تراثنا ـ العدد [ 28 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 28 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨

لَهْفِيْ عَلَى ذلِكَ المَقْتُوْلِ يَوْمَ قَضَى

بَيْنَ العِدَاةِ بِلَا جُرْمٍ وَلَا سَبَبِ

هٰذاَ بِأَمْرٍ مِنَ الطَّاغُوْتِ يَحْبِسُهُ

وَذَاكَ يَشْتِمُهُ ظُلْماً بِلَا أَدَبِ

وَذَاكَ يَجْذِبُهُ قَهْراً بِلَحْيَتِهِ

وَذَاكَ يَسْحَبُهُ جَهْراً عَلَى التُّرُبِ

وَذَاكَ مِنْ حِقْدِهِ أَخْزَاهُ خَالِقُنَا

يُوْجِيْ ظُلُوْعَ تَقِيٍّ طَاهِرٍ أَرِبِ

وَجِسْمُهُ بَعْدَ حُسْنِ اللَّحْفِ يَلْحَفُهُ

قَتَامُ ضَرْبٍ مِنَ الْأَحَجَارِ وَالخَشَبِ

وَالرَّأْسُ مُنْكَشِفٌ قَدْ شُجَّ مَفْرَقُهُ

وَشَيْبُهُ قَدْ عَلَاهُ عَثْيَرُ الكُثُبِ

وَالدَّمُ يَجْرِيْ عَلَى وَجْهٍ بِهِ أَثَرٌ

مِنَ السُّجُوْدِ كَجَرْيِ الغَيْثِ في الهُضُبِ

وَطَاَلَما فِيْ ظَلَامِ اللَّيْلِ عَفَّرَهُ

حَالَ السُّجُوْدِ لِرَبِّ الخَلْقِ فِيْ التُّرُبِ

للهِ شَيْخٌ عَزِيْزٌ فِيْ عَشِيْرَتِهِ

يُسَاقُ فِيْ سُوْقِهِمْ بِالذُّلِّ وَالنَّكَبِ

فَيا شَهِيْداً قَضَى فِيْ اللهِ مُحْتَسِباً

وَفِيْ الجِنَانِ حَبَاهُ عَالِيَ الرُّتَبِ

وَيَا هِلالاً أَحَالَ الخَسْفُ مَطْلَعَهُ

فَغَابَ فِيْ جَدَثٍ عَنَّا وَلَمْ يَأُبِ

وَكَهْفَ عِزٍّ لِأيْتَامٍ تَطُوْفُ بِهِ

رَمَاهُ صَرْفُ القَضَا بِالهَدْمِ وَالعَطَبِ

وَيَا أَنِيْساً أَتَانَا ثُمَّ أَوْحَشَنَا

وَبَحْرَ عِلْمٍ وَجُوْدٍ غَابَ فِيْ التُّرُبِ

تَنْعَاكَ كُتْبُكَ ، وَالمِحْرَابُ يَنْدِبُ إذْ

فِيْهِ تَقُوْمُ تُنَاجِيْ اللهَ فِيْ رَهَبِ

يَا قَلْبُ فَٱحْزَنْ عَلَى ذَاكَ الفَقِيْدِ وَيَا

عَيْنَيَّ جُوْدَا بِدَمْعٍ هَامِلٍ سَكِبِ

هذا ، وقد خلّف المترجَم ثلاثة أولاد هم : حسين ومحمد وأحمد ، ومنهم ذرّيّته ، ومن أحفاده المعاصرين الْأَديب الحاجّ محمد بن حسين الرمضان بن محمد ابن حسين ابن المترجَم له ، وأخوه الْأَديب البحّاثة الحاجّ جواد بن حسين الرمضان ، وكلاهما من رجال الْأَحساء البارزين .

* * *

٨١

علمه وفضله :

كان قدّس سرّه علّامة فاضلاً جليل القدر ، له بين أقرانه المقام الشامخ والمكانة السامية ، وعرف عنه شدّة تورّعه وتقواه وكثرة عبادته وتهجّده لله تعالى ، وقد مرّ في القصيدة السابقة ما يشير إلى بعض صفاته ومزاياه .

وقال في شأنه أيضاً صاحب «أنوار البدرين» : «ومن أُدبائها وعلمائها [الْأَحساء] ابنه ـ أي ابن الشيخ محمد الرمضان المتقدّم ذكره في الكتاب ـ الشيخ علي من العلماء العاملين والعبّاد المعروفين ، وله يد قويّة في الشعر ، قُتل شهيداً في الْأَحساء في ملك الوهّابية ظلماً وعدواناً ، كما قتلت ساداته خير الخلق فضلاً وشأناً» (٥) .

وقال في «شهداء الفضيلة» : «العالم البارع الشيخ علي بن الشيخ عبد الله (٦) ابن رمضان الْأَحسائي ، أحد الْأَعلام المبرّزين في العلم ، ضمَّ إلى علمه الجمّ ورعه الموصوف ، وله من الْأَدب العربي قسطه الْأَوفى ، وفي صياغة الشعر له يد قويّة ، قُتل شهيداً في (أحساء) على ملك الوهّابية ظلماً» (٧) .

أمّا أُستاذه السيد حسين بن السيد عيسى بن السيد هاشم البحراني ـ صاحب كتاب «البرهان» ـ فقد قال شأنه هذه الْأَبيات :

أَسْنَى سَلَامٍ وَثَنَاءٍ وَدُعَا

مِنْ مُخْلِصٍ مَا وُدُّهُ بِمُدَّعَىٰ

لِمَنْ عَلَا وَجَلَّ قَدْراً وَسَما

وَدَاسَ بِالكَعْبِ عَلَى هَامِ السَّما

وَمَنْ لَهُ أَبْدَىٰ النُّهَى وِفَاقَا

حَتّى سَما بَنِيْ النُّهىٰ وَفَاقَا

وَرَقً لُطْفاً وَصَفَا وَرَاقَا

حَتَّى غَدَا يُطَرِّزُ الْأَوْرَاقا

__________________

(٥) أنوار البدرين : ٤١٦ ـ ٤١٧ .

(٦) الصحيح أن اسمه : علي بن محمد بن عبد الله . . . وهذا واضح وثابت عند أحفاده ومثبت في مؤلّفات المترجم الخطّية .

(٧) شهداء الفضيلة : ٣٦١ .

٨٢

ذُوْ أَدَبٍ أَصْبَحَ كُلُّ ذِيْ أَدَبْ

لِنَحْوِهِ يَقْصُدُ مِنْ كُلِّ حَدَبْ

مُفْحِمُ كُلِّ نَاظِمٍ وَنَاثِرِ

فِيْ وَصْفِ مَا حَوَاهُ مِنْ مَآثِرِ

أعني عَلِيّاً ذَا العُلَا والسُّؤْدَدِ

نَجْلَ سَمِيِّ المُصْطَفَىٰ مُحَمَّدِ (٨)

من آثاره :

قال حفيده الْأَديب محمد حسين الرمضان ـ في كتابه الخطّي «التعريف بآل رمضان» ـ : «له عدّة مؤلفات» لكن لم نطّلع ـ مع الْأَسف ـ على شيء من مؤلّفاته ، ولم يبق منها سوى كتابين هما :

١ ـ ديوان شعر ، كبير في مجلّدين ، فُقد منه المجلّد الْأَول ، والمجلّد الثاني يضمّ نحو ألفي بيت .

٢ ـ الكشكول ، في مجلّدين أيضاً .

وكلاهما موجودان عند أحفاد المترجم في الْأَحساء .

