تراثنا ـ العدد [ 34 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 34 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

إذا أردنا أن نحكم علىٰ المنشئين بما انتهىٰ إلينا من خطبهم ، ورسائلهم ، ومحاوراتهم ، ومصنّفاتهم ، وبدأنا بأهل القرن الْأَوّل للإِسلام ، نرىٰ علىٰ رأسهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فإنّه سيّد البلغاء علىٰ الإِطلاق ، وواضع بنيان البيان العربي ، وكلامه ـ كما قال العارفون : بعد كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ـ أبلغ كلام .

ونهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضيّ من كلامه ، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد . . .

وقال أيضاً في مقال آخر له(٢٠) :

وإذا طلبت البلاغة في أتمّ مظاهرها ، والفصاحة التي لم تشبها عجمة ، فعليك بنهج البلاغة الذي فيه خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ورسائله إلىٰ عمّاله . . .

(١٥)

وقال الصحفي الشهير أمين نخلة ، المسيحي اللبناني ، في جواب من سأله أن يختار له مائة كلمة من حكم أمير المؤمنين عليه السلام :

سألتني أن أنتقي مائة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن ، تخرجها في كتاب ، وليس بين يديّ الآن من كتب الْأَدب التي يُرجع إليها في مثل هذا الغرض إلّا طائفة قليلة ، منها : إنجيل البلاغة (النهج) فرحت أسرح إصبعي فيه ، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المائة من مئات ، بل الكلمة من

__________________

ثمّ نشر بالعربية في مجلّة المجمع العلمي السوري ، في المجلّد الخامس ، العدد الثاني ، ص ٨٠ .

١٠١
 &

كلمات ، إلّا إذا سلخت الياقوتة عن أُختها الياقوتة ، ولقد فعلت ويدي تتقلّب علىٰ اليواقيت ، وعيني تغوص في اللمعان ، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة لفرط ما تحيّرت في التخيير !

فخذه هذه المائة(٢١) ، وتذكّر أنّها لمحات من نور ، وزهرات من نور ، ففي نهج البلاغة من نِعَم الله علىٰ العربية وأهلها أكثر بكثير من مائة كلمة . . .(٢٢) .

(١٦)

وقال الْأُستاذ محمّد محيي الدين عبد الحميد في كلام له عن نهج البلاغة في مقدّمته لطبعه :

وهو الذي يقول جامعُهُ الشريفُ الرضي في سبب توليفه : «علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ، ولا مجموع الْأَطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أُخذت قوانينها ، وعلىٰ أمثلته حذا كلّ قائل خطيب ، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وتقدّم وتأخّروا» .

هذا كتاب «نهج البلاغة» وهو الذي عرفت منزلته بين الكتب ، وسمعت الثناء العظيم عليه من رجل من رجالات الْأَدب والبيان في عصر العلم والبيان ، وهو «أشعر الطالبيّين من مضىٰ ومن غبر ، علىٰ كثيرة شعرائهم المفلّقين»(٢٣) ،

__________________

(٢٠) مجلّة المجمع العلمي السوري ، المجلّد ١٨ ، ص ٢٧٠ .

(٢١) نشرت هذه المائة كلمة ـ اختيار أمين نخلة ـ في مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٤٩ = ١٩٣٠ .

(٢٢) ما هو نهج البلاغة ـ للسيّد هبة الدين الشهرستاني ـ : ٣ .

(٢٣) يقول ذلك الثعالبي في شأن الشريف الرضي .

١٠٢
 &

ومن حكيم الإِسلام وإمام المسلمين وزعيم الدعوة الاجتماعية والْأَدبية في العصر الحديث ، فليس بدعاً أن نحضّك علىٰ قراءته ومعاودة مراجعته ، ثمّ علىٰ التأسّي به وقفو نهجه ، وليس كثيراً أن نكفل لك إذا أنت لم تألُ جهداً في اتّباع هذه النصيحة أن تبلغ الذروة ، وتصل إلىٰ ما تطمع فيه من امتلاك أزمّة البلاغة ، والتمكّن من أعنّتها .

وليس من شكّ عند أحد من أُدباء هذا العصر ، ولا عند أحمد ممّن تقدّمهم ، في أنّ أكثر ما تضمّنه «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، نعم ليس من شك عند أحد في ذلك ، وليس من شكّ عند أحد في أنّ ما تضمّنه الكتاب جار علىٰ النهج المعروف عن أمير المؤمنين ، موافق للْأُسلوب الذي يحفظه الْأُدباء والعلماء من كلامه الموثوق بنسبته إليه .

(١٧)

وقال شيخنا الحجّة العلّامة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ المتوفّىٰ سنة ١٣٨٩ هـ ـ رحمه الله ، في موسوعته الخالدة كتاب «الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة» ج ٤ ص ١٤٤ ، في الثناء علىٰ نهج البلاغة :

لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحي الإِلٰهي كتاب أمسّ به ممّا دُوّن في نهج البلاغة ، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإِلٰهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، وهو صدف لآلئ الحِكَم ، وسفط يواقيت الكلم ، المواعظ البالغة في طيّ خطبه ، وكتبه تأخذ بمجامع القلوب ، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة ، ترشد طلّاب الحقائق بمشاهدة ضالّتهم ، وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم ، وما هذا شأنه حقيق أن يعتكف بفنائه العارفون وينقّبه الباحثون ، وحريٌّ أن تكتب حوله كتب ورسائل كثيرة حتّىٰ يشرح

١٠٣
 &

فيها مطالبه كلّاً أو بعضاً ، ويترجم إلىٰ لغات أُخر ، ليغترف أهل كلّ لسان من بحاره غرفة . . .

