🚘

تراثنا ـ العددان [ 38 و 39 ] - ج ٣٨-٣٩

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 38 و 39 ] - ج ٣٨-٣٩

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
🚘 نسخة غير مصححة

١

تراثنا

العددان الأوّل والثاني [٣٨ و ٣٩]

السنة العاشرة

محتويات العدد

*كلمة التحرير :

*الهجمة الثقافية على التشيّع وصلتها بمذبحة الحرم الرضويّ المقدّس.

................................................................. هيئة التحرير ٧

*هويّة التاريخ الاسلامي : عيون التاريخ ، الاتّجاه وأجواء التدوين.

............................................................ صائب عبدالحميد ١٣

*حديث تأثير السحر في سيّد البشر في ميزان النقد.

................................... السيّد حسن الحسينيّ آل المجدّد الشيرازي ٦٣

*تشييد المراجعات وتفنيد المكابرات (٣).

............................................... السيّد عليّ الحسينيّ الميلاني ١١٤

*البردة ، والاعمال التي دارت حولها (١).

............................................................... أسعد الطيّب ١٦٢

* نهج البلاغة عبر القرون (٧).

................................................. السيّد عبدالعزيز الطباطبائي ٢٥٤.

٢

محرّم الحرام ـ جمادى الآخرة

١٤١٥ هـ.

*إحياء التراث ... لمحة تاريخية سريعة حول تحقيق التراث ونشره ، وإسهام ايران في ذلك (٣).

.......................................................... عبدالجبّار الرفاعيّ ٣٢٠

*من التراث الأدبي المنسي في الأحساء (١٤) :

*الشيخ محمّد السبعي.

................................................ السيّد هاشم محمّد الشخص ٣٧٠

*مصطلحات نحوية (٢).

...................................................... السيّد عليّ حسن مطر ٣٨٦

*من ذخائر التراث :

*السحاب المطير في تفسير آية التطهير ـ للشهيد الثالث.

......................................... تحقيق : هدى جاسم محمّد أبو طبرة ٤٠١

*من أنباء التراث.

................................................................ هيئة التحرير ٤٦٠

__________________

*صورة الغلاف : نموذج من مخطوطة السحاب المطير في تفسير آية التطهير للشهيد الثالث (٩٥٦ ـ ١٠١٩ هـ) المنشورة في هذا العدد محقّقه ، ص ٤٠١ ـ ٤٥٩.

٣
٤

٥
٦

كلمة العدد

الهجمة الثقافية على التشيع

وصلتها بمذبحة الحرم الرضوي المقدس

ليس هناك ثمة أدنى شك بأن الحوار الفكري ، والسجال العقائدي المبتني على الأسس الأخلاقية المنبعثة عن الشريعة الإسلامية السمحاء ، يشكل في أوضح أبعاده المنظورة مرتعا خصبا ، ومنبرا معطاء تفصح فيه جملة الأفكار المتناظرة عن هويتها الحقيقية على بساط البحث والمناظرة ، في سعي رصين يحاول أن يجد لمدعياته موطئ قدم على أرض الواقع قبالة غيرها من الأطروحات المختلفة ، مضافا إلى ما في ذلك من النقد الرصين لمواطن الخلل ـ إن وجدت ـ وصولا إلى إنضاج البعض من تلك الأفكار ، أو تبين عوارها وسقوطها لعجزها عن الوقوف أمام الحقائق التي يجب أن تمثل الهيكل العام للعقيدة الإسلامية.

ولا غرو في ذلك ، فقد سجل لنا التاريخ الإسلامي الجم الوفير من تلك المناظرات الفكرية ، بأشكالها المتعددة ، حيث أفصحت عن ترتيب جملة واسعة من التصورات التي كان لها الأكثر الكبير في ترصين مواقع الأطروحات السليمة والصحيحة بعيدا عن التشكيلات الجاهزة والمنقولة في حقائب الوسطاء ، وقصاصاتهم الباهتة الصفراء.

