تراثنا ـ العددان [ 32 و 33 ] - ج ٣٢-٣٣

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 32 و 33 ] - ج ٣٢-٣٣

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٦٢
  نسخة غير مصححة

فأولا : حصره الأساس للانتصار على عصبية النسب أمر لا يوافق المنطق الإسلامي الرافض لكل أشكال العصبيات والعنصريات ، والداعي إلى الأخوة الإسلامية.

وثانيا : بطلان دعواه بالنسبة إلى الديانات والحركات الدينية التي قامت على الأرض ولا تزال ، مما لا تعتمد على العصبية ، بل تضادها أحيانا كثيرة ، فهذه ثورة الإسلام التي قام بها النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وليس معه من قومه إلا القلائل ، وأما الأكثرية فكانوا ضده بل هم من أشد الناس عليه ، ولكنه غلبهم ودحرهم بإذن الله.

وهذه الثورة الإسلامية في إيران ، قادها رجل علوي وهو الإمام الخميني ، من دون أن ينتمي إلى عصبة وشوكة سوى العلقة الربانية التي كانت تربط مقلديه به في الفتوى ، وقد نصره الله على «الشاه» الأعجمي الحسب والنسب ، والذي كان يدعو إلى القومية الفارسية بأقوى الأساليب وبشكل منهجي ومدروس ، لكن الشعب المسلم ، المؤمن ، وقف مع الإمام العلوي ، إلى حد الانتصار.

وثالثا : إن المهدي المنتظر ، له ممهدون ، يمهدون له سلطانه ، ويهيئون له أموره ، وإن لم يكونوا من عصبته ، كما دلت عليه أخبار متفق عليها بين المسلمين ، فلا ينحصر وجه ظهوره في أن يخرج في عصبته من الطالبيين فقط.

ورابعا : لو صحت الأحاديث بخروج المهدي ، فالمتبع ما ورد في متونها ، وهي تدل على «ظهور رجل من أهل البيت يدعو إلى الرشد والهدى ، ويحكم كلمة الله على سطح الكرة الأرضية».

أما أنه «يخرج في الطالبيين» خاصة ، كما يراه ابن خلدون ، فليس حجة ، ولم يتضمنه حديث ، ودليله عليه عليل ، فلا يجب علينا الالتزام برأيه بل هو إن كان مؤمنا بالله والرسول فالواجب عليه ، رفع يده عن نظريته والتزام ما وردت به الأحاديث الصحيحة.

٦١

٧ ـ هل مسألة المهدي ، من العقائد؟

إن الكاتب أبدى استياءه من بعض شيوخ أهل السنة الذين حشروا الاعتقاد بالمهدي ضمن عقيدة المسلم ، فقال :

كان ينبغي استبعاده ، لأن الشيعة يعتبرونه من العقيدة ، لأنه إمام ، والإمام منها.

وإن كان من أشراط الساعة ، فكان عليه أن يتذكر أن أحاديثها من أخبار الآحاد التي لا تثبت بها عقيدة. [ص ١٩٨].

إن الدليلين المذكورين لاستبعاد كون أمر المهدي من العقائد حسب نظرية أهل السنة ، جيدان :

فأهل السنة يرون الإمامة من فروع العمل الواجب على الأمة ، لا من أصول الاعتقاد الذي يبتنى عليه الإيمان ، والمهدي على فرض ثبوته وصحة خبره إنما هو خليفة ، لا أكثر.

ولكن إذا صحت الأخبار بمعنى المهدي وتكاثرت إلى حد التواتر المفيد للعلم ، فهي خارجة عن الآحاد.

وقد عرفت دعوى التواتر من عدة من أعلام الحديث ، فلماذا لا تثبت به العقيدة العلمية؟!

وإذا لم يتم التواتر ، لكن صحت الأخبار ، وبرئت أسانيدها من الغلط والسهو ، وفرضنا أنه لا يدخل في العقيدة ، فهل يجوز للمسلم أن يرفضه ، ويحكم بوضعه وبطلانه؟!

إن العلماء قرروا في مثل هذا أنه :

إذا لم يكن حديث المهدي من العقائد ، فهو ملحق بما يجب الالتزام به لا كمعتقد ، بل باعتبار صدور الخبر الصحيح به كما قال الشيخ محمد الخضر

٦٢

حسين : إذا ورد حديث صحيح عن النبي ـ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأنه يقع في آخر الزمان كذا ، حصل العلم به ووجب الوقوف عنده ، من غير حاجة إلى أن يكثر رواة هذا الحديث حتى يبلغ مبلغ التواتر (٣٣).

ولا أقل من عد هذه الأحاديث مثل أحاديث العمل التي يلتزم بها العلماء والفقهاء وجميع المسلمين باعتبارها صادرة من الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حجة معتبرة ، ودليلا شرعيا على مداليلها ، فيجب الالتزام بها على من يعتقد بالإسلام دينا ، وبمحمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم نبيا.

أما ردها ونبذها وتسفيه الملتزم بها ، فهذا ما لم يلتزم به مسلم لا قديما ولا حديثا ، إلا من قبل هذه الشرذمة ابن خلدون ومن لف لفه ، بأدلة واهية.

