تراثنا ـ العدد [ 34 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 34 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part034imagesimage004.gif

١٢١
 &
١٢٢
 &



الخلاصة في عِلْمِ الكَلامِ

تصنيف

الإِمام العالم البارع الورع المتّقي قُطْب الديْن السَبْزَوارِيّ (من أعلام اوائل القرن السادس الهجري)

تحقيق

السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ

١٢٣
 &
١٢٤
 &



بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين ، والصلاةُ والسلامُ علىٰ أشرف الخلائق ، سيّد الْأَنبياء والمرسلين محمّد ، وعلىٰ الْأَئمّة الْأَطهار من آله وعترته الطيّبين .

وبعدُ :

فقد وفّقني الله تعالىٰ لاستغلال العُطَل الدراسية في الحوزة العلمية المباركة ، في سبيل إحياء بعض الرسائل الكلاميّة القديمة والتي لم تنشر من قبل ، فحقّقتُ منها :

١ ـ النُكت في مقدّمات الْأُصول ، للشيخ المفيد رحمه الله (ت ٤١٣) والذي نُشر لأَوّل مرّة بمناسبة الذكرىٰ الْأَلفيّة لوفاته سنة ١٤١٣ في قم المقدّسة ، وطُبع مرّتين في تلك السنة .

٢ ـ عُجالة المعرفة في أُصول الدين ، للشيخ ظهير الدين ، محمّد بن سعيد بن هبة الله ، وهو ابن القطب الراوندي من أعلام أواخر القرن السادس .

وطُبع في نشرة «تراثنا» المجيدة ، العدد ٢٩ ، شوّال ١٤١٢ .

١٢٥
 &

٣ ـ الخُلاصة في علم الكلام ، للإِمام قُطْب الدين السبزواري ، من أعلام أوائل القرن السادس .

وهو هذا الكتاب الذي ينشر هُنا لأَوّل مرّة .

وقد احتوىٰ عملنا فيه علىٰ :

١ ـ هذه المقدّمة ، الشاملة للحديث عن موضوع الكتاب ، وعن مؤلّفه ، وعن نُسخه ، ونماذج مصوَّرة منها .

٢ ـ متن الكتاب مضبوطاً ، مصحّحاً ، ومشكولاً .

٣ ـ الفوائد القيّمة ، الموجودة في هوامش النُسخ .

والله هو المسؤول أن يتقبّل عملنا بأحسن القبول ، وأن يوفّقنا لخير مأمول ، وأن يهدينا سواء السبيل .

إنّه قريب مجيب .

١٢٦
 &

المقدّمة

١ ـ موضوع الكتاب ومحتواه :

تكادُ كلمةُ المسلمين تتّفق علىٰ أنّ المعارف التي يجب علىٰ المسلم استيعابها هي : أُصول الدين ، وأحكام الشريعة .

وإن كانتِ المعرفةُ ـ بشكلٍ عامّ ـ مطلوبةً ، ومرادةً ، وبكلّ فروعها ، فيما يتعلّق بالكون والحياة ، وبخاصةٍ : ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإِنسانية التي تحدّد علاقة الإِنسان ببني نوعه ، وذوات جنسه من كافّة المخلوقات ، كالتعاليم الْأَخلاقية ، والآداب الحسنة ، التي استقطبتْ جهوداً جبّارةً من المصلحين ، وفي مقدّمتهم الْأَنبياء والْأَئمّة ، والعلماء ، والصالحين من الناس .

وبالنسبة إلىٰ هذين الواجبين ـ العقيدة والشريعة ـ فقد اختلفت المذاهب الإِسلاميّة في تحديد المصادر التي يؤخذان منها(١) لكنّها لم تختلف في أصل الالتزام بوجوبهما وضرورتهما ، لكلّ من يعتقد بالإِسلام .

وقد يكون من الواضح المعروف : أنّ الإِنسان إنّما يتحرّك في الحياة تبعاً لدعوة الضرورة وما يحسّه من الحاجة ، ويلتزم به من قناعات ، فإذن لا بُدّ من وجود قناعة تكون هي «الركيزة» الْأَساسيّة لانطلاقه ، وتوجّهه ، وتحرّكه ، وتلك هي «عقيدته» .