ولا ريب قطعا في ذلك ، فإن الاستقراء المتأني في التراث الفكري

٧

للعقائد الإسلامية يوضي بوضوح وجلاء إلى حقيقة وصواب ما أشرنا إليه ، وكنا وما زلنا نذكر بوجوب التعاطي معه بعقلانية وفطنة تجنبا من مغبة السقوط في مهاوي التجني والتعدي على جملة أفكار وعقائد هي أنقى من الثوب الأبيض الخالي من الأدران.

ولا يخفى على ذلك المستقرئ الفطن بأن عقائد الشيعة الإمامية قد كانت ـ وطوال قرون متلاحقة ـ في حالة سجال متواصل ، وجدال مستمر ، بأشكال وأبعاد متعددة ، معلنة بوضوح لا لبس فيه حقيقة ما تؤمن به ، وما تدين به ، وهو ما يمثل ـ بلا محاباة ـ صلب العقيدة الإسلامية النقية ، وأسسها التي ترتكز عليها ، ولما لم يجد قبالتها محاجوها ومناظروها إلا التسليم بصوابها ، والقطع بصحتها ، والنكوص عن مجاراتها ، متوزعين بين طرفي الإيمان والتسليم الباحث عن الحقيقة التي هي ضالة المؤمن ، وبين النكوص والتذرع بحجج واهية باطلة لا تنطلي على أحد ، مثيرين النقع قبال تلك الحقائق الثابتة والرصينة من خلال الكذب والافتراء ، والتلاعب بمفردات الحديث ، وهذا هو بحق سلاح العاجزين!

بيد أن ردود الفعل السلبية تلك كانت لا تلبث أن تذوي وتتهاوى لأنها لا تعتمد أية أسس علمية سليمة تدفع المتأمل بها للإيمان بدعاويها وتقولاتها السقيمة والساقطة ، حين لا ينفك علماء الشيعة ومفكروها مرارا وتكرارا من التصدي لإبطال هذه التهم الفاسدة ، وإيضاح حقيقة ما عمد الآخرون ـ بإصرار ممجوج سمج ـ إلى الطعن به ، بمدعيات عارية من الصحة. ولعل الأسفار التي تزدان بها المكتبة الشيعية خير شاهد ومصدق لما نقول ، والتي هي بمتناول الجميع ، لا يعسر على طالب حاجة اقتناؤها وسبر أغوارها.

وحقا نقول : إن حجم وأبعاد تلك الهجمات الفكرية كانت ولا زالت تتناسب طرديا مع توسع ونفوذ الفكر الشيعي قبال الأفكار الأخرى ، مادية كانت أسسها أم دينية ، إذ تحرك كلا أغراضه ونياته ، وما أكثر ما تلاقت أهداف تلك

٨

الأفكار ـ رغم تنافرها العقائدي قطعا ـ في غرز نصال الحقد سوية في جسد الفكر الشيعي ، دون إدراك منهم بأن ذلك خير مبعث للانطلاق من قبل مفكري الشيعة نحو آفاق أوسع وأبعد على الساحة الفكرية بأشكالها المختلفة.

ثم إن الملفت لنظر الباحث في مدعيات كل أولئك المتجلببين بما يوافق ويخدم أغراضهم من المسميات المختلفة ـ سواء باسم الدفاع عن حريم الإسلام ، أو العقيدة الإنسانية قبالة تسرب الأفكار الشيعية!! ـ قد بقوا ـ ورغم تقادم الدهور والعصور ـ يجترون عين التقولات التي اخترعتها مخيلة أسلافهم ـ من الذين لا تخفى على أحد حقيقة نياتهم وأغراضهم ـ دون إضافة أو تجديد ، وكانوا مصداقا واقعيا لمن يقول : لا جديد تحت الشمس ، فأصبحوا أضحوكة الباحثين والدارسين ، من الذين سموا الإعادة والتكرار لما ثبت بطلان مدعاه ، وسقوط فحواه.

