة عن الاحتجاج (٢) عن أمير المؤمنين عليه‌السلام قال : نحن البيوت التي أمر الله أن يؤتى من أبوابها ، نحن باب الله وبيوته التي يؤتى منه ، فمن تابعنا وأقرَّ بولايتنا فقد أتى البيوت من أبوابها ، ومن خالفنا وفضّل علينا غيرنا ، فقد أتى لابيوت من ظهورها ، إن الله لو شاء عرّف الناس نفسَه حتى يعرفونه ويأتونه من بابه ، ولكن جعلنا أبوابه وصراطه وسبيله وبابه الذي يؤتى منه. قال : فمن عدل عن ولايتنا ، وفضّل علينا غيرنا ، فقد أتى البيوت من ظهورها ، وإنهم عن الصراط لناكبون. انتهى.

وهذا هو المراد من الفقرة المذكورة في الزيارة الجامعة: «والباب المبتلى به الناس»؛ فإنّ الابتلاء بمعنى الامتحان، فبهم يُمتحن الناس؛ فإنّ الآتي من الباب مثاب، والآتي من ظهرها حَقَّت عليه كلمةُ العذاب.

أما التعبير بـ «الوجه» فإن الإقبال إلى الشيء لما كان بواسطة التوجه إلى وجه ، وكذا من طرف المتوجه بواسطة الوجه ، فالإقبال إلى الله تعالى بواسطة الأنبياء والحجج المعصومين سلام الله عليهم ، فهم وجه الله على ما في الصافي (٣) عن السجاد عليه‌السلام في تفسير : (وَيَبْقَىٰ وَجْهُ رَبِّكَ) (٤) : نحن وجه الله الذي يؤتى منه.

وفي مجمع البحرين (٥) في تفسير الحديث القدسي [في] مَن سجد سدجدة الشكر : «اُقبِلُ إليه بفضلي ، واُريه وجهي» قال الصدوق (٦) رحمه‌الله : «وجه أنبياؤه وحججه». ثم قال بعد ذلكَ : ولا يجب أن تنكر من الأخبار ألفاظ القرآن. انتهى.

وتصديق ذلك ما روي (٧)عن أبي الصلت عن الرضا عليه‌السلام قال: قلت له: يا ابن رسول الله ، ما

__________________ ـ

١. سورة البقرة ، الآية ١٨٩.

٢. الإحتجاج ، ج ١ ، ص ٣٣٨ ، مناقب آل أبي طالب عليهم‌السلام ، ج ١ ، ص ٣١٤ ؛ بحار الأنوار ، ج ٢٣ ، ص ٣٢٨ ، ح ٩.

٣. الصافي ، ج ٥ ، ص ١١٠.

٤. سورة الرحمن ، الآية ٢٧.

٥. مجمع البحرين ، ج ٤ ، ص ٤٧٣.

٦. كتاب من لا يحضره الفقيه ، ج ١ ، ص ٣٣٤ ؛ وانظر : التوحيد ، ص ١١٧ ، ح ٢١.

٧. عيون أخبار الرضا عليه‌السلام ، ج ٢ ، ص ١٠٦ ح ٣ ؛ الأمالي للصدوق ، ص ٥٤٥ ، ح ٧٢٨ ؛ التوحيد ، ص ١١٧ ، ح ٢١ ؛ الاحتجاج ، ج ٢ ، ص ١٩٠.

٩٦

معنى الخبر الذي رووه أن ثواب «لا إله إلا الله» النظر إلى وجه الله؟ فقال عليه‌السلام : من وصف الله بوجه كالوجوه فقد كفر ، ولكن وجه الله أنبياؤه ورسله وحججه الذين بهم يتوجه إلى الله وإلى دينه ، والنظر إلى أنبياء الله ورسله وحججه في درجاتهم ثواب عظيم للمؤمنين [يوم القيامة]. انتهى ما في المجمع.

قوله : «وناشر راية الهدى» ويناسبه ما في البحار (١) عن غيبة النعماني (٢) عن أبي عبد الله عليه‌السلام ـ إلى أن قال : ـ ولما كان يوم صفين سألوه نشر الراية ، فأبى عليهم ، فتحملوا عليه بالحسن والحسين وعمار بن ياسر ، فقال للحسن : يا بني ، إنّ للقوم مدة يبلغونها ، وإنّ هذه راية لا ينشرها بعدي إلا القائم. انتهى.