* * *

٨ ـ نقاط للتأمل :

١ ـ جمع الحديث وتدوينه :

يذكر الكاتب مسألة جمع الحديث ، فيقول : من المعلوم أن جمع الحديث بصورة رسمية لم يبدأ إلا في خلافة عمر بن عبد العزيز في بداية المائة الثانية. [ص ١٦٧].

فالملاحظ : أن تاريخ تدوين الحديث وكتابته مسألة طويلة البحوث ، وللكلام فيها مجال كبير ، وقد ألف فيها العلماء القدماء والمتأخرون كتبا ورسائل وبحوثا قيمة ، أقدمهم الخطيب البغدادي في كتاب «تقييد العلم» (٣٤).

__________________

(٣٣) نظرة في أحاديث المهدي ، في مجلة التمدن الإسلامي ـ الدمشقية.

(٣٤) طبعه يوسف العش محققا ، في دمشق ، مع مقدمة ضافية حول الموضوع تعد من أنفس الدراسات في هذا الميدان ، وأعيد طبعه في بيروت.

٦٣

وخصص علماء الدراية فصولا مطولة للبحث عنه.

وقد تناولناه بالبحث والتحقيق بصورة مستوعبة في كتاب مفرد باسم «تدوين السنة الشريفة» (٣٥).

فاقتصار الكاتب على عدة سطور ، واعتبار ما ذكره : «من المعلوم» واعتماده على ذلك في البحث ، نقص يأباه المنهج العلمي.

ومع قطع النظر عن ذلك ، فإن الكاتب يعود إلى مسألة جمع الحديث ، ويقول : إن الشيعة كما هو ديدنهم دائما يرجعون كل شئ إلى الإمام علي كرم الله وجهه ، فيروون أن أول كتاب في الحديث ألف في الإسلام كتاب علي عليه‌السلام. [ص ١٦٩].

إن مثل هذا الكلام البادي عليه التهجم والحقد ، تأباه المناهج العلمية في المحاضرات الجامعية ، كما لا تستسيغه الأذواق!

فإذا كان كتاب علي عليه‌السلام حقيقة ملموسة ، أقر بها كل من الشيعة ، وأهل السنة ، وتناقل خبرها العلماء ، فما المانع من الالتزام به؟!

مع أن من الممكن النقض عليه بالصحيفة المنسوبة إلى عبد الله بن عمرو ، المسماة بالصحيفة الصادقة ، وكذلك الصحيفة المنقولة عن أبي هريرة ، المعروفة بصحيفة همام ، وغيرها من الصحف المنقولة عن الصحابة ، والتي ادعوا أنها كتبت في الصدر الأول.

فهل يمكن التهجم على أهل السنة بمثل كلام الكاتب في الشيعة؟! لقولهم : إن أول كتاب كتب في الإسلام هي هذه الصحيفة أو تلك؟!

٢ ـ مسألة وضع الحديث :

ينقل الكاتب عمن سماهم «مؤرخي الحركة الفكرية في العالم

__________________

(٣٥) طبع هذا الكتاب سنة ١٤١٣ في قم ، من منشورات مكتب الإعلام الإسلامي.

٦٤

الإسلامي» (٣٦) قولهم :

إن الوضع في الحديث بدأ بشكل متعمد لخدمة أغراض سياسية أيام الفتنة بين علي ومعاوية ، كما استغل الوضع لخدمة أغراض واتجاهات ومناهج اعتقادية.

وإن بداية الوضع في الحديث كانت على أيدي الشيعة الذين وضعوا أحاديث كثيرة تفضل عليا وآل البيت على غيرهم من الصحابة.

والحماس لآل البيت كلمة حق أريد بها باطل ، فقد تستر بها أعداد كبيرة من الزنادقة ، وضعيفي الدين ، والموتورين من الشعوب التي ذهبت دولها ، تطلعا إلى هدم الإسلام ، وإضعاف السلطة العربية. [ص ١٦٨ ـ ١٦٩].

وهذه المسألة ـ كتلك ـ ليست من البساطة بحيث يكتفى في تأصيلها ، والبت فيها ، بهذه الكلمات المنقولة عن مجهولين ولو بعنوان «مؤرخي الحركة الفكرية ...» ولو أنها دخلت في عقول من ليس من أهل هذا الشأن ، فإن تناقلها لا يخرجها عن الدعوى المحتاجة إلى البينة والبرهان!

ويمكن مناقشتها توا من خلال هذه الكلمات المنقولة نفسها ، فإذا كانت الأغراض السياسية هي وراء وضع الحديث ، واستغل الوضع لخدمة أغراض واتجاهات ومناهج اعتقادية.

فلماذا لا يكون الاتجاه المخالف للشيعة هو الذي بدأ الوضع؟! وإذا كان الحماس لآل البيت كلمة حق أريد بها باطل ، فلماذا لا يكون الحماس للصحابة كلمة حق أريد بها باطل؟!

ولماذا لا تكون أعداد كبيرة من الزنادقة وضعيفي الدين والموتورين من

__________________

(٣٦) من هم هؤلاء مجهولو الهوية؟! والحسب؟! والنسب؟! الذين تعلموا على أيدي ماسينيون اليهودي ، وجولد زيهر ، وفان فلوتن ، وغيرهم من صنائع الصهيونية والصليبية الحاقدة على الإسلام والمسلمين ، من أمثال أحمد أمين ، وطه حسين ، وقاسم أمين ، وجرجي زيدان ، ذيول الغرب وأبواقه!!