نعم ـ ولا أدنى تجن فيما نقول ـ إن كل أولئك يدورون في عين الحلقة المفرغة التي أصبحت مألوفة معروفة حتى لدى صبيان الشيعة ، وكأنهم في دورانهم هذا قد أعرضوا عن أي تفكير منطقي يظهر لهم حالة النكوص الفكري الذي يعيشون فيه ، وإن رفضهم المفكرون الاسلاميون ونبذوهم.

وفي أيامنا هذه ـ وكنتيجة منطقية للمعادلة السابقة التي أشرنا إليها آنفا ـ بدأنا نعاين بوضوح جلي فورة جديدة لذوي النيات المنحرفة ، من الذين تحركهم أصابع فاسدة مفسدة ـ تارة من خلف ستار الدعوة إلى التصحيح ، وأخرى باسم الدفاع عن الإنسانية ، وثالثة بذريعة الذود عن حرية الفكر الإنساني ، وغيرها من الأحابيل التي ما عادت تنطلي على أحد ـ من خلال ترديد عين النيرات الممجوجة ، وبشكل لا جدة فيه ، عدا سعته وكثرته.

ولا يخفى على مطلع الشكل الوسخ ، والغرض القذر التي ابتغاه أسياد سلمان رشدي ـ سيئ الذكر ـ من خلال إصداره لكتاب الآيات الشيطانية ، والمفتقر لأي مغزى ومفهوم وإشارة تستحق القراءة والمطالعة ، بل لا تجده إلا

٩

سلة قمامة تغص بالمهاترات والكفريات والسباب الذي لا يصدر إلا عن نفوس وضيعة فاسدة أعمالها الحقد ، وأضلها الجشع فانطلقت من قمقمها لا تلوي على شئ ، فهي تدمر نفسها قبل أن تصل إلى غيرها ، لأن الأرض تخلو من عاقل لا يزدري سلمان رشدي ومن لف لفه عند مطالعته لأول سطر من كتابه المذكور.

ولا تختلف عنه بشئ (تسليمه نسرين) بانحرافها الفكري ، وسقوطها الإنساني من خلال انقيادها الأعمى خلف الثروة وبريقها اللامع الذي لوحت لها به عين المراكز المشخصة ـ التي لا يجديها تبرقعها بألف ستار وستار ، فما عادت تلك الحيل لتنطلي على أحد ، أو يمكن تمريرها على أحد ـ فانفلت شرها من عقاله ، وعدت نحوها كالمسلوب الأحاسيس والتائه العقل ، فلحقت بقرينها سلمان ، فكانا بحق مسيلمة وسجاح العصر.

نعم ، ولكن لما وجد أولئك أن سحرهم قد انقلب عليهم ، ودارت عليهم الدوائر ، وعجزوا من أن يحدثوا صدعا في البنيان الشامخ للعقيدة الإسلامية المباركة دفعهم حقدهم الأسود ، وتخبطهم الأهوج إلى سلاح العاجزين والمفلسين فكرا ، فلجأوا إلى القتل والتدمير كالذي يتخبطه الشيطان من المس ، وبشكل عشوائي لا ينم إلا عن سقوط بين ، وفشل مقطوع به ، إذ يظهر ذلك بوضوح في ما يسمى بحملات سباه الصحابة (جند الصحابة) في الباكستان ، والتي لا يصدق عليها غير عنوان الحشية الهمجية التي لا يمكن أن تصدر إلا عن محترفي القتل والسطو والتخريب ، فألبت الدنيا عليهم ، ودفعتهم إلى مزبلة التاريخ ، فما أشد إفلاس أولئك المراهنين على جدوى هذه الأعمال الواضحة السقوط وحماقتهم!

