أضواء على أدعية النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم في أيام شهر رمضان المبارك

عامر الحلو

أضواء على أدعية النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم في أيام شهر رمضان المبارك

المؤلف:

عامر الحلو


الموضوع : العرفان والأدعية والزيارات
الناشر: منشورات مركز أهل البيت عليهم السلام الثقافي الإسلامي
الطبعة: ١
الصفحات: ١٢٠

وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام : «ما من مؤمن ولا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم إلا كتب الله له بكل شعرة مرت يدع عليها حسنة» (١).

ثم ينتقل النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى الفقرة الثانية فيقول :

«اللهم أرزقني فيه أطعام الطعام»

وإطعام الطعام فيه ثواب عظيم وأجر كبير في هذا الشهر خصوصا إفطار الصائمين ، فشهر رمضان شهر الكرم ، والجود ، لذا يقول الناس عنه (رمضان كريم).

وقد روى العلامة الحلي قدس سره في الرسالة السعدية عن الإمام الصادق : «أن أيما مؤمن أطعم مؤمنا لقمة في شهر رمضان كتب الله له أجر من أعتق ثلاثين رقبة مؤمنة ، وكان له عند الله دعوة مستجابة» ، ويقول عليه السلام : «أن الله عز وجل يحبّ الإطعام في الله ، ويحبّ الذي يطعم الطعام في الله ، والبركة في بيته أسرع من الشفرة في سنام البعير» (٢).

ويزداد الأجر ويعظم الثواب إذا كان الذين يقدم لهم الطعام فقراء محتاجين فهم أولى من غيرهم بالإطعام.

ثم يقول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم :

اللهم أرزقني إفشاء السلام

وهي خصلة تدل على الكرم وسمو الأخلاق ، وإفشاء السلام أمر محبب ، والسلام أسم من أسماء الله الحسنى.

__________________

١ ـ التفسير المعين : ١٢.

٢ ـ مكارم الأخلاق : ١ / ٢٩٤ ، ح ٩١٢ / ١٧.

٤١

[وإفشاء السلام يعني نشره وإذاعته حتى يعتاد الناس عليه ، وفشا الخبر لغو ذاع] (١).

وقد وردت أحاديث كثيرة في السلام وآدابه منها قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

«إذا تلاقيتم فتلاقوا بالتسليم والتصافح ، وإذا تفرقتم فتفرقوا بالاستغفار».

وقال أيضا : «أن من موجبات المغفرة بذل السلام وحسن الكلام».

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : «السلام تطوع ورده فريضة».

وقال أمير المؤمنين عليه السلام : «السلام سبعون حسنة تسعة وستون للمبتدأ وواحد للراد».

وقال الإمام الصادق عليه السلام : «السلام تحية لملتنا ، وأمان لذمتنا» (٢).

ثم قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم :

«وارزقني فيه صحبة الكرام»

والصحبة ، تعني : المرافقة والمصاحبة ، ولكن يجب أن تكون مع كرام الناس دينا ، وخلقا ، وورعا ، وتواضعا ، فإن الإنسان يستفيد كل هذه المعاني والقيم من خلال صحبته لهم.

ثم يختم النبي صلى الله عليه وآله وسلم دعائه بقوله :

«بطولك يا ملجأ الآملين»

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٥٠٤.

٢ ـ بحار الأنوار : ٧٦ / ١٢.

٤٢

و [الطَولُ لغة لمن ، يقال تطوّلَ عليه ، أي : أمتن عليه] (١) ، والله تعالى يلجأ إليه الآملون فضله ، وثوابه ، ورضوانه ، وعفوه ، ويقال لغة : [الجأ آمره إلى الله أسنده].

و [الآمل هو الرجاء ، يقال أمَلَ خيره يأمُل أملا وأملَه تأميلا ، أي رجاه] (٢).

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٤٠١.

٢ ـ مختار الصحاح : ٢٥.

٤٣

دعاء اليوم التاسع :

«اللهم أجعل لي فيه نصيبا من رحمتك الواسعة ، واهدني فيه لبراهينك الساطعة ، وخذ بناصيتي إلى مرضاتك الجامعة بمحبتك يا أمل المشتاقين»

أضواء على هذا الدعاء :

«اللهم أجعل لي فيه نصيبا من رحمتك الواسعة»

و [النصيب لغة ، هو : الحظ والجد ، يقال حظّ الرجل يحظُ حظا ، أي : صار ذا حظٍ من الرزق] (١).