٦٥

الشعوب التي ذهبت دولها ، وضعوا الأحاديث في فضائل الصحابة ، تطلعا إلى هدم الإسلام ، ليتقربوا بذلك إلى الخلفاء الولاة ، ليتمكنوا من القضاء على هذا الدين بقتل الأتقياء والوعاظ الذين كانوا يحاربون الانحراف عن الدين القويم ، وخاصة العلماء من أهل بيت النبي وصحابته الأبرار؟!

والدليل على ذلك ، أن هؤلاء الأتقياء ، وعلماء أهل البيت والصحابة كانوا هم المطاردين طيلة حكم الخلفاء في القرن الأول.

حتى أبعد من أبعد ، ونفي من نفي ، وحبس من حبس ، وقتل من قتل حربا ، أو صبرا!

ولماذا لا ينسب وضع الحديث إلى قريش ، التي أسلمت رغما على أنفها ، وخاصة مسلمة الفتح ، الذين لم ينفكوا عن حرب الإسلام حتى آخر لحظة من استسلامهم ، ولما توفي النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم يألوا جهدا في زعزعة كيان الإسلام بإبعاد أهل البيت ، والصحابة الكرام ، وإيذائهم ، وحبسهم.

وفيهم كانت الردة.

فلماذا لا ينسب إليهم وضع الحديث بهدف هدم كيان الإسلام ، الذي أفقدهم عزهم وكرامتهم الجاهلية ، فلما لم يجدوا بدا من الاستسلام أخذوا في التخريب السري ، والتسلل إلى مناطق النفوذ والسلطة من خلال التزلف إلى الحكام والسير في ركبهم؟!

ولماذا يخص الوضع بالأمم الأخرى الذين دخلوا الإسلام فقط؟!

وإذا صح القول بأن الشعوب الأخرى ـ وليس الشعب العربي ـ هم الذين قاموا بالوضع للحديث ، ، لأن الإسلام أفقدهم عزهم ودولتهم ، فلماذا يخص الوضع بإيران القديمة ، دون الروم ، واليهود ، والنصارى المتواجدين في الشام وفلسطين وبلاد الروم المغلوبة كذلك؟!

ثم إن إيران القديمة التي يؤكد على نسبة الوضع إليها ، لم تكن في

٦٦

القرون الأولى شيعية ، بل كانت كلها من أهل السنة ، عدا بعض البلدان الصغيرة!

بينما البلاد العربية كانت مليئة بالشيعة ، وخاصة المدن الكبرى!

بل كانت إيران في زمن الفتنة وما بعدها إلى قرون سبعة «سنية» المذهب ، ولم يدخل التشيع إلى إيران بشكل رسمي إلا بعد القرن السابع.

بينما كان التشيع منتشرا بين العرب وفي البلاد العربية منذ القرون الأولى!

فإلى متى يبقى كتابنا على هذا «التل» من المزاعم الكاذبة يتناقلونها من دون خجل! ولا يحاولون النزوح عنها رغم «غروب شمس» الاتهامات والعصبية؟!

وإلى متى يقصع كل كاتب بجرة من سبقه ، من دون تأمل في المنقولات وأبعادها؟!

وقد أوغل الكاتب في ركوب الرأس والإصرار على الخطأ ، حيث صرح : بأن في أحاديث المهدي رواية ما هو كذب لصالح العباسيين [ص ١٩٠] لكنه يحاول أن يحسب كل شئ حتى هذا ، على الشيعة ، لقوله : إن الشيعة وبني العباس يكونون حزبا سياسيا واحدا ، ثم تمزقت الشيعة إلى فرق شتى [ص ١٩٠].

مع أن الشيعة وأئمتهم عليهم السلم كانوا على طرفي نقيض مع بني العباس ، منذ نشأة دولتهم ، بل قبلها ، ومهما يكن فإن أهل السنة هم الذين كانوا ـ ولا يزالون ـ يعتقدون بخلافة بني العباس.

فمع ذلك كله ، فإن هذه الرواية العباسية ـ أيضا ـ لا بد أن تكون من وضع الشيعة؟!

إن هذا الافراط في اتهام الشيعة بوضع أحاديث المهدي ينم ـ بلا ريب ـ عن عدم موضوعية الكاتب وعن انحراف في مزاجه وقلمه!

٦٧

وإلا ، فمن الواضح الذي يعترف به الكاتب نفسه أن في روايات المهدي ، وبطرق أهل السنة ، لا الشيعة ، ما رواه كعب الأحبار «اليهودي الذي انبهر بعلمه الكثيرون .. فقد استغل ثقة الرواة فيه ، وجعل من مسألة المهدي معرضا لمفاخر اليهود. [ص ١٩٥].

مع أن كعبا ليس محسوبا على الشيعة ، إطلاقا ، بل هو من الموثوق بهم عند أهل السنة ، اعتمدوا عليه ، وملأوا كتبهم من مروياته ، وفيها الكثير من الإسرائيليات المكذوبة على الله ورسوله.