شعره :

له شعر كثير في شأن أهل البيت عليهم السلام ومدحهم ورثائهم ، وكان يعدّ في عصره من الشعراء والْأُدباء البارزين ، ويضمّ ما بقي من ديوانه نحو ألفي بيت فيه الغزل والفكاهة والمديح والرثاء ومواضيع أُخرى ، وهذه نماذج من شعره :

قال ـ قدّس سرّه ـ في رثاء سيّد الشهداء أبي عبد الله الحسين عليه السلام :

طَلَعَ المَشِيْبُ عَلَيْكَ بِالإِنْذَارِ

وَأَرَاكَ مُنْصَرِفاً عَنِ التِّذْكَارِ

جَذْلَانَ بِالعصْيَانِ مَسْرُوْراً بِهِ

مُتَهَاوِناً أَبَداً بِسُخْطِ البَارِيْ

حَتَّى كَأنَّ الشَّيْبَ جَاءَ مُبَشِّراً

لَكَ بِالخُلُوْدِ فَأَنْتَ فِيْ ٱسْتِبْشَارِ

يَا رَاكِضاً رَكْضَ الجَوَادِ بِلَهْوِهِ

مُتَحَمِّلاً بِالذَّنْبِ وَالإِصْرَارِ

__________________

(٨) ديوان المترجَم المخطوط .

٨٣

حَتَّى مَ أَنْتَ بِبَحْرِ غَيِّكَ رَاكِسٌ

أَأَمِنْتَ وَيْحَكَ سَطْوَةَ ٱلجَبَّارِ ؟ !

مَهْلاً أَلَمْ تَعْلَمْ بِأنَّكَ مَيِّتٌ

وَمُخَلَّدٌ فِيْ جَنَّةٍ أَوْ نَارِ ؟ !

أتَغُرُّكَ الدُّنْيَا وَأَنْتَ خَبَرْتَهَا

عِلْماً بِمَا فِيْها مِنَ الْأَكْدارِ ؟ !

دارٌ حَوَتْ كُلَّ المَصائِبِ وَالبَلَا

وَالشَّرِّ والآفَاتِ وَالْأَخْطَارِ

اللهُ ما فَعَلَتْ وَهَلْ تَدْرِيْ بِما

فَعلَتْ بِعِتْرَةِ أحْمَدَ المُخْتَارِ

سَلَبَتْهُمُ مِيْرَاثَهُمْ وَنُفُوْسَهُمْ

ظُلْماً بِأَيْدِيْ مَعْشَرٍ فُجَّارِ

وأَجَلُّ كُلِّ مُصِيْبَةٍ نَزَلَتْ بِهِمْ

رُزْءُ الحُسَيْنِ وَرَهْطِهِ الْأَبْرَارِ

تِلْكَ الرَّزِيَّةُ مَا لَهَا مِنْ مُشْبِهٍ

عُمْرَ الزَّمَانِ وَمُدَّةَ الْأَعْصَارِ

تَاللهِ لَا أَنْسَاهُ يَقْدِمُ فِتْيَةً

كَالْأُسْدِ يَقْدِمُهَا الهزَبْرُ الضَّارِيْ

حَتَّى أَتَى أَرْضَ الطُّفُوْفِ فَلَمْ يَسِرْ

عَنْهَا لِمَحْتُوْمٍ مِنَ الْأَقْدَارِ

فَعَدَتْ عَلَيْهِ مِنَ العِرَاقِ عِصَابَةٌ

مِنْ كُلِّ رِجْسِ فَاجِرٍ غَدَّارِ

مَنَعُوْا عَلَيْهِ الماءَ حَتّى كَضَّهُ

وَقَبِيْلَهُ حَرُّ الْأَوَامِ الْوَارِيْ

فَأَجَابَهُمْ وَهْوَ ٱبْنُ بِنْتِ مُحَمَّدٍ

(المَوْتُ أَوْلىٰ مِنْ رُكُوْبِ الْعَارِ)

تَأْبَىٰ رُكُوْبَ الذُّلِّ مِنَّا أَنْفُسٌ

طَهُرَتْ وَنِلْناها مِنَ الْأَطْهارِ

إلى أن يقول :

وَبَقِيْ ٱبْنُ خَيْرِ المُرْسَلِيْنَ مُجاهِداً

فَرْداً بِذَاكَ الْعَسْكَرِ الجَرَّارِ

وَيَقُوْلُ لِلْأُخْتِ الحَزِيْنَةِ زَيْنَبٍ

وَدُمُوْعُهُ كَالْوَابِلِ المِدْرَارِ

أُوْصِيْكِ بِالْأَيْتامِ لُمِّيْ شَعْثَهُمْ

وَتَلَطَّفِيْ لِكِبارِهِمْ وَصِغَارِ

وَإذَا رَأَيْتِيْ جُثَّتِيْ فَوْقَ الثَّرَى

تَذْرِي عَلَيْها لِلرِّياحِ ذَوَارِيْ

فَتَجَلَّدِيْ لَا تُشْمِتِيْ أَعْدَاءَنَا

وَتَمَسَّكِيْ بِسَكِيْنَةٍ وَوَقَارِ

وَثَنَىٰ الْعِنَانَ إلى الطُّغَاةِ تَرَاهُ في

لَيْلِ الْوَغَىٰ كَالْكَوْكَبِ السَّيَّارِ

٨٤

وَيَكِرُّ فِيْهِمْ تَارَةً فَتَراهُمُ

قِطَعاً بِحَدِّ الصَّارِمِ الْبَتَّارِ

أبْدَى لَهُمْ وَهْوَ ٱبْنُ حَيْدَرَ فِيْ الْوَغَى

حَمَلَاتِ وَالِدِهِ الْفَتَى الْكَرَّارِ

حَتَّى إذَا أرْوَى الصَّوَارِمَ وَالْقَنا

مِنْهُمْ وَألْحَقَهُمْ بَدَارِ بَوَارِ

وَافَاهُ سَهْمٌ خَرَّ مِنْهُ عَلَى الثَّرىٰ

كَسُجُوْدِهِ للهِ فِيْ الْأَسْحَارِ

ثم يقول :

وَدَعَتْهُ زَيْنَبُ وَهْيَ تَنْدِبُهُ : ألَا

يَا بَدْرَ دَيْجُوْرِيْ وَشَمْسَ نَهارِيْ

يَا ظَامِياً وَرَدَ الحُتُوْفَ وَلَمْ يَذُقْ

بَرْدَ الشَّرابِ سِوَى النَّجِيْعِ الْجارِيْ

يا مَيِّتاً ما نَالَ مِنْ غُسْلٍ وَلَا

كَفَنٍ لِيَسْتُرَ جِسْمَهُ وَيُوَارِيْ

يَا خَيْرَ ضَيْفٍ نَازِلاً فِيْ قَفْرَةٍ

غَيْرُ الأسِنَّةِ مَا لَهُ مِنْ قَارِيْ

أَأُخَيَّ مَنْ ذَا بَعْدَ فَقْدِكَ يُرْتَجَىٰ

لِلنَّائِباتِ وَبَحْرِهَا الْمَوَّارِ

أَأُخَيَّ مَنْ ذَا بَعْدَ فَقْدِكَ يُرْتَجَىٰ

لِلصَّوْمِ وَالصَّلَواتِ والْأَذْكَارِ

أَأُخَيَّ مَنْ ذَا بَعْدَ فَقْدِكَ يُرْتَجَىٰ

لِقِرَاءِ ضَيْفٍ أَوْ حِمَايَةِ جَارِ

ثُمَّ ٱنْثَنَتْ تَدْعُوْ الرَّسُوْلَ مُحَمَّداً

تَنْعَىٰ لَهُ السِّبْطَ الْقَتِيْلَ الْعَارِيْ

وَتَقُوْلُ يَا جَدَّاهُ هَذاَ السِّبْطُ قَدْ

قَتَلُوْهُ عُطْشَاناً غَرِيْبَ دِيَارِ

هٰذَا حَبِيْبُكَ بِالطُّفُوْفِ مُجَدَّلٌ

تَجْرِيْ عَلَيْهِ الخَيْلُ جَرْيَ مَغَارِ

هٰذِيْ نِسَاؤكَ يَا رَسُوْلَ اللهِ فِيْ

كُرَبِ الخُطُوْبِ شَوَاخِصَ الْأَبْصَارِ

وفي آخرها يقول :