بيد أن عقد الفشل المركبة لا يسعها إلا أن تنساق بروادها إلى آخر مطاف الانحراف والفساد ، من خلال تصورات سقيمة تحاول جاهدة أن تقنع بها الحمقى والمجانين لتجد لها مبررا يدفعها للتبجح بما تقوم به ، فقد تجلى ذلك

١٠

بوضوح من خلال فاجعة الحرم الرضوي في العاشر من شهر محرم الحرام عام ١٤١٥ ه ، إذ تمثلت في هذه الواقعة حقيقة الوجه الكالح البشع لتلك الأفكار ودعاتها ، وبشكل لم يسبق له مثيل في عصرنا الحاضر ، فقد أكدوا بالدليل القاطع على حقدهم الدفين ، ونياتهم المنحرفة التي لا تخضع لأي ضابط ديني أو إنساني.

فقتل العشرات من النساء والأطفال والرجال الأبرياء حول ضريح الإمام علي بن موسى الرضا عليه‌السلام في لحظات الحزن المأساوي لفاجعة الطف الدموية ، من خلال دس المتفجرات إلى داخل هذا المكان المقدس لمما يندى له جبين الإنسانية ، وتقشعر له حتى جلود الوحش.

فماذا يمكن أن يشكل هذا الفعل الإجرامي ـ الدال على إسفاف تلك المراكز المنحرفة في عتوها وتجنيها على الشيعة ومعتقداتهم ـ من نتائج قد تكون حسبت عند التخطيط له؟! بل وماذا جنى أولئك القتلة من فعلهم الشنيع هذا!؟ نحن واثقون ومجمعون على أن أوضح ما يمكن أن يستخلص من هذا العمل ـ المترافق مع غيره من الأعمال المنحرفة الأخرى ـ هو العجز المطبق التي بدأت تلك المراكز تدركه قبالة توسع ونفوذ الفكر الشيعي في هذا العصر الذي تحاول فيه دوائر الكفر والالحاد ترتيب معادلات جديدة في العالم لا تخدم إلا مصالحها ، ومصالح أتباعها.

وحقا إن الخوض في غمار هذا الحديث لمما يكلم القلب ، ويحزن النفس ، إلا أن فيه تذكرة لمن يبحث عن الحقيقة بأن لا ينخدع بالبريق الزائف الذي تختفي خلفه تلك الوجوه المتغضنة المليئة بالحقد والشر ، بل أن يطلبها من مظانها ومنابعها الحقيقية ، والتي هي بمتناول الجميع ، ولا يعسر على أحد الوصول إليها.

فالعقائد الشيعية ـ التي يحاول أولئك المرتزقة والمنحرفون تشويهها ، وإثارة النقع قبالها ـ هي أجلى من الشمس في رابعة النهار ، ومن البدر ليالي

١١

الصيف في كبد السماء ، فلا عذر لمن ينساق من الأكاذيب والتقولات السقيمة التي تقلب الحقائق ، وتطمس معالمهما ، ويدعي بعد ذلك الجهل وعدم المعرفة.

بل وإن قلوب علماء الشيعة ومفكريهم لهي مشرعة للباحثين عن الحقيقة قبل مكتباتهم ، ولا غرو في ذلك ، فتلك هي السلوكيات التي تعلموها من مدرسة أهل البيت عليهم‌السلام ، أمناء الوحي الذين طهرهم الله تعالى من الرجس ، وعصمهم من الزلل ، وأمر سبحانه الأمة بالاقتداء بهم ، واقتفاء آثارهم.

والحمد لله تعالى أولا وآخرا.

هيئة التحرير

١٢

هوية التاريخ الإسلامي

*عيون التاريخ

*الاتجاه ... وأجواء التدوين.

صائب عبد الحميد

عيون التاريخ

نعني بعيون التاريخ : الكتب الأولى التي عينت بتدوين أحداث التاريخ الإسلامي حتى صارت في ما بعد المصادر المعول عليها في معرفة تاريخ الإسلام وسير رجاله.