وقال فيه ـ رحمه الله ـ أيضاً في ج ١٤ ص ١١١ :

هو كالشمس الطالعة في رائعة النهار ، في الظهور وعلوّ الشأن والقدر ، وارتفاع المحلّ ، قد جعلت رؤيتها لجميع الناس مرأىٰ واحداً لا تخفىٰ علىٰ أحد ، فيقبح من العاقل البصير سؤال ما هي الشمس الطالعة ؟ وهي ممّا يقتبس من إشراق نورها كافّة الكائنات في البرّ والبحر ، كذلك النهج قد طبّقت معروفيّته الشرق والغرب ، ونشر خبره في أسماع الخافقين ، ويتنوّر من تعليمات النهج جميع أفراد نوع البشر ، لصدوره عن معدن الوحي الإِلٰهي ، فهو أخ القرآن الكريم في التبليغ والتعليم ، وفيه دواء كلّ عليل وسقيم ، ودستور للعمل بموجبات سعادة الدنيا وسيادة دار النعيم ، غير أنّ القرآن أنزله حامل الوحي الإِلٰهي علىٰ قلب النبي الْأَمين صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم ، والنهج أنشأه باب مدينة علم النبيّ وحامل وحيه ، سيّد الموحّدين وإمام المتّقين ، عليّ أمير المؤمنين عليه السلام من ربّ العالمين ، وقد قيل فيه :

نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ

فٱسلُكْهُ يا صاحِ تَبْلُغْ غايةَ الْأَملِ

وقد لمّحنا في ج ٤ ص ١٤٤ إلىٰ سيادته علىٰ سائر الكتب ، وكونه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ونعم ما قيل فيه :

كلامُ عليٍّ كلامٌ عليّ

وما قالَه المُرتضىٰ مُرتضىٰ

لقد صارت الكلمات التي يلقيها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه ، أو يمليها إلىٰ كاتبه مخزونة في صدور جمع من أصحابه ، علىٰ موجب السيرة العربية ، ثمّ قيّد ما في تلك الصدور إلىٰ الكتابة في الْأُصول الْأَوّلية التي ذكرنا اثني عشر منها في ج ٧ ص ١٨٧ وبعدها ، ومنها ما أُلّف في عصر الْأَمير عليه

١٠٤
 &

السلام ، مثل كتاب «الخطب» تأليف أبي سليمان زيد الجهني ، الذي شهد حروب الْأَمير عليه السلام ، ثمّ نقل منها إلىٰ سائر الكتب التي أُلّفت في جمع خطبه عليه السلام إلىٰ عصر الشريف الرضيّ ـ رحمه الله ـ ممّا لا يستهان به ، وكانت تلك الْأُصول المعتبرة والكتب المعتمدة في مكتبة الوزير سابور بن أردشير وغيرها في بغداد تحت نظر الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ يستفيد منها في كلّ حين ، حتّىٰ أخرج منها ما اختاره من منشئآت أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها بين الدفّتين مرتّباً علىٰ ثلاثة أقطاب : ١ ـ الخطب ، ٢ ـ الكتب ، ٣ ـ الحكم ، وبعد ذلك سمّىٰ ما دوّنه من المنشئآت بـ «نهج البلاغة» .

(١٨)

وقال السيّد هبة الدين الشهرستاني في «ما هو نهج البلاغة» ص ٥ بعد إيراد كلام المرصفي الذي تقدّم برقم ١٠ :

وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة من حكموا بتفوّقه علىٰ كتب الإِنشاء ومنشئآت البلغاء ، واعترفوا ببلوغه حدّ الإِعجاز ، وأنّه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال ، وأُعجبوا به أقصىٰ الإِعجاب ، وشهدت ألسنتهم بدهشة عقولهم من عظمة أضاءَ سنا برقها من ثنايا الخطب ومزايا الجمل ، وليس إعجاب الْأُدباء بانسجام لفظه وحده ، ولا دهشة العلماء من تفوّق معانيه البليغة حدّ الإِعجاز فقط ، وإنّما الإِعجاب كلّه والدهشة كلّها في تنوّع المناحي في هذه الخطب والكلم ، واختلاف المرامي والأغراض فيها ، فمن وعظ ونصح وزهد وزجر ، إلىٰ تنبيه حربي واستنهاض للجهاد ، إلىٰ تعليم فنّيّ ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم وأسرار من طبائع كائنات

١٠٥
 &

الأرض وكامنات السماء ، إلىٰ فلسفة الكون وخالقه وتفنّن في المعارف الإِلٰهية وترسّل في التوحيد وصفة المبدأ والمعاد ، إلىٰ توسّع في أُصول الإِدارة وسياسة المدن والْأُمم ، إلىٰ تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع وآداب المعاشرة ومكارم الْأَخلاق ، إلىٰ وصف شعري لظواهر الحياة ، وغير ذلك من شتّىٰ المناحي المتجلّية في «نهج البلاغة» بأرقىٰ المظاهر ، والإِمام نراه الإِمام في كلّ ضرب من ضروب الاتّجاه ، وعبقرية الإِمام ظاهرة التفوّق علىٰ الجميع ، بينما نرىٰ أفذاذ الرجال يجدّون في أوجه الكمال فلا يبلغونه إلّا من الوجه الواحد . . .