يا آلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ إنّيْ لَكُمْ

عَبْدٌ وَما فيْ ذاكَ مِنْ إنْكَارِ

مِنِّي لَكُمْ مَحْضُ المَوَدَّةِ وَالْوِلَا

وَالنُّصْحِ فِيْ الإِعْلانِ وَالإِسْرَارِ

إذْ حُبُّكُمْ فِيْ الذِّكْرِ مَفْرُوْضٌ وَفِيْ

مَا جَاءَ مِنْ مُتَوَاتِرِ الْأَخْبَارِ

وَلَكُمْ بِيَوْمِ البَعْثِ مِنْ رَبِّ المَلَا

أَمْرُ الشَّفَاعَةِ فِيْ ذَوِيْ الْأَوْزَارِ

٨٥

فَلِيَ ٱشْفَعُوْا وَلِوَالِدَيَّ وَأُسْرَتِيْ

وَالسَّامِعِيْنَ مصَابَكُمْ وَالْقَارِيْ

وَإلَيْكُمُ الْجانِيْ (عَلِيٌّ) زَفَّهَا

عَذْرَاءَ قَدْ خُلِقَتْ مِنَ الْأَفْكَارِ

أَلْبَسْتُهاَ ـ وَبِكُمْ تَعَالَىٰ قَدْرُها ـ

مِنْ ذِكْرِكُمْ حُلَلْاً مِنَ الْأَنْوَارِ

فُتَقَبَّلُوْهَا جَاعِلِيْنَ صَدَاقَهَا

أَنْ تُسْكِنُوْنِيْ مِنْكُمُ بِجِوَارِ

وَعَلَيْكُمُ صَلَّىٰ المُهَيْمِنُ مَا ٱبْتَغىٰ

لَكُمُ بِسَيْلِ المُكْرَماتِ مُجَارِيْ

وله أيضاً مادحاً أهل البيت عليهم السلام :

مَا لِيْ أَرَاكَ بِسَكْرةِ الْإِغْماءِ

أَذَكَرْتَ جِيْرَاناً لَدَىٰ (الْأَحْسَاءِ)

ما شَامَ طَرْفُكَ بارِقاً مِنْ نَحْوِهِمْ

إلّا ٱنْثَنَىٰ كَعَوَارِضِ الْأَنْوَاءِ (٩)

لَوْلَا نُواحُكَ ما ٱهْتَدىٰ لَكَ مُدْرِكٌ

كَلّا وَلَمْ تُحْسَبْ مِنَ الْأَحْيَاءِ

لَمْ تَتْرُكِ الْأَشْوَاقُ مِنْكَ لِعِلَّةٍ

مَأْوَىً تَحُلُّ بِهِ وَلَا لِشِفَاءِ

يا عاذِلِيْ أَتَعبْتَ نَفْسَكَ ناصِحاً

لِمُتَيَّمٍ لَمْ يُصْغِ لِلنُّصَحَاءِ

مَا لِيْ وَلِلْعُذَّالِ لَا سُقْياً لَهُمْ

أنا قَدْ رَضِيْتُ بِعَبْرَتِيْ وَبِدَائِيْ

أَسْتَوْدِعُ الرَّحْمٰنَ بِـ (الهُفُّوْفِ) مِنْ

(هَجَرٍ) أُهَيْلَ مَوَدَّةٍ وَوَفَاءِ

قَوْمٌ هَجَرْتُ لَهُمْ وِسَادِيْ وَالْكَرَىٰ

وَوَصَلْتُ فِيْهِمْ لَوْعَتِيْ وَبُكَائِيْ

يا جِيْرَةَ (الْأَحْسَاءِ) هَلْ مِنْ زَوْرَةٍ

أَحْيا بِهَا يا جِيْرَةَ (الْأَحْسَاءِ)

ياَ جِيْرَةَ (الْأَحْسَاءِ) هَلْ مِنْ زَوْرَةٍ

تَمْحُوْ ظَلَامَ الْبَيْنِ بِالْأَضْوَاءِ

أَنا فِيْكُمُ صاَدِيْ الحَشَاشَةِ فٱسْمَحُوْا

لِيْ مِنْ وِصَالِكُمُ بِعَذْبِ المَاءِ

أَنْتُمْ مُنايَ مِنَ الزَّمانِ وَبُعْدُكُمْ

كَدَرِيْ وَقُرْبُكُمُ الشَّهِيْ صَفَائِيْ

لَا شَيْءَ أَحْلَیٰ فِيْ فَمِيْ مِنْ ذِكْرِكُمْ

إلّا مَدِيْحُ السَّادَةِ النُّجَبَاءِ

__________________

(٩) شام : أي نظر ، والعوارض : جمع عارض وهو السحاب ، والْأَنواء : المطر .

٨٦

أَهلُ الجَلالِ أُوْلُوْ الْكَمالِ وَخِيْرَةُ الْـ

ـمُتَعَالِ مِنْ أَرضٍ لَهُ وَسَمَاءِ

آلُ النَّبِيِّ الطُّهْرِ زِيْنَةِ يَثْرِبٍ

وَجَمالِ مَنْ قَدْ حَلَّ بِالْبَطْحَاءِ

غَوْثُ الْأَنَامِ وَغَيْثُهُمْ وَعِمادُهُمْ

وَمَلاذُهُمْ فِيْ شِدَّةٍ وَرَخَاءِ

نَزَلَ الْكِتَابُ بِدُوْرِهِمْ فِيْ فَضْلِهِمْ

وَالْأَنْبِيَاءُ حَكَتْهُ فِيْ الْأَنْبَاءِ

خُزَّانُ عِلْمِ اللهِ مَوْضِعُ سِرِّهِ

أُمَناؤهُ فِيْ الجَهْرِ وَالإِخْفَاءِ

آتَاهُمُ فِيْ الْعِلْمِ مَا قَدْ كَانَ أَوْ

هُوَ كَائِنٌ مِنْ جُمْلَةِ الْأَشْيَاءِ

سَلْ عَنْ مَناقِبِهِمْ عَدُوَّهُمُ تَجِدْ

ماَ تَبْتَغِيْ مِنْها لَدَىٰ الْأَعْداءِ

وَٱسْمَعْ مِنَ الصَّلَوَاتِ مَا يُتْلَىٰ بِها

مِنْ فَضْلِهِمْ وَٱسمَعْ مِنَ الخُطَباءِ

أَبْدَاهُمُ الرَّحْمٰنُ نُوْرَ هِدَايَةٍ

إذْ جَاشَ لَيْلُ الْكُفْرِ بِالظَّلْماءِ

وَقَضَى مَحَبَّتَهُمْ وَطَاعَتَهُمْ عَلَىٰ

الثَّقَلَيْنِ مِنْ دَانِيْ المَحَلِّ وَنائِيْ

لَا تُقْبَلُ الحَسَنَاتُ مِنْ عَمَلِ ٱمْرِئٍ

مَا لَمْ يَجِئ لَهُمُ بِمَحْضِ وِلَاءِ

نَطَقَ الكِتَابُ وَسُنَّةُ الهَادِيْ بِهِ

وَبَدَا لَدَى الجُهَّالِ وَالْعُلَمَاءِ

يَا لَيْتَ شِعْرِيْ كَيْفَ يَقْدِرُ قَدْرَهُمْ

قَوْلِي وَلَوْ بَالَغْتُ فِيْ الإِطْرَاءِ

مَاذَا أقُوْلُ وَماَ عَسَى أَنا بَالِغٌ

مِنْ وَصْفِهِمْ فِيْ مِدْحَتِيْ وَثَنَائِيْ

تِلْكَ المَناَقِبُ مَا لَهاَ عَدٌّ وَلَوْ

كَانَتْ مِدَاداً لُجَّةُ الدَّأْمَاءِ (١٠)

