تراثنا ـ العدد [ 28 ]

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم

تراثنا ـ العدد [ 28 ]

المؤلف:

مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم


الموضوع : مجلّة تراثنا
الناشر: مؤسسة آل البيت عليهم السلام لإحياء التراث ـ قم
الطبعة: ٠
الصفحات: ٢٤٨

(٤٤)

أَراذلٌ رِفْعَةُ الدُنْيا تَحُطُّهُمُ

عِنْدَ الكَمالِ ، ويُرضي المَجْدَ سُخْطُهُمُ

يَفُلُّ أَسيافَ أَهلِ الفَضْلِ سَوْطُهُمُ

تَقَدَّمَتْني أُناسٌ كانَ شَوْطُهُمُ

وَراءَ خَطْويَ إذْ أَمشي علىٰ مَهَلِ

(٤٥)

زَمانُنا بِضُرُوبِ الظُلْمِ مُمْتَزِجُ

أصْبَحْتُ فِيهِ بِضِيقٍ لَيْسَ يَنْفَرِجُ

ولا على زَمَني فِيما جَنى حَرَجُ

هٰذا جَزاءُ ٱمْرِیءٍ أَقْرانُهُ دَرَجوا

مِنْ قَبْلِهِ وَتَمَنّىٰ فُسْحَةَ الْأَجَلِ

(٤٦)

فَفِي فُؤادِيَ نِيْرانٌ لَها لَهَبٌ

لِما جَنى زَمَنٌ لِلظُلْمِ مُرْتَكِبٌ

فالنَقْصُ لِلْعِزِّ في أَيامِنا سَبَبٌ

وإنْ عَلانِيَ مَنْ دُوني فَلا عَجَبٌ

لي أُسْوَةٌ بانْحِطاطِ الشمسِ عَن زُحَلِ

١٨١

(٤٧)

أَيّامُنا لَمْ تَدَعْ لِلْفَضْلِ مِنْ أَثَرِ

فَكُلُّ مُعْتَبَرٍ فِيها لِمُعْتَبِرِ

أَسْنى عَواقِبِها تَبْدُو لِمُصْطَبِرِ

فَٱصْبِرْ لَها غَيْرَ مُحْتالٍ ولا ضَجِر

في حادِثِ الدَّهْرِ ما يُغْني عَن الحِيَلِ

(٤٨)

وٱحْذَرْ زَمانَكَ وٱصْبِرْ في تَقَلُّبِهِ

وَسَعْ جَمِيعَ الوَرى بالخُلْقِ وٱنْتَبِهِ

لا تَغْتَرِرْ بِخَلِيلٍ مِنْ تَقَرُّبِهِ

أَعْدى عَدُوِّكَ أَدْنى مَنْ وَثِقْتَ بِهِ

فَحاذِرِ الناسَ وٱصْحَبْهُمْ على دَخَلِ

(٤٩)

وإنّما مَيَّزَ الْأَشياءَ ناقِدُها

فَأَيْنَ مِنْ فاقِدِ الْأَحزانِ واجِدُها ؟ !

وأَيْنَ مِنْ واجِدِ الْأَفراحِ فاقِدُها ؟ !

وإنّما رَجُلُ الدُنْيا وواحِدُها

مَنْ لا يُعَوِّلُ في الدُنْيا على رَجُلِ

١٨٢

(٥٠)

قَدْ طالَ كَدِّيَ والراحاتُ مُوجَزَةٌ

وَلَيْسَ في الدَّهْرِ آمالٌ مُنَجَّزَةٌ

صُرُوفُهُ لِمَنالِ الحظِّ مُعْجِزَةٌ

وحُسْنُ ظَنِّكَ بالْأَيّامِ مَعْجَزَةٌ

فَظُنَّ شَرّاً وَكُنْ مِنْها على وَجَلِ

(٥١)

دُنْياكَ فٱحْذَرْ بِنَهْجِ الغَدْرِ قَدْ نَهَجَتْ

وبالقَطِيعَةِ لِلْأَحرارِ قَدْ لَهِجَتْ

وَكُرْبَةٍ لي مَدى الْأَيّامِ ما ٱنْفَرَجَتْ

غاضَ الوَفاءُ وفاضَ الغَدْرُ وٱنْفَرَجَتْ

مَسافَةُ الخُلْفِ بَيْنَ القَوْلِ والعَمَلِ

(٥٢)

أُهِينَ أَهلُ العُلا ، والمجدُ ذَنْبُهُمُ

لٰكِنْ ذَوو النَّقْصِ صافٍ فيهِ شِرْبُهُمُ

فَلا يُطاقُ لِفَرْطِ العِزِّ حَرْبُهُمُ

وشانَ صِدْقَكَ بَيْنَ الناسِ كِذْبُهُمُ

١٨٣

وَهَلْ يُطابَقُ (١١) مُعْوَجٌّ بِمُعْتَدِلِ

(٥٣)

