تراثنا ـ العدد [ 34 ] - ج ٣٤

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 34 ] - ج ٣٤

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨
  الجزء ١   الجزء ٢   الجزء ٣   الجزء ٤   الجزء ٥   الجزء ٦   الجزء ٧-٨   الجزء ٩   الجزء ١٠   الجزء ١١   الجزء ١٢   الجزء ١٣   الجزء ١٤   الجزء ١٥   الجزء ١٦   الجزء ١٧   الجزء ١٨   الجزء ١٩   الجزء ٢٠   الجزء ٢١   الجزء ٢٢   الجزء ٢٣   الجزء ٢٤   الجزء ٢٥   الجزء ٢٦   الجزء ٢٧   الجزء ٢٨   الجزء ٢٩   الجزء ٣٠-٣١   الجزء ٣٤   الجزء ٣٥-٣٦   الجزء ٣٧   الجزء ٣٨-٣٩   الجزء ٤١ ـ ٤٢   الجزء ٤٣-٤٤   الجزء ٤٥ - ٤٦   الجزء ٤٧ - ٤٨   الجزء ٤٩   الجزء ٥٠ - ٥١   الجزء ٥٢   الجزء ٥٣ و ٥٤   الجزء ٥٥ و ٥٦   الجزء ٥٧   الجزء ٥٨   الجزء ٥٩ و ٦٠   الجزء ٦١   الجزء ٦٢   الجزء ٦٣ و ٦٤   الجزء ٦٥   الجزء ٦٦ و ٦٧   الجزء ٦٨   الجزء ٦٩ و ٧٠   الجزء ٧١ و ٧٢   الجزء ٧٣ و ٧٤   الجزء ٧٥ و ٧٦   الجزء ٧٧ و ٧٨   الجزء ٧٩ و ٨٠   الجزء ٨١ و ٨٢   الجزء ٨٣ و ٨٤   الجزء ٨٥ و ٨٦   الجزء ٨٧ و ٨٨
  نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة
 &

إذا أردنا أن نحكم علىٰ المنشئين بما انتهىٰ إلينا من خطبهم ، ورسائلهم ، ومحاوراتهم ، ومصنّفاتهم ، وبدأنا بأهل القرن الْأَوّل للإِسلام ، نرىٰ علىٰ رأسهم أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه ، فإنّه سيّد البلغاء علىٰ الإِطلاق ، وواضع بنيان البيان العربي ، وكلامه ـ كما قال العارفون : بعد كلام الله ورسوله عليه الصلاة والسلام ـ أبلغ كلام .

ونهج البلاغة الذي جمعه الشريف الرضيّ من كلامه ، وشرحه ابن أبي الحديد كتاب الدهر الخالد . . .

وقال أيضاً في مقال آخر له(٢٠) :

وإذا طلبت البلاغة في أتمّ مظاهرها ، والفصاحة التي لم تشبها عجمة ، فعليك بنهج البلاغة الذي فيه خطب أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب ورسائله إلىٰ عمّاله . . .

(١٥)

وقال الصحفي الشهير أمين نخلة ، المسيحي اللبناني ، في جواب من سأله أن يختار له مائة كلمة من حكم أمير المؤمنين عليه السلام :

سألتني أن أنتقي مائة كلمة من كلمات أبلغ العرب أبي الحسن ، تخرجها في كتاب ، وليس بين يديّ الآن من كتب الْأَدب التي يُرجع إليها في مثل هذا الغرض إلّا طائفة قليلة ، منها : إنجيل البلاغة (النهج) فرحت أسرح إصبعي فيه ، ووالله لا أعرف كيف أصطفي لك المائة من مئات ، بل الكلمة من

__________________

ثمّ نشر بالعربية في مجلّة المجمع العلمي السوري ، في المجلّد الخامس ، العدد الثاني ، ص ٨٠ .

١٠١
 &

كلمات ، إلّا إذا سلخت الياقوتة عن أُختها الياقوتة ، ولقد فعلت ويدي تتقلّب علىٰ اليواقيت ، وعيني تغوص في اللمعان ، فما حسبتني أخرج من معدن البلاغة بكلمة لفرط ما تحيّرت في التخيير !

فخذه هذه المائة(٢١) ، وتذكّر أنّها لمحات من نور ، وزهرات من نور ، ففي نهج البلاغة من نِعَم الله علىٰ العربية وأهلها أكثر بكثير من مائة كلمة . . .(٢٢) .

(١٦)

وقال الْأُستاذ محمّد محيي الدين عبد الحميد في كلام له عن نهج البلاغة في مقدّمته لطبعه :

وهو الذي يقول جامعُهُ الشريفُ الرضي في سبب توليفه : «علماً أنّ ذلك يتضمّن من عجائب البلاغة ، وغرائب الفصاحة ، وجواهر العربية ، وثواقب الكلم الدينية والدنيوية ، ما لا يوجد مجتمعاً في كلام ، ولا مجموع الْأَطراف في كتاب ، إذ كان أمير المؤمنين عليه السلام مشرع الفصاحة وموردها ، ومنشأ البلاغة ومولدها ، ومنه عليه السلام ظهر مكنونها ، وعنه أُخذت قوانينها ، وعلىٰ أمثلته حذا كلّ قائل خطيب ، وبكلامه استعان كلّ واعظ بليغ ، ومع ذلك فقد سبق وقصّروا ، وتقدّم وتأخّروا» .

هذا كتاب «نهج البلاغة» وهو الذي عرفت منزلته بين الكتب ، وسمعت الثناء العظيم عليه من رجل من رجالات الْأَدب والبيان في عصر العلم والبيان ، وهو «أشعر الطالبيّين من مضىٰ ومن غبر ، علىٰ كثيرة شعرائهم المفلّقين»(٢٣) ،

__________________

(٢٠) مجلّة المجمع العلمي السوري ، المجلّد ١٨ ، ص ٢٧٠ .