يَا سَادَتِيْ يَا آلَ طٰهٰ أنْتُمُ

أَمَلِيْ وَذُخْرِيْ فِيْ غَدٍ وَرَجَائِيْ

أعْدَدْتُ حُبَّكُمُ لِنَيْلِ سَعَادَتِيْ

فِيْ النَّشْأَتَيْنِ مَعاً وَمَحْوِ شَقَائِيْ

فَتَشَفَّعُوْا فِيْ عَبْدِ عَبْدِكُمُ وَفِيْ

آبائِهِ طُرَّاً مَعَ الْأَبْنَاءِ

وَعَلَيْكُم صَلَّىٰ وَسَلَّمَ خَالِقٌ

أَنْتُمْ لَدَيْهِ أَكْرَمُ الشُّفَعَاءِ

__________________

(١٠) الدَّأْماء : هو البحر .

٨٧

وله أيضاً في مدح الإِمام عليّ عليه السلام :

تَفَرَّقَتْ فِيْ الْأَنبِيَاءِ الْبَرَرَهْ

فَضَائِلٌ تَجَمَّعَتْ فِيْ حَيْدَرَهْ

وَمُحْكَمُ الذِّكْرِ بِهٰذَا شَاهِدٌ

يَنْقُلُهُ والسُّنَّةُ المُطَهَّرَهُ

قَدِ ٱسْتَوىٰ الوَلِيُّ وَالعَدُوُّ فِيْ

أَوْصَافِهِ فَجَلَّ مَوْلىً صَوَّرَهُ

أُنْظُرْ إلىٰ الدِّيْنِ تَجِدْ لِوَاءَهُ

هُوَ الَّذِيْ مِنْ طَيِّهِ قَدْ نَشَرَهُ

وَٱنْظُرْ إلىٰ الْكُفْرِ تَجِدْ عَمُوْدَهُ

هُوْ الَّذِيْ بِذِيْ الْفِقَارِ بَتَرَهُ

سَلْ عَنْهُ عَمْرَاً مَنْ بَرَىٰ وَرِيْدَهُ

وَمَرْحَباً مَنْ بِالتُّرَابِ عَفَّرَهُ

وَٱسْتَخْبِرِ الجَيْشَ غَداةَ خَيْبَرٍ

مَنِ الَّذِيْ إلىٰ الْيَهُوْدِ عَبَّرَهُ

هُوَ المُرادُ بِالرِّضَا مِنْ رَبِّهِ

مِنْ دُوْنِ مَنْ بايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَهْ (١١)

شَاهِدُهُ ثَباتُهُ وَفَرُّهُمْ

يَوْمَ حُنَيْنٍ وَالمَنايا مُحْضَرَهْ

وَشَاهِدٌ آخَرُ فَتْحُ خَيْبَرٍ

فَهْوَ لَهُ فَضِيْلَةٌ مُنْحَصِرَهْ

أَثابَهُ اللهُ بِهِ لِصِدْقِهِ

وَالصِّدْقُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ثَمَرَهْ

وَكَمْ لَهُ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ

فِيْ الدِّيْنِ أَضْحَتْ فِيْ المَلَا مُنْتَشِرَهْ

لا يَسْتَطِيْعُ حَصْرَهَا الخَلْقُ وَلَوْ

أَفْنَىٰ بِصِدْقِ الجِدِّ كُلٌّ عُمُرَهُ

وَقَدْ أَرَادَ اللهُ أَنْ يُظْهِرَهُ

فَهَلْ يُطِيْقُ أَحَدٌ أَنْ يَسْتُرَهْ ؟ !

فَٱسْتَمْسِكَنْ بِحَيْدَرٍ فَإنَّهُ

لَلْعُرْوَةُ الْوُثْقَىٰ وَمَوْلَىٰ الْبَرَرَهْ

وَٱبْشِرْ بِجَامٍ مُتْرَعٍ تُرْوَىٰ بِهِ (١٢)

مِنْ كَفِّهِ إذَا وَرَدْتَ كَوْثَرَهْ

تَبّاً لِقَوْمٍ صَيَّرُوْهُ تَارَةً

فِيْ سِتَّةٍ وَتَارَةً فِيْ عَشَرَهْ

مَا قَدَرُوْا الرَّحْمٰنَ حَقَّ قَدْرِهِ

إذْ وَازَنُوْا حُجَّتَهُ بِالْفَجَرَهْ

__________________

(١١) أراد بذلك قوله تعالى : (لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ) الفتح : ١٨ .

(١٢) جام : الكأس ، ومُتْرَع : أي مُمْتَلئ .

٨٨

يَا غِيْرَةَ الرَّحْمٰنِ هَلْ لِحَيْدَرٍ

مِنْ مُشْبِهٍ لِمُنْصِفٍ قَدْ أَبْصَرَهُ

كَلّا ولٰكِنْ كَانَ ذَا مِنْ عُصْبَةٍ

قَدْ عَمِيَتْ عَنْ رُشْدِهَا فَلَمْ تَرَهْ

هَلْ أَحْدَثَ الْوَصِيُّ مِنْ ذَنْبٍ سِوَىٰ

أنْ قَدْ أَطَاعَ اللهَ فِيْ مَا أَمَرَهْ

سَتَعْلَمُوْنَ فِيْ غَدٍ إذَا رَأىٰ

الإِنْسَانُ مَا قَدَّمَهُ وَأَخَّرَهْ

وله مخمِّساً والْأَصل لغيره :

بَنِيْ المُخْتَارِ فَضْلُكُمُ جَلِيْلُ

وَفِيْ تَفْصِيْلِهِ ضَاقَ السَّبِيْلُ

وَلٰكِنِّيْ بِمُجْمَلِهِ أقوْلُ

إلَيْكُمْ كُلُّ مَكْرُمَةٍ تَؤولُ

إذَا مَا قِيْلَ جَدُّكُمُ الرَّسُولُ

لَكُمْ فِيْ مَغْنَمِ المَجْدِ الصَّفَايَا

وَفَصْلُ الحُكْمِ فِيْ كُلِّ الْقَضَايَا

وَأَصْلُكُمُ زَكَا بَيْنَ الْبَرايَا

أَبُوْكُمْ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ المَطَايَا

وَأُمُّكُمُ المُطَهَّرَةُ البَتُولُ

وله أيضاً مشطِّراً البيتين المذكورين :

(إلَيْكُمْ كُلُّ مَكْرُمَةٍ تَؤولُ)

فَهَلْ عَنْكُمْ لِذِيْ عَقْلٍ عُدُوْلُ

تَهِيْمُ بِكُمْ ذَوُوْ الْأَلْبابِ وُدِّاً

(إذَا ما قِيْلَ جَدُّكُمُ الرَّسُوْلُ)

(أَبُوْكُمْ خَيْرُ مَنْ رَكِبَ المَطَايا)