فَالناسُ مَوْتُ المَعالي في حَياتِهُمُ

فَٱحْذَرْ فَكُلُّ ذَمِيمٍ مِنْ سِماتِهُمُ

والغَدْرُ والمَكْرُ مِنْ أَدْنى صِفاتِهُمُ

إنْ كانَ يَنْجَعُ شَيْءٌ في ثباتِهُمُ

على العُهُودِ فَسَبْقُ السَيْفِ لِلْعَذَلِ

(٥٤)

لَمْ يَبْقَ في الدَّهْرِ مِنْ عَيْشِ الصَّفا خَبَرُ

وَكُلُّ نَفْعٍ وبِرٍّ يُرْتَجى ضَرَرُ

وَكُلُّ صَفْوٍ يُرى بَيْنَ الوُرى كَدَرُ

يا وارِداً سُوْرَ عَيْشٍ كُلُّهُ كَدَرُ

أَنْفَقْتَ صَفْوَكَ في أَيّامِكَ الْأُوَلِ

(٥٥)

ويا مُرَجِّي رَجاءً بانَ أَقْرَبُهُ

__________________

(١١) في الْأَصل «يُقاوَم» وهو ليس مراداً هنا ، وإنّما المراد استحالة المطابقة بين الْأَعوج والمستقيم .

١٨٤

مَهْلاً فَلا تَشْقَ فِيما أنتَ تَطْلُبُهُ

وَخُذْ مِن العَيْشِ ما التَّقْدِيرُ مُوْجِبُهُ

فِيمَ ٱقْتِحامُكَ لُجَّ البَحْرِ تَرْكَبُهُ

وأَنتَ يَكْفِيكَ مِنهُ مَصَّةُ الوَشَلِ

(٥٦)

إنَّ القَناعَةَ لا تُكْدِى الطِّلابَ ولا

يَنالُهُ مَنْ سَعى في نَيْلِهِ الْأَمَلا

وَغَيْرُ ما قَدَّرَ الرَّحمٰنُ لَنْ يَصِلا

مُلْكُ القَناعَةِ لا يُخْشى عَلَيْهِ ولا

يُحتاجُ فيه إلى الْأَنصارِ والخَوَلِ

(٥٧)

وكُلّ ما ساقَهُ التَّقْدِيرُ قَدْ وَصَلا

وكُلّ ما عاقَهُ بالكَدِّ ما حَصَلا

كَمْ نلْتَ مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ نَحْوَهُ أَمَلا

اقْنَعْ تُجَلُّ ولا تَطْمَعْ تُذَلُّ ولا

تَعْجَلْ تَزِلُّ ولا تَغْتَرَّ بالْأَمَلِ

* * *

١٨٥

(٥٨)

دُنْياكَ كَمْ صَرَعَتْ مَنْ قَدْ أَعَدَّ لَها

وَكَمْ تَمادى بِها في غَيِّهِ وَلَها

حتّى غَدَتْ فَرْحَةُ الدُنْيا لَهُ وَلَها

تَرْجُو البَقاءَ بِدارٍ لا ثَباتَ لَها

وَهَلْ سَمِعْتَ بِظِلٍّ غَيْرِ مُنْتَقِلِ

(٥٩)

واها لِدَهْرٍ مَضى لَوْ كانَ مُرْتَجَعا

أو نلْتُ مِنْ حُسْنِهِ مَرْأَىً ومُسْتَمَعا

فَكُنْ بِمَوْعِظَةِ الْأَيّامِ مُنْتَفِعا

ويا خَبِيراً على الْأَسرارِ مُطَّلِعا

أُصْمُتْ فَفِي الصَّمْتِ مَنْجاةٌ مِن الزَّلَلِ

(٦٠)

وٱطْلُبْ مِن المجْدِ أقْصاهُ وأفضَلَهُ

وَدَعْ مِن المالِ أَدناهُ وأسهَلَهُ

أَحْسِنْ خِتامَكَ إذْ أَحْسَنْتَ أَوَّلَهُ

قَدْ رَشَّحُوكُ لِأمْرٍ إنْ فَطِنْتَ لَهُ

فَٱرْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعى مَعَ الهَمَلِ

أسْماء السُور القُرآنيّة

ضمن مقطوعتين أدبيّتَيْن في مدح النبيّ خير البريّة

للكفعميّ

(٨٢٠ ؟ ـ ٩٠٥ هـ)

السيّد محمّد رضا الحائري

بسم الله الرحمٰن الرحيم

الحمد لله ربّ العالمين ، والصلاة والسلام على خاتم الْأَنبياء وسيّد الرُسُل وخير البريّة ، محمّد صلّی الله عليه وآله وسلّم ، وعلى الْأَئمَّة الْأَطهار المعصومين الْأَبرار .

