🚖

نافذة على زيارة القبور

السيّد فاروق الموسوي

نافذة على زيارة القبور

المؤلف:

السيّد فاروق الموسوي


الموضوع : العقائد والكلام
الناشر: انتشارات دار العلم آية الله بهبهاني
المطبعة: البهبهاني
ISBN: 978-964-8300-11-6
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

البناء على القبور

قال تعالى : ( ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) ، وقال تعالى : ( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ).

مبحث في تفسير قوله تعالى : ( فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) ، قال الآلوسي : وهذا القول من البعض عند بعض كان عن اعتناء بالفتية ؛ وذلك أنهم ضنوا بتربتهم فطلبوا البناء على كهفهم لئلّا يتطرق الناس إليهم (١).

( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ) (٢) : ثم فرغوا من التنازع في ذلك واهتموا بإجلال قدرهم وتشهير أمرهم ، فقالوا : « ابنوا... » إلى آخره...

والذي يقتضيه كلام كثير من المفسرين أنّ غرض الطائفتين ، القائلين : « ابنوا... » إلى آخره ، والقائلين : « لنتّخذنَّ... » إلى آخره تعظيمهم وإجلالهم.

والمراد بالذين غلبوا قيل : الملك المسلم ، وقيل : أولياء أصحاب الكهف ، وقيل : روؤساء البلد ؛ لأنّ من له الغلبة في هذا النزاع لابد أن يكون أحد هؤلاء ، والمذكور في القصة : أنّ الملك جعل على باب الكهف مسجداً ، وجعل له في كل سنة عيداً عظيماً.

وعن الزّجاج : أنّ هذا يدلّ علىٰ أنّه لمّا ظهر أمرهم غلب المؤمنون

___________________________________

١ ـ روح المعاني في تفسير القرآن العظيم ٨ / ٢٢٣.

٢ ـ الكهف : ٢١.

١٢١

بالبعث ؛ لأنّ المساجد إنّما تكون للمؤمنين به. إنتهى (١).

هذا ، واستدلّ بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء وإتخاذ مسجد عليها ، وجواز الصلاة في ذلك. واتخاذ القبر مسجداً معناه الصلاة عليه أو إليه ، وحينئذٍ يكون قوله : والصلاة إليها مكرّراً ، إلّا أن يراد باتخاذها مسجداً الصلاة عليها فقط. نعم ، إنّما يتّجه هذا الأخذ إن كان القبر قبر معظّم من نبيٍّ أو وليٍّ ، كما أشارت إليه رواية : « إذا كان فيهم الرجل الصالح ».

ومن ثم قال أصحابنا :

تحرم الصلاة إلى قبور الأنبياء والأولياء تبرّكاً وإعظاماً ، فاشترطوا شيئين : أن يكون قبر معظَّم ، وأن يقصد الصلاة إليها ، ومثل الصلاة عليه التبرك والإعظام ، وكون هذا الفعل كبيرة ظاهر من الأحاديث ، وكأنّه قاس عليه كل تعظيم للقبر ، يقاس السُرُج عليه تعظيماً له وتبركاً به ، والطواف به كذلك ، وهو أخذ غير بعيد ، سيّما وقد صرح في بعض الأحاديث المذكورة بلعن من اتخذ على القبر سراجاً ، فيحمل قول الأصحاب بكراهة ذلك على ما إذا لم يقصد به تعظيماً وتبرّكاً بذي القبر (٢).

وقال بعض الحنابلة : قصد الرجل الصلاة عند القبر متبركاً به عين المحادّة لله تعالى ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإبداع دين لم يأذن به الله عزّ وجلّ ؛ للنهي

___________________________________

١ ـ تفسير الالوسي : ١٥ / ٢٣٦ ، نقلاً عن الزجاج.

٢ ـ تفسير الالوسي : ١٥ / ٢٣٧.

