تراثنا ـ العدد [ 34 ] - ج ٣٤

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 34 ] - ج ٣٤

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧-٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠-٣١   الجزء ٣٤   الجزء ٣٥-٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨-٣٩   الجزء ٤١ ـ ٤٢   الجزء ٤٣-٤٤   الجزء ٤٥ - ٤٦   الجزء ٤٧ - ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠ - ٥١   الجزء ٥٢   الجزء ٥٣ و ٥٤   الجزء ٥٥ و ٥٦   الجزء ٥٧   الجزء ٥٨   الجزء ٥٩ و ٦٠   الجزء ٦١   الجزء ٦٢   الجزء ٦٣ و ٦٤   الجزء ٦٥   الجزء ٦٦ و ٦٧   الجزء ٦٨   الجزء ٦٩ و ٧٠   الجزء ٧١ و ٧٢   الجزء ٧٣ و ٧٤   الجزء ٧٥ و ٧٦   الجزء ٧٧ و ٧٨   الجزء ٧٩ و ٨٠   الجزء ٨١ و ٨٢   الجزء ٨٣ و ٨٤   الجزء ٨٥ و ٨٦   الجزء ٨٧ و ٨٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

Description: E:BOOKSBook-LibraryENDQUEUETurathona-part034imagesimage004.gif

١٢١
 &
١٢٢
 &



الخلاصة في عِلْمِ الكَلامِ

تصنيف

الإِمام العالم البارع الورع المتّقي قُطْب الديْن السَبْزَوارِيّ (من أعلام اوائل القرن السادس الهجري)

تحقيق

السيّد محمّد رضا الحسينيّ الجلاليّ

١٢٣
 &
١٢٤
 &



بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمدُ لله ربّ العالمين ، والصلاةُ والسلامُ علىٰ أشرف الخلائق ، سيّد الْأَنبياء والمرسلين محمّد ، وعلىٰ الْأَئمّة الْأَطهار من آله وعترته الطيّبين .

وبعدُ :

فقد وفّقني الله تعالىٰ لاستغلال العُطَل الدراسية في الحوزة العلمية المباركة ، في سبيل إحياء بعض الرسائل الكلاميّة القديمة والتي لم تنشر من قبل ، فحقّقتُ منها :

١ ـ النُكت في مقدّمات الْأُصول ، للشيخ المفيد رحمه الله (ت ٤١٣) والذي نُشر لأَوّل مرّة بمناسبة الذكرىٰ الْأَلفيّة لوفاته سنة ١٤١٣ في قم المقدّسة ، وطُبع مرّتين في تلك السنة .

٢ ـ عُجالة المعرفة في أُصول الدين ، للشيخ ظهير الدين ، محمّد بن سعيد بن هبة الله ، وهو ابن القطب الراوندي من أعلام أواخر القرن السادس .

وطُبع في نشرة «تراثنا» المجيدة ، العدد ٢٩ ، شوّال ١٤١٢ .

١٢٥
 &

٣ ـ الخُلاصة في علم الكلام ، للإِمام قُطْب الدين السبزواري ، من أعلام أوائل القرن السادس .

وهو هذا الكتاب الذي ينشر هُنا لأَوّل مرّة .

وقد احتوىٰ عملنا فيه علىٰ :

١ ـ هذه المقدّمة ، الشاملة للحديث عن موضوع الكتاب ، وعن مؤلّفه ، وعن نُسخه ، ونماذج مصوَّرة منها .

٢ ـ متن الكتاب مضبوطاً ، مصحّحاً ، ومشكولاً .

٣ ـ الفوائد القيّمة ، الموجودة في هوامش النُسخ .

والله هو المسؤول أن يتقبّل عملنا بأحسن القبول ، وأن يوفّقنا لخير مأمول ، وأن يهدينا سواء السبيل .

إنّه قريب مجيب .

١٢٦
 &

المقدّمة

١ ـ موضوع الكتاب ومحتواه :

تكادُ كلمةُ المسلمين تتّفق علىٰ أنّ المعارف التي يجب علىٰ المسلم استيعابها هي : أُصول الدين ، وأحكام الشريعة .

