تراثنا ـ العددان [ 32 و 33 ] - ج ٣٢-٣٣

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العددان [ 32 و 33 ] - ج ٣٢-٣٣

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
المطبعة: مهر
الطبعة: ٠
الصفحات: ٤٦٢
  نسخة غير مصححة

الحركات العارضة على أواخر الكلم بسبب العوامل.

ثالثا ـ صحة ما نسب إلى سيبويه (١٧) من أن ظاهر كلامه أنه يعد الإعراب أمرا معنويا هو ما يحدثه العامل ، وأن الحركات تدل عليه.

وواضح بن كلامه أنه يميز حركات الإعراب عن حركات البناء ، بأن الأولى تطرأ بسبب العامل ، إلا أن بعض النحاة ذكروا أن المراد بعروض الحركات بسبب العامل هو الاحتراز «مما قد يتحرك من المبنيات على السكون بغير حركة ، لالتقاء الساكنين ، أو لإلقاء حركة غيره عليه» (١٨).

ولا مانع من تعميم قيد العروض بسبب العامل ، للاحتراز من الأمرين معا ، بل اعتبره المتأخرون قيدا احترازيا من جميع ما عدا حركات الإعراب ، قال السيوطي : «وقولنا (يجلبه العامل) ، احتراز من حركة الاتباع ، ومن حركة البناء ، ومن سائر الحركات» (١٩).

وقد استعمل المبرد (ت ٢٨٥ ه) : «الإعراب أن يتعاقب آخر الكلمة حركات ثلاث : ضم وفتح وكسر ، أو حركتان منهما فقط ، أو حركتان وسكون باختلاف العوامل» (٢١).

وهذا التعريف أقرب للصياغة الفنية من كلام سيبويه ، إضافة إلى أنه لا

__________________

(١٧) أ ـ شفاء العليل في إيضاح التسهيل ، محمد بن عيسى السلسيلي ، تحقيق الدكتور عبد الله البركاتي ، ١ / ١١٣.

ب ـ حاشية الصبان على شرح الأشموني ، ١ / ٤٨.

(١٨) شرح المفصل ، ابن يعيش ، ١ / ٥٠.

(١٩) همع الهوامع شرح جمع الجوامع ، السيوطي ، ١ / ٤١.

(٢٠) المقتضب ، محمد بن يزيد المبرد ، تحقيق الدكتور محمد عبد الخالق عصيمة ، ١ / ٣ ـ ٤.

(٢١) الموجز في النحو ، محمد بن السراج ، تحقيق مصطفى الشويمي وبن سالم دامرجي ، ص ٢٨.

٢٦١

يقصر مقتضى العامل على الحركات ، بل يضيف إليها السكون بوصفه علامة لجزم المضارع.

ولابن السراج تعريف ثان للإعراب (٢٢) يوافق تعريفه المذكور مضمونا ، وإن خالفه لفظا ، إلا أنه لم يذكر فيه العامل ، ولم يصرح بأن ما يلحق المعرب من التغيير قد يكون سكونا.

وعرفه أبو علي الفارسي (ت ٣٧٧ ه) بقوله : «الإعراب : أن تختلف أواخر الكلمات لاختلاف العوامل» (٢٣).

وهذا التعريف يمثل الصياغة النهائية التي التزم بها من جاء بعده من أصحاب هذا الاتجاه ، وإن اختلفت تعريفاتهم لفظيا.

فعبارة الجرجاني (ت ٤٧١ ه) : «الإعراب أن يختلف آخر الكلمة باختلاف العوامل في أولها» (٢٤).

ويلاحظ أن قوله (في أولها) ليس قيدا يحترز به عن شئ ، وإنما هو مجرد بيان لموضع العامل ، هذا إذا قصرنا العوامل على اللفظية ، وإلا فهناك العامل المعنوي كالابتداء ، بل هناك من يرى أن العامل قد يتأخر ، كمن يذهب إلى أن المبتدأ والخبر يرتفع كل منهما بالآخر ، فينبغي حذف العبارة المذكورة من آخر التعريف.

وأما الزمخشري (ت ٥٣٨ ه) فقد عرف الاسم المعرب بأنه «ما اختلفت آخره باختلاف العوامل ، لفظا ـ بحركة أو حرف ـ أو محلا» (٢٥).