وبعد معرفة المعنى لغويا يتضح المقصود من هذه الفقرة من الدعاء الشريف ، أي أجعل لي يا رب حظا من رحمتك التي وسعت كل شيء ، كما ورد أيضا في دعاء كميل لأمير المؤمنين عليه السلام حيث يقول : «اللهم أني أسألك برحمتك التي وسعت كل شيء» (٢).

وقد قال الإمام زين العابدين علي عليه السلام في دعاء السَحَر : «واجعلني من أوفر عبادك عندك نصيبا من كل خير أنزلته وتنزله في شهر رمضان وفي ليلة القدر»

ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم :

«واهدني فيه لبراهينك الساطعة»

ولا شك بأن الهداية للعبد من الله بتوسط إرادة العبد نفسه.

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ١٤٣.

٢ ـ مفاتيح الجنان : ١٠٠.

٤٤

١ ـ والهداية تشريعية ، وهي التي أرسل الله بها الرسل والأنبياء لهداية البشرية ، قال تعالى : (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).

٢ ـ والهداية التكوينية ، وتشترك بها المخلوقات والحق سبحانه يقول : (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا) (١).

و [البراهين جمع برهان من الدعاء أن يهديه الله تعالى وهو الهادي ليعرف الله بالبرهان والدليل والحجة ، وليقيم بذلك الحجة على المنكرين ، وكيف يمكن للمنكر أن ينكر البرهان الساطع والحجة الدامغة قال تعالى : (أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ) (٣).

ثم قال في الفقرة الأخيرة من الدعاء :

«وخذ بناصيتي إلى مرضاتك الجامعة بمحبتك يا أمل المشتاقين».

الناصية لغة واحدة النواصي ، وهي : مقدمة شعر الرأس والمراد بالدعاء أن يهديه الله ويوجهه إلى حيث ما يوجب رضاه ، ومغفرته ، وعفوه ، ومرضاة الله الجامعة كل ما يؤدي إلى رضا الله عن البعد ، ويبعد عنه غضبه وسخطه ، وأن يأخذ بيده لِما فيه الخير ، والصلاح ، والرضوان.

__________________

١ ـ سورة السجدة ، الآية : ٢.

٢ ـ مختار الصحاح : ٥٠.

٣ ـ سورة الطور ، الآية : ٣٥.

٤٥

ويقسم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمحبة الله لأوليائه ومحبة أوليائه له أن يوفقه الله لذلك.

والله تعالى هو أمل من أملهُ من عباده الصالحين المشتاقين لعفوه ورحمته ، وقد ورد في دعاء كميل لأمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : «وهب لي الجدَ في خشيتك ، والدوام في الاتصال بخدمتك حتى أسرح إليك في ميادين السابقين ، وأسرع إليك في المبادرين ، وأشتاق إلى قربك في المشتاقين» (١).

__________________

١ ـ مفاتيح الجنان : ١٠٥.

٤٦

دعاء اليوم العاشر :

«اللهم أجعلني فيه من المتوكلين عليك ، واجعلني فيه من الفائزين لديك ، واجعلني فيه من المقربين إليك بإحسانك يا غاية الطالبين»

أضواء على هذا الدعاء :

[التوكل ـ لغة ـ : أظهار العجز والاعتماد على غيرك ، وأتكل على فلان في أمره إذا أعتمده ، وإذا أتكل كل واحد منهما على صاحبه ، أي : أعتمد عليه] (١).

والمؤمن الصادق في إيمانه لا يعتمد إلا على الله تعالى في كل أموره ومهامه ، وإذا لم يتكل ويعتمد على الله فعلى من يعتمد إذن؟ ، وهو القادر على كل شيء وبيده مقاليد الأمور.

والفوز ، معناه : النجاة والظفر بالخير والسلامة ، ومنه قوله تعالى : (فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ) ٢ ، أي : بمنجاة منه.

والمؤمن يطلب من الله تعالى الفوز بالرضوان والجنة ، ويطمع دائما بكرم الله تعالى أن يجعله من الفائزين عنه ، وأن يحقق له النجاح في دينه ودنياه

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم :

«واجعلني فيه من المقربين إليك»

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٧٣٤.

٢ ـ سورة آل عمران ، الآية : ١٨٨.

٤٧

والمؤمن يكون مقربا من الله بإيمانه ، وتقواه ، وورعه ، ورجاءه فيكون مشمولا بالرحمة الإلهية والإمداد الغيبي وغاية منى العبد أن يكون مقربا إلى الله تعالى ، وقريبا من رحمته ، ولا يتم ذلك إلا بالجهد ، وبالجد ، والاجتهاد ، وترويض النفس.