(٢١) نشرت هذه المائة كلمة ـ اختيار أمين نخلة ـ في مطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٤٩ = ١٩٣٠ .

(٢٢) ما هو نهج البلاغة ـ للسيّد هبة الدين الشهرستاني ـ : ٣ .

(٢٣) يقول ذلك الثعالبي في شأن الشريف الرضي .

١٠٢
 &

ومن حكيم الإِسلام وإمام المسلمين وزعيم الدعوة الاجتماعية والْأَدبية في العصر الحديث ، فليس بدعاً أن نحضّك علىٰ قراءته ومعاودة مراجعته ، ثمّ علىٰ التأسّي به وقفو نهجه ، وليس كثيراً أن نكفل لك إذا أنت لم تألُ جهداً في اتّباع هذه النصيحة أن تبلغ الذروة ، وتصل إلىٰ ما تطمع فيه من امتلاك أزمّة البلاغة ، والتمكّن من أعنّتها .

وليس من شكّ عند أحد من أُدباء هذا العصر ، ولا عند أحمد ممّن تقدّمهم ، في أنّ أكثر ما تضمّنه «نهج البلاغة» من كلام أمير المؤمنين عليه السلام ، نعم ليس من شك عند أحد في ذلك ، وليس من شكّ عند أحد في أنّ ما تضمّنه الكتاب جار علىٰ النهج المعروف عن أمير المؤمنين ، موافق للْأُسلوب الذي يحفظه الْأُدباء والعلماء من كلامه الموثوق بنسبته إليه .

(١٧)

وقال شيخنا الحجّة العلّامة الكبير الشيخ آقا بزرك الطهراني ـ المتوفّىٰ سنة ١٣٨٩ هـ ـ رحمه الله ، في موسوعته الخالدة كتاب «الذريعة إلىٰ تصانيف الشيعة» ج ٤ ص ١٤٤ ، في الثناء علىٰ نهج البلاغة :

لم يبرز في الوجود بعد انقطاع الوحي الإِلٰهي كتاب أمسّ به ممّا دُوّن في نهج البلاغة ، نهج العلم والعمل الذي عليه مسحة من العلم الإِلٰهي ، وفيه عبقة من الكلام النبوي ، وهو صدف لآلئ الحِكَم ، وسفط يواقيت الكلم ، المواعظ البالغة في طيّ خطبه ، وكتبه تأخذ بمجامع القلوب ، وقصار كلماته كافلة لسعادة الدنيا والآخرة ، ترشد طلّاب الحقائق بمشاهدة ضالّتهم ، وتهدي أرباب الكياسة لطريق سياستهم وسيادتهم ، وما هذا شأنه حقيق أن يعتكف بفنائه العارفون وينقّبه الباحثون ، وحريٌّ أن تكتب حوله كتب ورسائل كثيرة حتّىٰ يشرح

١٠٣
 &

فيها مطالبه كلّاً أو بعضاً ، ويترجم إلىٰ لغات أُخر ، ليغترف أهل كلّ لسان من بحاره غرفة . . .

وقال فيه ـ رحمه الله ـ أيضاً في ج ١٤ ص ١١١ :

هو كالشمس الطالعة في رائعة النهار ، في الظهور وعلوّ الشأن والقدر ، وارتفاع المحلّ ، قد جعلت رؤيتها لجميع الناس مرأىٰ واحداً لا تخفىٰ علىٰ أحد ، فيقبح من العاقل البصير سؤال ما هي الشمس الطالعة ؟ وهي ممّا يقتبس من إشراق نورها كافّة الكائنات في البرّ والبحر ، كذلك النهج قد طبّقت معروفيّته الشرق والغرب ، ونشر خبره في أسماع الخافقين ، ويتنوّر من تعليمات النهج جميع أفراد نوع البشر ، لصدوره عن معدن الوحي الإِلٰهي ، فهو أخ القرآن الكريم في التبليغ والتعليم ، وفيه دواء كلّ عليل وسقيم ، ودستور للعمل بموجبات سعادة الدنيا وسيادة دار النعيم ، غير أنّ القرآن أنزله حامل الوحي الإِلٰهي علىٰ قلب النبي الْأَمين صلّیٰ الله عليه وآله وسلّم ، والنهج أنشأه باب مدينة علم النبيّ وحامل وحيه ، سيّد الموحّدين وإمام المتّقين ، عليّ أمير المؤمنين عليه السلام من ربّ العالمين ، وقد قيل فيه :

نهجُ البلاغةِ نهجُ العلمِ والعملِ

فٱسلُكْهُ يا صاحِ تَبْلُغْ غايةَ الْأَملِ

وقد لمّحنا في ج ٤ ص ١٤٤ إلىٰ سيادته علىٰ سائر الكتب ، وكونه دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوق ، ونعم ما قيل فيه :

كلامُ عليٍّ كلامٌ عليّ

وما قالَه المُرتضىٰ مُرتضىٰ

لقد صارت الكلمات التي يلقيها أمير المؤمنين عليه السلام في خطبه ، أو يمليها إلىٰ كاتبه مخزونة في صدور جمع من أصحابه ، علىٰ موجب السيرة العربية ، ثمّ قيّد ما في تلك الصدور إلىٰ الكتابة في الْأُصول الْأَوّلية التي ذكرنا اثني عشر منها في ج ٧ ص ١٨٧ وبعدها ، ومنها ما أُلّف في عصر الْأَمير عليه

١٠٤
 &

السلام ، مثل كتاب «الخطب» تأليف أبي سليمان زيد الجهني ، الذي شهد حروب الْأَمير عليه السلام ، ثمّ نقل منها إلىٰ سائر الكتب التي أُلّفت في جمع خطبه عليه السلام إلىٰ عصر الشريف الرضيّ ـ رحمه الله ـ ممّا لا يستهان به ، وكانت تلك الْأُصول المعتبرة والكتب المعتمدة في مكتبة الوزير سابور بن أردشير وغيرها في بغداد تحت نظر الشريف الرضي ـ رحمه الله ـ يستفيد منها في كلّ حين ، حتّىٰ أخرج منها ما اختاره من منشئآت أمير المؤمنين عليه السلام وجعلها بين الدفّتين مرتّباً علىٰ ثلاثة أقطاب : ١ ـ الخطب ، ٢ ـ الكتب ، ٣ ـ الحكم ، وبعد ذلك سمّىٰ ما دوّنه من المنشئآت بـ «نهج البلاغة» .