وهو ظاهر في ذهابه إلى كون الإعراب أمرا معنويا هو اختلاف الآخر باختلاف العوامل ، لكنه يتميز بإشارته إلى أن الإعراب كما يكون بالحركات ،

__________________

(٢٢) الأصول في النحو ، ابن السراج ، ١ / ٥٦.

(٢٣) الايضاح العضدي ، أبو علي الفارسي ، ١ / ١١.

(٢٤) الجمل ، عبد القاهر الجرجاني ، تحقيق علي حيدر ، ص ٦.

(٢٥) المفصل في علم العربية ، جار الله الزمخشري ، ص ١٦.

٢٦٢

يكون بالحروف أيضا ، وإلى أن الإعراب قد لا يكون ظاهرا ، بل يكون محليا ، «فاحترز بذلك من الأسماء [والأفعال] التي لا يتبين فيها الإعراب ، وإنما يدرك البيان من العوامل قبلها» (٢٦) ، وإن لوحظ عليه أنه لم يشر إلى اختلاف الآخر بالسكون أو الحذف.

وقال ابن الخشاب (٥٦٧ ه) : «وحده أنه تغير يلحق آخر الكلمة المعربة بحركة أو سكون لفظا أو تقديرا بتغير العوامل في أولها» (٢٧).

وقوله (بحركة أو سكون لفظا أو تقديرا) بيان للتعريف. وأما قوله (المعربة) فلا حاجة له ، لأن التغيير لا يلحق غيرها ، وأما قوله (في أولها) فيرد عليه ما لاحظناه عند التعقيب على تعريف الجرجاني ، على أنه لم يذكر الحرف ضمن علامات الإعراب.

وقال ابن معطي (ت ٦٢٨ ه) الإعراب تغير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها عند التركيب ، بحركات ظاهرة أو مقدرة ، أو بحروف ، أو بحذف الحركات ، أو بحذف الحروف» (٢٨).

وهو يمتاز بذكره للحذف ضمن علامات الإعراب ، وقوله (عند التركيب) توضيحي ، إذ لا وجود للعوامل دون تحقق التركيب.

وقال ابن يعيش (ت ٦٤٣ ه) : «الإعراب : الإبانة عن المعاني باختلاف أواخر الكلم ، لتعاقب العوامل في أولها» (٢٩).

ولا يخفى أن قوله في صدر التعريف : (الإبانة عن المعاني) لا مدخلية له في أصل تعريف الإعراب ، وإنما هو بيان للهدف أو النتيجة منه ، ولا حاجة لقوله (في أولها) ، لما ذكرناه آنفا.

__________________

(٢٦) شرح المفصل ، ابن يعيش ، ١ / ٥٠.

(٢٧) المرتجل ، عبد الله بن الخشاب ، تحقيق علي حيدر ، ص ٣٤.

(٢٨) الفصول الخمسون ، ابن معطي ، ص ١٥٤.

(٢٩) شرح المفصل ، ابن يعيش ، ١ / ٧٢.

٢٦٣

وقال أبو حيان (ت ٧٤٥ ه) : «الإعراب : تغير في الكلمة لعامل» (٣٠).

وهذه أخصر وأدق عبارة للتعريف ، وقد علق عليها ابن هشام (ت ٧٦١ ه) قائلا : «اعلم أن النحاة جرت عادتهم بالنص على محل الإعراب ، وهو الآخر ، وقد حاد المصنف عن هذه الطريقة فأبهم محله ، وليس ذلك بحسن ، وإن كان العامل لا يؤثر إلا في الآخر. وقد يقال : إن لما فعله وجها من الحسن ، لأن الإعراب قد يكون في غير الآخر ، وذلك في الأمثلة الخمسة ، نحو : تفعلان ، فإن عامة رفع الفعل هي النون وليست في الآخر ، ولكن في شئ اتصل بالآخر ، وهو الفاعل ، وإنما صح ذلك لتنزل الفعل والفاعل عندهم منزلة الكلمة الواحدة. والذي يظهر أن الأحسن أن يقال : تغير في الآخر أو ما ينزل منزلة الآخر ، أو يقال : في الآخر حقيقة أو مجازا» (٣١).