وإن كانتِ المعرفةُ ـ بشكلٍ عامّ ـ مطلوبةً ، ومرادةً ، وبكلّ فروعها ، فيما يتعلّق بالكون والحياة ، وبخاصةٍ : ما يرتبط بالجوانب الاجتماعية والإِنسانية التي تحدّد علاقة الإِنسان ببني نوعه ، وذوات جنسه من كافّة المخلوقات ، كالتعاليم الْأَخلاقية ، والآداب الحسنة ، التي استقطبتْ جهوداً جبّارةً من المصلحين ، وفي مقدّمتهم الْأَنبياء والْأَئمّة ، والعلماء ، والصالحين من الناس .

وبالنسبة إلىٰ هذين الواجبين ـ العقيدة والشريعة ـ فقد اختلفت المذاهب الإِسلاميّة في تحديد المصادر التي يؤخذان منها(١) لكنّها لم تختلف في أصل الالتزام بوجوبهما وضرورتهما ، لكلّ من يعتقد بالإِسلام .

وقد يكون من الواضح المعروف : أنّ الإِنسان إنّما يتحرّك في الحياة تبعاً لدعوة الضرورة وما يحسّه من الحاجة ، ويلتزم به من قناعات ، فإذن لا بُدّ من وجود قناعة تكون هي «الركيزة» الْأَساسيّة لانطلاقه ، وتوجّهه ، وتحرّكه ، وتلك هي «عقيدته» .

وأمّا منشأ انقداح هذه الركيزة عنده ، وسبب انبثاق هذه الضرورة في

__________________

(١) لاحظ حديثاً مفصّلاً عن هذا الاختلاف وأبعاده في ما قدّمناه لكتاب «الحكايات» للشيخ المفيد ، ص ١٤ وما بعدها ، وٱنظر : «نظرات في تراث الشيخ المفيد» ص ٤٠ فما بعدها .

١٢٧
 &

وجوده ، فهي :

عند البعض : إشراق وتوجيه غيبيّ ، لا غير ، ولذلك يقفون في تحديد أبعاد الركيزة «العقيدة» علىٰ التعبّد بما ورد من قبل السمع ، وما جاءت به نصوص الشرع من الحديث ، والْأَثر ، وما التزمه السلف ! فيحدّدون «التفكير البشري» بإطار ما ورد من النصّ ، وما ورد من أقوال الشارع ، وآثار السلف المشروعة ، فيما يجب علىٰ المسلم أن يعتقده ويفكّر فيه ، ويعرفه ! لا يجوز له أن يعرف غيره ، ولا يفكّر فيه ، ولا يبحث عنه ، ولا يتجاوزه !

بينما عامّة المذاهب الإِسلامية ـ ومنهم الشيعة الإِمامية ـ يرون أنّ حصر «العقيدة» في هذا الإِطار يستتبع الدوران في حلقةٍ مفرغة ، حيث إنّ المفروض قبل التوجُّه إلىٰ الحاجة ، عدم وجود اعتقاد مُسْبَق بما هو غيب ، أو يُسمّىٰ شرعاً ، أو حديثاً ، أو سمعاً ! فكيف يتمّ الالتزام بنفس الغيب ؟! فضلاً عن تحديد شيء بما يأتي عنه ؟ وعلىٰ أساسه ؟!

وبعبارة أُخرىٰ : فإنّ الغيب الذي لم تتمّ القناعة بوجوده ، كيفَ يتمّ إثبات شيءٍ به ؟! وكيف تحصلُ القناعة بشيءٍ من خلاله ؟! وهل فاقد الشيء يُعطيه ؟!

مع أنّ مثل هذا الإِشراق ، يعتمد نظرية «الجبر الإِلهيّ» المرفوض علمياً !

وقد اعتبر المسلمون ـ كافّةً ـ هذا النوع من الالتزام العقيديّ ، جموداً ، وإخماداً للفكر الإِنسانيّ ، واستبداداً بحقّ الإِنسانَ في الفكر ، ومُصادرةً لحرّيّته !

بل ، يلتزم المسلمون بأنّ الإِنسانَ لا بُدّ أن يتوصّل إلىٰ القناعة ومن خلال إحساسه ـ بفطرته ووجدانه ـ وأن يشعر ـ بنفسه ـ بلزوم ارتكازه علىٰ «ركيزة» ومنطلق ، وأن يملك «مبدأً» لحركته ، ومرجّحاً لتعيين اتّجاه سيره في هذه الحياة ، وعقيدة يحسُّ بها بوجوده ، ويعترف بها بكيانه ، ويلتزمها بعقله وضميره ، حتّىٰ تطمئنّ نفسُه بأنّها المحرّك الصائب والموجّه الْأَمين الرائد له .