وبعدُ :

فإنّ للقرآن الكريم مقاماً عند المسلمين لا يُدانيه فيه أيّ نصٍّ آخر إطلاقاً ، باعتباره الوحي الإِلٰهيّ الذي صدعَ بتبليغه النبيّ الصادق الْأَمين ، ودُوِّن وكُتب برعايته وإشرافه ، بأيدي سفرة كرام بررة من أصحابه المؤمنين ، منذ نزوله .

وقد خلّفه النبيُّ من بعده ثاني الثقلين اللذين أمر الْأُمّة باتّباعهما وعدم التخلّف عنهما : كتاب الله والعترة .

وهو الحجّة القاطعة على كلّ مَنْ آمنَ بالله ورسوله ، يتلوه ويتّبعه ، ويسعى في حفظه وصيانته على صفحات المصاحف ، ويحاول ضبطه ورسمه في صفحات

١٨٦

الخواطر .

وقد تسابق علماء المسلمين في العناية بما يرتبط بالقرآن الكريم من تاريخ وتفسير ، وكتابة وتحرير ، وإبراز ما يملكونه من علم ، وفنّ ، ومهارة ، وذوق ، حوله ، وإضفاء ما يفتخرون به من الجمال والبهاء والرونق عليه .

وللْأُدباء ـ كذلك ـ جهود وفيرة فيما يرتبط بالقرآن الكريم من رسم ، وإعراب ، ولغة ، وغريب ، ومشكل ، وبلاغة ، وغيرها من الفنون والْأَغراض الْأَدبيّة .

ومن الفنون التي بذلوا الهمّة في الإِنشاء حوله هو (جمع أسماء السور القرآنية في مقاطع أدبية) سواء أكانت بشكل قطع منثورة ، أم قصائد منظومة ، بهدف ضبط الْأَسماء على الخاطر ، مرتّبة كما في المصحف الشريف ، فيسهل على الحافظ مراجعتها في المصحف الشريف ، عند الحاجة .

وممن دخل في حلبة هذا السباق من كبار الْأُدباء هو (الكفعميّ) الذي يعدّ من الرعيل الْأَوّل ممّن يفتخر بهم الأدب العربي ، وممّن خلّد آثاراً جيّدة تزهو وتزدهر بها المكتبة الأدبية ، مع الالتزام بالأدب الهادف ، والمزدان بالتقى والعرفان والرصانة .

فجمع الكفعمي أسماء السور القرآنية في خطبةٍ وجيزة رائعة ، ونظمها في قصيدة فاخرة ، نقدّمهما بعد هذا التقديم .

وقد وجّه الْأُدباء وجهة أعمالهم الأدبية الجامعة لأَسماء سور القرآن ، شطر مديح خير البريّة ، نبيّ الرحمة ، وسيّد الْأَنبياء والْأَئمّة محمّد صلّی الله عليه وآله وسلّم ، الصادق الْأَمين ، الذي صدع بالقرآن ، وعليه نزلت آياته ، وعلى يده تحقّقت معجزته وبيّناته ، وهو الذي جاهد في سبيله ببيانه ، وبشجاعة انفرد بها جَنانه .

وقد كان وقوفنا على هاتين المقطوعتين القيّمتين من بواعث إعدادهما

١٨٧

وتقديمهما إلى محبّي القرآن والرسول ، سعياً في توكيد الهدف الذي من أجله أنشأهما الكفعمي ، وترغيباً في حفظهما ، وإحياءاً لهذا النوع من تراثنا الْأَدبي العزيز .

كما أنّ في مثل هذا العمل دحراً لمزاعم المغرضين الجهلة فيما يرتبط بالقرآن الكريم ، ودعماً لمواقف الشيعة الإِماميّة الملتزمة بصيانة القرآن من أيّ تحريف ونقيصة ، أو زيادة ، وأنّ المصحف الشريف بنظمه وترتيب سوره وآياته هو الذي يتداوله المسلمون منذ عصر الْأَئمّة عليهم السلام ، وأنّ هذه القراءة المتداولة بين المسلمين هي قراءة الإِمام أمير المؤمنين عليّ عليه السلام التي رواها حفصٌ عن عاصم .

وقد اغتنمنا الفرصة المتاحة ، للتوسّع في ترجمة الكفعميّ ، وحسب المتوفّر من الوقت والمصادر ، فكتبنا له ترجمة وافية .

ونحمد الله على توفيقه ، ونسأله أن يحسن عواقب أُمورنا ، ويأخذ بأيدينا إلى ما يرضيه ، ويثبّت أقدامنا يوم تزلّ فيه الْأَقدام ، إنّه ذو الجلال والإِكرام .