وأمّا منشأ انقداح هذه الركيزة عنده ، وسبب انبثاق هذه الضرورة في

__________________

(١) لاحظ حديثاً مفصّلاً عن هذا الاختلاف وأبعاده في ما قدّمناه لكتاب «الحكايات» للشيخ المفيد ، ص ١٤ وما بعدها ، وٱنظر : «نظرات في تراث الشيخ المفيد» ص ٤٠ فما بعدها .

١٢٧
 &

وجوده ، فهي :

عند البعض : إشراق وتوجيه غيبيّ ، لا غير ، ولذلك يقفون في تحديد أبعاد الركيزة «العقيدة» علىٰ التعبّد بما ورد من قبل السمع ، وما جاءت به نصوص الشرع من الحديث ، والْأَثر ، وما التزمه السلف ! فيحدّدون «التفكير البشري» بإطار ما ورد من النصّ ، وما ورد من أقوال الشارع ، وآثار السلف المشروعة ، فيما يجب علىٰ المسلم أن يعتقده ويفكّر فيه ، ويعرفه ! لا يجوز له أن يعرف غيره ، ولا يفكّر فيه ، ولا يبحث عنه ، ولا يتجاوزه !

بينما عامّة المذاهب الإِسلامية ـ ومنهم الشيعة الإِمامية ـ يرون أنّ حصر «العقيدة» في هذا الإِطار يستتبع الدوران في حلقةٍ مفرغة ، حيث إنّ المفروض قبل التوجُّه إلىٰ الحاجة ، عدم وجود اعتقاد مُسْبَق بما هو غيب ، أو يُسمّىٰ شرعاً ، أو حديثاً ، أو سمعاً ! فكيف يتمّ الالتزام بنفس الغيب ؟! فضلاً عن تحديد شيء بما يأتي عنه ؟ وعلىٰ أساسه ؟!

وبعبارة أُخرىٰ : فإنّ الغيب الذي لم تتمّ القناعة بوجوده ، كيفَ يتمّ إثبات شيءٍ به ؟! وكيف تحصلُ القناعة بشيءٍ من خلاله ؟! وهل فاقد الشيء يُعطيه ؟!

مع أنّ مثل هذا الإِشراق ، يعتمد نظرية «الجبر الإِلهيّ» المرفوض علمياً !

وقد اعتبر المسلمون ـ كافّةً ـ هذا النوع من الالتزام العقيديّ ، جموداً ، وإخماداً للفكر الإِنسانيّ ، واستبداداً بحقّ الإِنسانَ في الفكر ، ومُصادرةً لحرّيّته !

بل ، يلتزم المسلمون بأنّ الإِنسانَ لا بُدّ أن يتوصّل إلىٰ القناعة ومن خلال إحساسه ـ بفطرته ووجدانه ـ وأن يشعر ـ بنفسه ـ بلزوم ارتكازه علىٰ «ركيزة» ومنطلق ، وأن يملك «مبدأً» لحركته ، ومرجّحاً لتعيين اتّجاه سيره في هذه الحياة ، وعقيدة يحسُّ بها بوجوده ، ويعترف بها بكيانه ، ويلتزمها بعقله وضميره ، حتّىٰ تطمئنّ نفسُه بأنّها المحرّك الصائب والموجّه الْأَمين الرائد له .

ومنشأ هذه الضرورة عندهم :

إمّا إحساسه بفقدان شيء ، والفقر إليه ، والنقص عنده ، ولزوم البحث

١٢٨
 &

عنه ، وسدّ الحاجة به ، وملء الفراغ والنقص ؟

أو القناعة بالتقصير أمام ما بحوزته من إمكاناتٍ ونِعَمٍ ، يحثّه ضميره إلىٰ شكرها ، فيلزم معرفة المنعم بها عليه ؟

أو شعوره بإمكان خطرٍ يهدّده في متاهات هذا الكون الرحيب ، فيلجأ إليه ؟

وكلّ من ذلك الإِحساس بالحاجة ، والقناعة بلزوم شكر المنعم ، والشعور بوجوب دفع الخطر ، التي هي معلومة له ، موجودة عنده ، تدعوه إلىٰ «معرفةٍ» تُغْنيه ، وتمكّنه من أداء الشكر ، وتكون الملجأ له .