(١٩)

وقال العلّامة الجليل الشيخ هادي آل كاشف الغطاء النجفي ـ المتوفّىٰ بها سنة ١٣٦١ هـ ـ في كتابه «مستدرك نهج البلاغة» المطبوع سنة ١٣٥٤ هـ ، ص ٣ :

إنّ نهج البلاغة من كلام مولانا أمير المؤمنين ، وإمام الموحّدين ، باب مدينة العلم ، عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، من أعظم الكتب الإِسلامية شأناً ، وأرفعها قدراً ، وأجمعها محاسن ، وأعلاها منازل ، نور لمن استضاء به ، ونجاة لمن تمسّك بعُراه ، وبرهان لمن اعتمده ، ولبٌّ لمن تدبّره ، أقواله فصل ، وأحكامه عدل ، حاجة العالم والمتعلّم ، وبغية الراغب والزاهد ، وبلغة السائس والمسوس ، ومنية المحارب والمسالم ، والجندي والقائد .

فيه من الكلام في التوحيد والعدل ، ومكارم الشيم ، ومحاسن الْأَخلاق ، والترغيب والترهيب ، والوعظ والتحذير ، وحقوق الراعي والرعية ، وأُصول المدنيّة الحقّة ، وما ينقع الغلّة ، ويزيل العلّة ، لم تُعرف المباحث الكلامية إلّا منه ، ولم تكن إلّا عيالاً عليه ، فهو قدوة فطاحلها ، وإمام أفضلها .

*       *      *

١٠٦
 &

(٢٠)

وقال الْأُستاذ عبد الوهّاب حمّودة ، أُستاذ الْأَدب الحديث بكلّية الآداب بجامعة فؤاد الْأَوّل ، في مقال له حول نهج البلاغة نشره في مجلّة «رسالة الإِسلام» الصادرة عن دار التقريب بمصر ، في عددها الثالث من سنتها الثالثة ، شهر رمضان سنة ١٣٧٠ هـ ، تحت عنوان : «الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة» فقال :

لسنا بصدد تحقيق نسبة كتاب «نهج البلاغة» إلىٰ الإِمام عليّ رضي الله عنه ، أو إلىٰ جامعه الشريف الرضي ، فإنّ لذلك مجالاً غير هذا .

غير أنّه ممّا لا شكّ فيه عند أحد من أُدباء هذا العصر ، ولا عند أحد ممّن تقدّمهم في أنّ أكثر ما تضمّنه «نهج البلاغة» هو من كلام أمير المؤمنين رضوان الله عليه .

وعلىٰ ضوء هذا الرأي نحن ننظر في الكتاب فنبحث في مطاويه ، ونمتّع الذهن بأسرار معانيه ، ونستخرج منه الآراء الناضجة الاجتماعية ، والْأَفكار الخالدة الإِنسانية .

وإنّ الباحث لَيتملّكه الدهش حين يرىٰ لِأَدب آل البيت جميعاً سمات خاصّة وخصائص متمايزة ، لا فرق في ذلك بين رجالهم ونسائهم وخطبائهم وشعرائهم .

فإنّ لأَدب كلّ جماعة سمات تستمدّ من وجداناتهم ، وصدق عواطفهم ، ونبل مقاصدهم ، ودقّة مشاعرهم .

فمن سمات أدب آل البيت صدق العاطفة ، وجزالة الْأُسلوب ، وسموّ المقصد ، وحرارة العبارة ، وقوّة الإِيمان ، ورسوخ العقيدة ، وتوقّد الوجدان .

ولا عجب في ذلك ، فإنّ الْأَدب ينهض في عصور المشادّة لا عصور

١٠٧
 &

اللين والْأَمن ، وإنّ عصور الْأَمن عصور طراوة ودعة لا تحفّز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة .

وعلىٰ النقيض من ذلك عصور المشادّة والجهاد التي تحرّك أعمق أعماق النفوس وتثير كلّ تيّاراتها ، وتبتعث رواقدها ، لما تتطلّبه طبيعة العراك من استمداد كلّ قوّة ، وإفراغ كلّ جهد .

إنّ الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنيناً وشكوىٰ ، ولا بكاء ولا عويلاً ، وإنّما ترك قوّة صامدة ، وتحقيراً لأَمر الدنيا ، وإعظاماً للجهاد ، وإكباراً للتضحية .

ولم يكن لآل البيت أُسلوب قويّ فحسب ، بل كانت معانيهم أيضاً قويّة ، فقد اصطبغت هذه المعاني بالمثل الْأَعلىٰ للإِيمان والعقيدة ، فاكتسبت رونقاً وجلالاً ، وعظمة وجمالاً .

ولا غرو ، فقد قدّموا في سبيل هذه العقيدة أغلىٰ ما يمكن أن يقدّمه إنسان قرباناً لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإِمام رضي الله عنه : «لنا حقّ فإن أُعطيناه ، وإلّا ركبنا أعجاز الإِبل وإن طال السرىٰ» .