فلماذا لا يثير وجود هذا اليهودي المحترف ، وأخباره في كتب أهل السنة ، أن يكون لليهود ، بواسطة كعب هذا ، تأثير على الفكر السني؟!

ولكنهم يصرون على أن الفكر الشيعي قد تأثر باليهودية من خلال عبد الله ابن سبأ اليهودي الآخر المحسوب على الشيعة.

مع أن الشيعة يتبرأون من ابن سبأ ، وتروي كتب التاريخ والرجال أن الإمام عليا عليه‌السلام قتله وأحرقه بالنار ، وهو من المنبوذين الملعونين عندهم ، ولا تعتمد له رواية في كتبهم.

أما كعب فيتمتع بكل ثقة واحترام عند عامة علماء أهل السنة! يمجدون به وبعلمه ، ويتناقلون خرافاته الإسرائيلية.

فهل هذا منطق العدالة؟!

أو هل هذا عدالة الكتاب والقلم؟! وموضوع قابل للإلقاء في محاضرة علمية رصينة؟!

ثم إن لنا حديثا آخر في موضوع «وضع الحديث» ونسبته إلى الشيعة ، ذكرناه مفصلا في كتابنا «تدوين السنة الشريفة» (٣٧) فلا نعيده حذرا من الإطالة.

وأما رأي علماء السنة في اتهام الشيعة بوضع أحاديث المهدي ، فقد قال

__________________

(٣٧) انظر : تدوين السنة الشريفة ، ص ٤٩٧ ـ ٥٠٤.

٦٨

الشيخ محمد خضر حسين :

يقول بعض المنكرين لأحاديث المهدي جملة : إن هذه الأحاديث من وضع الشيعة ، لا محالة.

ويرد هذا : بأن هذه الأحاديث مروية بأسانيدها ومنها ما تقصينا رجال سنده فوجدناهم عرفوا بالعدالة والضبط ، ولم يتهمه أحد من رجال التعديل والتجريح بتشيع مع شهرة نقدهم للرجال (٣٨).

وقد رد العباد هذه المزعومة ، فقال :

ما قالوه من أن فكرة المهدي نبعت من عقائد الشيعة وكانوا هم البادئين باختراعها ، وأنهم استغلوا أفكار الجمهور ... وضعوا الأحاديث يروونها عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في ذلك وأحكموا أسانيدها ، وأذاعوها من طرق مختلفة وصدقها الجمهور الطيب لبساطته!

فقال العباد : هذا القول يشتمل على تنقيص سلف هذه الأمة ، أوعية لسنة ونقلة الآثار ، والنيل منهم ووصف أفكارهم بالسذاجة ، وأنهم يصدقون بالموضوعات لبساطتهم.

ولا شك أنه كلام في غاية الخطورة (٣٩).

٣ ـ مسألة الوحدة ، ورواية الحديث :

ويلاحظ الكاتب في دراسات المعاصرين من الشيعة الإمامية استدلالهم بأحاديث ثابتة في صحاح أهل السنة ... ، ولكنها يؤتى بها لاقناعنا نحن ، أو لمجرد الاستئناس ، ويسمونها «مما روته العامة» بينما استنباط الحكم بكون من أحاديثهم لأنها منقولة عن الأئمة المعصومين.

__________________

(٣٨) نظرة في أحاديث المهدي ، مجلة التمدن الإسلامي الدمشقية.

(٣٩) مجلة الجامعة الإسلامية ـ المدينة المنورة ، العدد ٤٥.

٦٩

بينما نجد أهل السنة حريصين على وحدة الأمة وجمع كلمتها ، فلا يصمون أحدا بالفسق أو الكفر ... [ص ١٦٩ ـ ١٧٠].

إن هذا الكلام يحتوي على أمرين :

الأول : أن الشيعة يستندون في الأحكام على رواياتهم ، ويذكرون روايات العامة للإقناع أو للاستئناس.

الثاني : أن أهل السنة لا يصمون أحدا بالفسق أو الكفر والنتيجة التي يوحيها الكاتب بهذا الكلام : أن أهل السنة هم فقط الحريصون على وحدة الأمة وجمع كلمتها ، ويوحي أن الشيعة بتصرفهم ذلك يقومون بالتفرقة بين الأمة وتشتيت كلمتها!

ولكن :

إذا كان الشيعة يذكرون أحاديث العامة ، ولو للاستئناس والإقناع ، فإنهم يحاولون الاقتراب من العامة بهذا القدر.

أما أهل السنة فهل يذكرون أحاديث الشيعة ، ولو بنفس الغرض؟! أو إنهم يتغافلون عن آراء الشيعة في الفقه والأحكام ، ويهملون أحاديث أهل البيت وفقههم مطلقا؟!

وإذا كان الشيعة يستدلون على الأحكام برواياتهم عن المعصومين ، فذلك لأنهم يرون حجية هذه الروايات باعتبارها سنة مأخوذة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأصح الطرق وأسلمها.

أفي هذا عيب وإشكال ، في نظر الكاتب حتى يطرحه بهذا الشكل ، المريب؟!

أم إن الإشكال في مراجعة الشيعة لأحاديث العامة ، والاستناد إليها ، للاحتجاج بها على مخالفيهم ، ليقنعوهم ، أو يتأكدوا بدلالاتها على ما وصلوا إليه؟!