وَذٰلِكَ مَفْخَرٌ لَكُمُ جَلِيْلُ

وَأَيُّ فَضِيْلَةٍ لَمْ تُحْرِزُوْهَا

(وَأُمُّكُمُ المُطَهَّرَةُ البَتُولُ)

وله هذه القصيدة الرائعة في الغزل :

هَوَايَ رِضَاكُمْ إنْ تَفَرَّقَتِ الْأَهوا

وَدَائِيْ جِفَاكُمْ إنْ تَنَوَّعَتِ الْأَدْوَا

وَوَصْلُكُمُ يَا سَادَتِي إنْ عَطَفْتُمُ

عَلَىٰ الْوَالِهِ العَانِي هُوَ الغَايَةُ القُصْوىٰ

٨٩

تَحَكَّمَ فِيْ قَلْبِيْ كَمَا شَاءَ حُبُّكُمْ

فَحَمَّلَنِيْ مَا لَا أُطِيْقُ وَلا أَقْوَىٰ

وَعِنْدِيْ شُهُوْدٌ مِنْ سُهَادِيْ وَمَدْمَعِيْ

وَسُقْمِي وَأَشْجَانِيْ عَلَى هٰذِهِ الدَّعْوَىٰ

وَفِيْ الحَيِّ ظَبْيٌ لَا تَزَالُ لِحاظُهُ

تَشُنُّ عَلَى عُشَّاقِهِ غَارَةً شَعْوَا

لَهُ مِنْ دُمُوْعِي مَوْرِدٌ غَيْرُ نَاضِبٍ

وَمِنْ رَبْعِ قَلبِيْ مَا حَيِيْتُ لَهُ مَأْوَىٰ

يَقُوْلُوْنَ بَدْرُ التَّمِّ كُفْوُ جَمالِهِ

وَهَيْهَاتَ لَيْسَ البَدْرُ يَوْماً لَهُ كُفْوَا

زَهىٰ فِيْ مُحَيّاهُ مِنَ الحُسْنِ رَوْضَةٌ

عَلَيْهَا جُفُوْنِيْ تَسْكِبُ الغَيْثَ كَالْأَنْوَا

عَرَتْهُ مِنْ الخَمْرِ الشَّبَابِيْ نَشْوَةٌ

فَرَاحَ مَدَى الْأَيّامِ لَا يَعْرِفُ الصَّحْوَا

يَحُزُّ بِقَلْبِيْ وَهْوَ يَلْعَبُ لَاهِياً

أَلا بِأَبِيْ مَنْ صَاحَبَ اللِّعْبَ وَاللَّهْوَا

فَلَوْ نَظَرَتْ عَيْنَاكَ حَالِيْ وَحَالَهُ

لَشَاهَدْتَ نَاراً عِنْدَهَا جَنَّةُ المَأْوىٰ

شَكَوْتُ لَهُ وَهْوَ القَضِيْبُ صَبَابَةً

فَمَا مَالَ لِيْ عَطْفاً وَلَا رَقَّ لِلشَّكْوىٰ

فَيَا مُتْلِفِيْ رِفْقاً بِحالِ مُتَيَّمٍ

يَذُوْبُ بِأَدْنَىٰ مَا تَحَمَّلَهُ رَضْوَىٰ

كَسَرْتَ فُؤادِيْ وَهْوَ مَاضٍ بِحُبِّهِ

فَدَيْتُكَ لِمْ لَا فِيْ الهَوَى تُحْسِنُ النَّحْوَا

وَأَفْتَيْتَ يا قَاضِيْ الغَرَامِ بِقَتْلِ مَنْ

تَمَلَّكْتَهُ رِقّاً وَقَدْ جُرْتَ فِيْ الفَتْوَىٰ

وله أيضاً متغزّلاً :

تَحَمَّلْتُ الهَوَى وَبِهِ فَسَادِيْ

وَأَهْمَلْتُ الحِجَى وَبِهِ رَشَادِيْ

وَقَادَنِيَ الغَرَامُ إليْهِ حَتَّى

أَتَيْتُ بِكَفِّه سَهْلَ القِيَادِ

وَأَهْوَنُ مَا أُلاقِيْ مِنْهُ دَاءٌ

تَصَدَّعُ مِنْهُ أَكْبَادُ الصِّلادِ

وَبِـ (الْأَحْسَاءِ) وَهْيَ مُنَايَ قَوْمٌ

بِعَادُهُمْ نَفَى عَنِّيْ رُقَادِيْ

لَهُمْ جِفْنِيْ القَرِيْحُ يَفِيْضُ رَيّاً

بِفَيْضِ دُمُوْعِهِ وَالقَلْبُ صَادِيْ

هِيامِيْ فِيْهُمُ شُغْلِيْ وَدَأْبِيْ

وَوَجْدِيْ مِنْهُمُ شُرْبِيْ وَزَادِيْ

أُحِبُّ لِأجْلِهِمْ خَفَقانَ قَلْبِيْ

وَأَهْوَى فِيْ مَحَبَّتِهِمْ سُهَادِيْ

٩٠

وَهُمْ حُصْنِيْ المَنِيْعُ وَهُمْ سِنَادِيْ

وَهُمْ رُكْنِيْ الوَثِيْقُ وَهُمْ عِمادِيْ

سَقَى (الْأَحْسَاءَ) باَرِيْها بِغَيْثٍ

يَمُدُّ الخَصْبَ مِنْ صَوْبِ العِهادِ

فَلِلْأَحْسَاءِ مَا دَامَتْ وِدَادِيْ

وَفِيْ أَرْجَاءِ سَاحَتِها مُرَادِيْ

وَبِـ (الهُفُّوْفِ) مِنْ (هَجَرٍ) غَزَالٌ

يَصِيْدُ بِطَرْفِهِ طَيْرَ الفُؤادِ

تَجُوْرُ لِحَاظُهُ أَبَداً وَتَسْطُوْ

عَلَى قَلْبِيْ بِأَسْيَافٍ حِدَادِ

عَلِقْتُ بِهِ وَتَيَّمَنِيْ هِلَالٌ

مَحَاسِنُهُ البَدِيْعَةُ فِيْ ٱزْدِيادِ

يُضِيْءُ الصُّبْحُ مِنْهُ تَحْتَ لَيْلٍ

بَهِيْمٍ مِنْ ذَوَائِبِهِ الجِعَادِ

أُغَازِلُ مِنْهُ فِيْ الخَلَوَاتِ طِفْلاً

يَقُوْدُ إلى الهَوَى قَلبَ الجَمادِ

إذَا أَبْدَى تَبَسُّمَهُ بَرِيْقاً

أَهَلَّتْ مُقْلَتِيْ غَيْثَ الفُؤَادِ

وَأَرْشِفُ مِنْ مَباسِمِهِ رِضاباً

هُوَ الخَمْرُ المُعَتَّقُ فِيْ ٱعْتِقَادِيْ

زَمانُ أَقُوْلُ لِلْأَيَّامِ كُوْنِيْ

كَما أَهْوَى فَتُذْعِنُ بِٱنْقِيَادِ

عَلَيْهِ مِنَ المَلَا وَقَعَ ٱخْتِيارِيْ

وَمَا أَخْطَا وَلَا كَذَبَ ٱنْتِقَادِيْ

لِأجْلِ القُرْبِ مِنْهُ فَدَتْهُ نَفْسِيْ

تَخَيَّرْتُ التَّبَاعُدَ عَنْ بِلَادِيْ

وَذُقْتُ مِنَ الشَّدَائِدِ كُلَّ طَعْمٍ

وَجُبْتُ مِنَ الفَدَافِدِ كُلَّ وَادِيْ

وَعُمْتُ مِنْ السُّرَىٰ وَاللَّيْلُ دَاجٍ

بِسُفْنِ العِيْسِ فِيْ لُجَجِ السَّوَادِ

يَبِيْتُ عَلَى حَدَائِجِهَا فِرَاشِيْ

وَيُصْبِحُ فَوْقَ أَرْجُلِهَا مِهادِيْ

إلى أَنْ أَبْلَتِ الْأَسْفَارُ جِسْمِيْ

وَأَخْفَانِيْ النُّحُوْلُ عَنِ العِبَادِ

وَصُرْتُ كَأَنَّنِيْ سِرٌّ خَفِيٌّ

بِأَفْئِدَةِ الرَّوَابِيْ وَالوِهَادِ

فَيَا وَيْحَ المُتَيَّمِ كَمْ يُلَاقِيْ

لِمَنْ يَهْوَى مِنَ النِّوَبِ الشِّدَادِ

فَساعِدْ يَا إلٰهِيْ كُلَّ صَبٍّ

فَإنَّكَ ذُوْ المَكَارِمِ وَالْأَيادِيْ

* * *

٩١

وله أيضاً مخمّساً :