وقد اجتمع له رضي الله عنه في كتاب «نهج البلاغة» ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربّانيّين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كلّ موعظة باهرة ، وحجّة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأُسس حربية ، ممّا يشهد للإِمام بالفضل وحسن الْأَثر .

فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقىٰ العاطفة المشبوبة والإِحساس المتطلّع إلىٰ الرحمة والإِكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد .

فكان رضي الله عنه شجاعاً في غير بغي ، قويّاً في غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، بريء النفس من حبّ الانتقام والغرور ، لا يتكلّف

١٠٨
 &

ولا يحتال علىٰ أن يتكلّف ، بل كان يقول : «شرّ الإِخوان من تُكلِّف له» .

وكان لا يعرف غير طريق واحدة هي طريق الصراحة التي تكشف عن قرارة نفسه ، فهو في طلب الحقّ لا تلين قناته ، ولا تأخذه فيه هوادة ، وهو يربأ بنفسه أن يستهوي الْأَفئدة بالمداجاة والمقاربة وبذل العطاء كما كان يفعل سواه . . .

(٢١)

وقال الدكتور صبحي الصالح في ما كتب يأذن في طبع نهج البلاغة بتحقيقه(٢٤) :

وإنّي بدوري وبوصفي محقّقاً للكتاب ، وشارحاً له ، وضابطاً لنصّه : أرىٰ أنّ نهج البلاغة لأَمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يجب أن يطبع ، وينشر ، ويوزّع في جميع أنحاء العالم ، ليستفيد منه الجيل المسلم الجديد .

من أجل هذا أرىٰ لزاماً عَلَيَّ أن أشكر أصدقائي الْأَعزّة من العلماء العاملين في مركز البحوث الإِسلامية في قم لنهوضهم بهذا الواجب في إيران المسلمة العريقة في إسلامها . . .

(٢٢)

وقال العلّامة الشيخ عزيز الله العطاردي الخراساني القوجاني ، نزيل طهران اليوم ، في مقدّمته لمنهاج البراعة(٢٥)

__________________

(٢٤) نشر بتصوير خطّه في مقدّمة الطبعة الْأُولىٰ لنهج البلاغة في إيران بتحقيق الدكتور صبحي الصالح ، من إصدارات مركز البحوث الإِسلامية في قم سنة ١٣٩٥ هـ .

(٢٥) في شرح نهج البلاغة ، لقطب الدين الراوندي ـ المتوفّىٰ سنة ٥٧٣ هـ ـ وقد طبعه بالهند سنة ١٤٠٤ هـ .

١٠٩
 &

وهو يتحدّث عن نهج البلاغة :

هذا الكتاب الشريف أشرف الكتب بعد كلام الله تعالىٰ وكلام رسوله صلّیٰ الله عليه وآله ، وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، وأفضل الكلام وأفصحه وأنفعه وأرفعه ، وهذا واضح لمن تأمّل في الكتاب ، وتفكّر في ألفاظه ومعانيه .

نهج البلاغة كتاب يشتمل علىٰ المعارف الإِلٰهيّة ، والْأَسرار النبوية ، والْأَحكام الإِسلامية ، والقواعد السياسية ، يستفيد منه الحكيم الْإِلٰهي ، والفقيه الربّاني ، والواعظ الصمداني ، والمصلح السياسي .

وفيه آداب الحرب وتنظيم العساكر والجيوش ، وردت فيه مواعظ شافية للمتّعظين ، وآداب للعارفين ، وترغيب للعابدين ، وتحذير للمنافقين ، وتخويف للْأُمراء والسلاطين ، وإرشادهم في الحكم وبسط العدل للمسلمين ، وكظم الغيظ والعفو عن المجرمين .

من نظر في نهج البلاغة وتعمّق في خطبه ورسائله يرىٰ نفسه مع خطيب وأمير إلٰهيّ ، تارة يتكلّم في التوحيد ، ويبحث عن أسرار الكائنات ، ويكشف غوامض المسائل ، ويشرح مكنون العلم .

وتارة يتكلّم عن النبوّة وصفات الْأَنبياء عليهم السلام والْأَولياء .

وأُخرىٰ يتكلّم عن العباد والزهّاد وصفات المتّقين .

وآونة عن فنون الحرب والجهاد مع الْأَعداء في الغزوات ومقارعة الْأَبطال ومصارعة الشجعان .

وحيناً يعظ الناس ويحذّرهم من الدنيا وزينتها ، ويرغّبهم في الآخرة ونعيمها .

*       *      *

١١٠
 &

الكلمة في اصطلاح النحاة

السيّد عليّ حسن مطر

الكلمة لغة :

أوّلاً : معناها .

تستعمل الكلمة في ثلاثة معان لغوية(١) :

الْأَوّل : الحرف الواحد من حروف الهجاء .

الثاني : اللفظة الواحدة المؤلَّفة من بضعة حروف ذات معنى .

الثالث : الجملة المفيدة والقصيدة والخطبة .