ومنشأ هذه الضرورة عندهم :

إمّا إحساسه بفقدان شيء ، والفقر إليه ، والنقص عنده ، ولزوم البحث

١٢٨
 &

عنه ، وسدّ الحاجة به ، وملء الفراغ والنقص ؟

أو القناعة بالتقصير أمام ما بحوزته من إمكاناتٍ ونِعَمٍ ، يحثّه ضميره إلىٰ شكرها ، فيلزم معرفة المنعم بها عليه ؟

أو شعوره بإمكان خطرٍ يهدّده في متاهات هذا الكون الرحيب ، فيلجأ إليه ؟

وكلّ من ذلك الإِحساس بالحاجة ، والقناعة بلزوم شكر المنعم ، والشعور بوجوب دفع الخطر ، التي هي معلومة له ، موجودة عنده ، تدعوه إلىٰ «معرفةٍ» تُغْنيه ، وتمكّنه من أداء الشكر ، وتكون الملجأ له .

وهذا المنشأ ، يدعوه إلىٰ البحث والنظر ، والفكر والتأمّل ، حتّىٰ يقفَ علىٰ «معتقَدٍ» يقتنع به ، وينطلق منه لتكميل مسيرته الفكرية في الحياة ، وأداء واجباته العملية علىٰ الْأَرض .

وهذا الالتزام لا يتوقّف علىٰ التعبّد بشيءٍ ، ولا علىٰ التزامٍ مُسْبَق ، ولا علىٰ وجود شرعٍ أو نصّ ، أو حديث .

وإنْ كان بالإِمكان أنْ يسترشد الإِنسانُ في تفتيق إحساسه ، وبلورة شعوره ، وتحريك ضميره ووجدانه ، بالتعبّديات ، من أحاديث الشرع وآثار المتشرّعة ، فيمهّد بها الطريق ، ويُنير بها الدرب ، ليسير إلىٰ المنشود في أسهل السُبُل وأيسرها ، ويصل إلىٰ المطلوب بأسرع وقت ، وآمَنِ شكل وأتقنه .

لكن لا علىٰ أساس تلك القناعة المفروضة ، ولَا التعبّد المسبق ، ولا الاعتقاد الجبري .

وإنّ عامّة المسلمين يرون رفض المنهج المذكور تزمّتاً ممقوتاً ، وحنبليّة مرفوضة ، ومعارضة صريحةً حتّىٰ لنصوص الشريعة ، حيث أكّدت علىٰ أنْ (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) .

١٢٩
 &

والشيعة الإِماميّة :

استهداءً بقناعات الفطرة ، والعقل السليم .

واسترشاداً بهدي القرآن الكريم ، والسُنّة الشريفة الثابتة بالطرق الموثوقة عن النبيّ صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم والْأَئمّة المعصومين عليهم السلام .

تعتمد في تحديد «المعرفة» وما يتعلّق بها من قضايا ، وأحكام ، ولوازم ، علىٰ أُسس من المنطق ، والفكر ، والبحث العلميّ ، وعلىٰ ما يُوافق عليه العقل البشريّ ، والفطرةُ الخالصة ، والابتعاد عن التناقض والتهافت والاستبداد والتعصُّب .

ومن أجل تعبيد الطرق للطالبين ، وتوضيح الحجج للراغبين ، وتقريب المسافة للبعيدين ، وتسهيل الْأَمر للمتلهّفين للحقّ : ألَّف علماؤنا الكرام كتب علم الكلام ، معتمدين مناهج عديدة ، ومسالك سديدة ، تهدي إلىٰ الرشاد ، وتوصل إلىٰ الحقّ المراد .

ومن نفائس المؤلّفات الكلاميّة : كتابنا هذا المعروف بٱسم «الخلاصة في علم الكلام» والمنسوب تأليفه إلىٰ الإِمام قُطْب الدين السبزواريّ ، من علماء أوائل القرن السادس الهجريّ .