ويختم الطصفى دعائه لليوم العاشر من شهر رمضان المبارك بقوله :

«بإحسانك يا غاية الطالبين»

والله تعالى هو المحسن المتفضل ، وقد أمر بالإحسان بقوله تعالى : (إِنَّ اللَّـهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ) (١).

وهو تعالى مصدر الإحسان و [الحُسنُ لغة ضد القبح ، والجمع محاسن ، والحسنة ضد السيئة والمحاسن ضد المساوئ والحُسنى ضد السُوءى] (٢).

وهنا ندرك المعاني الجميلة للإحسان ومشتقاته والله تعالى هو الغاية القصوى المرجوة من العبد الذي يطلب من الله الرحمة ، والرضا ، والقبول ، والعفو ، والصفح ، و [الغاية لغة مدى الشيء ، والجمع غاي] (٣).

__________________

١ ـ سورة النحل ، الآية : ٩٠.

٢ ـ مختار الصحاح : ١٣٦.

٣ ـ مختار الصحاح : ٤٨٨.

٤٨

دعاء اليوم الحادي عشر :

«اللهم حَبَبْ إليّ فيه الإحسان ، وكرّه إليّ فيه الفُسوق والعصيان ، وحرم عليَّ فيه السَخط والنيران بعونك يا غياث المستغيثين».

أضواء على هذا الدعاء :

في هذا الدعاء المبارك يطلب النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الله تعالى أن يجعل الإحسان لديه محبوبا حتى يفعله ويأتي به ، والإنسان إذا أحب شيء صار مرغوبا عنده فيقدم عليه وهو ضد الكُره ، ومراد الدعاء على اختصاره أن يلقي الله محبة الإحسان في قلب المؤمن حتى يواظب عليه ، وعادة إذا لم يحب الإنسان أمراً ما يبتعد عنه وينأى بنفسه عنه ، وإذا أحب أمراً ما أقبل عليه ، ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم :

«وكرّه إليّ فيه الفُسوق والعصيان»

فإذا كره الإنسان شيئاً أبتعد عنه وأعرض ، والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الله أن يكون الفسوق والعصيان عنده مكروهين بقدرة الله وتوفيقه ، وتأييده ، وهدايته.

[الفسوق لغة مأخوذ من فسقت الرطبة خرجت من قشرها ، وفسق عن أمر ربه ، أي : خرج] (١).

وقد جاء في القرآن الكريم قوله تعالى : (بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ) (٢).

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٥٠٣.

٢ ـ سورة الحجرات ، الآية : ١١.

٤٩

والفسوق شرعا هو الخروج عن طريق الطاعة ، و [العصيان لغة ضد الطاعة ، وقد عصاه معصية وعصياناً ، فهو عاص] (١).

ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم :

«وحرم عليّ فيه السَخط والنيران»

أي اجعل يا ربي السَخط وهو الغضب والنيران حراما عليّ لأني في طاعتك وعبادتك ، وفي فناء شهرك الفضيل الذي تغلق فيه أبواب النيران ، وتفتح فيه أبواب الجنان ، فلا تحرمني من عفوك وجنانك ، لأن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم ، لأنه شهر المغفرة ، والعفو ، والرحمة ، والحرمة لغة ما لا يحل انتهاكه.

ويختم الدعاء صلى الله عليه وآله وسلم بقوله :

«بعونك يا غياث المستغيثين»

فالله تعالى هو المستعان ومنه نطلب العون وبه نستعين ، وهو غياث من لا غياث له ، وسند من لا سند له ، وذخر من لا ذخر له ، والمستغيث هو : من يطلب الغوث ، وهو : النصرة والمساعدة.

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٤٣٨.

٥٠

دعاء اليوم الثاني عشر :

«اللهم زينيّ فيه بالستر والعفاف ، واستُرني فيه بلباس القنوع والكَفاف ، واحملني فيه على العدل والأنصاف ، وآمني فيه من كل ما أخاف بمعصيتك يا عصمة الخائفين»

أضواء على هذا الدعاء :

«اللهم زينيّ فيه بالستر والعفاف» ، ورد في اللغة : أن [الزينة ما يُتزين به ، ويوم الزينة يوم العيد ، والزين ضد الشين ، وزينة تزينا وتزين وازدان بمعنى ، ويقال وأزينت الأرض بعُشبها] (١).