وقد أشار بعض العلماء إلى أنّ استعمال الكلمة في المعنى الْأَخير من المجاز اللغوي «من باب تسمية الشيء بٱسم بعضه ، كتسميتهم ربيئة القوم عيناً ، والبيت من الشعر قافية ؛ لاشتماله عليها ، وهو مجاز مهمل في عرف النحاة»(٢) ، «أي أنّهم لا يستعملون الكلمة بمعنى الكلام

__________________

(١) لسان العرب لابن منظور ، وتهذيب اللغة للْأَزهري ، مادّة (كلم) ، أوضح المسالك في شرح ألفية ابن مالك ، لابن هشام ١ / ١٢ ، شرح قطر الندى لابن هشام : ص ١٣ ، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١ / ١٦ ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم ١ / ٣ .

(٢) حاشية الصبّان على شرح الْأَشموني ١ / ٢٨ ـ ٢٩ ، البهجة المرضيّة للسيوطي ١ / ١٠ .

١١١
 &

أصلاً»(٣) ، ومن ثمّ اعترضوا على ابن مالك حينما قال في ألفيّته : «وكلمة بها كلام قد يؤم» ، وعدّوه من أمراض الألفيّة التي لا دواء لها»(٤) .

وقد ذكر الشنواني ـ دفاعاً عن صاحب الْأَلفية ـ أنّ «الكلمة تطلق لغة واصطلاحاً مجازاً على الكلام وحقيقة على المفرد»(٥) ، وهي دعوى تحتاج إلى دليل من استعمالات النحاة .

ويظهر من ابن الخشّاب (ت ٥٦٧ هـ) ذهابه إلى أنّ استعمال الكلمة في المعنى الْأَوّل مجاز لغوي أيضاً ؛ إذ قال : «فأمّا الكلمة فمنطلقة في أصل الوضع على الجزء الواحد من الكلم الثلاث»(٦) ، أي : الاسم والفعل والحرف ، وهي الْأَلفاظ الدالّة على معنى ، فيكون إطلاقها على أحد حروف الهجاء مجازاً ، من باب تسمية الجزء بٱسم الكلّ ، كإطلاق اليد على الإِصبع . وعليه يكون المعنى الحقيقي للكلمة لغةً هو المعنى الثاني فقط ، وهو الموافق لمعناها الاصطلاحي ، كما سيتّضح خلال البحث .

*       *      *

ثانياً ـ لغات الكلمة :

في الكلمة ثلاث لغات(٧) :

__________________

(٣) حاشية الصبّان ١ / ٢٩ .

(٤) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ١ / ١٧ ، همع الهوامع ١ / ٤ ، حاشية الصبّان ١ / ٢٩ .

(٥) حاشية السجاعي على شرح قطر الندى ، ص ٧ .

(٦) المرتجل ـ لابن الخشّاب ـ ص ٢١ .

(٧) مادّة (كلم) في كلّ من : صحاح اللغة للجوهري وتهذيب اللغة للْأَزهري ولسان العرب لابن منظور ، الخصائص لابن جنّي ١ / ٢٧ ، شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١١ ، شرح الْأَشموني ١ / ٢٦ .

١١٢
 &

الْأُولى : كَلِمَة ، على وزنِ نَبقِة ، وهي الفصحى ولغة أهلِ الحجاز ، وبها جاء التنزيل .

الثانية : كِلْمَة ، على وزنِ سِدْرة ، وهي لغة تميم .

الثالثة : كَلْمَة ، على وزنِ ضَرْبة ، وأول من نصَّ على هذهِ اللغة الجوهري(٨) دون نسبة ، ثم نسبها ابن هشام إلى تميم(٩) .

*       *      *

ثالثاً ـ اشتقاق الكلمة .

ذكر بعض العلماء أنّ الكلمة مشتقّة لغة من الكَلْم ، وهو الجرح ؛ لتأثيرها في النفس(١٠) . وقال الرضي : «وهو اشتقاق بعيد»(١١) ؛ لبعد المناسبة اللغوية التي يتوقّف عليها الاشتقاق بين المشتقَّين(١٢) .

وقال ابن فارس : «الكاف واللام والميم أصلان ، أحدهما يدلّ على نطق مفهم ، والآخر على جراح»(١٣) ، وعليه تكون الكلمة أصلاً مستقلاً ، وليست مشتقّة من الكلم بمعنى الجرح .

*       *      *

__________________

(٨) صحاح اللغة مادّة (كلم) .

(٩) شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١١ ، شرح اللمحة البدرية لابن هشام ١ / ٢٠٦ .

(١٠) شرح المفصّل لابن يعيش ١ / ٥١ ، المرتجل لابن الخشّاب ص ١٨ ، شرح الكفاية للرضي ، تحقيق الدكتور يوسف حسن عمر ١ / ٢٠ .

(١١) شرح الكافية ١ / ٢٠ .

(١٢) حاشية شرح الكافية (طبعة بولاق) ١ / ٢ .

(١٣) مقاييس اللغة لابن فارس ، مادّة (كلم) .

١١٣
 &

* الكلمة اصطلاحاً .

أقدم ما تسنّى لي العثور عليه من تعريفات الكلمة اصطلاحاً ، قول الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) : «الكلمة هي اللفظة الدالّة على معنى مفرد بالوضع»(١٤) ، وتابعه عليه المطرّزي (ت ٦١٠ هـ)(١٥) .