ويتكفّل البحثَ عن «أُصول الدين» ضمن أبواب ثمانية ، وهذه مجمل بحوثها ، عبر العناوين الرئيسية فيها :

الباب الْأَوّل : في التوحيد ، وفيه فصول :

الفصل الْأَوّل : في إثبات وجوب النظر .

الفصل الثاني : في إثبات ذاته تعالىٰ .

الفصل الثالث : في صفاته الثبوتية .

الفصل الرابع : في صفاته السلبية .

الباب الثاني : في العدل ، وفيه فصول :

١٣٠
 &

الفصلُ الْأَوّل : في تعريف العدل .

الفصلُ الثاني : في الاختيار .

الفصلُ الثالث : في أنّه تعالىٰ قادرٌ علىٰ القبيح .

الفصلُ الرابع : في أنّه تعالىٰ لا يفعل القبيح .

الفصلُ الخامس : في أنّه تعالىٰ لا يريد القبيح .

الفصلُ السادس : في أنّ الكافر مكلّف كالمؤمن .

الباب الثالث : في النبوّة ، وفيه فصول :

الفصلُ الْأَوّل : في حُسْن بِعْثة الْأَنبياء عليهم السلام .

الفصلُ الثاني : في إثبات نبوّة نبيّنا محمّد صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم .

الفصلُ الثالث : في صفاته عليه السلام .

الفصلُ الرابع : كلام الله تعالىٰ مُحْدَثٌ .

الفصلُ الخامس : في جواز النسخ .

الباب الرابع : في الإِمامة ، وفيه فصول :

الفصلُ الْأَوّل : في إثبات وجوب الإِمام .

الفصلُ الثاني : في صفات الإِمام .

الفصلُ الثالث : في تعيين الإِمام .

الفصلُ الرابع : في غَيْبته عليه السلام .

الباب الخامس : في الوعد والوعيد .

الباب السادس : في الآلام والْأَعواض .

الباب السابع : في الآجال ، والْأَرزاق ، والْأَسعار ، وفيه فصول :

فصلٌ في أجل الحيوان .

فصلُ في الْأَرزاق .

فصلُ في الْأَسعار .

١٣١
 &

الباب الثامن : في أحوال المكلّفين بعد الموت ، وفيه فصول :

الفصلُ الْأَوّل : في سؤال القبر .

الفصلُ الثاني : في الإِعادة .

الفصلُ الثالث : في الشفاعة .

الفصلُ الرابع : في عدم التكليف في الآخرة .

*       *      *

١٣٢
 &

٢ ـ أهمّيّة الكتاب فكريّاً وتراثيّاً :

غلب السلاجقة علىٰ الْأُمور وقد كانت جذور الحياة القبليّة راسخةً في أعماق نفوسهم ممّا أثّر في دولتهم ، وكانوا غير مثقّفين ، ولم يُحاولوا الاستعانة بالحكماء والعلماء كثيراً ، بل غلبتْ عليهم الصِبغةُ العسكرية ، فقد أدّتْ قوّة النظام القبليّ إلىٰ إثارة الفتن والقلاقل ، كما أثّرتْ بداوة السلاجقة في تعصّبهم الشديد للمذهب السُنّي الذي يرعاه الخليفة العبّاسيّ في بغداد ، فاستغلّوا ذلك في سبيل القضاء علىٰ آل بُوَيْه ـ الديالمة ـ الوزراء المتمسّكين بالمذهب الشيعيّ ، فتمّ لهم ذلك .

«حتّىٰ سيطر طغرل ـ كبير السلاجقة ـ علىٰ الخليفة العبّاسيّ سيطرةً تامّةً ، فلم يكن الخليفة يستطيعُ التصرُّفَ ـ حتّىٰ في ممتلكاته الخاصّة ـ بعد أن ترك لطغرل كلّ شيء .

وبلغتْ قوّةُ طغرل في العراق حدّاً جعله يفكّر في مُصاهرة الخليفة العبّاسيّ القائم بأمر الله ، بالزواج من ابنته ، وقد فزع الخليفةُ العبّاسيّ من فكرة مُصاهرة السلاجقة ، وإعطاء ابنته لطغرل ـ وهو في السبعين من عمره ـ فرفض أوّل الْأَمر ، ولكنّه هُدِّد وخُوِّف ، فأرغمته عوامل الضعف والخوف علىٰ القبول مضطرّاً»(٢) .