وليس هذا عمل الشيعة المعاصرين فحسب ، بل قدماء الشيعة قاموا بهذا

٧٠

العمل أيضا ، في كتب الفقه المقارن الذي سبقوا إلى إبداعه ، والتأليف فيه؟!

فأي الفريقين يبدو أحرص على الوحدة وجمع الكلمة؟!

أما أن أهل السنة لا يفسقون أو يكفرون أحدا :

فهذا أمر آخر ، وليس هو المطروح في حديثه السابق ، فهل إن الشيعة فسقوا أحدا أو كفروا أحدا حتى يبحث عن تفسيق أهل السنة وتكفيرهم لأحد وعدمه؟!

وأما أن أهل السنة يعتمدون على الرواة من الفرق الأخرى ، فإن الشيعة كذلك يعتمدون على الرواة من الفرق المخالفة ، والشرط الأساسي في الراوي عندهم «الوثاقة والسداد».

فإذا كان الراوي «ثقة» وكان «سديد الحديث» قبلت روايته.

وكم من راو من العامة ، مذكور في رجال الحديث عند الشيعة ومصرح بوثاقته والاعتماد عليه؟!

وحتى من مشاهيرهم وقضاتهم : كحفص بن غياث.

وكذا من غيرهم : كابن جريج ، وسفيان ، ومالك ، والزهري ، وغيرهم من أعلام الحديث عند أهل السنة.

ثم قوله : إن أهل السنة لا يصمون أحدا بالفسق والكفر.

هل هو صحيح على إطلاقه؟!

ولو كان الكاتب يلتزم به عمليا ، لكان أمرا جيدا نكبره عليه ، إلا أن الظاهر منه عدم اطلاعه على ما يصدره قضاة أهل السنة ـ بين الحين والآخر ـ من الفتاوى الظالمة ضد الشيعة ، بالتكفير وإهدار الدماء والأعراض ، وأحدثها : فتوى ابن جبرين الوهابي السعودي ، عضو مجلس الافتاء بالمملكة السعودية في الرياض ، التي لم يجف حبرها ، بعد.

فأين الكاتب المغربي ، مما يجري في مشرق أرض العرب؟!

ومقالة الكاتب هذه ـ بالذات ـ «تراثنا وموازين النقد» التي بين أيدينا هو

٧١

نوع آخر من التفسيق ، والاعتداء على كرامة الشيعة ، لما تحتويه من الاتهامات بوضع الحديث ، وتشويه السمعة بالتزام السخافات.

فهل هذا نموذج من الحرص على وحدة الأمة وجمع كلمتها؟! وموضوع نقده : «المهدي المنتظر».

فبدلا من أن يتخذ أداة للقاء والألفة وجمع الكلمة ، بعد أن أجمعت الفرق الإسلامية كلها على روايته ، وقبوله وتصحيح أخباره ، ليكون نقطة تجتمع عندها الكلمة ، وتتفق عليها الآراء ، وتتحطم على صخرتها كل النزاعات والخلافات!

بدلا من كل ذلك ، يحاول الكاتب بكل الأساليب في رده ، وتشويه صورته ، وتنفير الناس عنه.

وبدلا من أن يؤكد على النقاط الإيجابية فيه ، فهو يركز على سلبياته ، وجزئياته المختلف فيها.

ويتغافل عن أصلها الثابت ، المسلم ، المتفق عليه.

وقبل ذلك ، هل إثارة قضية المهدي المنتظر ، في هذا الوقت بالذات ، وفي خضم الأزمات التي تحيط بالأمة الإسلامية ـ وأمة العرب بالأخص ـ فيها دلالة على حرص على الوحدة وجمع الكلمة؟!

٤ ـ الغيبة عند الشيعة :

ومما أثاره الكاتب في خلال مقاله ، قوله : إن فكرة الغيبة والعودة عند الشيعة ، فكرة مشتركة بين اليهود والنصارى وتأثر التفكير الشيعي بهذين المصدرين غير مستبعد! لانضواء كثيرين من غير العرب وأصحاب الأديان والحضارات السابقة ، تحت لواء التشيع ليثأروا لأنفسهم من سلطة الحكم العربي تحت ستار الغيرة على حقوق آل البيت ، وفي مقدمة هؤلاء عبد الله بن سبأ. [ص ١٨٤].

٧٢

إن وجود أمور مشتركة ـ بين الأديان السماوية أمر لا يمكن إنكاره للباحثين والعلماء.

وأما نسبة تأثر التفكير في مذهب من مذهب آخر ، فأمر يحتاج إلى دليل جازم ، وليس مجرد وجود الفكرة عند المذهبين كافيا للحكم بالتأثير والتأثر.

فهل يحق لأحد أن يقول : إن المذهب السني الملتزم بالتكتف في الصلاة ، مأخوذ من فعل المجوس مثلا ، لأن المجوس يفعلون ذلك في عبادتهم أو أمام كبرائهم؟!

أو قولهم : «آمين» بعد سورة الحمد في الصلاة مأخوذ من النصارى واليهود ، لأنهم يقولون ذلك؟!