وممّا قاله ٱبن يعيش في شرح هذا التعريف : «فاللفظة جنس للكلمة ؛ وذلك لأَنّها تشمل المهمل والمستعمل . . . وقوله : الدالّة على معنى ، فصل فصله من المهمل الذي لا يدلّ على معنى . . . وقوله : مفرد ، فصل ثانٍ فصله من المركّب . . . وقوله : بالوضع ، فصل ثالث احترز به عن أُمور منها ما قد يدلّ بالطبع . . . وذلك كقول النائم : اخ ؛ فإنّه يفهم منه استغراقه في النوم»(١٦) .

وعرّفها كلّ من ابن الخشّاب (ت ٥٦٧ هـ) وأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ هـ) بأنّها «اللفظة المفردة»(١٧) . وواضح أنّ عدم تقييد اللفظة بالمستعملة أو الدالّة على معنى يجعل تعريفهما غير مانع من دخول الْأَلفاظ المهملة .

أمّا ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) فقد عرّفها بما يشابه تعريف الزمخشري مضموناً ، وإنْ كان أخصر عبارة ، قال : «الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد»(١٨) ، وتابعه عليه ابن عقيل (ت ٧٦٩ هـ)(١٩) .

وممّا ذكره الرضي (ت ٦٨٦ هـ) في شرحه هذا التعريف : أنّ (اللفظ) المأخوذ جنساً فيه ، هو أيضاً «قيد احترازي عن نحو الخطّ والعقد والنصبة

__________________

(١٤) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري ، ص ٦ .

(١٥) المصباح في علم النحو ، أبو الفتح المطرّزي ، ص ٣٧ .

(١٦) شرح المفصّل لابن يعيش ١ / ١٨ ـ ١٩ .

(١٧) المرتجل لابن الخشّاب ، ص ٤ ـ ٥ ، مسائل خلافيّة في النحو ، لأَبي البقاء العكبري ، ص ٣١ .

(١٨) شرح الرضي على الكافية ١ / ١٩ .

(١٩) شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك ١ / ١٥ .

١١٤
 &

والإِشارة ؛ فإنّها ربما دلّت بالوضع على معنى مفرد ، وليست بكلمات . ويجوز الاحتراز بالجنس أيضاً ، إذا كان أخصّ من الفصل بوجه ، وهو هٰهنا كذلك ؛ لأَنّ الموضوع للمعنى المفرد قد يكون لفظاً ، وقد لا يكون»(٢٠) .

ثم عقّب على التعريف بملاحظتين :

أُولاهما : أنّ «المقصود من قولهم : (وضع اللفظ) جعله أوّلاً لمعنى من المعاني ، مع قصد أن يصير متواطئاً عليه بين قوم . . . [وعليه] لم يكن محتاجاً إلى قوله (لمعنى) ؛ لأَنّ الوضع لا يكون إلّا لمعنى» .

والثانية : «قوله (لمعنى مفرد) يعني المعنى الذي لا يدلّ جزء لفظه على جزئه . . والمشهور في اصطلاح أهل المنطق جعل المفرد والمركّب صفة اللفظ ، فيقال : اللفظ المفرد واللفظ المركّب ، ولا ينبغي أن يخترع في الحدود ألفاظ ، بل الواجب استعمال المشهور المتعارف منها فيها ؛ لأَنّ الحدّ للتبيين ، وليس له أن يقول : إنّي أردت بالمعنى المفرد ، المعنى الذي لا تركيب فيه ؛ لأَنّ جميع الْأَفعال إذن تخرج عن حدّ الكلمة . ولو قال : الكلمة لفظ مفرد موضوع ، سلم من هذا»(٢١) .

وعرّفها ابن معطي (ت ٦٢٨ هـ) بأنّها «اللفظ المفرد الدالّ على معنى مفرد»(٢٢) . وهو لا يختلف عن الصياغة التي خلص إليها الرضي إلّا بتقييده للمعنى بأنّه مفرد .

وعرّفها ابن مالك (ت ٦٧٢ هـ) بتعريف لا يخلو من التعقيد . قال : «الكلمة لفظ مستقلٌّ دالّ بالوضع تحقيقاً أو تقديراً ، أو مَنْوِيّ معه كذلك»(٢٣) .

وذكر السلسيلي (ت ٧٧٠ هـ) في شرحه : أنّه احترز بالمستقلّ من بعض

__________________

(٢٠) شرح الرضي على الكافية ١ / ٢٢ ـ ٢٣ .

(٢١) شرح الرضي على الكافية ١ / ٢١ ـ ٢٢ .

(٢٢) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي ، ص ٣١ .

(٢٣) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، لابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات ، ص ٣ .

١١٥
 &

ٱسمٍ كالتاء في (مسلمة) ومن بعضِ فعل كهمزة (إعلم) .

وأمّا قوله : «تحقيقاً أو تقديراً» فمثال التحقيق (رجل) ؛ فإنّه دالّ على مسمّاه تحقيقاً ، ومثال التقدير أحد جزءَي العلم المضاف ، كٱمرئ القيس ، فمن حيث المدلول هو كلمة واحدة ، ومن حيث التركيب كلمتان .

وقوله : «أو مَنْوِيّ معه» قسيم (لفظ) الوارد في أوّل التعريف ؛ لأَنّ الكلمة قسمان : ملفوظة أو مَنْوِيّة مع اللفظ كالفاعل في (إفعل) .