إلا أن ابن هشام نفسه لم يلتزم بهذا الذي استحسنه عند تعريفه الإعراب ، وصرح أيضا بأن قوله (في آخر الكلمة) مجرد بيان لمحل الإعراب ، وأنه ليس ثمة آثار تجلبها العوامل في غير آخر الكلمة ليحترز عنها (٣٢).

ولأجل ذلك التزم السيوطي عند تعريفه الإعراب بصياغة ابن حيان ، بل بالغ في الاختصار فقال : الإعراب «التغيير لعامل ، لفظا أو تقديرا» (٣٣).

إلا أن من جاؤوا بعد السيوطي دأبوا عند تعريفهم للإعراب ، على القول : إنه تغيير أواخر الكلم لاختلاف العوامل الداخلة عليها ، لفظا أو تقديرا (٣٤).

وأود ـ قبل الانتقال إلى تعريف الإعراب على الاتجاه الثاني ـ أن أشير :

__________________

(٣٠) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، ١ / ٢٣٥.

(٣١) شرح اللمحة البدرية ، ابن هشام ، ١ / ٢٣٩.

(٣٢) شرح شذور الذهب ، ابن هشام تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد ، ص ٣٣ ـ ٣٤.

(٣٣) همع الهوامع ، ١ / ٤١.

(٣٤) أ ـ شرح التصريح على التوضيح ، الأزهري ، ١ / ٤٦ ـ ٤٧.

ب ـ حاشية الصبان على شرح الأشموني ، ١ / ٤٨ ـ ٤٩.

٢٦٤

أولا ـ إلى أنني أعرضت عن ذكر بعض التعريفات على الاتجاه الأول لكونها تكرارا لما تقدم عليها كتعريف الحريري (ت ٥١٦ ه) ـ ٣٥) ، وابن الأ الأنباري (ت ٥٧٧ ه) (٣٦) ، والمطرزي (ت ٦١٠ ه) (٣٧) ، وابن عصفور (ت ٦٦٩ ه) (٣٨).

ثانيا ـ إلى أن هناك تعريفات واضحة الضعف أخرت الكلام عليها ، حرصا على تسلسل الموضوع ، منها :

١ ـ تعريف الرماني (ت ٣٨٤ ه) ، قال : الإعراب «تغيير آخر الاسم بعامل» (٣٩) ، مع أن الإعراب لا يختص بالأسماء.

٢ ـ تعريف ابن جني (ت ٤٩٢ ه) قال : «الإعراب هو الإبانة عن المعاني بالألفاظ» (٤٠) ، وقد أشرنا إلى أن هذا بيان للهدف أو النتيجة من الإعراب.

ولابن جني تعريف ثان للإعراب ، وهو : «الإعراب ضد البناء في المعنى ومثله في اللفظ ، والفرق بينهما زوال الإعراب لتغير العامل وانتقاله ، ولزوم البناء الحادث من غير عامل وثباته» (٤١).

وهذا الكلام ليس فنيا ، إذ أنه يعقد مقارنة بين الإعراب والبناء ، قبل أن يعرف بحقيقة كل منهما ، إذ ما هو الإعراب الذي يزول بتغير العامل ، وما هو البناء اللازم والحادث من غير عامل؟.

__________________

(٣٥) شرح على متن ملحة الإعراب ، القاسم بن علي الحريري ، ص ١١.

(٣٦) أسرار العربية ، ابن الأنباري ، ص ١٩.

(٣٧) المصباح في علم النحو ، المطرزي ، تحقيق الدكتور عبد الحميد السيد طلب ، ص ٤٣.

(٣٨) المقرب ، علي بن مؤمن بن عصفور ، تحقيق الدكتور أحمد عبد الستار الجواري ، ١ / ٤٧.

(٣٩) الحدود في النحو ، علي بن عيسى الرماني (ضمن كتاب رسائل في النحو واللغة ، تحقيق مصطفى جواد ويوسف يعقوب مسكوني) ص ٣٨.

(٤٠) الخصائص ، أبو الفتح عثمان بن جني ، تحقيق محمد علي النجار ، ١ / ٣٥.