أو يقول : إن التفكير السني متأثر بالدين اليهودي والمسيحي ، لأن كثيرين من أصحاب هذه الديانتين من أهل الحضارات السابقة كالروم والأقباط قد انضووا تحت لواء التسنن ، ليثأروا لأنفسهم من سلطة الدين الإسلامي ، تحت ستار الغيرة للصحابة ولعثمان الخليفة المقتول؟!

وفي مقدمة هؤلاء كعب الأحبار اليهودي!

إن مثل هذه الأحكام الاعتباطية ، لا تصدر ممن يعرض طرق النقد ، ويتحاكم إلى الإنصاف ، ويريد أن يبني على أسس العقل والمنطق ، ويزن الأحاديث والنقول بموازين النقد العقلي!

فكيف يتقبل الكاتب مثل هذه الترهات ، ويبني عليها في بحث يريد أن يكون «علميا ورصينا»؟!

ولو راجع واحدا من كتب الشيعة التي ألفت في موضوع «الغيبة» و «الرجعة» لعرف أن الشيعة لم يعتمدوا في التزامهم بذلك ، لا على اليهود ، ولا النصارى ، ولا كعب الأحبار ، ولا عبد الله بن سبأ.

وإنما استندوا فيها إلى أخبار وسنن وروايات ، موصولة الأسانيد إلى الرسول وأهل البيت ، ووافقهم على كثير منها أهل السنة أنفسهم.

٧٣

وبحثوا عنها سندا ، ومتنا ، وعقلا ، فلم يجدوا ما يعارضها من كتاب كريم ، أو سنة ثابتة ، أو عقل ، أو عرف.

فلم يكن التزامهم بها إلا مثل التزام المسلمين بما ورد في أحاديثهم من أخبار المستقبل ، لا أكثر ولا أقل!

كما يلتزم أهل السنة بأخبار الدجال ، ونزول عيسى ، وبالمهدي المنتظر.

فلماذا لا يتهم الفكر السني بأنه تأثر في هذه الالتزامات باليهود الذين ينتظرون مخلصا ، أو بالنصارى الذين ينتظرون عودة المسيح؟!

وإن كان الحديث الوارد عن أهل البيت مما يعتمد عليه الشيعة ، فإن هذا يبتنى على أسسهم وقواعد علم الحديث عندهم ، ومنهجهم في باب «حجية الحديث» بما أدى إليه اجتهادهم.

فهل يحق لأحد أن يعترض عليهم في ذلك ، وينسبهم ـ بمجرد عدم موافقته لهم ـ إلى اتباع اليهودية والنصرانية؟!

إن تعرض الكاتب لمطالب خارجة عن موضوع بحثه وإلى هذا البعد ، وإقحامه لها في بحثه كمسلمات مفروضة من دون استدلال أو إثبات ، يدل على عدم الموضوعية عنده ، وهذا ما لا يتحمله البحث العلمي المحايد.

ولا يستسيغه ذوق العلماء الموضوعيين.

* * *

٩ ـ كلمة الختام :

وفي الختام نود أن نوجه كلمة إلى المقومين لأبحاث مجلة «كلية الدعوة الإسلامية» وإلى المسؤولين فيها ، وإلى كل من أوتي حظا في حمل القلم ، وخاصة المحققين والمتخصصين في مختلف الشؤون العلمية النقلية والعقلية ،

٧٤

وكذلك العلوم والصناعات والفنون :

أن يبذلوا جهودهم لملء الفراغات ـ التي لا تقل ـ في حضارتنا وحياتنا ، كل في اختصاصه ، وأن يركزوا على الابداع والابتكار في ما يقدمونه إلى الأمة ، وأن لا يملأوا صفحات المجلات بذكر ما لا أثر حسن له ، فضلا عن أن يذكروا ما له أثر سيئ.

وأي شئ أسوأ مما يثير غضب طائفة ، أو يؤلم قلب أخرى ، ما دامت المسألة أمرا لكل جانب عليه دليله وقناعته؟!

خصوصا إذا كان «عملا» مستوفى في أكثر من مجال سابق من قديم الزمان ، وحتى العصر الحاضر!

مثل مسألة «المهدي المنتظر» التي تعرض لها الكاتب الأستاد السائح علي حسين.

حيث إنه ليس إلا «اجترارا» لما ذكره الشيخ ابن محمود القطري في كتاب «لا مهدي ينتظر بعد الرسول خير البشر» المطبوع.

فإن جميع ما عرضه الكاتب السائح ، موجود فيه بحذافيره :

إن في تهمته للشيعة بوضع أحاديث المهدي.

أو ذكر سلبيات المهدي والتركيز عليها.

أو اتباع ابن خلدون والتبجح بكلامه وعلمه.

أو في ذكر المدعين للمهدوية.

وحتى في بعض تصرفاته غير العلمية.

وبذلك نؤكد أن بحث «تراثنا وموازين النقد» لا يحتوي على أية نقطة جديدة في هذا المجال ، ولا يتسم بالأصالة ، ولا بما تعارف عليه الأسلاف من أقسام التأليف : فلا اخترع شيئا ، ولا تمم ناقصا ، ولا شرح مستغلقا ، ولا اختصر مطولا ، ولا جمع متفرقا ـ بل شتت شمل الأمة المجتمع ـ ، ولا رتب المختلط ، ولا أصلح خطأ.