(١٨)

وقال السيّد هبة الدين الشهرستاني في «ما هو نهج البلاغة» ص ٥ بعد إيراد كلام المرصفي الذي تقدّم برقم ١٠ :

وكم مثل هذا في الواصفين لنهج البلاغة من حكموا بتفوّقه علىٰ كتب الإِنشاء ومنشئآت البلغاء ، واعترفوا ببلوغه حدّ الإِعجاز ، وأنّه فوق كلام المخلوقين ودون كلام الخالق المتعال ، وأُعجبوا به أقصىٰ الإِعجاب ، وشهدت ألسنتهم بدهشة عقولهم من عظمة أضاءَ سنا برقها من ثنايا الخطب ومزايا الجمل ، وليس إعجاب الْأُدباء بانسجام لفظه وحده ، ولا دهشة العلماء من تفوّق معانيه البليغة حدّ الإِعجاز فقط ، وإنّما الإِعجاب كلّه والدهشة كلّها في تنوّع المناحي في هذه الخطب والكلم ، واختلاف المرامي والأغراض فيها ، فمن وعظ ونصح وزهد وزجر ، إلىٰ تنبيه حربي واستنهاض للجهاد ، إلىٰ تعليم فنّيّ ودروس ضافية في هيئة الأفلاك وأبواب النجوم وأسرار من طبائع كائنات

١٠٥
 &

الأرض وكامنات السماء ، إلىٰ فلسفة الكون وخالقه وتفنّن في المعارف الإِلٰهية وترسّل في التوحيد وصفة المبدأ والمعاد ، إلىٰ توسّع في أُصول الإِدارة وسياسة المدن والْأُمم ، إلىٰ تثقيف النفوس بالفضائل وقواعد الاجتماع وآداب المعاشرة ومكارم الْأَخلاق ، إلىٰ وصف شعري لظواهر الحياة ، وغير ذلك من شتّىٰ المناحي المتجلّية في «نهج البلاغة» بأرقىٰ المظاهر ، والإِمام نراه الإِمام في كلّ ضرب من ضروب الاتّجاه ، وعبقرية الإِمام ظاهرة التفوّق علىٰ الجميع ، بينما نرىٰ أفذاذ الرجال يجدّون في أوجه الكمال فلا يبلغونه إلّا من الوجه الواحد . . .

(١٩)

وقال العلّامة الجليل الشيخ هادي آل كاشف الغطاء النجفي ـ المتوفّىٰ بها سنة ١٣٦١ هـ ـ في كتابه «مستدرك نهج البلاغة» المطبوع سنة ١٣٥٤ هـ ، ص ٣ :

إنّ نهج البلاغة من كلام مولانا أمير المؤمنين ، وإمام الموحّدين ، باب مدينة العلم ، عليّ بن أبي طالب عليه السلام ، من أعظم الكتب الإِسلامية شأناً ، وأرفعها قدراً ، وأجمعها محاسن ، وأعلاها منازل ، نور لمن استضاء به ، ونجاة لمن تمسّك بعُراه ، وبرهان لمن اعتمده ، ولبٌّ لمن تدبّره ، أقواله فصل ، وأحكامه عدل ، حاجة العالم والمتعلّم ، وبغية الراغب والزاهد ، وبلغة السائس والمسوس ، ومنية المحارب والمسالم ، والجندي والقائد .

فيه من الكلام في التوحيد والعدل ، ومكارم الشيم ، ومحاسن الْأَخلاق ، والترغيب والترهيب ، والوعظ والتحذير ، وحقوق الراعي والرعية ، وأُصول المدنيّة الحقّة ، وما ينقع الغلّة ، ويزيل العلّة ، لم تُعرف المباحث الكلامية إلّا منه ، ولم تكن إلّا عيالاً عليه ، فهو قدوة فطاحلها ، وإمام أفضلها .

*       *      *

١٠٦
 &

(٢٠)

وقال الْأُستاذ عبد الوهّاب حمّودة ، أُستاذ الْأَدب الحديث بكلّية الآداب بجامعة فؤاد الْأَوّل ، في مقال له حول نهج البلاغة نشره في مجلّة «رسالة الإِسلام» الصادرة عن دار التقريب بمصر ، في عددها الثالث من سنتها الثالثة ، شهر رمضان سنة ١٣٧٠ هـ ، تحت عنوان : «الآراء الاجتماعية في نهج البلاغة» فقال :

لسنا بصدد تحقيق نسبة كتاب «نهج البلاغة» إلىٰ الإِمام عليّ رضي الله عنه ، أو إلىٰ جامعه الشريف الرضي ، فإنّ لذلك مجالاً غير هذا .

غير أنّه ممّا لا شكّ فيه عند أحد من أُدباء هذا العصر ، ولا عند أحد ممّن تقدّمهم في أنّ أكثر ما تضمّنه «نهج البلاغة» هو من كلام أمير المؤمنين رضوان الله عليه .

وعلىٰ ضوء هذا الرأي نحن ننظر في الكتاب فنبحث في مطاويه ، ونمتّع الذهن بأسرار معانيه ، ونستخرج منه الآراء الناضجة الاجتماعية ، والْأَفكار الخالدة الإِنسانية .

وإنّ الباحث لَيتملّكه الدهش حين يرىٰ لِأَدب آل البيت جميعاً سمات خاصّة وخصائص متمايزة ، لا فرق في ذلك بين رجالهم ونسائهم وخطبائهم وشعرائهم .