(٤١) اللمع في العربية ، ابن جني ، تحقيق فائز فارس ، ص ١٠.

٢٦٥

تعريف الإعراب على الاتجاه الثاني.

لعل منشأ هذا الاتجاه هو عملية (نقط المصحف) التي أنجزها أبو الأسود الدؤلي (ت ٦٩ ه) (٤٢) ، إذ استعان بكاتب حاذق ، وقال له : «إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطة فوقه على أعلاه ، فإن رأيتني ضممت فمي ، فانقط نقطة بين يدي الحرف ، وإن كسرت فاجعل النقطة تحت الحرف ، فإن أتبعت شيئا من ذلك غنة (٤٣) فاجعل مكان النقطة نقطتين» (٤٤).

وتشير بعض المصادر إلى أن أبا الأسود نفسه هو الذي سمى هذا النقط المعبر عن حركات أواخر الكلم إعرابا ، وأنه قال قبل الشروع في النقط : «أرى أن أبتدئ بإعراب القرآن» (٤٥).

وقد تكون التسمية بنقط الإعراب حدثت في ما بعد ، تمييزا لنقط أبي الأسود عن نقط الاعجام الذي قام به بعد ذلك نصر بن عاصم (٤٦) أو يحيى بن يعمر العدواني (٤٧) ، كما ميزوا بينهما خطا بكتابة نقط الإعراب بلون أحمر ونقط

__________________

(٤٢) أ ـ صبح الأعشى ، أحمد بن علي القلقشندي ، تحقيق محمد عبد الرسول إبراهيم ، ٣ / ١٥١.

ب ـ الإصابة في تمييز الصحابة ، ابن حجر ، ٢ / ١٤٢.

(٤٣) يريد بالغنة : التنوين.

(٤٤) أ ـ أخبار النحويين البصريين ، أبو سعيد السيرافي ، ص ١٦.

ب ـ نزهة الألباء في طبقات الأدباء ، أبو البركات الأنباري ، ص ١٢.

(٤٥) أ ـ صبح الأعشى ، القلقشندي ، ٣ / ١٦٠.

ب ـ نزهة الألباء ، الأنباري ، ص ١٢.

(٤٦) أ ـ وفيات الأعيان ، ابن خلكان ، ١ / ١٢٥.

ب ـ المحكم في نقط المصاحف ، أبو عمرو الداني ، تحقيق الدكتور عزة حسن ، ص ٧.

(٤٧) أ ـ طبقات النحويين واللغويين ، محمد بن الحسن الزبيدي ، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم ، ص ٢٩.

ب ـ المحكم في نقط المصاحف ، الداني ، ص ٢.

وأنظر في الموردين أعلاه أيضا :

١ ـ الحلقة المفقودة في تاريخ النحو العربي ، الدكتور عبد العال سالم مكرم ، ص ٥٢ ـ ٥٣.

٢ ـ القرآن الكريم وأثره في النحو ، الدكتور عبد العال سالم مكرم ، ص ٣٨.

٣ ـ تاريخ التمدن الإسلامي ، جرجي زيدان ، ٣ / ٥٦.

٢٦٦

الاعجام بلون أسود ، وبقي أمر كتابتهما على هذه الحال حتى مجئ الخليل ابن أحمد (١٧٥ ه) الذي أبدل نقط أبي الأسود بالحروف ، لأنه كان يرى أن الفتحة بعض الألف ، والكسرة بعض الياء ، والضمة بعض الواو (٤٨).

وقد استعمل الفراء (ت ٢٠٧ ه) كلمة (الإعراب) بهذا المعنى ، فقال : «ومما كثر في كلام العرب فحذفوا منه أكثر من ذا ، قولهم : أيش عندك؟ فحذفوا إعراب (أي) وإحدى ياءيه» (٤٩) ، وواضح أنه يريد بإعراب (أي) حركتها.

وقال الزجاجي (ت ٣٣٧ ه) : «إن النحويين لما رأوا في أواخر الأسماء والأفعال حركات تدل على المعاني وتبين عنها سموها إعرابا ، أي : بيانا ، وكأن البيان بها يكون» (٥٠).

وقال في مكان آخر : «والإعراب : الحركات المبينة عن معاني اللغة ، وليس كل حركة إعرابا» (٥١).