* * *

١٨٨

الكفعميّ

لقد اعتمدنا في هذه الترجمة على المصادر التي أوردناها في القائمة التالية ، وخاصّة ما ذكره السيّد الْأَمين في الْأَعيان والشيخ الْأَميني في الغدير .

١ ـ نسبه ونسبته وأقاربه

نسبه :

قال الْأَمين : الشيخ تقيّ الدين إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن محمد بن صالح بن إسماعيل الحارثي العاملي الكفعمي .

وفي آخر «المصباح» : إبراهيم بن عليّ بن حسن بن صالح .

وفي آخر «حياة الْأَرواح» : إبراهيم بن عليّ بن حسن بن محمد بن إسماعيل .

نسبته :

قال الْأَمين : وصف نفسه في آخر «المصباح» وغيره : بالكفعميّ مولداً ، اللويزيّ محتداً ، الجبعيّ أباً ، الحارثيّ نسباً ، التقيّ لقباً ، الإِماميّ مذهباً .

و (الكفعمي) نسبة إلى (كفر عيما) قرية من ناحية الشقيف في جبل عامل قرب جبشيث ، واقعة في سفح جبل ، مشرفة على البحر ، هي اليوم خراب وآثارها وآثار مسجدها باقية .

و (الكَفْر) بفتح الكاف وسكون الفاء وراء مهملة ، في اللغة : القرية ،

١٨٩

وقيل : إنّه كذلك في السريانية ، ويكثر استعماله في بلاد الشام ومصر .

وأهل الشام يفتحون فاء (كفر) عند إضافتها .

و (عيما) بعين مهملة ومثنّاة تحتية ساكنة وميم وألف ، لفظ غير عربيّ على الظاهر .

وقياس النسبة إلى (كفر عيما) كفر عيماوي ، لكنّه خُفّف ، كما قيل : عبشمي وعبدري وحصكفي ، في النسبة إلى عبد شمس وعبد الدار وحصن كيفا .

وعن خطّ الشيخ البهائي : إنّ (الكفر) على لغة جبل عامل بمعنى القرية و (عيما) اسم لقرية هناك ، وأَصلها : كفر عيما ، أي : قرية عيما ، والنسبة إليها كفر عيماوي ، فحذف ما حذف لشدّة الامتزاج وكثرة الاستعمال فصار (كفعمي) . إنتهى .

وفي «نفح الطيب» : أنّ الكفعمي نسبة إلى (كفر عيما) قرية من قرى أعمال صفد ، كما يقال في النسبة إلى عبد الدار : عبدري ، وإلى حصن كيفا : حصكفي . إنتهى .

وهي من عمل الشقيف في جبل عامل ، لا من أعمال صفد إلّا أن تكون في ذلك العصر من أعمالها لتجاور البلدين ودخول أحدهما في عمل الآخر في بعض الْأَعصار .

وما في النسخة المطبوعة من «نفح الطيب» من رسم (عيما) بتاء فوقانية من تحريف النسّاخ .

وفي «معجم البلدان» : (عَمّا) بفتح أوله وتشديد ثانيه ، اسم أعجمي لا أدريه ، إلّا أن يكون تأنيث (عمّ) من العمومة ، و (كفر عمّا) صقع في بريّة خساف ، بين بالس وحلب ، عن الحازمي . إنتهى .

و (اللويزي) نسبة إلى اللويزة ، بصيغة تصغير لوزة : قرية في جبل عامل

١٩٠

من عمل لبنان .

فأصل آباء الكفعمي من اللويزة ، وأبوه سكن جبع ، ثم انتقل إلى كفر عيما ، فولد ابنه فيها .

و (الجبعي) نسبة إلى جُبَع بوزن زُفَر ، ويقال : جباع ، بالمدّ : قرية من قرى جبل عامل على رأس جبل عال ، غاية في عذوبة الماء وصحّة الهواء وجودة الثمار ، نزهةٌ كثيرة المياه والبساتين والثمار .

و (الحارثي) نسبة إلى الحارث الهمداني صاحب أمير المؤمنين عليه السلام ، فإنّ المترجَم من أقارب البهائي وهما من ذرّيّة الحارث .

قال الْأَميني : والد المترجَم له الشيخ زين الدين عليّ جدّ جدّ شيخنا البهائي ، أحد أعلام الطائفة وفقهائها البارعين . يروي عنه ولده المترجَم له ، ويعبّر عنه بالفقيه الْأَعظم الورع ، وأثنى عليه الشيخ عليّ بن محمّد بن عليّ بن مُحلّى شيخ أخي المترجَم له شمس الدين محمّد في إجازته : بالشيخ العلّامة ، زين الدنيا والدين ، وشرف الإِسلام والمسلمين ، توفّی قدّس سرّه سنة ٨٦١ .