فإنّ لأَدب كلّ جماعة سمات تستمدّ من وجداناتهم ، وصدق عواطفهم ، ونبل مقاصدهم ، ودقّة مشاعرهم .

فمن سمات أدب آل البيت صدق العاطفة ، وجزالة الْأُسلوب ، وسموّ المقصد ، وحرارة العبارة ، وقوّة الإِيمان ، ورسوخ العقيدة ، وتوقّد الوجدان .

ولا عجب في ذلك ، فإنّ الْأَدب ينهض في عصور المشادّة لا عصور

١٠٧
 &

اللين والْأَمن ، وإنّ عصور الْأَمن عصور طراوة ودعة لا تحفّز النفوس ، ولا تستثير قواها الكامنة .

وعلىٰ النقيض من ذلك عصور المشادّة والجهاد التي تحرّك أعمق أعماق النفوس وتثير كلّ تيّاراتها ، وتبتعث رواقدها ، لما تتطلّبه طبيعة العراك من استمداد كلّ قوّة ، وإفراغ كلّ جهد .

إنّ الاضطهاد العنيف لم يترك في أدب آل البيت أنيناً وشكوىٰ ، ولا بكاء ولا عويلاً ، وإنّما ترك قوّة صامدة ، وتحقيراً لأَمر الدنيا ، وإعظاماً للجهاد ، وإكباراً للتضحية .

ولم يكن لآل البيت أُسلوب قويّ فحسب ، بل كانت معانيهم أيضاً قويّة ، فقد اصطبغت هذه المعاني بالمثل الْأَعلىٰ للإِيمان والعقيدة ، فاكتسبت رونقاً وجلالاً ، وعظمة وجمالاً .

ولا غرو ، فقد قدّموا في سبيل هذه العقيدة أغلىٰ ما يمكن أن يقدّمه إنسان قرباناً لعقيدة ، وهي أنفسهم الزكية ، وأرواحهم الطاهرة ، أليس يقول الإِمام رضي الله عنه : «لنا حقّ فإن أُعطيناه ، وإلّا ركبنا أعجاز الإِبل وإن طال السرىٰ» .

وقد اجتمع له رضي الله عنه في كتاب «نهج البلاغة» ما يجتمع لكبار الحكماء ، وأفذاذ الفلاسفة ، ونوابغ الربّانيّين من آيات الحكمة السامية ، وقواعد السياسة المستقيمة ، ومن كلّ موعظة باهرة ، وحجّة بالغة ، وآراء اجتماعية ، وأُسس حربية ، ممّا يشهد للإِمام بالفضل وحسن الْأَثر .

فأنت واجد في خطبه ووصاياه رضوان الله عنه ملتقىٰ العاطفة المشبوبة والإِحساس المتطلّع إلىٰ الرحمة والإِكبار ، فقد كانت حياته وحياة أبنائه سلسلة من الجهاد والصراع والاضطهاد والجلاد .

فكان رضي الله عنه شجاعاً في غير بغي ، قويّاً في غير قسوة ، سليم الصدر من الضغن والحقد ، بريء النفس من حبّ الانتقام والغرور ، لا يتكلّف

١٠٨
 &

ولا يحتال علىٰ أن يتكلّف ، بل كان يقول : «شرّ الإِخوان من تُكلِّف له» .

وكان لا يعرف غير طريق واحدة هي طريق الصراحة التي تكشف عن قرارة نفسه ، فهو في طلب الحقّ لا تلين قناته ، ولا تأخذه فيه هوادة ، وهو يربأ بنفسه أن يستهوي الْأَفئدة بالمداجاة والمقاربة وبذل العطاء كما كان يفعل سواه . . .

(٢١)

وقال الدكتور صبحي الصالح في ما كتب يأذن في طبع نهج البلاغة بتحقيقه(٢٤) :

وإنّي بدوري وبوصفي محقّقاً للكتاب ، وشارحاً له ، وضابطاً لنصّه : أرىٰ أنّ نهج البلاغة لأَمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه السلام يجب أن يطبع ، وينشر ، ويوزّع في جميع أنحاء العالم ، ليستفيد منه الجيل المسلم الجديد .

من أجل هذا أرىٰ لزاماً عَلَيَّ أن أشكر أصدقائي الْأَعزّة من العلماء العاملين في مركز البحوث الإِسلامية في قم لنهوضهم بهذا الواجب في إيران المسلمة العريقة في إسلامها . . .

(٢٢)

وقال العلّامة الشيخ عزيز الله العطاردي الخراساني القوجاني ، نزيل طهران اليوم ، في مقدّمته لمنهاج البراعة(٢٥)

__________________

(٢٤) نشر بتصوير خطّه في مقدّمة الطبعة الْأُولىٰ لنهج البلاغة في إيران بتحقيق الدكتور صبحي الصالح ، من إصدارات مركز البحوث الإِسلامية في قم سنة ١٣٩٥ هـ .

(٢٥) في شرح نهج البلاغة ، لقطب الدين الراوندي ـ المتوفّىٰ سنة ٥٧٣ هـ ـ وقد طبعه بالهند سنة ١٤٠٤ هـ .

١٠٩
 &

وهو يتحدّث عن نهج البلاغة :

هذا الكتاب الشريف أشرف الكتب بعد كلام الله تعالىٰ وكلام رسوله صلّیٰ الله عليه وآله ، وهو دون كلام الخالق وفوق كلام المخلوقين ، وأفضل الكلام وأفصحه وأنفعه وأرفعه ، وهذا واضح لمن تأمّل في الكتاب ، وتفكّر في ألفاظه ومعانيه .

نهج البلاغة كتاب يشتمل علىٰ المعارف الإِلٰهيّة ، والْأَسرار النبوية ، والْأَحكام الإِسلامية ، والقواعد السياسية ، يستفيد منه الحكيم الْإِلٰهي ، والفقيه الربّاني ، والواعظ الصمداني ، والمصلح السياسي .