وقال ابن فارس (ت ٣٩٥ ه) : «فأما الإعراب فبه تميز المعاني ويوقف على أغراض المتكلمين ، وذلك أن قائلا لو قال : (ما أحسن زيد) غير معرب ... لم يوقف على مراده ، فإذا قال : (ما أحسن زيدا) أو (ما أحسن زيد) أو (ما أحسن زيد) (٥٢) ، أبان الإعراب عن المعنى الذي يريده» (٥٣).

__________________

(٤٨) القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية ، المصدر السابق ، ص ٢٦٦ ـ ٢٦٧.

(٤٩) معاني القرآن ، الفراء ، ١ / ٢.

(٥٠) الايضاح في علل النحو ، الزجاجي ، ص ٩١ ـ ٩٢.

(٥١) الايضاح في علل النحو ، الزجاجي ، ص ٩١ ـ ٩٢.

(٥٢) «ما» الأولى تعجبية ، والثانية نافية ، والثالثة استفهامية.

(٥٣) أ ـ الصاحبي في فقه اللغة ، أحمد بن فارس ، تحقيق مصطفى الشويمي ، ص ٩٠ ـ ١٩١.

ب ـ المزهر في علوم اللغة وأنواعها ، السيوطي ، تحقيق محمد أحمد جاد المولى ورفيقيه ، ١ / ٣٢٩.

٢٦٧

ولعل أولى المحاولات لصياغة تعريف الإعراب على هذا الاتجاه بدأت في القرن السادس الهجري ، إذ قال أبو البقاء العكبري (ت ٦١٦ ه) : ذهب أكثر النحويين إلى أن الإعراب معنى يدل اللفظ عليه. وقال آخرون : هو لفظ دال على الفاعل والمفعول مثلا ، وهذا هو المختار عندي» (٥٤).

وقال الشلوبين (ت ٦٤٥ ه) : «الإعراب حكم في آخر الكلمة يوجهه العامل» (٥٥).

ومراده ب (الحكم) الأثر في عبارة غيره.

ويمثل هذا التعريف الصيغة النهائية التي أخذ بها من جاء بعد الشلوبين على اختلاف في العبائر.

وقال ابن الحاجب (ت ٦٤٦ ه) : «الإعراب هو ما اختلف آخر المعرب به (٥٦).

وقال الرضي في شرحه : إن المراد ب (ما) هو الحركات والحروف (٥٧).

ويلاحظ أن محقق كتاب «اللمحة البدرية» استدل على اختيار ابن الحاجب للتعريف اللفظي بما هو موجود في كتابه «الايضاح» من قوله : «الإعراب اختلاف أواخر الكلم لاختلاف العامل» (٥٨) ، وهو اشتباه منه ، لوضوح اندراج هذا التعريف في الاتجاه المعنوي الأول.

وقال ابن مالك (ت ٦٧٢ ه) : «الإعراب ما جئ به لبيان مقتضى العامل ، من حركة أو حرف أو سكون أو حذف» (٥٩).

__________________

(٥٤) مسائل خلافية في النحو ، أبو البقاء العكبري ، تحقيق محمد خير الحلواني ، ص ١١٠.

(٥٥) التوطئة ، أبو علي الشلوبين ، تحقيق يوسف أحمد المطوع ، ص ١٥٤.

(٥٦) شرح كافية ابن الحاجب ، الرضي الأسترآبادي ، ١ / ١٨.

(٥٧) شرح كافية ابن الحاجب ، الرضي الأسترآبادي ، ١ / ١٨.

(٥٨) اللمحة البدرية ، ابن هشام ، تحقيق الدكتور هادي نهر ، ١ / ٢٣٧.

(٥٩) تسهيل الفوائد وتكميل المقاصد ، ابن مالك ، تحقيق محمد كامل بركات ، ص ٧.

٢٦٨

وعقب عليه أبو حيان قائلا : «كان يكفي أن يقول : أو حذف ، لأن الحذف على قسمين : حذف حركة وحذف حرف» (٦٠).

وقال بن هشام (ت ٧٦١ ه) : «الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في آخر الاسم المتمكن والفعل المضارع» (٦١) ، أو هو «الشكل الذي يقع في أواخر الأسماء والأفعال» (٦٢).