قوله : «أين الطالب بذحول الأنبياء» يمكن أن يكون المراد الأنبياء السلف المقتولين ظلماً وعدواناً كيحيى وزكريا ، ومعلوم أن المهدي ـ عجل الله فرجه ـ وارث الأنبياء ، فيكون ولي الدم وطلب ثارهم. و «الذحول» كما عرفت : الثارات. ويمكن إرادة خصوص خاتم الأنبياء وأبنائه المظلومين المقتولين إما بالسم أو بالسيف. والوراثة على هذا واضحة لا إشكال فيها.

نعم ، في كون النبي الخاتم مقتولاً يمكن التأمل فيه. ولكن يندفع إما باحتمال كونه أيضاً مقتولاً بالذراع المسموم بيد المرأة اليهودية ؛ على ما يستفاد من بعض الأخبار (٣) ، أو بأن قتل سبطه المظلوم قتل له تسبيباً.

قوله : «أين المنصور» إشارة إلى الآية : (وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُورًا) (٤). فالمظلوم هو الحسين ، ووليُّه المنصور هو القائم عليه‌السلام ؛ كما في الأخبار (٥) : إن الملائكة ضجّت إلى الله تعالى من مظلومية الحسين يوم

__________________

١. بحار الأنوار ، ج ٣٢ ، ص ٢١٠ ، ح ١٦٥.

٢. الغيبة للنعماني ، ص ٣٠٧ ، ح ١.

٣. مسالك الافهام ج ١١ ص ٤٥٩ ، بحار الأنوار ج ٦٣ ص ٤.

٤. سورة الإسراء ، الآية ٣٣.

٥. كما في الكافي ، ج ١ ، ص ٤٦٥ ، ح ٦ ؛ والأمالي للطوسي ، ص ٤١٨ ، ح ٩٤١ ؛ وبحار الأنوار ، ج ٤٥ ، ص ٢٢١ ، ح ٣.

٩٧

العاشور ، فأسكنهم الله تعالى بأن قال لهم : إني أنتقم من أعدائي بهذا القائم ، وأشار إلى ذاته وهو قائم دون العرش.

قوله : «أين المضظر الذي يُجاب إذا دعا» إشارة إلى ما في الآية الشريفة : (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ) (١) فهو المضطر الذي يجيبه الله تعالى إذا دعاه.

وإليه وإلى ما في سابقه ـ من كونه وارث الأنبياء سلام الله عليهم ـ يشتمل الخبر المروي في البحار (٢) عن تفسير العياشي (٣) قال أبو جعفر عليه‌السلام : والله لكأني أنظر إليه وقد أسند ظهره إلى الحجر ، ثم ينشد الله حقَّه ثم يقول : أيها الناس ، من يحاجّني في الله فأنا أولى الناس بالله. يا أيها الناس ، من يحاجّني في آدم فإني أولى الناس بآدم ، يا أيها الناس ، من يحاجّني في نوح فأنا أولى الناس بنوح ، يا أيها الناس ، من يحاجّني في إبراهيم فأنا أولى الناس بإبراهيم ، يا أيها الناس ، من يحاجّني في موسى فأنا أولى الناس بموسى. يا أيها الناس ، من يحاجّني في كتاب الله فأنا أولى الناس بكتاب الله. ثم ينتهي إلى المقام فيصلي عنده ركعتين ، ثم ينشد الله حقه. ثم قال أبو جعفر عليه‌السلام : هو والله المضطر في كتاب الله ، وهو قول الله : (أَمَّن يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ) الخبر.

الترجمة :

پس بر پاكيزگان از اهل بيت محمد وعلى ـ صلوات فرستد خدا بر ايشان وآل ايشان ـ بايد گريه كنند گريه كنندگان ، وايشان را نوحه كند نوحه كنندگان ، وبراى امثال ايشان بايد جارى شود اشك‌هاى چشم ، وبايد فرياد كند فرياد كنندگان ، وناله كند ناله كنندگان ، وصدا بلند كند صدا بند كنندگان.