وخلّف الشيخ زين الدين عليّ خمس بنين وهم :

١ ـ تقيّ الدين إبراهيم ، شيخنا الكفعميّ المترجَم له .

٢ ـ رضيّ الدين .

٣ ـ شرف الدين .

٤ ـ جمال الدين أحمد صاحب «زبدة البيان» في عمل شهر رمضان ، ينقل عنه أخوه شيخنا الكفعمي رحمه الله في تأليفه .

٥ ـ شمس الدين محمّد ، جدّ والد شيخنا البهائي ، كان في الرعيل الْأَوّل من أعلام الْأُمّة ، يعبّر عنه شيخنا الشهيد الثاني بالشيخ الإِمام في إجازته لحفيده الشيخ حسين بن عبد الصمد والد شيخنا البهائي .

١٩١

ويصفه المحقّق الكركيّ بقدوة الْأَجلّاء في العالمين في إجازته لحفيده الشيخ عليّ بن عبد الصمد بن شمس الدين محمّد ، المذكورة في «رياض العلماء» .

وذكره بالإِمامة السيّد حيدر البيروي في إجازته للسيّد حسين الكركيّ .

وأثنى عليه العلّامة المجلسيّ في إجازاته بقوله : صاحب الكرامات .

قرأ شمس الدين كثيراً على الشيخ عزّ الدين الحسن بن أحمد بن يوسف بن العشرة العاملي ، المتوفّى بكرك نوح سنة ٨٦٢ ، وله إجازة من الشيخ عليّ بن محمّد ابن عليّ بن المحلّى ، المتوفّى سنة ٨٥٥ ، ذُكرت في إجازات البحار ، ص ٤٤ ، وُلد رحمه الله سنة ٨٢٢ ، وتوفّي سنة ٨٨٦ .

وهذه مشجّرة ما عرف من نسب الكفعمي وأقاربه :

١٩٢

٢ ـ ولادته ووفاته ومدفنه .

قال الْأَميني : ولد سنة ٨٤٠ كما استفيد من أُرجوزة له في علم البديع ، ذكر فيها أنّه نظمها وهو في سنّ الثلاثين وكان الفراغ من الْأُرجوزة سنة ٨٧٠ ، وكانت ولادته بقرية كفر عيما من جبل عامل ، وتوفّي في القرية المذكورة ودفن بها .

وتاريخ وفاته مجهول ، وفي بعض المواضع أنّه توفّي سنة ٩٠٠ ، ولم يذكر مأخذه ، فهو إلى الحدس أقرب منه إلى الحسّ ، لكنّه كان حيّاً سنة ٨٩٥ ، فإنّه فرغ من تأليف «المصباح» في ذلك التاريخ .

وليس في تواريخ مؤلّفاته ما هو أزيد من هذا .

وفي الطليعة : أنّه توفّي سنة ٩٠٠ بكربلاء ، ودفن بها ، وظهر له قبر بجبشيث من جبل عامل ، وعليه صخرة مكتوب فيها اسمه ، والله أعلم حيث دفن . إنتهى !

أقول : قد سكن كربلاء مدّة ، وعمل لنفسه أزَجاً (١) بها بأرض تسمّى عقير ، وأوصى أن يدفن فيه ، كما يظهر ممّا يأتي ، ثم عاد إلى جبل عامل وتوفّي فيها .

ولم يذكر أحد ممّن ترجمه من الْأَوائل تاريخ ولادته ووفاته .

ثم خربت القرية ، ويقال إنّ سبب خرابها كثرة النمل فيها الذي لا تزال آثاره فيها إلى اليوم ، فنزح أهلها منها وأصبحت محرثاً .

وهذا بعيد ، فكثرة النمل لا توجب خرابها ، وإنّما خربت بالْأَسباب التي خرب بها غيرها من القرى والبلدان في كلّ صقع ومكان .

فلمّا خربت اختفى قبره بما تراكم عليه من التراب ، ولم يزل مستوراً بالتراب

__________________

(١) الْأَزج : البيت المبنيّ طولاً .

١٩٣

إلى ما بعد المائة الحادية عشرة لا يعرفه أحد ، فظهر عند حرث تلك الْأَرض وعرف بما كتب عليه وهو :

«هذا قبرُ الشيخ إبراهيم بن عليّ الكفعمي رحمه الله» . وعُمّر ، وصار مزوراً يتبرّك به .