وهكذا أصبح التعصّب للمذهب السُنّي وسيلةً بيد هؤلاء الغزاة للسيطرة علىٰ البلاد ، وكانَ ذلك يُقوّيهم ، ويجمع حولهم المتعصّبين من أعداء التشيّع .

__________________

(٢) سلاجقة إيران والعراق ـ للدكتور عبد النعيم محمّد حسنين ـ : ٤٢ ـ ٤٣ ، وكافّة المعلومات السابقة حول السلاجقة مأخوذة من هذا الكتاب .

١٣٣
 &

وقد أثّرت سيطرة هؤلاء الجهلة المتعصّبين ومَنْ تلاهم من الْأُمراء الخوارزمية والْأَيّوبية ـ في الشام ـ أن يتعرّض الشيعة إلىٰ اضطهاد في القرنين (٤٥٠ ـ ٦٥٠) فكانا من أشدّ الفترات العصيبة في تاريخ الإِسلام عموماً ، والتشيّع خصوصاً ، حيث أدّىٰ ذلك إلىٰ ابتلاء الْأُمّة ، بأشكالٍ من العصبيّات المقيتة ، وسيطرة القبائل البعيدة عن الثقافة ، كالسلاجقة والْأَيّوبيّين ، من الّذين استغلّوا اختلاف المذاهب ، في إثارة الطائفيّة بين الْأُمّة الإِسلامية ، والتمسّك بالحنبلية والتشدّد بٱسم التديّن ، واعتمادهم سياسة القمع المذهبيّ ، والمحاسبة علىٰ العقائد إرضاءً لأَفكار العامّة الجهلة ، كلّ ذلك دعماً لكراسيهم ، وتحكيماً لسيطرتهم .

فكان علىٰ أثر ذلك أنْ تعرّضتْ مدارسُ الشيعة ومراكزهم العلميّة وعلماؤهم الكبار إلىٰ أشكال من الهجوم والتهجير والإِبادة(٣) .

وهذا هو السبب المباشر في شحّة المصادر المتكفّلة بالحديث عن تاريخ هذه الفترة ، وكذلك ضياع التراث الذي أنتجته عقول مفكّريها ومؤلّفيها .

مع أنّ الشذرات الباقية ، سواء من المصادر التاريخية ، أو التراث المتبقّىٰ ، تدلّ علىٰ ضخامة الثروة وعظمة الجهود المبذولة ، في سبيل إبقاء الحضارة ، والحفاظ علىٰ استمرار حياتها .

فهذان الكتابان العظيمان : معالم العلماء ، لابن شهر آشوب (ت ٥٨٨) وفهرست الشيخ منتجب الدين ابن بابويه (كان حيّاً في ٦٠٠) يدلّان علىٰ ما نقول بوضوح .

وكذلك المنقولات عن «تاريخ الريّ» و «تاريخ الإِمامية» لابن أبي طيّ الحلبي ، يكشفان عن مجدٍ رفيع ، وحركة واسعة .

بالرغم من كلّ العراقيل ، والصعوبات ، والعقبات ، والهجمات الشرسة

__________________

(٣) انظر : الثقات العيون ـ التقديم ـ : ص / هـ ـ و .

١٣٤
 &

التي قام بها الْأَعداء الْأَراذل ، ضدّ الحقّ ورجاله وتُراثه .

فوجود مثل هذا الكتاب ـ وفي خضمّ هذه الفترة بالذات ـ فيه من الدلالة الواضحة علىٰ قوّة العقيدة ، ورسوخ التصميم الْأَكيد علىٰ إبقاء جذوتها متّقدة ، مُنيرة ، مُشعّةً ، هادية .

فهو علىٰ صغر حجمه ، وبالقوّة ، والمتانة ، والجامعية ، التي يمتاز بها ، عيّنة وافية الدلالة علىٰ ذلك .

ويلاحظ في الكتاب :

أنّه يعتمد بشكلٍ عامّ علىٰ الاستدلال العقليّ لكلّ قضاياهُ الكلّية ، وليس في كلّ الكتاب موردٌ يلتجئ فيه إلىٰ الْأَدلّة السمعيّة في أُصول المسائل المطروحة فيه .