كجاست حسن وكجاست حسين؟ كجاست اولاد حسين ، صالح بعد از صالح وراستگو بعد از راستگو وراه خدا بعد از راه خدا وبرگزيده بعد از برگزيده؟ وكجايند آفتاب‌هاى طلوع كنندگان وماه‌هاى روشنى دهندگان؟ كجايند ستارگان درخشندگان؟ كجايند نشان‌هاى دين وستون‌هاى علم؟ كجاست باقى مانده خدا ، آن وجودى كه خالى نمى‌شود از عترت طاهره؟ كجاست مهيا شده براى بريدن نسل ظلم كنندگان؟ كجاست

__________________

١. سورة النمل ، الآية ٦٢.

٢. بحار الأنوار ، ج ٥٢ ، ص ٣٤١ ، ح ٩١ ؛ وانظر : الغيبة للنعمائي ، ص ١٨٢.

٣. تفسير العياشي ، ج ٢ ، ص ٥٦.

٩٨

انتظار كشده شده براى درست كردن كجى وانحراف؟ كجاست اميد گرفته شده براى نابود نمودن ظلم وستمكارى؟ كجاست ذخيره شده از ساليان دراز براى تازه نمودن فرايض ومستحبات؟ كجاست امكان گيرنده به جهت عودت دادن ملت وشريعت كه تغيير يافته؟ كجاست اميد گرفته شده به جهت زنده نمودن كتاب الهى وحدود او؟ كجاست زنده كننده نشان‌هاى دين واهلش؟ كجاست شكننده شوكت ظلم كنندگان؟ كجاست خراب كننده بناهاى شرك وطغيان؟ كجاست هلاك كننده اهل فسق وگناه وطغيان؟ كجاست برنده شاخه‌هاى گمراهى وعداوت؟ كجاست منهدم كننده آثار كج‌رفتارى ولغزش وهواى نفس؟ كجاست برنده ريسمان دروغ؟ كجاست زايل كننده سركشان ومتمردان؟ كجاست كننده ريشه اهل عناد وگمراهى وبى‌دينى؟ كجاست عزيز كننده دوستان وذليل كننده دشمنان؟ كجاست جمع كننده تمام كلمات را بر تقوا؟ كجاست دَرِ خدايى كه از آن در بايد تردد نمود؟ كجاست روى خدا كه با او كه به سوى او بايد توجه كرد؟ كجاست واسطه واسباب ربط ما بين اهل زمين وآسمان؟ كجاست صاحب روز فتح وباز كننده پرچم عَلَم هدايت؟ كجاست الفت دهنده اجزاى نيكويى ورضايت؟ كجاست طلب كنندگان خون پيغمبران وپيغمبر زادگان؟ كجاست طالب خون كشته شده كربلا؟ كجاست نصرت داده شده بر كسانى كه ظلم نمودند وافترا بستند؟ كجاست مضطرى كه قبول مى‌شود وعرضش هر وقت كه دعا نمود؟ كجاست صدر مخلوقات كه صاحب احسان وتقوايند؟ كجاست پسر پيغمبر برگزيده وپسر على مرتضى وپسر خديجه غرا كه مشهور است وپسر فاطمه زهرا [ى] كُبرا.

الفصل السادس [من الدعاء]

الدعاء :

بسم الله الرحمن الرحيم

بِاَبي اَنْتَ وَاُمّي وَنَفْسي لَكَ الْوِقاءُ وَالْحِمى ، يَا بْنَ السّادَةِ الْمُقَرَّبينَ ، يَا بْنَ النُّجَباءِ الْاَكْرَمينَ ، يَا بْنَ الْهُداةِ الْمَهْدِيّينَ ، يَا بْنَ الْخِيَرَةِ الْمُهَذَّبينَ ، يَا بْنَ الْغَطارِفَةِ الْاَنْجَبينَ ، يَا بْنَ الْخَضارِمَةِ الْمُنْتَجَبينَ ، يَا بْنَ الْقَماقِمَةِ الْاَكْرَمينَ ، يَا بْنَ الْاَطائِبِ المُعَظَّمِيْنَ الْمُطَهَّرينَ ، يَا بْنَ الْبُدُورِ الْمُنيرَةِ ، يَا بْنَ السُّرُجِ الْمُضيئَةِ ، يَا بْنَ الشُّهُبِ الثّاقِبَةِ ، يَا بْنَ الْاَنْجُمِ الزّاهِرَةِ ، يَا بْنَ السُّبُلِ الْواضِحَةِ ، يَا بْنَ