وفيه آداب الحرب وتنظيم العساكر والجيوش ، وردت فيه مواعظ شافية للمتّعظين ، وآداب للعارفين ، وترغيب للعابدين ، وتحذير للمنافقين ، وتخويف للْأُمراء والسلاطين ، وإرشادهم في الحكم وبسط العدل للمسلمين ، وكظم الغيظ والعفو عن المجرمين .

من نظر في نهج البلاغة وتعمّق في خطبه ورسائله يرىٰ نفسه مع خطيب وأمير إلٰهيّ ، تارة يتكلّم في التوحيد ، ويبحث عن أسرار الكائنات ، ويكشف غوامض المسائل ، ويشرح مكنون العلم .

وتارة يتكلّم عن النبوّة وصفات الْأَنبياء عليهم السلام والْأَولياء .

وأُخرىٰ يتكلّم عن العباد والزهّاد وصفات المتّقين .

وآونة عن فنون الحرب والجهاد مع الْأَعداء في الغزوات ومقارعة الْأَبطال ومصارعة الشجعان .

وحيناً يعظ الناس ويحذّرهم من الدنيا وزينتها ، ويرغّبهم في الآخرة ونعيمها .

*       *      *

١١٠
 &

الكلمة في اصطلاح النحاة

السيّد عليّ حسن مطر

الكلمة لغة :

أوّلاً : معناها .

تستعمل الكلمة في ثلاثة معان لغوية(١) :

الْأَوّل : الحرف الواحد من حروف الهجاء .

الثاني : اللفظة الواحدة المؤلَّفة من بضعة حروف ذات معنى .

الثالث : الجملة المفيدة والقصيدة والخطبة .

وقد أشار بعض العلماء إلى أنّ استعمال الكلمة في المعنى الْأَخير من المجاز اللغوي «من باب تسمية الشيء بٱسم بعضه ، كتسميتهم ربيئة القوم عيناً ، والبيت من الشعر قافية ؛ لاشتماله عليها ، وهو مجاز مهمل في عرف النحاة»(٢) ، «أي أنّهم لا يستعملون الكلمة بمعنى الكلام

__________________

(١) لسان العرب لابن منظور ، وتهذيب اللغة للْأَزهري ، مادّة (كلم) ، أوضح المسالك في شرح ألفية ابن مالك ، لابن هشام ١ / ١٢ ، شرح قطر الندى لابن هشام : ص ١٣ ، شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ١ / ١٦ ، همع الهوامع في شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم ١ / ٣ .

(٢) حاشية الصبّان على شرح الْأَشموني ١ / ٢٨ ـ ٢٩ ، البهجة المرضيّة للسيوطي ١ / ١٠ .

١١١
 &

أصلاً»(٣) ، ومن ثمّ اعترضوا على ابن مالك حينما قال في ألفيّته : «وكلمة بها كلام قد يؤم» ، وعدّوه من أمراض الألفيّة التي لا دواء لها»(٤) .

وقد ذكر الشنواني ـ دفاعاً عن صاحب الْأَلفية ـ أنّ «الكلمة تطلق لغة واصطلاحاً مجازاً على الكلام وحقيقة على المفرد»(٥) ، وهي دعوى تحتاج إلى دليل من استعمالات النحاة .

ويظهر من ابن الخشّاب (ت ٥٦٧ هـ) ذهابه إلى أنّ استعمال الكلمة في المعنى الْأَوّل مجاز لغوي أيضاً ؛ إذ قال : «فأمّا الكلمة فمنطلقة في أصل الوضع على الجزء الواحد من الكلم الثلاث»(٦) ، أي : الاسم والفعل والحرف ، وهي الْأَلفاظ الدالّة على معنى ، فيكون إطلاقها على أحد حروف الهجاء مجازاً ، من باب تسمية الجزء بٱسم الكلّ ، كإطلاق اليد على الإِصبع . وعليه يكون المعنى الحقيقي للكلمة لغةً هو المعنى الثاني فقط ، وهو الموافق لمعناها الاصطلاحي ، كما سيتّضح خلال البحث .

*       *      *

ثانياً ـ لغات الكلمة :

في الكلمة ثلاث لغات(٧) :

__________________

(٣) حاشية الصبّان ١ / ٢٩ .

(٤) حاشية الخضري على شرح ابن عقيل ١ / ١٧ ، همع الهوامع ١ / ٤ ، حاشية الصبّان ١ / ٢٩ .

(٥) حاشية السجاعي على شرح قطر الندى ، ص ٧ .

(٦) المرتجل ـ لابن الخشّاب ـ ص ٢١ .

(٧) مادّة (كلم) في كلّ من : صحاح اللغة للجوهري وتهذيب اللغة للْأَزهري ولسان العرب لابن منظور ، الخصائص لابن جنّي ١ / ٢٧ ، شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١١ ، شرح الْأَشموني ١ / ٢٦ .

١١٢
 &

الْأُولى : كَلِمَة ، على وزنِ نَبقِة ، وهي الفصحى ولغة أهلِ الحجاز ، وبها جاء التنزيل .

الثانية : كِلْمَة ، على وزنِ سِدْرة ، وهي لغة تميم .

الثالثة : كَلْمَة ، على وزنِ ضَرْبة ، وأول من نصَّ على هذهِ اللغة الجوهري(٨) دون نسبة ، ثم نسبها ابن هشام إلى تميم(٩) .

*       *      *

ثالثاً ـ اشتقاق الكلمة .

ذكر بعض العلماء أنّ الكلمة مشتقّة لغة من الكَلْم ، وهو الجرح ؛ لتأثيرها في النفس(١٠) . وقال الرضي : «وهو اشتقاق بعيد»(١١) ؛ لبعد المناسبة اللغوية التي يتوقّف عليها الاشتقاق بين المشتقَّين(١٢) .