وبعض الناس يروي لظهوره حديثاً لا يصحّ ، وهو أنّ رجلاً كان يحرث فعلقت حارثته بصخرة ، فانقلعت فظهر من تحتها الكفعمي بكفنه غضّاً طريّاً ، فرفع رأسه من القبر ـ كالمدهوش ـ والتفت يميناً وشمالاً ، وقال : هل قامت القيامة ! ؟ ثم سقط .

فأُغمي على الحارث ، فلمّا أفاق أَخبر أهل القرية فوجدوه قبر الكفعميّ وعمّروه .

وقد سرى تصديق هذه القصة إلى بعض مشاهير علماء العراق ، والحقيقة ما ذكرناه ، ويمكن أن يكون الحارث الذي عثر على القبر زاد هذه الزيادة من نفسه فصدّقوه عليها .

قال الْأَميني : توفّي شيخنا الكفعمي في كربلاء المشرّفة سنة ٩٠٥ كما في كشف الظنون ، وكان يوصي أهله بدفنه في الحائر المقدّس بأَرض تسمّى (عقيرا) ومن ذلك قوله :

سألتكم بالله أَن تدفنونني

إذا مِتّ في قبر بأرض عقيرِ

فإنّي به جارُ الشهيدِ بكربلا

سليلِ رسولِ الله خيرِ مجيرِ

فإنّي به في حُفرتي غير خائف

بلا مِرية من منكرٍ ونكيرِ

آمنت به في موقفي وقيامتي

إذا الناسُ خافوا من لظىً وسعيرِ

فإنّي رأيت العرب تَحمي نزيلَها

وتمنعه من أن ينال بضَيرِ

فكيفَ بسبطِ المصطفى أن يذود من

بحائره ثاوٍ بغيرِ نصيرِ

وعارٌ على حامي الحمى وهو في الحمى

إذا ضلّ في البيدا عقالُ بعيرِ

١٩٤

لفت نظر :

ذكر السيّد الْأَمين صاحب «الْأَعيان» في ص ٣٣٦ ج ٥ : أنّ المترجَم له ولد سنة ٨٤٠ مستفيداُ من أُرجوزة له في علم البديع ، وهذا التاريخ بعيد عن الصواب جدّاً ، وذهولٌ عمّا ذكره السيّد نفسه من أُمور تفنّده وتضادّه ، قال في ص ٣٤٠ : وجد بخطّه كتاب «دروس» الشهيد ، فرغ من كتابته سنة ٨٥٠ وعليه قراءته وبعض الحواشي الدالّة على فضله .

وعدّ من تآليفه ص ٣٤٣ «حياة الْأَرواح» فقال : فرغ من تأليفه سنة ٨٤٣ .

وذكر له مجموعة كبيرة فقال : قال صاحب الرياض : رأيته بخطّه في بلدة إيروان من بلاد آذربيجان ، وكان تاريخ إتمام كتابة بعضها سنة ٨٤٨ ، وبعضها سنة ٨٤٩ ، وبعضها ٨٥٢ .

وقال في ص ٣٣٦ : تاريخ وفاته مجهول ، وفي بعض المواضع : أنّه تُوفّي سنة ٩٠٠ ولم يذكر مأخذه ، فهو إلى الحدس أقرب منه إلى الحسّ ، لكنّه كان حيّاً سنة ٨٩٥ ، فإنّه فرغ من تأليف «المصباح» في ذلك التاريخ ، وليس في تواريخ مؤلّفاته ما هو أزيد من هذا .

فعلى ما استفاده سيّد الْأَعيان من تاريخ ولادته ٨٤٠ يكون عند تأليفه «المصباح» ابن خمس وخمسين سنة ، وله في رائيّته في «المصباح» قوله :

بشيخ كَبير لهُ لمّةُ

كساها التّعمّرُ ثوب القتنير

فمجموع ما ذكرناه يعطينا خُبراً بأنّ المترجم له ولد في أوّليّات القرن التاسع ، وأنّه كان في سنة ٨٤٣ مؤلّفاً صاحب رأي ونظر ، يثني على تآليفه الْأَساتذةُ الفطاحل ، وكان حينما ألّف «المصباح» سنة ٨٩٤ شيخاً هرماً كبيراً .

* * *

١٩٥

٣ ـ أقوال العلماء في حقّه

قال الْأَمين : ذكره أحمد المقري في كتابه «نفح الطيب من غصن الْأَندلس الرطيب» فقال :

الكفعميّ : هو إبراهيم بن عليّ بن حسن بن محمّد بن صالح ، وما رأيت مثله في سعة الحفظ والجمع . إنتهى .

وحكى الشيخ عبد النبي الكاظميّ نزيل (جويا) من جبل عامل في كتابه «تكملة الرجال» أنّه وجد بخطّ المجلسي : إبراهيم بن عليّ بن الحسن بن محمد بن صالح الكفعميّ ، من مشاهير الفضلاء والمحدّثين والصلحاء المتورّعين ، وكان بين الشهيد الْأَول والثاني رضيَ الله عنهما ، وله تصانيف كثيرة في الدعوات وغيرها إنتهى .