والستر لغة : جمعه ستور ، وأستار ، وستر الشيء غطاه ، والعفاف مأخوذ من عفّ ، أي : كف ، فعف عن الحرام ، معناه : كف عن الحرام ، ويقال : رجل عفيف وامرأة عفة وعفيفة ، ويقال : تعفف عن المسألة تكلف العفة.

والتعفف هنا يعني الحياء ، قال تعالى : (يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ) (٢).

والمقصود من هذه الفقرة : اللهم جملني فيه بأن تجعلني مستور العيوب ، مليئا بالعفة والحياء حتى أبدو جميلا في هذا اليوم وفي كل يوم.

ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم :

«واستُرني فيه بلباس القنوع والكَفاف»

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٢٨٠.

٢ ـ سورة البقرة : الآية : ٢٧٣.

٥١

واللباس ما يُلبس وكذا الملبس ، وهنا يراد به اللباس المادي من ثياب وغيرها التي تستر البدن ، والمقصود من قوله صلى الله عليه وآله وسلم هو اللباس بالمعنى الثاني غير المادي كما في قوله تعالى : (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) (١) ، (لِبَاسُ التَّقْوَىٰ ذَٰلِكَ خَيْرٌ) (٢).

[والمقصود به هنا الحياة] (٣).

[القنوع لغة : السؤال والتذلل ، وبابه خضع فهو : قانع ، وقال الفراء : القانع الذي يسألك فما أعطيته قبلهُ ، والقناعة الرضا بالقسم ، وقال بعض أهل العلم أن القنوع قد يكون بمعنى الرضا ، والقانع بمعنى الراضي] (٤).

وقد ورد في القناعة كثير من الأحاديث ففي مجمع البيان في تفسير قوله تعالى : (فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً) (٥) ، قال كما عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : «أنها القناعة والرضا بما قسم الله» (٦).

وعن الإمام الصادق عليه السلام قال : «من قنع بما رزقه الله فهو من أغنى الناس» ، وعن علي عليه السلام قال : «الهم نفسك القنوع» (٧).

و [الكفاف من الرزق القوت ، وهو ما كفَّ عن الناس ، أي :

__________________

١ ـ سورة البقرة ، الآية : ١٨٧.

٢ ـ سورة الأعراف ، الآية : ٢٦.

٣ ـ مختار الصحاح : ٥٩٠.

٤ ـ مختار الصحاح : ٥٥٢.

٥ ـ سورة النحل ، الآية : ٩٧.

٦ ـ مجمع البيان في تفسير القرآن : ٦ / ٣٨٤.

٧ ـ التفسير المعين : ٣٣٦.

٥٢

اغنى ، وفي الحديث عنه صلى الله عليه وآله وسلم : «اللهم أجعل رزق آل محمد كَفافا»] (١).

والكفاف والقنوع معنيان متقاربان في هذا الدعاء.

ثم قال صلى الله عليه وآله وسلم :

«واحملني فيه على العدل والإنصاف»

والمعنى واضح جلي ، أي اجعلني فيه متصفا بالعدل في الحكم والقول وكل ما يجب فيه العدل.

و [العدل ضد الجور ، يقال : عدل عليه في القضية فهو عادل ، وبسط الوالي عدله.

والأنصاف هو العدل ، يقال : أنصف الرجل عَدَل ، ويقال : أنصفه من نفسه] (٢).

والأنصاف والعدل معنيان متقاربان في هذا الدعاء ، ثم ينتقل صلى الله عليه وآله وسلم إلى فقرة أخرى من الدعاء يقول فيها :

«وآمني فيه من كل ما أخاف بعصمتك يا عصمة الخائفين»

و [الأمان والأمانة بمعنى واحد ، وقد أمن أمانا فهو آمن وآمنه غيره من الأمن والأمان ، والأمن ضد الخوف] (٣).

والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يطلب في دعائه أن يكون آمنا في ذلك اليوم من كل ما يسبب الخوف والهلع سواء كانت مخاوف دنيوية أو أخروية ، ويعتصم بالله تعالى الذي هو عصمة الخائفين ، وأمل الراجين من كل ما يحذر ويخاف.

و [العصمة لغة ، هي : المنع ، يقال عصمه الطعام ،

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٥٧٤.

٢ ـ مختار الصحاح : ٦٦٣.

٣ ـ مختار الصحاح : ٢٦.