٩٩

الْاَعْلامِ الّلائِحَةِ ، يَا بْنَ الْعُلُومِ الْكامِلَةِ ، يَا بْنَ السُّنَنِ الْمَشْهُورَةِ ، يَا بْنَ الْمَعالِمِ الْمَأثُورَةِ ، يَا بْنَ الْمُعْجِزاتِ الْمَوْجُودَةِ ، يَا بْنَ الدَّلائِلِ الْمَشْهُودَةِ ، يَا بْنَ الصـِّراطِ الْمُسْتَقيمِ ، يَا بْنَ النَّبَأِ الْعَظيمِ ، يَا بْنَ مَنْ هُوَ في اُمِّ الْكِتابِ لَدَى اللهِ لعَلِيٌّ حَكيمٌ.

يَا بْنَ الآياتِ وَالْبَيِّناتِ ، يَا بْنَ الدَّلائِلِ الظّاهِراتِ ، يَا بْنَ الْبَراهينِ الْواضِحاتِ الْباهِراتِ ، يَا بْنَ الْحُجَجِ الْبالِغاتِ ، يَا بْنَ النِّعَمِ السّابِغاتِ ، يَا بْنَ طه وَالْـمُحْكَماتِ ، يَا بْنَ يس وَالذّارِياتِ ، يَا بْنَ الطُّورِ وَالْعادِياتِ ، يَا بْنَ مَنْ دَنا فَتَدَلّى * فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ اَوْ اَدْنى (١) ، دُنُوّاً وَاقْتِراباً مِنَ الْعَلِيِّ الْاَعْلى.

لَيْتَ شِعْري اَيْنَ اسْتَقَرَّتْ بِكَ النَّوى ، بَلْ اَيُّ اَرْض تُقِلُّكَ اَوْ ثَرى ، اَبِرَضْوى اَمْ غَيْرِها اَمْ ذي طُوى.

عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ اَرَى الْخَلْقَ وَلا تُرى ، وَلا اَسْمَعُ لَكَ حَسيساً وَلا نَجْوى.

عَزيزٌ عَلَيَّ اَنْ يُحيطَ بِكَ دُونَكَ الْبَلْوى ، وَلا يَنالُكَ مِنّي ضَجيجٌ وَلا شَكْوى.

اللغة :

الوفاء ـ بكسر الواو أو فتحها ـ : ما وَقيت به شيئاً. والحماء كذلك ما حميت به شيئاً.

السادة جمع سائد ، كالقادة جمع قائد. والسائد بمعنى : السيد.

الهداة جمع الهادي ، كالدعاة والعصاة.

الخِيَرة ـ بكسر الخاء وفتح الياء أو سكونها ، بمعنى : المنتخب المختار ، وبمعنى : الاختيار ، أو اسم منه ، كالطيرة من التطيُّر.

الغَطَارِفَة جمع غِطْريف ـ بالغين المعجمة المكسورة والطاء المهملة ـ بمعنى : السيد.

الخَضَارِمَة ـ بالخاء والضاد المعجمتين ـ جمع خضرم كزبرج : الواسع والجواد والسيد الحمول والدعي والماضي نصف عمره في الجاهلية ونصفه في الإسلام. الخضارمة : قوم من العجم خرجوا إلى بدء الإسلام فسكنوا الشام ؛ كذا في القاموس (٢).

القَماقِمَة جمع القُمْقَام ـ بالضم ـ ، بمعنى : البحر الواسع العميق والسيد.

الباهرات : من بَهَر القمرُ الكواكبَ ، كمنَعَ : أي غلب ضوؤه ضوءها.

السابغات : من السُّبُوغ ـ بالغين المعجمة ـ بمعنى : الوسعة والشمول.

__________________

١. سورة النجم ، الآيتان ٨ و ٩.

٢. القاموس المحيط ، ج ٤ ، ص ١٠٨ ، وكذا في الصحاح ، ج ٥ ، ص ١٩١٤ ، لسان العرب ، ج ١٢ ، ص ١٨٦ ، تاج العروس ، ج ٨ ، ص ٢٨١.

١٠٠