ولو حظ عليه أن هذا الأثر لا يختص بالآخر ، ولأجله طرح السيوطي (ت ٩١١ ه) صياغة أخرى ، فقال : «الإعراب أثر ظاهر أو مقدر يجلبه العامل في محل الإعراب» (٦٣).

ثم شرحه بقوله : «إن المراد بالأثر الحركة والحرف والسكون والحذف.

والمراد بالمقدر ما كان في المقصور ونحوه ، وأنه لم ينص على أن محل الإعراب هو آخر الكلمة ، لأنه ليس جزءا من الحد ، ولأن الإعراب قد يكون في غير الآخر ، وأن قوله «يجلبه العامل» احتراز من حركة الاتباع ، نحو : الحمد لله ، ومن حركة البناء ، ومن سائر الحركات (٦٤).

أقول : تعليله لعدم النص على أن محل الإعراب آخر الكلمة بأن الإعراب قد يكون في غير آخرها ، صحيح ، ولكن تعليله بأنه ليس جزءا من الحد ، قد يؤدي إلى النقض عليه بأن تقييده للأثر بأنه «ظاهر أو مقدر» ، ليس جزءا من الحد أيضا ، فلماذا نص عليه؟ بل حتى قوله «في محل الإعراب» كذلك أيضا ، وكان ينبغي له أن يحده بأنه : أثر من الكلمة يجلبه العامل (نظير ما فعله أبو حيان من تعريفه على الاتجاه الأول بأنه تغير في الكلمة لعامل) ، ثم

__________________

(٦٠) شفاء العليل ، السلسيلي ، ١ / ١١٣.

(٦١) شرح شذور الذهب ، ابن هشام ، ص ٣٣.

(٦٢) شرح جمل الزجاجي ، ابن هشام ، تحقيق الدكتور علي محسن مال الله ، ص ٩٢.

(٦٣) همع الهوامع ، السيوطي ، ١ / ٤١.

(٦٤) همع الهوامع ، السيوطي ، ١ / ٤١.

٢٦٩

يوكل إلى شرحه بيان أن هذا الأثر قد يكون حركة أو حرفا أو حذفا ، وقد يكون ظاهرا أو مقدرا ، وأن محله قد يكون آخر الكلمة أو غيره.

والملاحظ على هذا الاتجاه اللفظي أنه لا يفترق عن الاتجاه المعنوي من جهة أن كليهما يلتزم بتفسير الإعراب على أساس العامل.

وهناك من النحاة من رفض الأخذ بفكرة العامل ، كابن جني وابن مضاء القرطبي من القدماء ، والدكتورين إبراهيم مصطفى ومهدي المخزومي من المحدثين (٦٥).

قال ابن جني : «فأما في الحقيقة ومحصول الحديث ، فالعمل من الرفع والنصب والجر والجزم ، إنما هو للمتكلم نفسه لا لشيء غيره» (٦٦) ، وأيده على ذلك ابن مضاء (٦٧).

وذهب المحدثون إلى أن علامات الإعراب تقوم بتحديد الوظيفة اللغوية للكلمة أو الجملة (٦٨) ، من كونها فاعلا أو مفعولا مثلا ، وعلى مذهبهم لا بد من تعريف الإعراب على الاتجاهين بأنه : تغيير في الكلمة ، أو أثر فيها ، يبين وظيفتهما في الجملة.

بقي أن نختم الكلام بالإشارة إلى أن أنسب المعاني اللغوية المتقدمة للإعراب بمعانيه الاصطلاحية هو المعنى الأول ، أي : الإبانة والإفصاح ، ما عدا الاتجاه الأول للمصطلح الثالث ، فإن ما يناسبه من تلك المعاني ، هو : التغيير (٦٩).

__________________

(٦٥) أ ـ في النحو العربي نقد وتوجيه ، الدكتور مهدي المخزومي ، ص ١٥ ـ ٦ ، ٦٢.

ب ـ في النحو العربي قواعد وتطبيق ، الدكتور مهدي المخزوم ، ص ٥ ، ٢٣١.

(٦٦) الخصائص ، ابن جني ، / ١٠٩ ـ ١١٠.