٥٣

أي : منعه من الجوع ، والعصمة أيضا الحفظ ، وأعتصم بالله أمتنع بلطفه ، ومنه قوله تعالى : (قَالَ سَآوِي إِلَىٰ جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّـهِ) ١ ، وقوله تعالى : (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّـهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (٢).

وقد ورد عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قوله : «من ألهم العصمة أمن الزلل».

وقال عليه السلام : «من أعتصم بالله عزّ مطلبه».

وقد سُئل الإمام الصادق جعفر بن محمد عليه السلام : ما معنى قولكم أن الإمام لا يكون إلا معصوما؟!

فقال : «المعصوم هو الممتنع بالله من جميع المحارم» (٣).

وقد قال الله تعالى : (وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّـهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ) (٤).

__________________

١ ـ سورة هود ، الآية : ٤٣.

٢ ـ سورة آل عمران ، الآية : ١٠٢.

٣ ـ التفسير المعين : ٢٤١.

٤ ـ سورة آل عمران ، الآية : ١٠١.

٥٤

دعاء اليوم الثالث عشر :

«اللهم طهرني فيه من الدنس والأقذار ، وصبرني فيه على كائنات الأقدار ، ووفقني فيه للثقى وصحبة الأبرار يعونك يا قرة عين المساكين»

أضواء على هذا الدعاء :

«اللهم طهرني فيه من الدنس والأقذار» ، والطهارة هنا معنوية وهي : [لغة مأخوذا من طهُر الشيء يطهُر طهارة ، وقوم يتطهرون ، أي يتنزهون من الأدناس ، ورجل طاهر الثياب ، أي منزه ، وبهذه الإضاءة اللغوية يتضح معنى : الدعاء.

والدنس لغة الوسخ ، وقد دنس التوب توسخ وتدنس ودنسه غيره تدنيسا.

و [الأقذار جمع قذر ، وهو ضد النظافة وشيء قذر بيَّن القذارة ، ويقال : قذرتُ الشيء فقذرته واستقذرته ، أي : كرهته] ١ ، والقذر والدنس معنيان متقاربان في هذا الدعاء.

ثم يقول صلى الله عليه وآله وسلم :

«وصبرني فيه على كائنات الأقدار»

أي أجعلني صابرا على القضاء والقدر راضيا بقضائك وقدرك.

والصبر منزلة عالية لا ينالها إلا من امتحن الله تعالى قلبه

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٢٢٥.

٥٥

بالإيمان قال تعالى : (وَاصْبِرْ عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ) ١ ، وقال تعالى : (وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّـهِ) (٢).

وقد سئل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ما الإيمان؟ ،

قال : «الصبر»

وقال أمير المؤمنين علي عليه السلام : «الصبر أحسن حلل الإيمان وأشرف خلائق الإنسان»

وقال عليه السلام : «الصبر عن الشهوة عفة وعن الغضب نجدة وعن المعصية ورع» (٣).

ثم ينتقل صلى الله عليه وآله وسلم إلى المقطع الثالث من الدعاء فيقول :

«ووفقني فيه للتقى وصحبة الأبرار»

ولا شك بأن المؤمن يحتاج إلى توفيق الله تعالى له بالهداية شرط أن يكون مستعدا لها ، وقد ورد في الدعاء عن الإمام المهدي عليه السلام قوله : «اللهم أرزقنا توفيق الطاعة وبُعد المعصية ، وصدق النية ، وعرفان الحرمة ، وأكرمنا بالهدى ، والاستقامة ، وسدد ألسنتنا بالصواب والحكمة» (٤).

ولا يستغني المؤمن عن التوفيق الإلهي في أموره كلها خصوصا ما يتعلق منها بطاعة الله وعبادته ، والخوف منه ، وكل ذلك بتوفيق الله ، والتُقى هو التقوى ، وما هو يُتقى به

__________________

١ ـ سورة النحل ، الآية ١٢٧.

٢ ـ سورة النحل ، الآية : ١٢٧.

٣ ـ التفسير المعين : ٥٠٦.

٤ ـ مفاتيح الجنان : ١٧٠.

٥٦

سخط الله وذلك بلزوم الطاعات وترك المعاصي والمحرمات.

و [الأبرار جمع بر ، وتجمع على بررة وكله مأخوذ لغة من برر ، والبر هو : ضد العقوق ، ويقال فلان يبر خالقه ، أي يطيعه] (١) ، وإذن الأبرار هنا هم المطيعون والنبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعو الله تعالى أن يوفقه لصحبة الأبرار المطيعين لله تعالى.