وهذا المنشأ ، يدعوه إلىٰ البحث والنظر ، والفكر والتأمّل ، حتّىٰ يقفَ علىٰ «معتقَدٍ» يقتنع به ، وينطلق منه لتكميل مسيرته الفكرية في الحياة ، وأداء واجباته العملية علىٰ الْأَرض .

وهذا الالتزام لا يتوقّف علىٰ التعبّد بشيءٍ ، ولا علىٰ التزامٍ مُسْبَق ، ولا علىٰ وجود شرعٍ أو نصّ ، أو حديث .

وإنْ كان بالإِمكان أنْ يسترشد الإِنسانُ في تفتيق إحساسه ، وبلورة شعوره ، وتحريك ضميره ووجدانه ، بالتعبّديات ، من أحاديث الشرع وآثار المتشرّعة ، فيمهّد بها الطريق ، ويُنير بها الدرب ، ليسير إلىٰ المنشود في أسهل السُبُل وأيسرها ، ويصل إلىٰ المطلوب بأسرع وقت ، وآمَنِ شكل وأتقنه .

لكن لا علىٰ أساس تلك القناعة المفروضة ، ولَا التعبّد المسبق ، ولا الاعتقاد الجبري .

وإنّ عامّة المسلمين يرون رفض المنهج المذكور تزمّتاً ممقوتاً ، وحنبليّة مرفوضة ، ومعارضة صريحةً حتّىٰ لنصوص الشريعة ، حيث أكّدت علىٰ أنْ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) .

١٢٩
 &

والشيعة الإِماميّة :

استهداءً بقناعات الفطرة ، والعقل السليم .

واسترشاداً بهدي القرآن الكريم ، والسُنّة الشريفة الثابتة بالطرق الموثوقة عن النبيّ صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم والْأَئمّة المعصومين عليهم السلام .

تعتمد في تحديد «المعرفة» وما يتعلّق بها من قضايا ، وأحكام ، ولوازم ، علىٰ أُسس من المنطق ، والفكر ، والبحث العلميّ ، وعلىٰ ما يُوافق عليه العقل البشريّ ، والفطرةُ الخالصة ، والابتعاد عن التناقض والتهافت والاستبداد والتعصُّب .

ومن أجل تعبيد الطرق للطالبين ، وتوضيح الحجج للراغبين ، وتقريب المسافة للبعيدين ، وتسهيل الْأَمر للمتلهّفين للحقّ : ألَّف علماؤنا الكرام كتب علم الكلام ، معتمدين مناهج عديدة ، ومسالك سديدة ، تهدي إلىٰ الرشاد ، وتوصل إلىٰ الحقّ المراد .

ومن نفائس المؤلّفات الكلاميّة : كتابنا هذا المعروف بٱسم «الخلاصة في علم الكلام» والمنسوب تأليفه إلىٰ الإِمام قُطْب الدين السبزواريّ ، من علماء أوائل القرن السادس الهجريّ .

ويتكفّل البحثَ عن «أُصول الدين» ضمن أبواب ثمانية ، وهذه مجمل بحوثها ، عبر العناوين الرئيسية فيها :

الباب الْأَوّل : في التوحيد ، وفيه فصول :

الفصل الْأَوّل : في إثبات وجوب النظر .

الفصل الثاني : في إثبات ذاته تعالىٰ .

الفصل الثالث : في صفاته الثبوتية .

الفصل الرابع : في صفاته السلبية .

الباب الثاني : في العدل ، وفيه فصول :

١٣٠
 &

الفصلُ الْأَوّل : في تعريف العدل .

الفصلُ الثاني : في الاختيار .

الفصلُ الثالث : في أنّه تعالىٰ قادرٌ علىٰ القبيح .

الفصلُ الرابع : في أنّه تعالىٰ لا يفعل القبيح .