وفي «أمل الآمل» : كان ثقةً فاضلاً أديباً شاعراً عابداً زاهداً ورعاً . إنتهى .

ويحكي في كثرة عبادته أنّه كان يقوم بجميع العبادات المذكورة في مصباحه وتقوم زوجته بما لا يتسّع له وقته منها .

وفي «رياض العلماء» : الشيخ الْأَجلّ العالم الفاضل الكامل الفقيه ، المعروف بالكفعمي ، من أجلّة علماء الْأَصحاب وكان عصره متّصلاً بزمن ظهور الغازي في سبيل الله الشاه إسماعيل الماضي (الْأَول) الصفوي ، وله اليد الطولى في أنواع العلوم لا سيما العربية والْأَدب ، جامع حافل ، كثير التتبّع ، وكان عنده كتب كثيرة جدّاً ، وأكثرها من الكتب العربيّة اللطيفة المعتبرة ، وسمعت أنّه ورد المشهد الغرويّ على مشرّفه السلام ، وأقام به مدّة ، وطالع في كتب خزانة الحضرة الغرويّة ، ومن تلك الكتب ألّف كتبه الكثيرة في أنواع العلوم المشتملة على غرائب الْأَخبار ، وبذلك صرّح في بعض مجاميعه التي رأيتها بخطّه ، وأنّه كان معاصراً

١٩٦

للشيخ زين الدين البياضي العاملي صاحب كتاب «الصراط المستقيم» بل كان من تلامذته . إنتهى .

وكان واسع الاطّلاع ، طويل الباع في الْأَدب ، سريع البديهة في الشعر والنثر ، كما يظهر من مصنّفاته خصوصاً من (شرح بديعيّته) حسن الخطّ ، وجد بخطّه كتاب دروس الشهيد قدّس سرّه ، فرغ من كتابته سنة ٨٥٠ وعليه قراءته وبعض الحواشي الدالّة على فضله .

ورأيت بعض الكتب بخطّه في بعض خزائن الكتب في كربلاء سنة ١٣٥٣ .

وقال الْأَميني : الشيخ تقيّ الدين إبراهيم بن الشيخ زين الدين عليّ بن الشيخ بدر الدين حسن بن الشيخ محمّد بن الشيخ صالح بن الشيخ إسماعيل الحارثيّ الهمدانيّ الخارفيّ العامليّ الكفعميّ اللويزيّ الجُبَعِيّ .

أحد أعيان القرن التاسع الجامعين بين العلم والْأَدب ، الناشرين لأَلوية الحديث ، والمستخرجين كنوز الفوائد والنوادر ، وقد استفاد الناس بمؤلّفاته الجمّة ، وأَحاديثه المخرَّجة ، وفضله الكثير ، كلُّ ذلك مشفوع منه بورع موصوف ، وتقوىً في ذات الله ، إلى ملكات فاضلة ونفسيّات كريمة ، حلّى جيد زمنه بقلائدها الذهبيّة ، وزيّن مِعصمه بأسورتها ، وجلّل هيكله بأبرادها القشيبة ، وقبل ذلك كلّه نسبه الزاهي بأنوار الولاية المنتهي إلى التابعي العظيم الحارث بن عبد الله الْأَعور الهمدانيّ .

وقد صرّح بانتسابه إلى هذا المُواليّ العلويّ (الهمدانيّ) لفيف من أساطين الطائفة ومشايخ الْأُمّة .

وقد توافقت المعاجم على سرد ألفاظ الثناء البالغ عليه .

* * *

١٩٧

٤ ـ مشايخه

قال الْأَمين : يروي ـ إجازةً ـ عن جماعة عديدة ، منهم :

١ ـ والده [المقدّس الشيخ عليّ زين الدين ، الذي ترجمنا له سابقاً] .

٢ ـ السيّد الفاضل الشريف الجليل حسين بن مساعد الحسيني الحائري ، صاحب «تحفة الْأَبرار في مناقب الْأَئمّة الْأَطهار» .

٣ ـ وفي «رياض العلماء» : إنّ من مشايخه في الإِجازة ـ على الظاهر ـ : السيّد عليّ بن عبد الحسين بن سلطان الموسويّ الحسينيّ ، صاحب كتاب «رفع الملامة عن عليّ عليه السلام في ترك الإِمامة» .

قال : وكانت بينهما مكاتبات ومراسلات بالنظم والنثر ، ومدحه الكفعميّ في بعض رسائله ، ومدح كتابه المذكور ، ونقل عنه كثيراً ودعا له بلفظ : دام ظلّه . إنتهى .