هَوَى قَلبِيْ الحِسَانَ وَما سَلَاهَا

وَكَابَدَ لِلشَّدَائِدِ ما قَلَاهَا

وَفَيْتُ لَها وَمَحْصُوْليْ جَفَاهَا

وَغَانِيَةٌ عَذُوْلِيْ فِيْ هَوَاهَا

عَدِيْمُ حِجَىً بَعِيْدٌ عَنْ صَوابِهْ

تَبَدَّتْ فِيْ التَّعَطُّفِ وَالتَّثَنِّيْ

تُرِيْنِيْ لَمْحَةً وَتَصُدُّ عَنِّيْ

وَحِيْنَ رَأَيْتُها بِالقُرْبِ مِنّيْ

كَشَفْتُ نِقَابَها وَأَرَدْتُ أَنِّيْ

أُقَبِّلُها فَقالَتْ : (لا مَنا بِهْ) (١٣)

وله أيضاً هذه الْأَبيات ، وقد التزم جَعْلَ مقلوب آخر كلمة من كلّ بيت أوّل كلمة للبيت اللاحق :

حَجَرٌ فِيْ فَمِ مَنْ لَامَ عَلَيْ

حُبَّ ظَبْيٍ فِيْهِ لَهْوٌ وَمَرَحْ

حُرِمَ السُّلوَانُ وَالصَّبْرُ ٱمْرِؤٌ

لِبُدُوْرِ التَّمِّ وَالحُسْنِ لَمَحْ

حَمَلَ الحُبَّ أَدِيْبٌ فَٱغْتَدَى

فِيْ نَظَامِ الشِّعْرِ يُبْدِيْ ما مَلَحْ

حَلُمَ الصَّبُّ عَلَى عُذَّالِهِ

فَٱغْتَدَى أَثْقَلَ شَيْءٍ قَدْ رَجَحْ

وله أيضاً :

أَفْدِيْ بِنَفْسِيْ وَمَا أَحْوِيْهِ غَانِيَةً

مَالَتْ لِوِدِّيْ وَسِنِّيْ فِيْ الثَّمانِيْنِ

مَا صَدَّهَا عَنْ وِصَالِيْ شَيْبُ نَاصِيَتِيْ

وَلَمْ تَقُلْ إنْ أَرَدْتُ الوَصْلَ (مَانِيْنِيْ) (١٤)

__________________

(١٣) لَا مَنَابِهْ : كلمة محلّية تقولها الفتاة في الْأَحساء للِتَّمَنُّع والتَّدَلُّل ، والمعنى : لا ما أنا بِراضية ، وكلمة (راضية) محذوفة للاختصار .

(١٤) مَانِيْنى : كلمة تمنّع ودلال تقولها الفتاة الْأَحسائيّة .

٩٢

وقال أيضاً :

بِسَهْمِ لِحَاظِهِ عَمْداً رَمَانِيْ

غَزَالٌ فِيْهِ جُمِّعَتِ الْأَمَانِيْ

فَدَيْتُ بِمُهْجَتِيْ ظَبْياً إذَا ما

أَرَدْتُ الوَصْلَ مِنْهُ قَالَ (مَانِيْ) (١٥)

وله أيضاً في الحماسة مخمّساً ، والْأَصل ينسب لْأَحد أبناء الْأَئمّة عليهم السلام :

سَمَا فِيْ المَعَالِيْ كَهْلُنَا وَوَلِيْدُنا

وَسُدْنَا فَأَهْلُ الْأَرْضِ طُرّاً عَبِيْدُنا

وَلَمّا حَوَى دُرَّ المفاخِرِ جِيْدُنا

غَنِيْنَا بِنا عَنْ كُلِّ مَنْ لَا يُرِيْدُنَا

وَإنْ كَثُرَتْ أَوْصافُهُ وَنُعُوتُهُ

مَلَكْنَا نَوَاصِيْ المَجْدِ وَالفَضْلِ وَالعُلَا

وَفُقْنَا بَنِيْ الدُّنْيَا أَخِيْراً وَأَوَّلَا

أَلا إنَّ مَنْ وَالىٰ فَمِنَّا لَهُ الولَا

وَمَنْ صَدَّ عَنَّا حَسْبُهُ الصَّدُّ وَالقَلَا

وَمَنْ فاتَنا يَكْفِيهِ أَنّا نَفُوتُهُ

وله مشطّراً البيتين المذكورين :

(غَنِيْنَا بِنَا عَنْ كُلِّ مَنْ لَا يُرِيْدُنَا)

وَإنْ سَارَ مَا بَيْنَ البَرِيَّةِ صِيْتُهُ

عَلَوْنَا فَلَمْ نَحْفَلْ بِمَنْ شَطَّ وِدَّنَا

(وَلَوْ كَثُرَتْ أَوْصَافُهُ وَنُعُوْتُهُ)

(ومَنْ صَدَّ عَنّا حَسْبُهُ الصَّدُّ وَالقَلَا)

يَسُوْمَانِهِ فِيْ الدَّهْرِ خَسْفاً يُمِيْتُهُ

وَمَنْ جَاءَنَا بِالوُدِّ فَازَ بِوُدِّنَا

(وَمَنْ فَاتَنا يَكْفِيْهِ أَنّا نَفُوْتُهُ)

__________________

(١٥) مَانِيْ : بمعنى (مَانِيْنِيْ) وهي تقال على لسان نساء البحرين والجنوب العراقي .

٩٣

المصادر :

١ ـ أنوار البدرين ، للشيخ علي البلادي البحراني .

٢ ـ شهداء الفضيلة ، للشيخ عبد الحسين الْأَميني .

٣ ـ ديوان الشيخ علي الشهيد الرمضان ، مخطوط .

٤ ـ التعريف بآل رمضان ، لمحمد حسين الرمضان ، مخطوط .

٥ ـ أعلام هجر ، لهاشم الشخص ، القسم المخطوط .

٦ ـ معجم شعراء الحسين ، للشيخ جعفر الهلالي ، مخطوط .

* * *

مُجدِّد والمذهب وسِماتهم البارزة

بمناسبة مرور قرن على وفاة مجدّد القرن الرابع عشر الهجري

السيّد محمد رضا الحسيني

بسم الله الرحمن الرحيم

إنّ تكريم العظماء الّذين صنعوا تاريخ الأُمّة هو من الواجبات الثقافية الهامّة ، حيث تترتّب عليه أُمور حيّويّة مثل : استلهام العزم والقوّة ، ورسم الخطط الصالحة للنجاح في الحياة ، وللدلالة على إمكانية التغلّب على المشاكل والعراقيل ، وتجاوز العقبات التي تعترض طريق التقدّم الحضاريّ ، والتزوّد من سيرة الماضين «أَمَلاً» بازدهار المستقبل .