الفصلُ الخامس : في أنّه تعالىٰ لا يريد القبيح .

الفصلُ السادس : في أنّ الكافر مكلّف كالمؤمن .

الباب الثالث : في النبوّة ، وفيه فصول :

الفصلُ الْأَوّل : في حُسْن بِعْثة الْأَنبياء عليهم السلام .

الفصلُ الثاني : في إثبات نبوّة نبيّنا محمّد صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم .

الفصلُ الثالث : في صفاته عليه السلام .

الفصلُ الرابع : كلام الله تعالىٰ مُحْدَثٌ .

الفصلُ الخامس : في جواز النسخ .

الباب الرابع : في الإِمامة ، وفيه فصول :

الفصلُ الْأَوّل : في إثبات وجوب الإِمام .

الفصلُ الثاني : في صفات الإِمام .

الفصلُ الثالث : في تعيين الإِمام .

الفصلُ الرابع : في غَيْبته عليه السلام .

الباب الخامس : في الوعد والوعيد .

الباب السادس : في الآلام والْأَعواض .

الباب السابع : في الآجال ، والْأَرزاق ، والْأَسعار ، وفيه فصول :

فصلٌ في أجل الحيوان .

فصلُ في الْأَرزاق .

فصلُ في الْأَسعار .

١٣١
 &

الباب الثامن : في أحوال المكلّفين بعد الموت ، وفيه فصول :

الفصلُ الْأَوّل : في سؤال القبر .

الفصلُ الثاني : في الإِعادة .

الفصلُ الثالث : في الشفاعة .

الفصلُ الرابع : في عدم التكليف في الآخرة .

*       *      *

١٣٢
 &

٢ ـ أهمّيّة الكتاب فكريّاً وتراثيّاً :

غلب السلاجقة علىٰ الْأُمور وقد كانت جذور الحياة القبليّة راسخةً في أعماق نفوسهم ممّا أثّر في دولتهم ، وكانوا غير مثقّفين ، ولم يُحاولوا الاستعانة بالحكماء والعلماء كثيراً ، بل غلبتْ عليهم الصِبغةُ العسكرية ، فقد أدّتْ قوّة النظام القبليّ إلىٰ إثارة الفتن والقلاقل ، كما أثّرتْ بداوة السلاجقة في تعصّبهم الشديد للمذهب السُنّي الذي يرعاه الخليفة العبّاسيّ في بغداد ، فاستغلّوا ذلك في سبيل القضاء علىٰ آل بُوَيْه ـ الديالمة ـ الوزراء المتمسّكين بالمذهب الشيعيّ ، فتمّ لهم ذلك .

«حتّىٰ سيطر طغرل ـ كبير السلاجقة ـ علىٰ الخليفة العبّاسيّ سيطرةً تامّةً ، فلم يكن الخليفة يستطيعُ التصرُّفَ ـ حتّىٰ في ممتلكاته الخاصّة ـ بعد أن ترك لطغرل كلّ شيء .

وبلغتْ قوّةُ طغرل في العراق حدّاً جعله يفكّر في مُصاهرة الخليفة العبّاسيّ القائم بأمر الله ، بالزواج من ابنته ، وقد فزع الخليفةُ العبّاسيّ من فكرة مُصاهرة السلاجقة ، وإعطاء ابنته لطغرل ـ وهو في السبعين من عمره ـ فرفض أوّل الْأَمر ، ولكنّه هُدِّد وخُوِّف ، فأرغمته عوامل الضعف والخوف علىٰ القبول مضطرّاً»(٢) .

وهكذا أصبح التعصّب للمذهب السُنّي وسيلةً بيد هؤلاء الغزاة للسيطرة علىٰ البلاد ، وكانَ ذلك يُقوّيهم ، ويجمع حولهم المتعصّبين من أعداء التشيّع .

__________________

(٢) سلاجقة إيران والعراق ـ للدكتور عبد النعيم محمّد حسنين ـ : ٤٢ ـ ٤٣ ، وكافّة المعلومات السابقة حول السلاجقة مأخوذة من هذا الكتاب .