ويمكن تقسيم هذه المصادر إلى قسمين : اختص الأول بتدوين حياة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وعصر الرسالة.

فيما اتسع الثاني لعهود الخلفاء بعد الرسول وحتى عصر المؤرخ غالبا.

مصادر القسم الأول :

اتسمت مصادر هذا القسم بسمة بارزة تمثلت بالعناية الفائقة بأمر الحروب والمغازي ، حتى قصر الكثير منها على هذا الباب ، ومن هنا غلب اسم (المغازي) على هذه المصادر ، فيما كان اسم (السيرة) أقل ظهورا.

وأبرز من عرف من مؤرخي هذا القسم :

١ ـ عروة بن الزبير بن العوام (٩٣ ه) : كان من فقهاء المدينة ، وقد

١٣

اعتزل الحياة السياسية في عهد أخيه عبد الله بن الزبير ، وقد أكثر الرواية عن أم المؤمنين عائشة (١).

٢ ـ أبان بن عثمان بن عفان (١٠٥ ه) : عمل واليا على المدينة لعبد الملك بن مروان سبع سنين (٢).

٣ ـ وهب بن منبه (١١٠ ـ أو ١١٤ ه) : لم يكن معتمدا في الحديث وأخبار الإسلام ، وإنما كانت غزارة علمه في الإسرائيليات ، وعمل قاضيا على صنعاء (٣).

٤ ـ عاصم بن عمر بن قتادة (١٢٠ ه) : تابعي حدث عن أبيه وجابر بن عبد الله وأنس ، ومن التابعين الإمام علي بن الحسين والحسن بن محمد بن الحنفية وعبيد الله الخولاني ، وحدث عند ابن إسحاق والأسود ربيب عروة. أمره عمر بن عبد العزيز أن يجلس في المسجد الأموي بدمشق فيحدث الناس بالمغازي ومناقب الصحابة (٤).

٥ ـ شرحبيل بن سعد (١٢٣ ه) : كان من أعلم الناس بالمغازي ، إلا أنه كان يجعل لمن لا سابقة له سابقة ، فأسقطوا مغازيه وعلمه (٥). لكن سفيان ابن عيينة قال فيه : لم يكن أحد أعلم بالمغازي والبدريين منه. ووثقه يحيى بن معين وابن حبان ، وخرج له ابن حبان وابن خزيمة في صحيحيهما (٦).

٦ ـ ابن شهاب الزهري (١٢٤ ه) : له كتاب المغازي ، حفظت أجزاء منه في كتاب (المصنف) لعبد الرزاق الصنعاني. وكان الزهري صاحب شرطة بني

__________________

(١) الطبقات الكبرى ٥ / ١٧٨ ، سير أعلام النبلاء ٤ / ٤٢١.

(٢) الطبقات الكبرى ٥ / ١٥١ ، سير أعلام النبلاء ٤ / ٣٥١.

(٣) سير أعلام النبلاء ٤ / ٥٤٤ ، معجم الأدباء ١٩ / ٢٥٩.

(٤) سير أعلام النبلاء ٥ / ٢٤٠ ، تهذيب التهذيب ٥ / ٤٧.

(٥) سير أعلام النبلاء ٦ / ١١٦ ضمن ترجمة موسى بن عقبة.

(٦) تهذيب التهذيب ٤ / ٢٨٢ ، الثقات ٤ / ٣٦٥.

١٤

أمية ، ولم يزل مع عبد الملك بن مروان وأولاده : هشام وسليمان ويزيد ، ثم استعمله يزيد بن عبد الملك على القضاء (٧).

٧ ـ يزيد بن رومان الأسدي المدني (١٣٠ ه) : له كتاب المغازي ، منه قطع في طبقات ابن سعد ، وجل اعتماده على عروة والزهري ، وروى عنه ابن إسحاق (٨).