١٢٢

عنها ثم إجماعاً بأنّ أعظم المحرمات وأسباب الشرك الصلاة عندها وإتخاذها مساجد أو بناؤها عليها ، وتجب المبادرة لهدمها ، وهدم القباب التي على القبور ؛ إذ هي أضرّ من مسجد الضرار ؛ لأنّها اُسِّست على معصية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ؛ لأنّه ـ عليه الصلاة والسلام ـ نهى عن ذلك وأمر بهدم القبور المشرفة ، وتجب إزالة كل قنديل أو سراج على قبر لا يصح وقفه ولا نذره... إلى آخره... (١)

وفي خبر مجاهد : أنّ الملك تركهم في كهفهم وبنى على كهفهم مسجداً ، وهذا أقرب ؛ لظاهر اللفظ كما لا يخفى (٢)...

قلنا ونقول : فتأمل أخي القارئ العزيز :

( قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا ).

قول صريح ، وهو أحسن القائلين ، الفتية ما كانوا في عداد الأنبياء ولا في عداد الأولياء ، ولكنّهم فتية آمنوا بربهم ، فما بالنا لا نأخذ بحكم هذه الآية : ( ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا ) ، اعتناءً بهم لئلّا يتطرق الناس إليهم ؟ وأقصد الأنبياء والأولياء والصالحين من الأمهات والآباء ، والعلماء والفضلاء.

والتاريخ نقرأ فيه كيف أنّ الحاقدين والحاسدين ومن ذوي السفاهة والنفوس المريضة مالوا إلى بعض القبور فنبشوها وحرثوها ، وسلطوا عليها الماء ، حتى يندرس القبر وينقطع الخبر ؟

___________________________________

١ ـ تفسير الالوسي : ١٥ / ٢٣٨.

٢ ـ تفسير الالوسي : ١٥ / ٢٣٩.

١٢٣

واليوم وبعد مرور هذه القرون ، في الوقت الذي نرى القبور تحت سطح الأرض أمتاراً ، ومع وجود هذا البناء الذي أقره الله تعالى وبشهادة الآية الكريمة السالفة (١) تضرب بالصواريخ الثقيلة والمدافع ، وتسلب ما فيها من مجوهرات وتحف وهدايا ثمينة ، وتحطّم الثريات والمرايا والزخارف ، وتُمطر أسماء أهل البيت عليهم‌السلام الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيراً بوابلٍ من الرصاص والقذائف الصاروخية ، وتحرق المصاحف القديمة والكتب المخطوطة ، ويسرق البعض منها ؛ لتقدَّم هدايا إلى عالم الكفر والنفاق...

يا لها من فضيحة !

يا لها من مأساة !

يا لها من دليل ، عل أن الجنّة حق والنار حق ، وأن الله يبعث من في القبور ، اُولئك ( رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّـهَ عَلَيْهِ ) (٢).

سلبتم حقوقهم ، وقطعتم الروؤس ، وسبيتم الذرّية وهم أحياء ، وتتجاوزون بهذه الصلافة على قبورهم ، يا لها من مصيبة !

أي شرع هذا الذي أنتم به تعملون ؟

وأي عقل به تفكرون ؟

وما بالكم كيف تحكمون ؟

___________________________________

١ ـ الكهف : ٢١.

٢ ـ الأحزاب : ٢٣.

١٢٤

وما ذلك إلّا بحجة أحاديث وضعتموها زوراً وبهتاناً ، لغايةٍ ما...

فالاهتمام بإجلال قدر الأنبياء والأولياء ، وتوضيح وبيان أمرهم ، ليس من الأمور المحرّمة أو المنهيّة عنها ، بل المأمور بها لمن كان عنده قليل من الثقافة الإسلامية.

نحن من باب التعظيم والإجلال لرسل الله وعدم المساس بكرامتهم نبني كما بني الحِجر ، ونسرج كما يسرج عل الحجر ، ونحافظ على قبورهم ، وقد سلف منّا القول : كيف أنّ الله تعالى ارتضىٰ تحقيق مطالب تلك العجوز العمياء المريضة مع استعظامها ، بالدلالة على مكان قبر يوسف الصدّيق عليه‌السلام فماذا تقول ؟

هذا ، واستدل بالآية على جواز البناء على قبور الصلحاء وإتخاذ مسجد عليها وجواز الصلاة في ذلك.

ونستدل على وجود هذا البناء الفخم والقبة الخضراء والمنائر الشامخة ، والعناية والرعاية على قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

وبهذا دُحضت حجة القائلين بحرمة البناء ، والإسراج ، والصلاة عند القبور ، واُسقط ما في أيديهم من الأحاديث الموضوعة ، وهم بالاستغفار والتوبة أولى ؟!