١٣٣
 &

وقد أثّرت سيطرة هؤلاء الجهلة المتعصّبين ومَنْ تلاهم من الْأُمراء الخوارزمية والْأَيّوبية ـ في الشام ـ أن يتعرّض الشيعة إلىٰ اضطهاد في القرنين (٤٥٠ ـ ٦٥٠) فكانا من أشدّ الفترات العصيبة في تاريخ الإِسلام عموماً ، والتشيّع خصوصاً ، حيث أدّىٰ ذلك إلىٰ ابتلاء الْأُمّة ، بأشكالٍ من العصبيّات المقيتة ، وسيطرة القبائل البعيدة عن الثقافة ، كالسلاجقة والْأَيّوبيّين ، من الّذين استغلّوا اختلاف المذاهب ، في إثارة الطائفيّة بين الْأُمّة الإِسلامية ، والتمسّك بالحنبلية والتشدّد بٱسم التديّن ، واعتمادهم سياسة القمع المذهبيّ ، والمحاسبة علىٰ العقائد إرضاءً لأَفكار العامّة الجهلة ، كلّ ذلك دعماً لكراسيهم ، وتحكيماً لسيطرتهم .

فكان علىٰ أثر ذلك أنْ تعرّضتْ مدارسُ الشيعة ومراكزهم العلميّة وعلماؤهم الكبار إلىٰ أشكال من الهجوم والتهجير والإِبادة(٣) .

وهذا هو السبب المباشر في شحّة المصادر المتكفّلة بالحديث عن تاريخ هذه الفترة ، وكذلك ضياع التراث الذي أنتجته عقول مفكّريها ومؤلّفيها .

مع أنّ الشذرات الباقية ، سواء من المصادر التاريخية ، أو التراث المتبقّىٰ ، تدلّ علىٰ ضخامة الثروة وعظمة الجهود المبذولة ، في سبيل إبقاء الحضارة ، والحفاظ علىٰ استمرار حياتها .

فهذان الكتابان العظيمان : معالم العلماء ، لابن شهر آشوب (ت ٥٨٨) وفهرست الشيخ منتجب الدين ابن بابويه (كان حيّاً في ٦٠٠) يدلّان علىٰ ما نقول بوضوح .

وكذلك المنقولات عن «تاريخ الريّ» و «تاريخ الإِمامية» لابن أبي طيّ الحلبي ، يكشفان عن مجدٍ رفيع ، وحركة واسعة .

بالرغم من كلّ العراقيل ، والصعوبات ، والعقبات ، والهجمات الشرسة

__________________

(٣) انظر : الثقات العيون ـ التقديم ـ : ص / هـ ـ و .

١٣٤
 &

التي قام بها الْأَعداء الْأَراذل ، ضدّ الحقّ ورجاله وتُراثه .

فوجود مثل هذا الكتاب ـ وفي خضمّ هذه الفترة بالذات ـ فيه من الدلالة الواضحة علىٰ قوّة العقيدة ، ورسوخ التصميم الْأَكيد علىٰ إبقاء جذوتها متّقدة ، مُنيرة ، مُشعّةً ، هادية .

فهو علىٰ صغر حجمه ، وبالقوّة ، والمتانة ، والجامعية ، التي يمتاز بها ، عيّنة وافية الدلالة علىٰ ذلك .

ويلاحظ في الكتاب :

أنّه يعتمد بشكلٍ عامّ علىٰ الاستدلال العقليّ لكلّ قضاياهُ الكلّية ، وليس في كلّ الكتاب موردٌ يلتجئ فيه إلىٰ الْأَدلّة السمعيّة في أُصول المسائل المطروحة فيه .

نعم ، في القضايا الجزئية ، التي لا مجال لدرك العقل لها ، ولا تدخل في مجال إثباته ونفيه ، بل طريقها السمع والنقل أو الثبوت العرفيّ ، استند إلىٰ الْأَدلّة المقبولة لمن اعتقد بتلك الْأُصول ووافقَ عليها ، وهي :

قضيّة تعيين أشخاص الْأَنبياء والْأَئمّة عليهم السلام .