وأمّا قوله : «كذلك» فقد حكى عن ابن مالك نفسه أنّه إشارة إلى الدلالة والاستقلال ، أي : معنى هذا المَنْوِيّ معنى المستقلّ الدالّ بالوضع ، واحترز بـ (كذلك) من الإِعراب المقدّر في فتى ونحوه ، فإنّه وإن كان مَنْوِيّاً مع اللفظ ، لكنّه ليس مستقلاً دالاً بالوضع ، فلا يكون كلمة ، بخلاف الفاعل المستكنّ في الفعل(٢٤) .

وقد سجّل أبو حيّان على هذا التعريف ملاحظتين :

أُولاهما : أنّ ابن مالك إنّما احتاج «إلى أن يتحرّز بمستقلّ من بعض اسم وبعض فعل ؛ لأَنّه أخذ جنساً بعيداً وهو اللفظ ، فلو أخذ أقرب منه وهو القول لم يحتج إلى التحرّز بقوله (مستقلّ) ؛ لأَنّ بعض اسم وبعض فعل لا يقال له : قول» .

والثانية : أنّ احترازه عن المهمل بقوله : (دالّ بالوضع) «ليس بجيّد ؛ لأَنّه قبل هذا الفصل ذكر لفظ (الاستقلال) واللفظ المهمل لا يدخل تحت قوله : مستقّل»(٢٥) .

وامّا السلسيلي فقد لاحظ عليه : أنّ احترازه بـ (كذلك) عن الإِعراب

__________________

(٢٤) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبدالله البركاتي ، ١ / ٩٥ ـ ٩٦ .

(٢٥) شفاء العليل ، للسلسيلي ١ / ٩٥ ـ ٩٦ ، التذييل والتكميل ، لأَبي حيّان ج لوحة ٥ ، ٦ (نقلاً عن حاشية شفاء العليل ١ / ٩٥ ـ ٩٦) .

١١٦
 &

المقدّر في (فتى) ؛ لأَنّه مَنْوِي مع اللفظ ، لكنّه ليس كذلك «فيه نظر ؛ فإنّه خرج بقوله أوّلاً»(٢٦) ، أي بقوله : مستقلّ .

ويمكن أن يلاحظ عليه أيضاً :

أوّلاً : أنّه لم يقيّد اللفظ بأنّه مفرد ، ليتحرز بذلك من دخول المركّب .

وثانياً : أنّ كون الكلمة دالّة تحقيقاً تارة وتقديراً أُخرى ، أو ملفوظة تارة ومَنْوِيّة أُخرى ، هو من الْأَحوال العارضة عليها ، وليس من ذاتيّاتها المقوّمة لحقيقتها ، فلا داعي لدخوله في تعريفها .

وعرّفها ابن الناظم (ت ٦٨٦ هـ) بقوله : «الكلمة لفظ بالقوّةِ أو لفظ بالفعل ، مستقلّ ، دالّ بجملته على معنى مفرد بالوضع»(٢٧) .

وممّا قاله في شرحه : إنْ قيد «بالقوّة مدخل للضمير في نحو إفعل وتفعل ، ولفظ بالفعل مدخل لنحو زيد في : قام زيد . . . ودالّ ، معمّم لِما دلالته زائلة كأحد جزءَي ٱمرئ القيس ؛ لأَنّه كلمة ؛ ولذلك أُعرب بإعرابين كلٌّ على حدة ، وبجملته مخرج للمركّب كغلام زيد ؛ فإنّه دالّ بجزءيه على جزءي معناه ، وبالوضع مخرج للمهمل ، ولِما دلالته عقلية كدلالة اللفظ على حال اللافظ»(٢٨) .

وترد على هذا التعريف الملاحظة الْأُولى المتقدّمة لأَبي حيّان ، وأمّا ملاحظته الثانية فليست بواردة هنا ؛ لأَنّ ابن الناظم لم يقصر قيد (الوضع) على إخراج المهمل فقط ، بل أخرج به أيضاً ما دلالته عقلية .

ويبقى عليه أنّه جعل (المفرد) قيداً للمعنى دون اللفظ ، وأنّه أدخل في التعريف (القوّة والفعل) وهما من الْأَحوال العارضة على اللفظ لا من ذاتيّاته .

ولأَبي حيّان الْأَندلسي (ت ٧٤٥ هـ) تعريفان للكلمة :

__________________

(٢٦) شفاء العليل ١ / ٩٦ .

(٢٧) شرح ابن الناظم على الْأَلفية ، ص ٣ ـ ٤ .

(٢٨) شرح ابن الناظم على الْأَلفية ، ص ٣ ـ ٤ .

١١٧
 &

أوّلهما : «الكلمة قول أو مَنْوِيّ معه ، دالّ على معنى مفرد»(٢٩) .

والثاني : «الكلمة قول موضوع لمعنى مفرد»(٣٠) ، بحذف عبارة (أو مَنْوِيّ معه) وهو الْأَوْلى ؛ لِما تقدّم من أنّ كون الكلمة ملفوظة أو مَنْوِيّة ليس من ذاتيّاتها .