ثم يختم صلى الله عليه وآله وسلم دعائه بقوله :

«بعونك يا قرة عين المساكين»

فهو يستعين بالله تعالى أن يوفقه لكل ما تقدم لأن ذلك يحصل بعونه تعالى لعبده المؤمن ، إذا كان مستعدا لذلك يقال : لغة [قرت عينه ضد سخنت وأقر الله عينه أعطاه حتى تقر فلا تطمح إلى من هو فوقه ، ويقال : حتى تبرُد ولا تسخن فللسرور دمعة باردة وللحزن دمعة حارة] (٢).

والمسكين جمعه مساكين ، وهو : الفقير الذي لا شيء له ، وقيل المسكين أحسن حالا من الفقير ، وقيل العكس.

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ٤٧.

٢ ـ مختار الصحاح : ٥٢٨.

٥٧

دعاء اليوم الرابع عشر :

«اللهم لا تؤاخذني فيه بالعثرات ، واقلني فيه من الخطايا والهفوات ، ولا تجعلني فيه غرضا للبلايا ، والآفات بعزتك يا عز المسلمين»

أضواء على هذا الدعاء :

«اللهم لا تؤاخذني فيه بالعثرات»

أخذ لعة تناول والمقصود بالدعاء هناك : اللهم لا تتناولني بالعقوبة إذا عثرت في حياتي فعصيتُ لك أمراً وخالفت لك حُكما.

وقد جاء في قوله تعالى : (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا) (١).

و [العثرات جمع عثرة ، وهي : لغة الزلة التي تؤدي إلى السقوط ، فيقال عثر في ثوبه ، وعثر به فرسه فسقط] (٢).

والمقصود بها في الدعاء الذنوب التي تؤدي بالسقوط في المعاصي.

«وأقلني فيه من الخطايا والهفوات»

__________________

١ ـ سورة البقرة ، الآية : ٢٨٦.

٢ ـ مختار الصحاح : ٤١٢.

٥٨

و [الخطايا جمع خطيئة ، وهي : الذنب والخاطئ من تعمد ما لا ينبغي] (١).

و [الهفوات جمع هفوة ، وهي : لغة الزلة وقد هفا يهفو هفوة] (٢).

والمعنيان هنا متقاربان ، ومعنى ذلك ، أي : يا ربي أحملني فيه على التباعد عن الخطايا والهفوات حتى أسرح في رياض طاعتك وأذوق حلاوة عبادتك ، وقد جاء في دعاء كميل :

«وأقلني عثرتي ، وأغفر زلتي ، ولا تجعلني فيه غرضا للبلايا والآفات»

والغرض ـ لغة ـ ، هو : الهدف الذي يُرمى فيه ويقال فيهم غرضه ، أي قصده.

والبلايا جمع بلية والبلوى والبلاء ، ومنه ما هو بلاء حسن ، ومنه بلاء خير حسن في نتائج البلاء وانعكاسها ، و [الآفات جمع آفة ، وهي : العاهة والزرع وأصابتهُ آفة فتلف] (٣).

والمراد بالدعاء هنا : يا ربي لا تجعلني هدفا للمصائب ، والابتلاءات الصعبة التي يصعب النجاح فيها ، وادفع عني الأرزاء ، والعاهات وكل ما يمنعني من مواصلة عبادتك ، والصبر على طاعتك.

«بعزتك يا عز المسلمين»

والعِزة ضد الذل والله تعالى هو : ذو العزة والجلال ويهب العِزة لأوليائه ، وفي طليعة أوليائه الرسول الأعظم

__________________

١ ـ مختار الصحاح : ١٨٠.

٢ ـ مختار الصحاح : ٦٩٦.

٣ ـ مختار الصحاح : ٣٢.

٥٩

صلى الله عليه وآله وسلم والمؤمنون ، قال تعالى : (وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ) ١ ، والله تعالى هو : عز المسلمين الذين آمنوا به وعبدوه ، ووحدوه ، ولم يُشركوا به شيئا ، وآمنوا برسله ، وملائكته ، واليوم الآخر ، يستمدون قوتهم ومنعتهم ورفعتهم من صاحب العِزة الأول وهو : الله تبارك وتعالى ، ومن أسمائه الحسنى تبارك أسمه العزيز.

قال تبارك وتقدس : (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ) (٢).

__________________

١ ـ المنافقون : ٨.

٢ ـ سورة تبارك ، الآية : ١.

٦٠