٨ ـ أبو الأسود الأسدي (١٣١ ه) : ربيب عروة بن الزبير ، ومعظم روايته عنه ، له كتاب المغازي ، منه قطع في (الإصابة) (٩).

٩ ـ عبد الله بن أبي بكر بن حزم (١٣٥ ه) : صاحب المغازي ، أخذ عن أبيه وعروة بن الزبير ، وحدث عنه الزهري وابن إسحاق (١٠).

١٠ ـ داود بن الحصين الأموي (١٣٥ ه) : تلميذ عكرمة ، يذهب مذهب الخوارج ، حدث عنه ابن إسحاق (١١).

١١ ـ موسى بن عقبة (١٤١ ه) : له كتاب المغازي ، اعتمد فيه رواية الزهري بالدرجة الأولى (١٢).

١٢ ـ محمد بن إسحاق بن يسار (١٥١ ه) : صاحب السيرة ، وهو أتم ما كتب في هذا القسم وأحسنه ترتيبا ، وبه صار ابن إسحاق شيخ كتاب السيرة ، وصار من جاء بعده عيالا عليه.

ولم يصلنا كتاب ابن إسحاق كاملا بل وصلت منه أجزاء فقط ، وأما الكتاب بتمامه فقد اختصره ابن هشام في (السيرة النبوية) فحذف منه أشياء

__________________

(٧) وفيات الأعيان ٣ / ٣٧١ ، ميزان الاعتدال ١ / ٦٢٥.

(٨) تهذيب التهذيب ١١ / ٢٨٤ ، تاريخ التراث العربي ٢ / ٨١.

(٩) سير أعلام النبلاء ٦ / ١٥٠ ، تاريخ التراث العربي ٢ / ٨١.

(١٠) سير أعلام النبلاء ٥ / ٣١٤.

(١١) تهذيب التهذيب ٣ / ١٥٧.

(١٢) سير أعلام النبلاء ٦ / ١١٤.

١٥

كثيرة ، وقد أشار ابن هشام إلى هذا الحذف ، وسيأتي ذكره لاحقا.

١٣ ـ محمد بن عمر الواقدي (٢٠٧ ه) : صاحب (المغازي) وقد عمل الواقدي قاضيا بشرقي بغداد لهارون الرشيد وللمأمون من بعده ، ثم تولى قضاء العسكر للمهدي أربع سنوات. وأكثر اعتماده في مغازيه على موسى بن عقبة ومعمر بن راشد ، وهما تلميذا الزهري ، وأخذ كثيرا من كتاب ابن إسحاق دون أن يذكر اسمه (١٣).

وهناك أعلام آخرون كانوا أقل أثرا في التاريخ المحفوظ ، وسيأتي ذكر بعضهم أثناء البحث.

مصادر القسم الثاني :

أما القسم الثاني من عيون التاريخ فيبرز فيه :

١ ـ تاريخ محمد بن جرير الطبري (٣١٠ ه) : ويعد أكبر موسوعة تاريخية جمعت أحداث القرون الأولى من تاريخ الإسلام ، إذ ختم الطبري تاريخه بذكر أحداث سنة ٣٠٢ ه.

فكان تاريخ الطبري المصدر الأول والأساس لمن جاء بعده ، ومنهم من توقف عنده في أخبار القرون الثلاثة ولم يتعداه إلى غيره ، كما فعل ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ) وابن خلدون في تاريخه ، وغيرهما.

هذا مع أنه لم تخل تلك الفترة من كتابات مهمة جديرة بالعناية ، وربما كانت أكثر دقة وأصدق نقلا لكثير من الأحداث على الرغم من إيجازها بالنسبة إلى تاريخ الطبري ، ومن تلك المصادر :

٢ ـ الإمامة والسياسة ـ أو تاريخ الخلفاء لابن قتيبة الدينوري ، المتوفى سنة ٢٧٦ ه.