ويبدو أنّ أبا حيّان أول من أدخل (القول) جنساً في تعريف الكلمة . وقد اعترض عليه بأنّ «ذكر اللفظ أوْلى ؛ لإِطلاقِ القول على غيره كالرأي ، [لكنّه] ممنوع ؛ لعدم تبادره إلى الْأَذهان ؛ إذ هو مجاز»(٣١) .

وقد أشار ابن هشام (ت ٧٦١ هـ) عند شرحه هذا التعريف إلى أنّ «قوله : (موضوع لمعنى مفرد) مجموعه فصل مخرج للمركّبات كغلام زيد ، وليس قوله : (موضوع لمعنى) وحده فصلاً ، كما قد يتوهّم من لا نظر له ؛ لأَنّ ذلك يقتضي أنّ القول أعمّ من الموضوع لمعنى وغيره ، وأنّه احترز عن غير الموضوع ، فهذا خطأ لما ذكرناه آنفاً من أنّ القول لا يكون إلّا موضوعاً ، وأشدّ من هذا فساداً من يتوهّم أنّ قوله (موضوع) وحده فصل ، و (لمعنى) فصل ثانٍ ، وفساد ذلك لأَمرين : أحدهما ما ذكرناه ، والثاني : أنّ الوضع لا يكون إلّا لمعنى»(٣٢) .

وقد عقّب ابن هشام ناقداً تعريف أبي حيّان بقوله : «إنّه لا فائدة لقوله : (موضوع لمعنى) ؛ لأَنّ ذلك مستفاد من الجنس»(٣٣) المذكور في أوّل التعريف وهو (القول) .

وقد خلص ابن هشام إلى أنّه لو عرّف الكلمة بأنّها «قول مفرد ، لكان أوْلى من وجهين : أحدهما أنّه أخصر مع تحصيله للمعنى المقصود ، والثاني أنّه لا

__________________

(٢٩) غاية الاحسان في علم اللسان ، لأَبي حيّان ، مخطوط (مصوّرته بحوزتي) ١ / ب .

(٣٠) شرح اللمحة البدرية ، لابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر ، ١ / ٢٠٠ .

(٣١) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم ١ / ٥ .

(٣٢) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم ١ / ٥ .

(٣٣) شرح اللمحة البدرية ١ / ٢٠٧ .

١١٨
 &

يوهم غير الواقع ؛ فإنّ كلامه ربما أوهم قولين باطلين : أحدهما أنّ القول غير موضوع ، والثاني أنّ المركّب معناه بالوضع ، وإنّما هذا شأن المفردات التي يتولّى بيانها اللغوي ، فأمّا المركّبات فدلالتها على معناها التركيبي دلالة عقلية لا وضعيّة»(٣٤) .

ويعدّ تعريف ابن هشام للكلمة بأنّها (قول مفرد) أخصر وأدقّ صياغة لتعريفها ، وقد أثبته أيضاً في كلّ من كتابيه : قطر الندى وشذور الذهب ، وتابعه عليه الْأَشموني (ت ٩٠٠ هـ) في شرحه على الْأَلفية ، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه : الْأَشباه والنظائر في النحو(٣٥) . إلّا أنّ السيوطي سجّل صياغة أُخرى لتعريف الكلمة تَعدّ تراجعاً في المسير التكاملي للتعريف ؛ إذ قال : الكلمة «قول مفرد مستقلّ أو مَنْوِيّ معه»(٣٦) .

وثمّة نقطتان ذكرهما السيوطي في شرح هذا التعريف(٣٧) ، ينبغي إبرازهما والتعليق عليهما .

أُولاهما : أنّ من أسقط قيد (الاستقلال) من التعريف «رأى ما جنح إليه الرضيّ من أنّها مع ما هي فيه كلمتان صارتا واحدة لشدّة الامتزاج» .

والثانية : قوله : «وعدلت كاللّباب إلى جعل الإِفراد صفة القول عن جعلهم إيّاه صفة المعنى» .

أمّا النقطة الْأُولى ، فكان من المتوقّع أن يذكر داعياً آخر لإِسقاط قيد الاستقلال هو ما ذكره أبو حيّان في كتابه «التذييل والتكميل» من أنّ «بعض اسم وبعض فعل لا يقال له قول» ، خاصّة وأنّ الكتاب المذكور كان من بين المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في كتابه «جمع الجوامع» . كما يلاحظ في مواضع

__________________

(٣٤) شرح اللمحة البدرية ١ / ٢٠٧ ـ ٢٠٨ .

(٣٥) تحقيق عبدالعال سالم مكرم ٣ / ٥ .

(٣٦) همع الهوامع ١ / ٤ .

(٣٧) همع الهوامع ١ / ٤ ـ ٥ .

١١٩
 &

متفرّقة منه ، وكما صرّح به السيوطي نفسه في كتابه «بغية الوعاة»(٣٨) .

وأمّا النقطة الثانية ، فلعلّ ما ذكره يوهم أنّ أبا البقاء العكبري ـ صاحب (اللباب) ـ أوّل من جعل الإِفراد صفة للّفظ دون المعنى ، والصحيح ـ كما تقدّم في البحث ـ أنّ السابق إلى ذلك هو ابن الخشّاب في كتابه «المرتجل» .

*       *      *

__________________

(٣٨) بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ، للسيوطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ١ / ٢٨٢ .

١٢٠