نعم ، في القضايا الجزئية ، التي لا مجال لدرك العقل لها ، ولا تدخل في مجال إثباته ونفيه ، بل طريقها السمع والنقل أو الثبوت العرفيّ ، استند إلىٰ الْأَدلّة المقبولة لمن اعتقد بتلك الْأُصول ووافقَ عليها ، وهي :

قضيّة تعيين أشخاص الْأَنبياء والْأَئمّة عليهم السلام .

وما يحدث في القَبْر من السؤال .

والشفاعة في يوم القيامة .

ومن ناحيةٍ أُخرىٰ : فإنّ وجود هذا الكتاب ، وبالصورة التي أُلّفتْ فيه قضاياه ومسائله ، يدلّ علىٰ تكامل التصوّر الشيعي لأُصول الدين منذ تأليفه في أوائل القرن السادس الهجريّ ، ومطابقته لما عليه العقيدة الشيعية في هذا القرن الذي نحن فيه .

وهذا يكشف عن اتّصال حلقات الفكر الشيعيّ مدىٰ القرون .

وبذلك يثبت زيف المزاعم التي يُثيرها النواصبُ الجهلة ، أعداء الحقّ ، ضدّ شيعة آل محمّد صلوات الله وسلامه عليهم ، من الترّهات والْأَكاذيب ،

١٣٥
 &

ونسبة عقائد الشيعة إلىٰ تواريخ متأخرة تبعاً لنعيق أعداء الله : اليهود والنصارىٰ ، المتلبّسين بقميص الاستشراق المتهرّئ ، وأدعياء تأريخ الحركات الفكرية في العالم الإِسلامي ، من أمثال ، فلهاوزن ، وفلوتن ، وجولدزيهر ، وماسينيون .

وذيولهم العرب المستسلمين ، والراقصين علىٰ نغماتهم ، من أمثال أحمد أمين ، وطهٰ حسين ، ورشيد رضا ، ومحمود صبحي ، وإلٰهي ظهير ، طلائع الرتل الخامس للاستعمار والصهيونيّة ، في البلاد الإِسلاميّة .

وأمّا أهمّيّة هذا الكتاب تُراثيّاً :

فإنّ انتشار نسخه المخطوطة في مكتبات العالم ، وفيها نسخ قديمة من القرن السابع والثامن والتاسع ، وما تلاها ، وكتابتها في بلدان مختلفة ، وبأيدي شخصيّات علمية مرموقة ، يدلّ كلّ ذلك علىٰ عناية فائقة به .

وبما أنّ الكتاب لم يُطبع لحدّ الآن ، أقدمنا علىٰ طبعه بعد تحقيقه والتقديم له ، اعتزازاً بهذا الْأَثر الثمين ، وتخليداً للفكر الإِماميّ ، وتمجيداً بالتراث الإِسلاميّ ، وتجديداً لذكرىٰ العلماء الْأَعلام الّذين خدموا الدين والعلم والحضارة ، بجهودهم القيّمة .

والحمد لله علىٰ توفيقه .

*       *      *

١٣٦
 &

٣ ـ مؤلّف الكتاب :

عُرِفَ هذا الكتابُ بٱسم : «الخُلاصة في أُصول الدين» ذات الْأَبواب الثمانية ، منسوباً إلىٰ «بعض قدماء الْأَصحاب»(٤) .

وجاءت تسميتها بـ : «الخلاصة في علم الكلام» في نسخة من النسخ المتوفّرة ، كما سيجيء ضمن التعريف بها .

وكتابنا هو الرسالة ذات الْأَبواب الثمانية ، فلا بُدّ أن يكون هو المقصود بما نُسب إلىٰ بعض القدماء ، حتماً .

وأَهْمَلَتْ بعضُ النسخ ذكر المؤلّف ، إلّا أنّ المذكور مع بعضها أنّه «تصنيف قُطْب الدين السَبْزَواريّ» .

ومعَ أنّ اسم «الخُلاصة في الكلام» مقيّداً بـ «الْأَبواب الثمانية» لم يُذكر في كتب الفهارس ، ولا معاجم التراجم ، منسوباً إلىٰ شخص ملقَّب بـ «قُطْب الدين السَبْزواريّ» .