(٦٧) الرد على النحاة ، ابن مضاء القرطبي ، تحقيق الدكتور محمد إبراهيم البنا ، ص ٦٩.

(٦٨) في النحو العربي ، نقد وتوجيه ، الدكتور مهدي المخزومي ، ص ٦٧.

(٦٩) حاشية الصبان على شرح الأشموني ، ١ / ٤٧.

٢٧٠

تنبيهان

لقد وقعت أخطاء مطبعية في مقال «من أحوال النساخ في تراثنا العربي الإسلامي» المنشور في العدد ٢٩ من مجلتنا هذه ، وهي :

الصفحة والسطر

الخطأ

الصواب

٩٠ سطر العنوان

لنُسّاخ

النُسّاخ

٩٠ ه ٢ س ٢

العبّاس

العبّاسي

٩١ س ١

يعش

يعيش

٩٣ قطعة ٢ س ٥

٢٥٩ ، نحو الورقة

٢٥٩ نحو ، الورقة

٩٤ قطعة ٣ س ٤

العصا

يحذف السواد

٩٥ قطعة ٧ بيت ٤

الأماني

تحذف الشدة

كما حصل سهو في نسبة كتاب «البلدان» في حقل «من أنباء التراث» ص ٢٥٤ من العدد ٢٨ ، فقد طبع سهوا أنه لابن الفقيه الهمداني الحسن بن أحمد بن يعقوب بن يوسف المعروف بابن الحائك ، والصواب هو : أحمد بن محمد بن إسحاق الهمذاني المعروف بابن الفقيه.

وذلك كما جاء في الورقة الأخيرة من كتاب «البلدان» لابن الفقيه ، وقد ذكره بهذا الاسم ابن النديم في الفهرست ، ص ١٧١ ، ونقله عنه ياقوت في «معجم الأدباء» ٤ / ١٩١ ـ ٢٠٠ ، كما ذكر بهذا الاسم في كتاب «تاريخ قم»

٢٧١

الذي هو أول من نقل فقرات من هذا الكتاب ، وانظر كذلك : معجم المطبوعات العربية والمعربة ١ / ٧٣.

أما عن وفاة المؤلف فهو ليس كما ذكر في العدد المذكور آنفا ، وإنما كان حيا في حدود سنة ٣٤٠ ه ، بناء على ما ذكره ياقوت في معجم البلدان ١ / ٧٨٧.

٢٧٢

من ذخائر التراث

٢٧٣
٢٧٤

٢٧٥
٢٧٦

تقديم :

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على خير المرسلين ، محمد سيد الأولين والآخرين ، والتحيات والصلوات على الأئمة المعصومين من آله الطيبين الطاهرين ، وعلى أوليائهم الأبرار وشيعتهم الأخيار ، واللعن والهوان على أعداهم الأشرار أعداء الحق والدين.

وبعد :

فقد تكونت بذرة هذا المسند أثناء مراجعتي للمصادر ، بغية التوصل إلى شواهد ومتابعات لما رواه الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري الكوفي في تفسيره ، الذي حققته.

وكنت في تلك الأثناء أقيد ما أعثر عليه من روايات الحبري التي لم ترتبط بالتفسير بغية الاستفادة منها في جوانب من ترجمته ، وللتعرف على خصوصيات

٢٧٧

أخرى تلقي أضواء على شخصيته.

وتجمعت لدي إحدى وستون رواية في مختلف الموضوعات ، فكرت في تنظيمها وضبطها ضنا بها أن تضيع.

وفي أثناء تتبعي وجدت النص التالي في «معالم العلماء» تأليف ابن شهرآشوب ، (ت ٥٨٨) يقول :

«الحسن بن الحسن بن الحكم الحيري ، له كتاب المسند».

وهذا النص ـ على ما فيه من قصور في الدلالة ، كما سيأتي توضيحه مفصلا ـ أنمى في ذهني فكرة أن يكون الحبري قد ألف مسندا ، وذلك :

أولا : لأن الرجل بمستوى التأليف ، فقد ألف «التفسير» ، وهو واسع الرواية ، كما هو واضح من خلال ترجمته.