وما يحدث في القَبْر من السؤال .

والشفاعة في يوم القيامة .

ومن ناحيةٍ أُخرىٰ : فإنّ وجود هذا الكتاب ، وبالصورة التي أُلّفتْ فيه قضاياه ومسائله ، يدلّ علىٰ تكامل التصوّر الشيعي لأُصول الدين منذ تأليفه في أوائل القرن السادس الهجريّ ، ومطابقته لما عليه العقيدة الشيعية في هذا القرن الذي نحن فيه .

وهذا يكشف عن اتّصال حلقات الفكر الشيعيّ مدىٰ القرون .

وبذلك يثبت زيف المزاعم التي يُثيرها النواصبُ الجهلة ، أعداء الحقّ ، ضدّ شيعة آل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم ، من الترّهات والْأَكاذيب ،

١٣٥
 &

ونسبة عقائد الشيعة إلىٰ تواريخ متأخرة تبعاً لنعيق أعداء الله : اليهود والنصارىٰ ، المتلبّسين بقميص الاستشراق المتهرّئ ، وأدعياء تأريخ الحركات الفكرية في العالم الإِسلامي ، من أمثال ، فلهاوزن ، وفلوتن ، وجولدزيهر ، وماسينيون .

وذيولهم العرب المستسلمين ، والراقصين علىٰ نغماتهم ، من أمثال أحمد أمين ، وطهٰ حسين ، ورشيد رضا ، ومحمود صبحي ، وإلٰهي ظهير ، طلائع الرتل الخامس للاستعمار والصهيونيّة ، في البلاد الإِسلاميّة .

وأمّا أهمّيّة هذا الكتاب تُراثيّاً :

فإنّ انتشار نسخه المخطوطة في مكتبات العالم ، وفيها نسخ قديمة من القرن السابع والثامن والتاسع ، وما تلاها ، وكتابتها في بلدان مختلفة ، وبأيدي شخصيّات علمية مرموقة ، يدلّ كلّ ذلك علىٰ عناية فائقة به .

وبما أنّ الكتاب لم يُطبع لحدّ الآن ، أقدمنا علىٰ طبعه بعد تحقيقه والتقديم له ، اعتزازاً بهذا الْأَثر الثمين ، وتخليداً للفكر الإِماميّ ، وتمجيداً بالتراث الإِسلاميّ ، وتجديداً لذكرىٰ العلماء الْأَعلام الّذين خدموا الدين والعلم والحضارة ، بجهودهم القيّمة .

والحمد لله علىٰ توفيقه .

*       *      *

١٣٦
 &

٣ ـ مؤلّف الكتاب :

عُرِفَ هذا الكتابُ بٱسم : «الخُلاصة في أُصول الدين» ذات الْأَبواب الثمانية ، منسوباً إلىٰ «بعض قدماء الْأَصحاب»(٤) .

وجاءت تسميتها بـ : «الخلاصة في علم الكلام» في نسخة من النسخ المتوفّرة ، كما سيجيء ضمن التعريف بها .

وكتابنا هو الرسالة ذات الْأَبواب الثمانية ، فلا بُدّ أن يكون هو المقصود بما نُسب إلىٰ بعض القدماء ، حتماً .

وأَهْمَلَتْ بعضُ النسخ ذكر المؤلّف ، إلّا أنّ المذكور مع بعضها أنّه «تصنيف قُطْب الدين السَبْزَواريّ» .

ومعَ أنّ اسم «الخُلاصة في الكلام» مقيّداً بـ «الْأَبواب الثمانية» لم يُذكر في كتب الفهارس ، ولا معاجم التراجم ، منسوباً إلىٰ شخص ملقَّب بـ «قُطْب الدين السَبْزواريّ» .

إلّا أنّ سماحة السيّد المرعشيّ ـ قدّس الله روحه ـ ذكر في وصفه لنسخة «د» المرقّمة في مكتبته العامرة برقم ٥١٤ قوله : «الخُلاصة في العقائد ، للعلّامة المولىٰ قُطْب الدين السَبْزواريّ ، من تلاميذ شيخنا الشهيد الْأَوّل»(٥) .