وقد تميّز بين عُظماء تاريخنا المجيد ، أُولئك الّذين تكلّلت شاراتهم بوسام «التجديد» في رأس كلّ من القرون الخمسة عشر التي عاشتها الأُمّة الإِسلاميّة .

ومهما كان لخبر التجديد في الحديث الشريف ، من بحُوث وشؤون ، فإنّ الحقيقة الملموسة هي أنّ كلّ قرن قد تميّزت بداياتُه بتلألؤ نجمٍ لامعٍ من نجوم الأُمّة ، واهتزاز عَلَمٍ رفيع من أعلامها ، وبروز شخصية نابغة بين شخصيّاتها .

فقد شهدت نهايةُ القرن الأول ، وبدايةُ القرن الثاني طلوعَ شمس العلم والمعرفة في المديْنة ، فتجدّدت حياة الدين والأُمّة على يد الإِمام أبي جعفر محمّد بن عليّ ابن الحسين بن عليّ بن أبي طالب ، الباقر عليه السلام ، حيث رفع راية العلم ونشرها

٩٤

خفّاقة على ربوع العالم الإِسلاميّ ، من خلال مدرسته التي أقامها في عاصمة الإِسلام وقطب رحاه «مدينة الرسول» فبقر العلم ، حتّى سُمّيَ باقر العلوم ، وشَقَّ عُباب المعارف الزخّارة ، وأروى الأُمّة من معين علومه ، بعد جفاف وقنوط طال أكثر من ستّين عاماً ، حيث عمدت أيدي العُصبة الأُمويّة ، وشراذمة الجاهليّة ، إلىٰ إبادة كلّ معالم الحضارة الإِسلامية من علم وأدب ورجال ونضال .

فأقام الإِمام الباقر عليه السلام الصرح العلميّ لمدرسة تربّت فيها أجيال من العلماء ، وازدهرت على يد ولده الإِمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام ، ومن أوضح معالمها أربعة آلاف عالم وداعية للإِسلام ، وأربعمائة «أصل» من مصادر الشريعة الإِسلامية .

وعلى رأس القرن الثالث (سنة ٢٠٠) :

طلعَ نجمُ الإِمام الرضا عليّ بن موسى بن جعفر بن محمّد بن عليّ بن الحسين ابن عليّ بن أبي طالب عليهم السلام ، فكان الحجّةَ القائمةَ في العالم الإِسلاميّ ، حيث ملأته سناءاً ونوراً ، وأعادت للإِسلام قوّته وصلابته ، بعد أن كادت الفلسفاتُ التي استوردها الخلفاء العبّاسيّون ، تهدّد قواعد الدين في نفوس الأُمّة ، وتنخر أُسسه التي ضعفت وضاعت بين ظلم الحكّام ولهوهم وزهوهم ، وبين الانحراف الذي عمّ البلاد والعباد ، حيثُ يكونون على دين ملوكهم .

فكان الإِمام الرضا عليه السلام ـ بحضوره ومواقفه الخالدة ـ مُنْجِداً للحقّ معيداً له إلى نصابه .

وعند ما كادت الحياةُ المترَفَةُ العبّاسيّةُ تقضي على ما لهذا الدين من بهاء وجلال وهيبة في النفوس ، وتُشكِّك الناسَ في كثير من الواقعيّات ! ؟ كان الإِمام وسيرته المعتمدة على الزهد والتقى يُعيد إلى المسلمين الثقة بحقيقة الإِسلام ، ويجسّد لهم كلّ تلك الواقعيّات .

وبعد أن توغّلت محاولات الجُمود السلفيّ ، والخُمود الظاهريّ ، وراحتْ تستولي

٩٥

على معالم الفكر وتُخْمد إشعاع العلم والاجتهاد ، فكانت محاولاتُ الإِمام الرضا عليه السلام فتحاً لآفاق التطلّع العلميّ لدى العلماء ، وكسراً لسدّ شبهات أُولئك البُلهاء ، فلذلك كان ظهور الإِمام عليه السلام تجديداً عينيّاً لهذا الدين .

وفي مطلع القرن الرابع :

حيث أُلجئتْ الإِمامةُ إلى الاستتار وراء حجب الغَيْبة ، كان وجود الشيخ أبي جعفر ، محمّد بن يعقوب ، الكلينيّ الرازيّ ، مجدِّداً للدين ، حيث عَمَدَ إلى تحديد النصوص الدالّة على أُصول المذهب وفروعه ، فجمعها في كتابه العظيم «الكافي» فحفَظَ به التراث الإِماميّ بأكمل شكل ، في أخطر أدواره ، عندما تعرّض لأعقد مشاكله صعوبةً ، وأضنك مراحله فَتْرةً وزماناً .

ودخل القرن الخامس :

وقد بدأت الحملات الطائفيّة على المذهب الإِمامي وسعى الحكّام المغرضون للاستفادة من الخلافات المثارة ، في صالح كراسيهم المهزوزة .

فكان لمواقف شيخ الطائفة وعماد الملّة ، وزعيم الأُمّة ، المعلّم العظيم ، الشيخ المفيد ، محمّد بن محمّد بن النعمان ، ابن المعلِّم العكبريّ ، البغداديّ ، أثرُها الخالد في تثبيت القواعد الرصينة ، لأُصول المذهب القويمة ، وتحصينها ضدّ تلك الحملات الطائشة ، وإبراز أدلّتها وحُججها ، وتزييف دعاوى المعارضين ، بشكل كانَ له على كلّ الأُمّة مِنّة ، واستحقّ اسم التجديد بجدارة .

وأشرف القرنُ السادس على الأُمّة :

وقد اشتدّت الحملاتُ الطائفيةُ الطائشةُ ، بكلّ ضراوة ، وٱسْتُهْدِفَت الشيعة في الشرق والغرب ، وتمكّنت من القضاء على معالم أثرية لهذه الطائفة ، فحُرّقت مكتبات ، وهُدّمت مدارس وقُتل أعدادٌ من المسلمين المنتمين إلى هذا المذهب .

٩٦

فكانت الزعامة الدينية مُتمَحْوِرةً على ابن شيخ الطائفة ، وهو الفقيه المحدّث الشيخ ، الحسن بن محمّد بن الحسن الطوسيّ ، أبو عليّ ، الملقّب بـ «المفيد الثاني» .

فحمل الأمانة بصدقٍ وجدّ ، فحافظ على الثقافة العلميّة من أن تتعرّض لها الحملات ، وخرّج من مدرسته العشرات من التلامذة ، الّذين كانوا سَنداً للطائفة في حضارتها الثقافيّة ، وأساساً تبْني عليها مستقبلها المجيد .

وجاء القرنُ السابع :

والمأساة الطائفيّة قد فشلتْ في إدخال اليأس في قلوب الأُمّة ، فعادت الأُمّة تستجمع قواها ، وتستعيد حيويّتها ، فكانت الجهودُ تبذل من أجل إحياء المذهب في مدرسة الحلّة على يد أعلام من علمائها ومنهم آل طاوس ، وآل المحقّق ، وآل المطهّر ، ومدرسة الريّ على يد أعلام من علمائها ومنهم آل بابويه ، وقد تسنّم الفقيهُ سديد الدين محمود الحمّصي الرازي القمّة في زعامة الطائفة في بداية هذا القرن .