أقول : وليس ذلك في القطعة التي نقلها الشيخ يوسف البحرانيّ في (كشكوله) ونسبها إلى بعض تلاميذ المجلسيّ ، والحقيقة أنّها قطعة من الرياض .

٤ ـ وذكر الْأَمينيّ من مشايخه : الشيخ عليّ بن يونس ، زين الدين ، النباطيّ ، البياضيّ ، صاحب «الصراط المستقيم إلى مستحقّي التقديم» .

٥ ـ وذكر بعضهم في مشايخه أخاه الشيخ محمّد بن عليّ ، شمس الدين ، صاحب كتاب «زبدة البيان في عمل شهر رمضان» فليلاحظ .

* * *

١٩٨

٥ ـ مؤلفاته

١ ـ أُرجوزة ألفيّة في مقتل الحسين عليه السلام وأصحابه ، بأسمائهم وأشعارهم :

قال الكفعميّ في «فرج الكرب وفرج القلب» : لم يصنّف مثلها في معناها ، مأخوذة من كتب متعدّدة ، ومظانّ متبدّدة .

٢ ـ أُرجوزة في تعداد الْأَيام المستحبّ صومها ، في ١٣٠ بيتاً :

قال الْأَمين : أوردها في «المصباح» ثم ذكر السيّد بعض أبياتها ، وسيأتي نقله في : أشعاره .

٣ ـ الإِسعاف والفضل ، والإِنصاف والعدل :

ذكره في «مجموع الغرائب» وقال : جمعتُه من كتاب الفصول ، ومن كتاب الجواهر ، ومن كتاب نزهة الْأُدباء ، ومن كتاب الغرّة ، ومن كتاب السياسة ، ومن كتاب ورّام ، ومن كتاب جواهر الْأَلفاظ ، ومن كتاب العبر ، ومن كتاب اللطف واللطائف ، ومن غيرهم . لاحظ المجموع : ص ٤٧١ .

٤ ـ البلد الْأَمين والدرع الحصين :

قال الْأَمين : صنّفه قبل «المصباح» وضمّنه ـ مضافاً إلى الْأَدعية والعوذ والْأَحراز والزيارات والسنن والآداب وغيرها ـ جميع أدعية الصحيفة السجّاديّة .

وذكر السيد الْأَمين احتواء «البلد الْأَمين» على عدّة من مؤلّفات الكفعمي ورسائله ـ كما سيأتي ـ قال : وفيه غير ذلك من الْأَدعية المبسوطة التي لا توجد في «المصباح» له .

وقال : هو أكبر من «المصباح» رأينا منه نسخة في سلطان آباد من عراق

١٩٩

العجم [أي مدينة أراك] .

وله عليه ، وعلى «المصباح» حواشٍ كثيرة ، فيها فوائد غزيرة ، وله كتب ورسائل كثيرة في فنون شتّى ، ذكر جملة منها في تضاعيف الكتابين وحواشيهما .

٥ ـ تاريخ وفيات العلماء .

٦ ـ تعليقات على كشف الغمة للأربليّ .

٧ ـ التلخيص في مسائل العويص ـ في الفقه ـ :

قال الأفندي في الرياض : رأيته بخطّه الشريف في مجموعة في إيروان .

٨ ـ الجُنّة الواقية والجَنّة الباقية المعروف بـ «مصباح الكفعميّ» :

قال الأمين في وجه معروفيّته بالمصباح : لسبقه بمصباح المتهجّد للشيخ الطوسي ، الذي كان مشتهراً بينهم ، وعلى منواله نسج الكفعميّ ، فاستعاروا له اسمه الذي كان مألوفاً لخفّته على ألسنتهم وتشابه الكتابين .

وقد رزق هذا الكتاب حظّاً عظيماً ، ونَسَخَ «مصباح المتهجّد» للطوسي .

وكُتبتْ منه نسخ عديدة ، بالخطوط الفاخرة على الورق الفاخر ، في جميع بلاد الشيعة ، وطبع مرّتين في بمبئي ، وثالثة في إيران ، وأخيراً في بيروت بتحقيق الشيخ قبيسي ، وقد طبع حواشي الكفعمي في هامشه .

٩ ـ الجُنّة الواقية المختصرة .

قال الأمين : سمّاه صاحب البلغة : الجُنّة الواقية ، وقال : مختصر لطيف في الأدعية والأوراد ، عندي منه نسخة .

قال الأمين : والظاهر أنّه المختصر الذي نسبه إليه في «أمل الآمل» وربّما شُكِّك في كونه له .

أقول : نسبه بعض الأعلام إلى المير داماد الحسينيّ ، وٱنظر بحار الأنوار

٢٠٠