٧٥

بل زاد في طين المشاكل بلة ، وفي طنبور الاختلاف «نغمة جديدة».

فعلى أي أساس تمت الموافقة على نشر هذا البحث ، وكيف تم تقويمه؟!

ومع أن الشيخ عبد المحسن بن حمد العباد المدني ، قد أورد في رده على كتاب ابن محمود القطري ، كل الإجابات الصحيحة الواضحة عن الشبه المذكورة في مجلة الجامعة الإسلامية ـ بالمدينة المنورة ، في العددين ٤٥ و ٤٦ من السنة الثانية عشرة ـ بعنوان «الرد على من كذب بأحاديث المهدي».

إلا أن إغفال الكاتب السائح حسين ، لذكر شئ عن ذلك كي يتمكن القارئ من مراجعته ، ولبعد تاريخ نشره ، حاولنا الإجابة على ما ورد في المقال بصورة مستقلة.

ونود أن نذكر الكاتب الأستاذ السائح علي حسين : بأنه ليس الأمر ـ في هذا العصر ـ كما يتخيل من انفراده في ساحة الكتابة وميدانها ، فليس له أن يلقي الكلام على عواهنه ، أو أن يكتب ما عن له!

وليس له أن يكتب ما شاء عارضا قلمه يجول على صفحات مجلته.

بل ليعلم أن بني عمه لهم أقلام ومجلات.

والحمد لله رب العالمين (٤٠).

* * *

__________________

(٤٠) استغنينا عن ذكر قائمة للمصادر ، بما ذكرناه في الهوامش من تعيين ما يرتبط بها.

والحمد لله رب العالمين.

٧٦

الكلام عند الإمامية

نشأته ، تطوره ، وموقع الشيخ المفيد منه

(٢)

الشيخ محمد رضا الجعفري

بسم الله الرحمن الرحيم

(١)

مدرسة الشيخ المفيد الكلامية وأعلامها

وبعد أن وفقني الله تعالى ـ ولله الحمد ـ للكتابة عن الشيخ المفيد بما تقدم ارتأيت أن أتابع البحث عنه باستعراض مدرسته الكلامية وأعلامها ، أبدأه بتأريخ أعلام هذه المدرسة وأنتهي إلى دراسة موجزة حول أعمالها. ولا شك أن تلاميذ الشيخ المفيد وإن كثروا ـ وسنأتي على المذكورين المترجم لهم منهم إن شاء الله ـ إلا أن القمرين اللامعين في سماء هذه المدرسة المباركة التي تؤتي ثمرها كل حين بإذن ربها ، هما : الشريف المرتضى وشيخ الطائفة الطوسي.

وأنا أبدأ ـ بحول الله وقوته ـ بترجمة الأول منهما ، راجيا سبحانه أن يوفقني لمتابعة البحث ، إنه نعم المولى ونعم النصير.

* * *

٧٧

(١)

الشريف المرتضى

علي بن الحسين بن محمد بن موسى بن إبراهيم ابن الإمام موسى بن جعفر عليهما‌السلام ، السيد ، الشريف أبو القاسم المرتضى ، علم الهدى ، ذو المجدين ، الموسوي البغدادي (٣٥٥ / ٩٦٦ ـ ٤٣٦ / ١٠٤٤) (١).

قال عنه تلميذه شيخ الطائفة الطوسي ـ وأخذ عنه عامة المترجمين له ـ : «... المرتضى متوحد في علوم كثيرة ، مجمع على فضله ، مقدم في العلوم ، مثل علم الكلام ، والفقه ، وأصول الفقه ، والأدب ، والنحو ، ومعاني الشعر ، واللغة ، وغير ذلك (...) إنه أكثر أهل زمانه أدبا وفضلا ، متكلم ، فقيه ، جامع العلوم كلها» (٢).

وقال تلميذ الآخر النجاشي : «حاز من العلوم ما لم يدانه فيه أحد في زمانه ، وسمع من الحديث فأكثر ، وكان متكلما ، شاعرا ، أديبا ، عظيم المنزلة في العلم ، والدين ، والدنيا» (٣).

وقال الشريف نجم الدين أبو الحسن علي بن أبي الغنائم محمد ،

__________________

(١) كان أبوه أبو أحمد الحسين (٣٠٤ / ٩١٦ ـ ٤٠٠ / ١٠٠٩) نقيب الطالبيين وأمه وأم شقيقه الأصغر أبي الحسن محمد (٣٥٩ / ٩٧٠ ـ ٤٠٦ / ١٠١٥) الرضي السيدة فاطمة (٣٨٥ / ٩٩٦) بنت أبي محمد الحسن الناصر الصغير (٣٦٨ / ٩٧٨ ـ ٩٧٩) بن أبي الحسين أحمد (ـ ٣١١ / ٩٢٣) بن الحسن الناصر الكبير الأطروش الحسيني (٢٢٥ / ٨٤٠ ـ ٣٠٤ / ٩١٧).

(٢) الطوسي ، الفهرست / ٩٩ ، الرجال / ٤٨٤ ـ ٤٨٥ ، العلامة / ٩٤ ـ ٩٥ ، مجمع الرجال ، ٤ / ١٨٩ ، ياقوت معجم الأدباء ، ٥ / ١٧٣.