واستهل القرن الثامن :

وقد نبغ العلّامةُ على الإِطلاق ، الذي طَبَّقَ صيتُه الآفاق ، وتزعّمَ الحركةَ التجديديّة لمعالم الدين في العقيدة والشريعة ، فأحيىٰ المدارسَ وجدّد المعاهدَ ، ودعم المذهبَ ، بإبراز معالمه حتى انتشر واشتهر ، واقتنع مَنْ عرفه بأحقّيته ، وصحّته ، ودخل قلوب كثير من الملوك والأُمراء والوجهاء ؛ حتى عمّ .

وأهمّ إنجاز لهذا المجدّد العظيم أنّه اخترق عائلة المغول الّذين داهموا البلاد الإِسلاميّة ، فأسلم حاكمهم على يد العلّامة الحلّي ، وبذلك أخفقت نوايا الغزاة وانصهروا في بوتقة القوّة الإِسلامية .

وفي مطلع القرن التاسع :

توحّدت القيادة للشيخ الأجلّ ، الفقيه الأعظم الشيخ شرف الدين

٩٧

أبي عبد الله ، المقداد بن عبد الله ، السيّوريّ الحلّي الأسديّ ، فأرسىٰ قواعد المذهب في الأُصول والفروع على شواطیء الأمان .

ومع حلول القرن العاشر :

كانت الزعامة منقادة للمجدّد العظيم ، الشيخ عليّ بن عبد العالي الكركي العاملي ، فحمل مشعل المذهب ببطولة نادرة ، وحقّق العلوم بجدارة فائقة ، وروّج للحقّ ، وبسط نفوذه حتى دُعي «بالمحقّق الثاني» و «مروِّج المذهب» .

وعندما كان القرن الحادي عشر :

كان في مقدّمة العلماء الشيخ البهائيّ ، بهاء الدين محمّد بن الحسين بن عبد الصمد ، العامليّ الحارثيّ ، رافعاً لأعلامه ومُحْيياً لعلومه وناصراً للحقّ .

وبدأ القرن الثاني عشر :

فكان العلّامة المجلسيّ ، المولى ، الشيخ محمّد باقر بن محمّد تقی الأصفهانيّ شيخ الإِسلام ، المجدّد لعلومه ، والمضيء الدرب لروّاده في العقيدة والشريعة ، ولقد كان إنجازه العظيم بتأليف الحديث الشريف في موسوعة «بحار الأنوار» إنجازاً تراثيّاً ضخماً ، حفظت به الأحاديث من الضياع ، والكتب من التلف .

ومع ظهور القرن الثالث عشر :

وقد كان قد مضى على الانقسام الداخلي بين الطائفة ، بظهور النزعة الأخبارية المتطرِّفة ، أكثر من قرن ونصف ، بزغ نجم فقيه أهل البيت ، ومحقِّق أُصول المذهب ، ومحيي معالم الحقّ ، الإِمام المجدّد المولى محمّد باقر بن محمّد أكمل ، الوحيد البهبهانيّ ، بعد أن كادت تعْصف بمعالم الحركة الفكرية ، المحاولات التي تدعو إلى الظواهرية ، والرافضة للجهود العقلية ، ممّا أشرف بالفكر الشيعيّ على التردّي في هاوية

٩٨

الجمود والتخلّف ، والتأخّر ، فكان لهذا الإِمام الوحيد اليد البيضاء في تدارك الأمر ، ودحر الأخبارية ، بتزييف دعاواهم ، والردّ على شبهاتهم ، ففتح للفقه آفاقه الواسعة ، وعبّد له مشارعه الغنيّة بمعين الاجتهاد المستمدّة من أُصول أهل البيت وفقههم .

ولم يحلّ القرنُ الرابع عشر :

إلّا وعلى رأس الطائفة نجم من آل الرسول ، يحمل لواء المذهب بيد منيعة ، وهمّة قعساء ، وإرادة صلبة ، وتدبير حازم ، فمنع حماها من السقوط في مخالب الهيمنة الصليبيّة الكافرة متمثلة في الاستعمار الانكليزيّ ، في بدايات عصر تغلغله في البلاد الإِسلامية ، ألا وهو السيّد الميرزا محمد حسن المجدّد الشيرازيّ قدّس الله سرّه .

وعلى مشارف القرن الخامس عشر ـ هذا الذي نعيش عقده الثانی ـ :

طلع نجم آل محمّد ، الفقيه العارف ، الحكيم العامل ، الإِمام الخميني ، ليبثّ الروح إلى الْأُمّة الإِسلاميّة ، لتستعيد كرامتها المهدورة تحت ضغوط الاستعمار المعاصر ، وليُحْيي في نفوس المسلمين الشعور بالعزّة التي كتبها الله لهم ، على رغم استيلاء الكفر العالميّ بِخَيْلِه ورَجْلِه ، على كافّة الشؤون والمرافق الحيويّة ، ويسجّل انتصار العقيدة والإِيمان على جحافل المكر والسلطة والقوّة ، تحقيقاً لوعد الله بالنصر للمؤمنين ، وتمهيداً لسلطان المهديّ من آل محمّد ، الذي يملأ الدنيا قسطاً وعدلاً بعد أن مُلِئَت ظلماً وجوراً .

فهؤلاء الّذين حملوا أوسمة التجديد ، بما تمتّعوا به من المزايا التي أهّلتهم لذلك ، ونلخّصُ أهمّ المزايا فيما يأتي :

١ ـ المرجعيّة :

فإنّ الذين استحقّوا هذا الوسام ، إنّما كانوا من المجتهدين ، وقد أقرّت الطائفة لهم بالتفوّق الفقهيّ ، معتمدين نفس الأساليب والمناهج والمصادر التي تداولها

٩٩

الأصحاب ، فانقادتْ لأقوالهم بالقبول والتقليد .

٢ ـ النهوض في مدافعه المخالفين :

ولكلّ واحد من المجدّدين ، دورٌ عظيمٌ في إحياء الإِسلام والدفاع عنه ، في مواجهة أَيّ خطر يهدّد كيانه ، إنْ بالحرب والجهاد ، أو بالصلح والعلم ، والسعي في نشر الفكر الإِسلاميّ وبثّه وإظهار حقّانيّته وعظمته ، وإزاحة سحب الضوضاء ، وظلمات الجور عن حقائقه القيّمة سَعياً في تعميق الالتزام به عند المسلمين ، ومحاولة لهداية مَنْ لا ينتمي إليه .

٣ ـ الشجاعة والتضحية :

والمميّز الهام في حياة المجدّدين هو اتّخاذهم المواقف الجريئة عند تعرّض المذهب لهجمات عدائيّة من دون التوقّف أو التلكّؤ في سبيل تحقيق الأهداف ، واقتحام الأهوال الجسام ، وتحمّل المصاعب في سبيل إعلاء كلمة الله ، ورفع رايته خفّاقة .

٤ ـ الأخلاق الإِسلاميّة العالية :

ويتمتّع المعروفون بالتجديد بالأخلاقيّة المثاليّة المتفرّدة ، بحيث يمثّل الواحد منهم القيادة الإِسلامية الحقّة ، بكلّ مواصفاتها ، وخصائصها ، فتكون أخلاقهم تجسيداً للخُلُق العظيم الذي رسمه الله صفة للنبي الأكرم صلّی الله عليه وآله وسلّم .

٥ ـ الموسوعية :

ويشترك هؤلاء المجدِّدون ، في أنّهم كانوا على سعة من العلم بالمعارف الإِسلامية والإِلهيّة ، باعتبارهم الأعلام الّذين يُشار إليهم بالبنان ، وتتوجّه إليهم النفوسُ والأعينُ ، وذلك ليفوا بحاجات الْأُمّة ، وتدارك طلباتها ورغباتها بيُسْرٍ وصدقٍ .

١٠٠