وقال ابن فارس : «الكاف واللام والميم أصلان ، أحدهما يدلّ على نطق مفهم ، والآخر على جراح»(١٣) ، وعليه تكون الكلمة أصلاً مستقلاً ، وليست مشتقّة من الكلم بمعنى الجرح .

*       *      *

__________________

(٨) صحاح اللغة مادّة (كلم) .

(٩) شرح شذور الذهب لابن هشام ص ١١ ، شرح اللمحة البدرية لابن هشام ١ / ٢٠٦ .

(١٠) شرح المفصّل لابن يعيش ١ / ٥١ ، المرتجل لابن الخشّاب ص ١٨ ، شرح الكفاية للرضي ، تحقيق الدكتور يوسف حسن عمر ١ / ٢٠ .

(١١) شرح الكافية ١ / ٢٠ .

(١٢) حاشية شرح الكافية (طبعة بولاق) ١ / ٢ .

(١٣) مقاييس اللغة لابن فارس ، مادّة (كلم) .

١١٣
 &

* الكلمة اصطلاحاً .

أقدم ما تسنّى لي العثور عليه من تعريفات الكلمة اصطلاحاً ، قول الزمخشري (ت ٥٣٨ هـ) : «الكلمة هي اللفظة الدالّة على معنى مفرد بالوضع»(١٤) ، وتابعه عليه المطرّزي (ت ٦١٠ هـ)(١٥) .

وممّا قاله ٱبن يعيش في شرح هذا التعريف : «فاللفظة جنس للكلمة ؛ وذلك لأَنّها تشمل المهمل والمستعمل . . . وقوله : الدالّة على معنى ، فصل فصله من المهمل الذي لا يدلّ على معنى . . . وقوله : مفرد ، فصل ثانٍ فصله من المركّب . . . وقوله : بالوضع ، فصل ثالث احترز به عن أُمور منها ما قد يدلّ بالطبع . . . وذلك كقول النائم : اخ ؛ فإنّه يفهم منه استغراقه في النوم»(١٦) .

وعرّفها كلّ من ابن الخشّاب (ت ٥٦٧ هـ) وأبي البقاء العكبري (ت ٦١٦ هـ) بأنّها «اللفظة المفردة»(١٧) . وواضح أنّ عدم تقييد اللفظة بالمستعملة أو الدالّة على معنى يجعل تعريفهما غير مانع من دخول الْأَلفاظ المهملة .

أمّا ابن الحاجب (ت ٦٤٦ هـ) فقد عرّفها بما يشابه تعريف الزمخشري مضموناً ، وإنْ كان أخصر عبارة ، قال : «الكلمة لفظ وضع لمعنى مفرد»(١٨) ، وتابعه عليه ابن عقيل (ت ٧٦٩ هـ)(١٩) .

وممّا ذكره الرضي (ت ٦٨٦ هـ) في شرحه هذا التعريف : أنّ (اللفظ) المأخوذ جنساً فيه ، هو أيضاً «قيد احترازي عن نحو الخطّ والعقد والنصبة

__________________

(١٤) المفصّل في علم العربية ، جار الله الزمخشري ، ص ٦ .

(١٥) المصباح في علم النحو ، أبو الفتح المطرّزي ، ص ٣٧ .

(١٦) شرح المفصّل لابن يعيش ١ / ١٨ ـ ١٩ .

(١٧) المرتجل لابن الخشّاب ، ص ٤ ـ ٥ ، مسائل خلافيّة في النحو ، لأَبي البقاء العكبري ، ص ٣١ .

(١٨) شرح الرضي على الكافية ١ / ١٩ .

(١٩) شرح ابن عقيل على ألفيّة ابن مالك ١ / ١٥ .

١١٤
 &

والإِشارة ؛ فإنّها ربما دلّت بالوضع على معنى مفرد ، وليست بكلمات . ويجوز الاحتراز بالجنس أيضاً ، إذا كان أخصّ من الفصل بوجه ، وهو هٰهنا كذلك ؛ لأَنّ الموضوع للمعنى المفرد قد يكون لفظاً ، وقد لا يكون»(٢٠) .

ثم عقّب على التعريف بملاحظتين :

أُولاهما : أنّ «المقصود من قولهم : (وضع اللفظ) جعله أوّلاً لمعنى من المعاني ، مع قصد أن يصير متواطئاً عليه بين قوم . . . [وعليه] لم يكن محتاجاً إلى قوله (لمعنى) ؛ لأَنّ الوضع لا يكون إلّا لمعنى» .

والثانية : «قوله (لمعنى مفرد) يعني المعنى الذي لا يدلّ جزء لفظه على جزئه . . والمشهور في اصطلاح أهل المنطق جعل المفرد والمركّب صفة اللفظ ، فيقال : اللفظ المفرد واللفظ المركّب ، ولا ينبغي أن يخترع في الحدود ألفاظ ، بل الواجب استعمال المشهور المتعارف منها فيها ؛ لأَنّ الحدّ للتبيين ، وليس له أن يقول : إنّي أردت بالمعنى المفرد ، المعنى الذي لا تركيب فيه ؛ لأَنّ جميع الْأَفعال إذن تخرج عن حدّ الكلمة . ولو قال : الكلمة لفظ مفرد موضوع ، سلم من هذا»(٢١) .

وعرّفها ابن معطي (ت ٦٢٨ هـ) بأنّها «اللفظ المفرد الدالّ على معنى مفرد»(٢٢) . وهو لا يختلف عن الصياغة التي خلص إليها الرضي إلّا بتقييده للمعنى بأنّه مفرد .

وعرّفها ابن مالك (ت ٦٧٢ هـ) بتعريف لا يخلو من التعقيد . قال : «الكلمة لفظ مستقلٌّ دالّ بالوضع تحقيقاً أو تقديراً ، أو مَنْوِيّ معه كذلك»(٢٣) .