__________________

(١) معجم الأدباء ١٨ / ٢٧٧ ، تاريخ التراث العربي ٢ / ١٠٠.

١٦

٣ ـ تاريخ اليعقوبي : لأحمد بن أبي يعقوب الكاتب ، من أعلام القرون الثالث الهجري.

٤ ـ فتوح البلدان : للبلاذري ، المتوفى سنة ٢٧٩ ه.

٥ ـ الفتوح : لابن أعثم الكوفي ، المتوفى سنة ٣٠٤ ه.

٦ ـ مروج الذهب : للمسعودي ، المتوفى سنة ٣٤٦ ه.

٧ ـ أخبار الزمان : للمسعودي أيضا ، وهو كتاب كبير كما وصفه صاحبه في (مروج الذهب) غير أنه مفقود ، وهو الكتاب الوحيد المفقود من هذه المجموعة.

أما كتب التاريخ الأخرى فقد أضافت أحداث السنين اللاحقة التي لم يدركها الطبري ولم يدونها.

نتيجة :

من هنا يمكن أن نخلص إلى القول بأنه قد انتظمت للتاريخ الإسلامي عينان ، هما :

سيرة ابن إسحاق.

تاريخ الطبري.

* * *

١٧

الاتجاه وأجواء التدوين

بين المنتمي واللامنتمي ، أين وقفت عيون التاريخ الإسلامي؟

هل كان القدر المنتمي منها هو هذه النسبة إلى الإسلام وحسب؟

تلك نسبة طبيعية صيغت من الموضوع الذي تناوله الكتاب من غير أن تكون هناك ضرورة لهيمنة هذا الموضوع على مادة الكتاب ، فكتاب التاريخ الذي يعني بأحداث حقبة زمنية ينسب إليها.

والذي يعني بأخبار طائفة من الطوائف أو أمة من الأمم ينسب إليها ، والذي يعني بأحداث بلد من البلدان ينسب إليه ، وكلها نسب لا تتعدى التعريف بموضوع الكتاب.

لكن حين ينحصر الأمر بتاريخ أمة وقد ظهرت فيها الاختلافات ، وتوزعت أبناءها الفرق والطوائف ، وتغلبت الأهواء التي تفرض هيمنتها في صياغة أفكار الناس ورؤيتهم للأحداث ... عندئذ أين سيقف التاريخ؟

هل سيكون بعيدا عن معترك الميول والأهواء ، منفصلا عن قيود الزمان والمكان ليسجل الأحداث والأخبار كما هي تماما ، وبكامل أسبابها ودواعيها المباشرة وغير المباشرة ، ثم بكامل تفاصيلها وما خلفته من آثار كما هي قبل أن تنفعل معها الميول والأهواء؟

لا شك أن هذا هو الأمل المنشود ، وهو الذي تقتضيه الأمانة للتاريخ وللحقيقة.

ولكن لا شك أيضا أن التاريخ لم يكتب في الفضاء ، ولا كان المؤرخ يستقل بساطا سحريا يقله فوق آفاق زمانه ومكانه.

إنه يكتب من على الأرض ، وفي زمان ما ومكان ما ..

وإنه يكتب ما يسمع ، لا ما يرى ..

١٨

وإنما يحدثه رجال لهم حيال الأحداث مواقف وميول ، فهو لم يسمع في الحقيقة حدثا مجردا ، وإنما سمع الحدث ممزوجا له أو مضافا إليه انفعالات الناقلين ...

وأيضا فإن المؤرخ نفسه هو واحد من أولئك البشر ، يعيش في عصر من الأعصار .. وللبشر ميول ، ولكل عصر لونه ونغماته التي ميزته عن غيره من العصور ، فهو ينفر من كل لون ونغمة لا تنسجم معها.