وجاء في بعض فهارس المكتبة الرضويّة المقدّسة في مشهد : ذكر نسخة من «إرشاد الْأَذهان» للعلّامة الحلّي ، برقم ٢٢١٣ ، كتبها قطب الدين السبزواريّ(٦) .

مضافاً إلىٰ أنّ ناسخ النسخة المرقمة ٤٥٤ في المكتبة المرعشية ، علّق

__________________

(٤) الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، والثقات العيون : ٣١٣ .

(٥) لاحظ نماذج مصوّرات النُسخ ، بداية المجموعة ٥١٤ ، لنسخة (د) .

(٦) فهرست ألفبائي : ٣٩ .

١٣٧
 &

علىٰ قول المصنّف في متن كتابنا ـ في بحث الإِمامة ـ «وهو مذكور في (المنهج)» بقوله : «اسم كتاب ، أي في المنهج الثامن من كتاب (مناهج اليقين) للشيخ جمال الدين بن المطهّر رحمه الله»(٧) .

لكن ، مع التتبّع الوافر والطويل الْأَمد في كتب التراجم ـ المتوفّرة ـ لم نجد فيها مَنْ لُقِّبَ من الْأَعلام بـ «قطب الدين السبزواري» في طبقة تلاميذ الشهيد الْأَوّل .

مع أنّ شيخنا العلّامة الطهرانيّ ذكر في موسوعته العظيمة «الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة» وجود نسخة من هذا الكتاب ، كتبها مهديّ بن الحسن بن محمّد النيرميّ سند ٦٥٧(٨) .

ووجود هذه النسخة يدلّ علىٰ تقدّم تأليف الكتاب علىٰ ولادة الشهيد الْأَوّل في سنة ٧٣٤ ، فكيف يكون مؤلّف هذا الكتاب من تلامذته ؟!

وأمّا ما في تعليقة النسخة المرقّمة ٤٥٤ ، المحفوظة في المكتبة المرعشية ، فلا يمكن الاستناد إليه :

أوّلاً : أنّ ولادة العلّامة في سنة ٦٤٨ ، فيكون حين كتابة تلك النسخة في سنة ٦٥٧ ابن تسع سنين ، فمن البعيد أن يكون مؤلِّفاً لكتاب «مناهج اليقين»(٩) فضلاً عن أن يصبح مرجعاً لمؤلّف الخلاصة !

مع أنّ «مناهج اليقين» هو من أوسع الكتب الكلاميّة التي ألّفها العلّامة !؟

علىٰ أنّ العلّامة إنّما بدأ التأليف وعمره (ثلاثون) سنة ، علىٰ ما ببالي !؟

__________________

(٧) لاحظ المتن ، الباب الرابع في الإِمامة ، آخر الفصل الأوّل .

(٨) الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، والثقات العيون : ٣١٣ .

وقد نقلنا عبارته في التعريف بالنسخ .

(٩) هذا هو الصحيح في اسم الكتاب ، وقد ذكر بٱسم «المنهج» و «المنهاج» فلاحظ : الذريعة ٢٣ / ١٨١ و ٢٠٠ .

١٣٨
 &

وثانياً : إنّ المعلّق المذكور خلط بين (المنهج) الذي هو اسم كتابٍ ، وبين (المنهج) الثامن ، الذي هو واحد من المناهج المؤلَّف عليها كتاب العلّامة !

وثالثاً : إنّ الظاهر من عبارة المتن ، أنّ (المنهج) المذكور إنّما هو اسم كتابٍ في أُصول الفقه ، لا في أُصول الدين ، حيث إنّ المؤلّف أحال عليه بحثاً أُصوليّاً ، وهو مسألة «تقليل الاشتراك في اللفظ» وهذا واضح لمن تأمّل العبارة !