وذكر السلسيلي (ت ٧٧٠ هـ) في شرحه : أنّه احترز بالمستقلّ من بعض

__________________

(٢٠) شرح الرضي على الكافية ١ / ٢٢ ـ ٢٣ .

(٢١) شرح الرضي على الكافية ١ / ٢١ ـ ٢٢ .

(٢٢) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، تحقيق محمود الطناحي ، ص ٣١ .

(٢٣) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، لابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات ، ص ٣ .

١١٥
 &

ٱسمٍ كالتاء في (مسلمة) ومن بعضِ فعل كهمزة (إعلم) .

وأمّا قوله : «تحقيقاً أو تقديراً» فمثال التحقيق (رجل) ؛ فإنّه دالّ على مسمّاه تحقيقاً ، ومثال التقدير أحد جزءَي العلم المضاف ، كٱمرئ القيس ، فمن حيث المدلول هو كلمة واحدة ، ومن حيث التركيب كلمتان .

وقوله : «أو مَنْوِيّ معه» قسيم (لفظ) الوارد في أوّل التعريف ؛ لأَنّ الكلمة قسمان : ملفوظة أو مَنْوِيّة مع اللفظ كالفاعل في (إفعل) .

وأمّا قوله : «كذلك» فقد حكى عن ابن مالك نفسه أنّه إشارة إلى الدلالة والاستقلال ، أي : معنى هذا المَنْوِيّ معنى المستقلّ الدالّ بالوضع ، واحترز بـ (كذلك) من الإِعراب المقدّر في فتى ونحوه ، فإنّه وإن كان مَنْوِيّاً مع اللفظ ، لكنّه ليس مستقلاً دالاً بالوضع ، فلا يكون كلمة ، بخلاف الفاعل المستكنّ في الفعل(٢٤) .

وقد سجّل أبو حيّان على هذا التعريف ملاحظتين :

أُولاهما : أنّ ابن مالك إنّما احتاج «إلى أن يتحرّز بمستقلّ من بعض اسم وبعض فعل ؛ لأَنّه أخذ جنساً بعيداً وهو اللفظ ، فلو أخذ أقرب منه وهو القول لم يحتج إلى التحرّز بقوله (مستقلّ) ؛ لأَنّ بعض اسم وبعض فعل لا يقال له : قول» .

والثانية : أنّ احترازه عن المهمل بقوله : (دالّ بالوضع) «ليس بجيّد ؛ لأَنّه قبل هذا الفصل ذكر لفظ (الاستقلال) واللفظ المهمل لا يدخل تحت قوله : مستقّل»(٢٥) .

وامّا السلسيلي فقد لاحظ عليه : أنّ احترازه بـ (كذلك) عن الإِعراب

__________________

(٢٤) شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق عبدالله البركاتي ، ١ / ٩٥ ـ ٩٦ .

(٢٥) شفاء العليل ، للسلسيلي ١ / ٩٥ ـ ٩٦ ، التذييل والتكميل ، لأَبي حيّان ج لوحة ٥ ، ٦ (نقلاً عن حاشية شفاء العليل ١ / ٩٥ ـ ٩٦) .

١١٦
 &

المقدّر في (فتى) ؛ لأَنّه مَنْوِي مع اللفظ ، لكنّه ليس كذلك «فيه نظر ؛ فإنّه خرج بقوله أوّلاً»(٢٦) ، أي بقوله : مستقلّ .

ويمكن أن يلاحظ عليه أيضاً :

أوّلاً : أنّه لم يقيّد اللفظ بأنّه مفرد ، ليتحرز بذلك من دخول المركّب .

وثانياً : أنّ كون الكلمة دالّة تحقيقاً تارة وتقديراً أُخرى ، أو ملفوظة تارة ومَنْوِيّة أُخرى ، هو من الْأَحوال العارضة عليها ، وليس من ذاتيّاتها المقوّمة لحقيقتها ، فلا داعي لدخوله في تعريفها .

وعرّفها ابن الناظم (ت ٦٨٦ هـ) بقوله : «الكلمة لفظ بالقوّةِ أو لفظ بالفعل ، مستقلّ ، دالّ بجملته على معنى مفرد بالوضع»(٢٧) .

وممّا قاله في شرحه : إنْ قيد «بالقوّة مدخل للضمير في نحو إفعل وتفعل ، ولفظ بالفعل مدخل لنحو زيد في : قام زيد . . . ودالّ ، معمّم لِما دلالته زائلة كأحد جزءَي ٱمرئ القيس ؛ لأَنّه كلمة ؛ ولذلك أُعرب بإعرابين كلٌّ على حدة ، وبجملته مخرج للمركّب كغلام زيد ؛ فإنّه دالّ بجزءيه على جزءي معناه ، وبالوضع مخرج للمهمل ، ولِما دلالته عقلية كدلالة اللفظ على حال اللافظ»(٢٨) .

وترد على هذا التعريف الملاحظة الْأُولى المتقدّمة لأَبي حيّان ، وأمّا ملاحظته الثانية فليست بواردة هنا ؛ لأَنّ ابن الناظم لم يقصر قيد (الوضع) على إخراج المهمل فقط ، بل أخرج به أيضاً ما دلالته عقلية .

ويبقى عليه أنّه جعل (المفرد) قيداً للمعنى دون اللفظ ، وأنّه أدخل في التعريف (القوّة والفعل) وهما من الْأَحوال العارضة على اللفظ لا من ذاتيّاته .

ولأَبي حيّان الْأَندلسي (ت ٧٤٥ هـ) تعريفان للكلمة :

__________________

(٢٦) شفاء العليل ١ / ٩٦ .

(٢٧) شرح ابن الناظم على الْأَلفية ، ص ٣ ـ ٤ .

(٢٨) شرح ابن الناظم على الْأَلفية ، ص ٣ ـ ٤ .

١١٧
 &

أوّلهما : «الكلمة قول أو مَنْوِيّ معه ، دالّ على معنى مفرد»(٢٩) .