وفرق بين رجل يعيش فكرته لنفسه ولأصحابه الذين يتابعونه ويوافقونه ، وبين آخر يكتب فكرته لتكون بين أيدي الناس ، كل الناس ، علمائهم وعامتهم ، فإذا كان الأول قد يجد نفسه في مأمن ومعزل عن الرقباء ، فإن الثاني يرى عيون الناس وكأنها ترصد أفكاره وتحصي عليه حتى ما لم يرد بحسبانه! فهي لا تكتفي بقراءة ما سطره على الورق ، بل تتعدى إلى ما وراء ذلك لتقرأ دوافعه وميوله أيضا ، لتصدر أحكامها عليه بحق وبغير حق.

وحين يكون عصر من العصور قاسيا في مواجهة النغمات التي لا توافق نغماته ، فإنما جاءت قسوته من أناسه ، لا من أرضه ولا سمائه ..

ففي حال كهذه هل يبعد أن يكون المؤرخ مسوقا من حيث يدري أو لا يدري ، ومن حيث يريد أو لا يريد لمجاراة تلك النغمات ، أو مداراتها؟ إنه عندئذ سوف يقطع من الحقيقة التاريخية أجزاء مساوية لمقدار ذلك الانسياق.

ولعل هذا هو الأقل الأخطار الثلاثة التي قد تتعرض لها الحقيقة التاريخية ...

أما الخطر الثاني : فيتمثل في الانسياق التام لنغمات العصر وأهواء أهله ، والسير مع تياره الجارف الذي سيجرف معه أهم الحقائق التاريخية التي تعاكس اتجاه سيره.

وأما الخطر الثالث : فهو أن يكون المؤرخ نفسه من أصحاب الأهواء

١٩

الذين لا يقبلون إلا ما وافق أهواءهم ، ولا ينظرون إلى الأحداث والحقائق إلا بمنظار الهوى.

ثم إن هذا الكتاب أو ذاك من كتب التاريخ سوف يصبح مصدرا لثقافة الأجيال ، تستقي منه رؤيتها للتاريخ التي ستساهم مساهمة فعالة في صياغة عقائدها.

فحين يجتمع الناس على مصدر من مصادر التاريخ التي نسجت فيها الأحداث تحت إحدى المؤثرات الثلاثة المتقدمة ، على حساب الحقيقة التاريخية ، فمن البديهي أن تحمل أذهانهم برؤى مغايرة للحقيقة.

ومن هنا تتسرب العقائد الدخيلة إلى الأذهان ، فيعتقد الناس بأشياء ومفاهيم ليست هي من الإسلام ومفاهيمه الحقة ، وهم يظنون أنها الحق الذي لا تشوبه شائبة لكثرة ما يرونه من تسطير المؤرخين لما وربما دفاعهم عنها.

وسوف لا يكون العوام وحدهم ضحية هذه الخطيئة ، بل العلماء أيضا يقعون في ذلك حين يقفون علومهم على هذا النوع من المصادر ، وحين يكونون هم أيضا منفعلين بتلك المؤثرات الثلاثة أو بعضها.

فكيف اجتازت عيون التاريخ الإسلامي تلك الأجواء لتحفظ لنا حقائقه؟

لا شك أن الوقوف على المشاهد الحية لإثبات حقيقة ما هو أهم بكثير من البحوث النظرية والبراهين الفلسفية.

مشاهد حية من عيون التاريخ

أولا : مع مصادر القسم الأول :

١ ـ قال الزبير بن بكار (١٤) : قدم سليمان بن عبد الملك إلى مكة حاجا

__________________

(١٤) الزبير بن بكار : هو أبو عبد الله الزبير بن أبي بكر ـ ويسمى : بكار ـ بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير ، صاحب النسب ، تولى القضاء بمكة للمعتصم العباسي ، وبقي على القضاء حتى توفي سنة ٣٥٦ ه. (وفيات الأعيان ٢ / ٣١١).

٢٠