ثانيا : لأن الرجل كان يعيش في فترة تعد ـ تاريخيا ـ بحبوحة عصر تأليف المسانيد ، حيث نجد من أعلام القرن الثالث من ألفوا ما يسمى ب «المسند» فليس من البعيد أن يؤلف الحبري كتابا باسم «المسند».

ثالثا : لأن النص المذكور في كتاب ابن شهرآشوب لا محمل له صحيحا ، إلا أن يكون المراد به الحبري.

وأخيرا نقول : لو كان صاحبنا هو المؤلف للمسند ، أو لم يكن ، فإن محاولتنا هذه لجمع ما أسنده الحبري في كتاب باسم «المسند» جهد نرجو أن يكون مستحسنا ، ونأمل أن يتقبله الله ، حيث لم نقصد به إلا وجهه العظيم ، وخدمة دينه القويم ، ونشر حديث رسوله الكريم ، وفضائل آله الكرام.

وكتب

السيد محمد رضا الحسيني الجلالي

٢٧٨

المقدمة :

١ ـ من هو الحبري؟

لقد ترجمنا للحبري بصورة موسعة في مقدمتنا الضافية لكتاب «تفسير الحبري» الذي حققناه ، مدعومة بالمصادر ، ومشحونة بالبحث والنقد والتنقيب عنكل واحدة من المعلومات المثبتة فيها.

ولا أرى من المناسب إعادة المطبوع هنا ، إلا أن نم الضروري إيراد نتائج تلك الترجمة هنا ، ليقف القارئ على مجمل أحوال الحبري ، وبالإمكان مراجعة تلك الترجمة للوقوف على تفاصيلها ، ومصادرها.

فإليك النقاط الهامة من ترجمته :

اسمه ونسبه وكنيته ونسبته :

هو الحسين بن الحكم بن مسلم.

أبو عبد الله.

الكوفي ، نسبة إلى مدينة الكوفة.

الوشاء ، نسبة إلى وشي الثياب ، وهي المعمولة من الإبريسم.

الحبري ـ بكسر الحاء ، وفتح الباء الموحدة ، والراء ـ نسبة إلى الحبر ، جمع الحبرة ، وهي البردة.

وقد منيت هذه الكلمة بأشكال عديدة من التحريف والتصحيف ، إن في أسانيد الروايات ، أو في ترجمته من كتب الرجال والأعلام ، وهي :

الحبري ، نسبة إلى حبر الكتابة ، والجبري ، بالجيم المفتوحة ، والجبيري ، بتصغير اللفظ السابق ، والجندي ، بالجيم والنون والدال المهملة ،

٢٧٩

والجيري ، بالجيم والياء التحتية ، والجيزي ، مثل السابق لكن بالزاي بدل الراء ، والحرمي ، بالحاء المهملة المفتوحة والراء والميم كالنسبة إلى الحرم ، والحميري ، بالحاء المهملة المكسورة ثم الميم ثم الياء التحتية المفتوحة ثم الراء ، كالنسبة إلى حمير ، والحيري ، بالحاء المهملة المكسورة ثم الياء التحتية الساكنة والراء كالنسبة إلى الحيرة ، والخبري ، بالخاء المعجمة والباء الموحدة والراء ، والخرزي ، بالخاء المعجمة والراء والزاي ، والخيبري ، كالنسبة إلى خيبر الحصن.

ووصف أيضا ب :

القرشي ، والرازي ، والحاطب ، والكندي.

عقيدته :

عده البحراني : من أعيان علماء العامة.

ولكن الحق أنه شيعي ، كما نص عليه الأمين.

وهو زيدي النزعة ، كما يدل عليه نشاطه العلمي.

حاله في الرواية :

وثقه الدارقطني في أجوبته للحاكم النيسابوري ، فقال : الحسين بن الحكم بن مسلم الحبري : ثقة (١).

وقال الحافظ صارم الدين : لم يطعن فيه أحد ، وهو ثقة علامة.

وعده الحاكم النيسابوري : في الرواة الذين لم يحتج بهم في الصحيح ، لكن لم يسقطوا من درجة الاعتبار.

__________________

(١) سؤالات الحاكم النيسابوري : ١١٤ رقم ٩٠.

وهذا مما يستدرك على مقدمة «تفسير الحبري».

٢٨٠