(٣) الفهرست / ٢٧٠ ، مجمع الرجال ، ٤ / ١٩٠.

٧٨

العلوي العمري ، النسابة (٣٨٨ / ٩٩٨؟ ـ ٤٩٠ / ١٠٩٧؟) ـ وكان قد اجتمع به ببغداد سنة ٤٢٥ / ١٠٣٤ ـ : «الشريف الأجل ، المرتضى ، علم الهدى ، أبو القاسم ، نقيب النقباء ، الفقيه ، النظار ، المصنف ، بقية العلماء ، وأوحد الفضلاء. رأيته ـ رحمه‌الله ـ فصيح اللسان ، يتوقد ذكاء» (٤).

وقال شيخ الشرف أبو الحسن محمد بن محمد بن علي ، الحسيني ، العبيدلي ، النسابة ، البغدادي (٣٣٨ / ٩٥٠ ـ ٤٣٦ / ١٠٤٥) ، زميله في التتلمذ على الشيخ المفيد : «وكان ذا محل عظيم في العلم ، والفضائل ، والرياسات. وإليه نقابة النقباء ببغداد وغيرها من البلاد ، وإمارة الحجيج والمظالم. وله كتب مصنفات في الكلام والآداب ، وله أشعار وديوان معروف» (٥).

ووصفه المترجمون له من غير الإمامية ، فقال معاصره أبو منصور عبد الملك بن محمد الثعالبي (٣٥٠ / ٩٦١ ـ ٤٢٩ / ١٠٣٨) أحد أئمة اللغة والأدب : «قد انتهت الرياسة اليوم ببغداد إلى المرتضى في المجد والشرف ، والعلم ، والأدب ، والفضل ، والكرم ، وله شعر في نهاية الحسن» (٦).

ولكن معاصره الآخر الخطيب أبو بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي الأشعري الشافعي (٣٩٢ / ١٠٠٢ ـ ٤٦٣ / ١٠٧١) قال عنه : «كان يلقب المرتضى ذا المجدين ، وكانت إليه نقابة الطالبيين ، وكان شاعرا متكلما ، له تصانيف على مذاهب [؟!] الشيعة ، (...) كتبت عنه» (٧) ثم أخرج من طريقه حديثا ، وأرخ ولادته ووفاته.

__________________

(٤) المجدي / ١٢٥.

(٥) تهذيب الأنساب / ١٥٤.

(٦) تتمة اليتيمة ، ١ / ٥٣.

(٧) تاريخ بغداد ، ١١ / ٤٠٢ ـ ٤٠٣ = ٦٢٨٨.

٧٩

وهكذا كان الخطيب نموذجا لما حفظه الناس من كلام الأنبياء! ورأى الصفدي في كلامه طولا فقال : «قال الخطيب : كتبت عنه».

وأضاف الصفدي : «وكان رأسا في الاعتزال ، كثير الاطلاع والجدال» (٨)؟!.

وقال أبو الحسن علي بن بسام الأندلسي (٤٧٧ / ١٠٤٨ ـ ٥٤٢ / ١١٤٧) الوزير وأحد أئمة الأدب ، والشعر ، والتاريخ : «كان هذا الشريف المرتضى إمام أئمة العراق ، بين الاختلاف والاتفاق (٩) إليه فزع علماؤها ، وعنه أخذ عظماؤها ، صاحب مدارسها ، وجماع شاردها وآنسها ممن سارت أخباره ، وعرفت به أشعاره ، وحمدت في ذات الله مآثره وآثاره ، إلى تواليفه في الدين ، وتصانيفه في أحكام المسلمين بما يشهد أنه فرع تلك الأصول ، ومن أهل ذلك البيت الجليل» (١٠).

وقارن بينه وبين أخيه الرضي الباخرزي ، فقال في ترجمته : «هو وأخوه في دوح السيادة ثمران ، وفي فلك الرياسة قمران ، وأدب الرضي إذا قرن بعلم المرتضى كان كالفرند في متن الصارم المنتضى» (١١).

وعده مجد الدين ابن الأثير من مجددي الدين الإمامية على رأس المائة الرابعة [بداية القرن الخامس / الحادي عشر] بعد ما عد شيخنا الكليني ، صاحب «الكافي» من المجددين على رأس الثالثة ، عندما شرح ما يروى عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إن يبعث لهذه الأمة على رأس كل

__________________

(٨) الوافي بالوفيات ، ٢١ / ٧.

(٩) أي : الاختلاف إليه في طلب العلم والأدب ، والاتفاق على أنه إمام فيهما.

(١٠) الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة ، تح : الدكتور إحسان عباس ، دار الثقافة ، بيروت ط ١ ١٣٩٩ / ١٩٧٩ ، ق ٤ ـ مج ٢ / ٤٦٥ ـ ٤٦٦ ، ابن خلكان ، ٣ / ٣١٣ ـ ٣١٤ ، مرآة الجنان ، ٣ / ٥٦ ، شذرات الذهب ٣ / ٢٥٧ ، الدرجات الرفيعة / ٤٥٩ ، الكنى والألقاب ، ٢ / ٤٨١.

(١١) دمية القصر ، ١ / ٢٩٩.

٨٠