والثاني : «الكلمة قول موضوع لمعنى مفرد»(٣٠) ، بحذف عبارة (أو مَنْوِيّ معه) وهو الْأَوْلى ؛ لِما تقدّم من أنّ كون الكلمة ملفوظة أو مَنْوِيّة ليس من ذاتيّاتها .

ويبدو أنّ أبا حيّان أول من أدخل (القول) جنساً في تعريف الكلمة . وقد اعترض عليه بأنّ «ذكر اللفظ أوْلى ؛ لإِطلاقِ القول على غيره كالرأي ، [لكنّه] ممنوع ؛ لعدم تبادره إلى الْأَذهان ؛ إذ هو مجاز»(٣١) .

وقد أشار ابن هشام (ت ٧٦١ هـ) عند شرحه هذا التعريف إلى أنّ «قوله : (موضوع لمعنى مفرد) مجموعه فصل مخرج للمركّبات كغلام زيد ، وليس قوله : (موضوع لمعنى) وحده فصلاً ، كما قد يتوهّم من لا نظر له ؛ لأَنّ ذلك يقتضي أنّ القول أعمّ من الموضوع لمعنى وغيره ، وأنّه احترز عن غير الموضوع ، فهذا خطأ لما ذكرناه آنفاً من أنّ القول لا يكون إلّا موضوعاً ، وأشدّ من هذا فساداً من يتوهّم أنّ قوله (موضوع) وحده فصل ، و (لمعنى) فصل ثانٍ ، وفساد ذلك لأَمرين : أحدهما ما ذكرناه ، والثاني : أنّ الوضع لا يكون إلّا لمعنى»(٣٢) .

وقد عقّب ابن هشام ناقداً تعريف أبي حيّان بقوله : «إنّه لا فائدة لقوله : (موضوع لمعنى) ؛ لأَنّ ذلك مستفاد من الجنس»(٣٣) المذكور في أوّل التعريف وهو (القول) .

وقد خلص ابن هشام إلى أنّه لو عرّف الكلمة بأنّها «قول مفرد ، لكان أوْلى من وجهين : أحدهما أنّه أخصر مع تحصيله للمعنى المقصود ، والثاني أنّه لا

__________________

(٢٩) غاية الاحسان في علم اللسان ، لأَبي حيّان ، مخطوط (مصوّرته بحوزتي) ١ / ب .

(٣٠) شرح اللمحة البدرية ، لابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر ، ١ / ٢٠٠ .

(٣١) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم ١ / ٥ .

(٣٢) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، للسيوطي ، تحقيق عبدالسلام هارون وعبدالعال سالم مكرم ١ / ٥ .

(٣٣) شرح اللمحة البدرية ١ / ٢٠٧ .

١١٨
 &

يوهم غير الواقع ؛ فإنّ كلامه ربما أوهم قولين باطلين : أحدهما أنّ القول غير موضوع ، والثاني أنّ المركّب معناه بالوضع ، وإنّما هذا شأن المفردات التي يتولّى بيانها اللغوي ، فأمّا المركّبات فدلالتها على معناها التركيبي دلالة عقلية لا وضعيّة»(٣٤) .

ويعدّ تعريف ابن هشام للكلمة بأنّها (قول مفرد) أخصر وأدقّ صياغة لتعريفها ، وقد أثبته أيضاً في كلّ من كتابيه : قطر الندى وشذور الذهب ، وتابعه عليه الْأَشموني (ت ٩٠٠ هـ) في شرحه على الْأَلفية ، والسيوطي (ت ٩١١ هـ) في كتابه : الْأَشباه والنظائر في النحو(٣٥) . إلّا أنّ السيوطي سجّل صياغة أُخرى لتعريف الكلمة تَعدّ تراجعاً في المسير التكاملي للتعريف ؛ إذ قال : الكلمة «قول مفرد مستقلّ أو مَنْوِيّ معه»(٣٦) .

وثمّة نقطتان ذكرهما السيوطي في شرح هذا التعريف(٣٧) ، ينبغي إبرازهما والتعليق عليهما .

أُولاهما : أنّ من أسقط قيد (الاستقلال) من التعريف «رأى ما جنح إليه الرضيّ من أنّها مع ما هي فيه كلمتان صارتا واحدة لشدّة الامتزاج» .

والثانية : قوله : «وعدلت كاللّباب إلى جعل الإِفراد صفة القول عن جعلهم إيّاه صفة المعنى» .

أمّا النقطة الْأُولى ، فكان من المتوقّع أن يذكر داعياً آخر لإِسقاط قيد الاستقلال هو ما ذكره أبو حيّان في كتابه «التذييل والتكميل» من أنّ «بعض اسم وبعض فعل لا يقال له قول» ، خاصّة وأنّ الكتاب المذكور كان من بين المصادر التي اعتمد عليها السيوطي في كتابه «جمع الجوامع» . كما يلاحظ في مواضع

__________________

(٣٤) شرح اللمحة البدرية ١ / ٢٠٧ ـ ٢٠٨ .

(٣٥) تحقيق عبدالعال سالم مكرم ٣ / ٥ .

(٣٦) همع الهوامع ١ / ٤ .

(٣٧) همع الهوامع ١ / ٤ ـ ٥ .

١١٩
 &

متفرّقة منه ، وكما صرّح به السيوطي نفسه في كتابه «بغية الوعاة»(٣٨) .

وأمّا النقطة الثانية ، فلعلّ ما ذكره يوهم أنّ أبا البقاء العكبري ـ صاحب (اللباب) ـ أوّل من جعل الإِفراد صفة للّفظ دون المعنى ، والصحيح ـ كما تقدّم في البحث ـ أنّ السابق إلى ذلك هو ابن الخشّاب في كتابه «المرتجل» .

*       *      *

__________________

(٣٨) بغية الوعاة في طبقات اللغويّين والنحاة ، للسيوطي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ١ / ٢٨٢ .

١٢٠