وبوجود النسخة المكتوبة سنة ٦٥٧ من كتابنا ، وينتفي أن يكون مؤلّفه هو كاتب نسخة (الإِرشاد) للعلّامة ، إذ من البعيد أن يكون شخصٌ بمستوىٰ التأليف ـ والعلّامة دون العاشرة من عمره ـ ويبقىٰ إلىٰ أن يستنسخَ كتاباً للعلّامة !؟

خصوصاً إذا لاحظنا أنّ «قًطْب الدين السبزواريّ» المنسوب إليه الكتاب ، موصوفٌ في تلك النسخ بأنّه «الإِمام ، العالم ، البارع ، الورع ، المتّقي» و «مولانا الْأَعظم» .

ممّا يستدعي أن يكون شخصيّةً معروفةً ، متميّزةً حين تأليفه .

ووجود نسخة ابن العوديّ ، المكتوبة سنة ٧٤٢ يُنافي ـ أيضاً ـ كون مؤلّفه «من تلاميذ الشهيد الْأَوّل» .

حيث إنّ الشهيد وُلد سنة ٧٣٤ ، فيكون في سنة ٧٤٢ ابن (ثمان) سنين ، فكيف يكون مؤلّف الكتاب ـ المكتوب سنة ٧٤٢ ـ من تلامذته ؟!

ووجود نسخة سنة ٦٥٧ ينفي احتمال أن يكون الكتاب من تأليف أحمد ابن الحسين بن أبي القاسم العوديّ كاتب النسخة (أ) نفسه :

فمضافاً إلىٰ الاختلاف الكبير بين نسخة ابن العوديّ ، وبقيّة النسخ ، حيث يدلّ علىٰ عدم كونها نسخة المؤلّف ، خصوصاً مع ترجيح تلك النسخ عليها أحياناً من حيث الضبط والصحّة ، كما يبدو للناظر إلىٰ الفوارق التي أثبتناها في الهوامش .

١٣٩
 &

فإنّ وجود نسخة مكتوبة سنة ٦٥٧ يقتضي ـ بوضوح ـ أن يكون تأليف الكتاب قبل هذه الفترة .

ولا بُدّ من الوقوف علىٰ مَنْ يلقّب بـ «قطب الدين» وينسب إلىٰ مدينة «سبزوار» ويعيش في الفترة ما بين سنتَي (٥٠٠ ـ ٦٥٠ هـ) علىٰ أكثر التقادير .

وإذا لاحظنا أنّ المؤلّف وُصِفَ في بعض النسخ بـ «الإِمام ، العالم ، البارع ، الورع ، المتّقي» وعُرِّفَ بـ «مولانا الْأَعظم»(١٠) .

ولاحظنا أنّ شخصيّاتٍ معروفةً اهتمّوا باستنساخ كتابه ، كٱبن فتحان الكاشاني ، وأحمد ابن العوديّ الْأَسديّ الحلّيّ .

ولاحظنا وفرة نسخ الكتاب ، ممّا يدلّ علىٰ عناية فائقة به ، فإنّ مؤلّفاً مثل هذا لا بُدّ أن يكون مذكوراً ، بل معروفاً ، مشهوراً ، لا مجهولاً ، مغموراً ، وغير مترجَمٍ !

وإذا اعتبرنا أنّ النسبة إلىٰ «سبزوار» تتبادل مع النسبة إلىٰ «نيسابور» باعتبار أنّ «سبزوار» كانت ـ قديماً ـ من نواحي إقليم نيسابور ، والنسبة إلىٰ الإِقليم الْأَعمّ مشهور ، والاكتفاء به شائع ، يمكن أن يقال :

إنّ المترجِمين اكتفوا بنسبة «النيسابوريّ» عن «السبزواري» .

وعندما بحثنا عن الملقَّبين بـ «قطب الدين» والمنسوبين إلىٰ «نيسابور» وما يقرب منها من المدن وفي خلال الفترة (٥٠٠ ـ ٦٥٠ هـ) وجدنا عدّة أشخاص :

الْأَوّل : قطب الدين النيسابوريّ ، أبو الفضل ، عبدالله بن محمّد بن عبدالله ، الحيريّ ، المفتي .

ترجمه ابن الفوطي البغداديّ ، وقال : كان فقيهاً ، فاضلاً ، عالماً ،

__________________

(١٠) كما في النسخ : د ، هـ ، و .

١٤٠