إلّا أنّ سماحة السيّد المرعشيّ ـ قدّس الله روحه ـ ذكر في وصفه لنسخة «د» المرقّمة في مكتبته العامرة برقم ٥١٤ قوله : «الخُلاصة في العقائد ، للعلّامة المولىٰ قُطْب الدين السَبْزواريّ ، من تلاميذ شيخنا الشهيد الْأَوّل»(٥) .

وجاء في بعض فهارس المكتبة الرضويّة المقدّسة في مشهد : ذكر نسخة من «إرشاد الْأَذهان» للعلّامة الحلّي ، برقم ٢٢١٣ ، كتبها قطب الدين السبزواريّ(٦) .

مضافاً إلىٰ أنّ ناسخ النسخة المرقمة ٤٥٤ في المكتبة المرعشية ، علّق

__________________

(٤) الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، والثقات العيون : ٣١٣ .

(٥) لاحظ نماذج مصوّرات النُسخ ، بداية المجموعة ٥١٤ ، لنسخة (د) .

(٦) فهرست ألفبائي : ٣٩ .

١٣٧
 &

علىٰ قول المصنّف في متن كتابنا ـ في بحث الإِمامة ـ «وهو مذكور في (المنهج)» بقوله : «اسم كتاب ، أي في المنهج الثامن من كتاب (مناهج اليقين) للشيخ جمال الدين بن المطهّر رحمه الله»(٧) .

لكن ، مع التتبّع الوافر والطويل الْأَمد في كتب التراجم ـ المتوفّرة ـ لم نجد فيها مَنْ لُقِّبَ من الْأَعلام بـ «قطب الدين السبزواري» في طبقة تلاميذ الشهيد الْأَوّل .

مع أنّ شيخنا العلّامة الطهرانيّ ذكر في موسوعته العظيمة «الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة» وجود نسخة من هذا الكتاب ، كتبها مهديّ بن الحسن بن محمّد النيرميّ سند ٦٥٧(٨) .

ووجود هذه النسخة يدلّ علىٰ تقدّم تأليف الكتاب علىٰ ولادة الشهيد الْأَوّل في سنة ٧٣٤ ، فكيف يكون مؤلّف هذا الكتاب من تلامذته ؟!

وأمّا ما في تعليقة النسخة المرقّمة ٤٥٤ ، المحفوظة في المكتبة المرعشية ، فلا يمكن الاستناد إليه :

أوّلاً : أنّ ولادة العلّامة في سنة ٦٤٨ ، فيكون حين كتابة تلك النسخة في سنة ٦٥٧ ابن تسع سنين ، فمن البعيد أن يكون مؤلِّفاً لكتاب «مناهج اليقين»(٩) فضلاً عن أن يصبح مرجعاً لمؤلّف الخلاصة !

مع أنّ «مناهج اليقين» هو من أوسع الكتب الكلاميّة التي ألّفها العلّامة !؟

علىٰ أنّ العلّامة إنّما بدأ التأليف وعمره (ثلاثون) سنة ، علىٰ ما ببالي !؟

__________________

(٧) لاحظ المتن ، الباب الرابع في الإِمامة ، آخر الفصل الأوّل .

(٨) الذريعة ٧ / ٢٠٨ رقم ١٠٢٣ ، والثقات العيون : ٣١٣ .

وقد نقلنا عبارته في التعريف بالنسخ .

(٩) هذا هو الصحيح في اسم الكتاب ، وقد ذكر بٱسم «المنهج» و «المنهاج» فلاحظ : الذريعة ٢٣ / ١٨١ و ٢٠٠ .

١٣٨
 &

وثانياً : إنّ المعلّق المذكور خلط بين (المنهج) الذي هو اسم كتابٍ ، وبين (المنهج) الثامن ، الذي هو واحد من المناهج المؤلَّف عليها كتاب العلّامة !

وثالثاً : إنّ الظاهر من عبارة المتن ، أنّ (المنهج) المذكور إنّما هو اسم كتابٍ في أُصول الفقه ، لا في أُصول الدين ، حيث إنّ المؤلّف أحال عليه بحثاً أُصوليّاً ، وهو مسألة «تقليل الاشتراك في اللفظ» وهذا واضح لمن تأمّل العبارة !

وبوجود النسخة المكتوبة سنة ٦٥٧ من كتابنا ، وينتفي أن يكون مؤلّفه هو كاتب نسخة (الإِرشاد) للعلّامة ، إذ من البعيد أن يكون شخصٌ بمستوىٰ التأليف ـ والعلّامة دون العاشرة من عمره ـ ويبقىٰ إلىٰ أن يستنسخَ كتاباً للعلّامة !؟

خصوصاً إذا لاحظنا أنّ «قًطْب الدين السبزواريّ» المنسوب إليه الكتاب ، موصوفٌ في تلك النسخ بأنّه «الإِمام ، العالم ، البارع ، الورع ، المتّقي» و «مولانا الْأَعظم» .

ممّا يستدعي أن يكون شخصيّةً معروفةً ، متميّزةً حين تأليفه .

ووجود نسخة ابن العوديّ ، المكتوبة سنة ٧٤٢ يُنافي ـ أيضاً ـ كون مؤلّفه «من تلاميذ الشهيد الْأَوّل» .

حيث إنّ الشهيد وُلد سنة ٧٣٤ ، فيكون في سنة ٧٤٢ ابن (ثمان) سنين ، فكيف يكون مؤلّف الكتاب ـ المكتوب سنة ٧٤٢ ـ من تلامذته ؟!

ووجود نسخة سنة ٦٥٧ ينفي احتمال أن يكون الكتاب من تأليف أحمد ابن الحسين بن أبي القاسم العوديّ كاتب النسخة (أ) نفسه :

فمضافاً إلىٰ الاختلاف الكبير بين نسخة ابن العوديّ ، وبقيّة النسخ ، حيث يدلّ علىٰ عدم كونها نسخة المؤلّف ، خصوصاً مع ترجيح تلك النسخ عليها أحياناً من حيث الضبط والصحّة ، كما يبدو للناظر إلىٰ الفوارق التي أثبتناها في الهوامش .

١٣٩
 &

فإنّ وجود نسخة مكتوبة سنة ٦٥٧ يقتضي ـ بوضوح ـ أن يكون تأليف الكتاب قبل هذه الفترة .

ولا بُدّ من الوقوف علىٰ مَنْ يلقّب بـ «قطب الدين» وينسب إلىٰ مدينة «سبزوار» ويعيش في الفترة ما بين سنتَي (٥٠٠ ـ ٦٥٠ هـ) علىٰ أكثر التقادير .

وإذا لاحظنا أنّ المؤلّف وُصِفَ في بعض النسخ بـ «الإِمام ، العالم ، البارع ، الورع ، المتّقي» وعُرِّفَ بـ «مولانا الْأَعظم»(١٠) .

ولاحظنا أنّ شخصيّاتٍ معروفةً اهتمّوا باستنساخ كتابه ، كٱبن فتحان الكاشاني ، وأحمد ابن العوديّ الْأَسديّ الحلّيّ .

ولاحظنا وفرة نسخ الكتاب ، ممّا يدلّ علىٰ عناية فائقة به ، فإنّ مؤلّفاً مثل هذا لا بُدّ أن يكون مذكوراً ، بل معروفاً ، مشهوراً ، لا مجهولاً ، مغموراً ، وغير مترجَمٍ !

وإذا اعتبرنا أنّ النسبة إلىٰ «سبزوار» تتبادل مع النسبة إلىٰ «نيسابور» باعتبار أنّ «سبزوار» كانت ـ قديماً ـ من نواحي إقليم نيسابور ، والنسبة إلىٰ الإِقليم الْأَعمّ مشهور ، والاكتفاء به شائع ، يمكن أن يقال :

إنّ المترجِمين اكتفوا بنسبة «النيسابوريّ» عن «السبزواري» .

وعندما بحثنا عن الملقَّبين بـ «قطب الدين» والمنسوبين إلىٰ «نيسابور» وما يقرب منها من المدن وفي خلال الفترة (٥٠٠ ـ ٦٥٠ هـ) وجدنا عدّة أشخاص :

الْأَوّل : قطب الدين النيسابوريّ ، أبو الفضل ، عبدالله بن محمّد بن عبدالله ، الحيريّ ، المفتي .

ترجمه ابن الفوطي البغداديّ ، وقال : كان فقيهاً ، فاضلاً ، عالماً ،

__________________

(١٠) كما في النسخ : د ، هـ ، و .

١٤٠