ولكن ، وللأسف الشديد نرى أشرف وأقدس بقعة على وجه البسيطة ، بعد بيت الله الحرام ، حيث الروضة الشريفة التي بين القبر والمنبر ، مظلمة معتمة ، يتعثّر فيها الزائر ليلاً ونهاراً ، ..

١٢٥

وعلى الحِجر عند البيت الحرام مصابيح في غاية القوة والإنارة ، مسرجة ليلاً ونهاراً ، فما عدا مما بدى ؟

أيها القوم ، فإذا كان الأمر كما تزعمون ، وهو ليس كذلك : أنّ الصلاة إلى القبر أو القبور عظيمة وكبيرة ! فما بالكم إذا قيل : قد قامت الصلاة ، قد قامت الصلاة ، توجّهتم إلى الحجر من جهات ثلاث ، وخمس مرات في اليوم ؟!

وهذا يعني : أنّ الحديث باطل وموضوع ؛ لأنّ كل ما على وجه الأرض ، إمّا قبر أو مقبرة أو سيكون مقبرة.

عجيب أمركم أيها القوم !

كل هذه الأبينة والمآذن والقباب ، والزوّار من المشرق والمغرب ، ومن العرب والعجم ، لا ضير فيه !

ولكنّ الضير في مراقد الأئمة الهداة الميامين عليهم‌السلام !!

لعمري ما أنصفتم إخوةً لكم يؤمنون بالله ورسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وبما أتاه.

تأمل ما جاء في تنبيه الخواطر ونزهة النواظر المعروف بمجموعة ورّام : بيان زيارة القبور والدعاء للميت : زيارة القبور مستحبة على الجملة للتذكّر والاعتبار ، وزيارة قبور الأئمة عليهم‌السلام مستحبة لأجل ما ورد من الأخبار في الحثّ على زيارة مشاهدهم وما في ذلك من الثواب.

قال أبوذرّ رضي‌الله‌عنه : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « زُر القبور تذكّر به الآخرة ، واغسل الموتى فإنّ معالجته مثوبة وموعظة بليغة ، وصلِّ على الجنائز لعلّ ذلك أن يحزنك

١٢٦

فإن الحزين في ظلّ الله ».

وقال آخر : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « زوروا موتاكم وصلّوا عليهم ، وسلّموا عليهم فإن لكم فيهم عبرة ».

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « إن الرجل ليموت والده وهو عاقّ لهما ، فيدعو الله لهما من بعدهما فيكتبه الله من البارّين ».

وقال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « من زار قبري فقد وجبت له شفاعتي » (١).

زيارة القبور مستحبة ، وأنتم تقولون :

حرام ، وتكفّرون الزوار... !!

وما ورد من الأخبار في الحثّ على زيارة المشاهد وما في ذلك من الثواب ، وأنتم تقولون : حرام ثم حرام !!

___________________________________

١ ـ مجموعة ورّام ، الأمير الزاهد أبي الحسين ورّام : ٢٩٦.

١٢٧

بيان كلام القبر

إنّ بيان كلام القبر للميت وكلام الموتى : إمّا بلسان المقال ، أو بلسان الحال التي هي أفصح في تفهيم الموتى من لسان المقال في تفهيم الأحياء.

قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : « يقول القبر للميت حين يوضع في قبره : ويحك يا ابن آدم ، ما غرّك بي ؟ ألم تعلم أنّي بيت الفتنة وبيت الظلمة وبيت الوحدة وبيت الدود ؟! ما غرّك بي إذ كنت تمرّ بي مراراً ؟ فإن كان صالحاً أجاب عنه مجيب للقبر فيقول : أرأيتم إن كان ممّن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر ؟ فيقول القبر : إذاً أتحوّل عليه خضراء ، ويعود جسده نوراً ، وتصعد روحه إلى الله » (١).

وقال بعضهم : ليس من ميتٍ يموت إلّا نادته حفرته التي يدفن فيها : « أنا بيت الظلمة والوحدة والانفراد ، فإن كنت في حياتك لله مطيعاً كنتُ عليك رحمةً ، وإن كنت لله عاصياً فأنا اليوم عليك نقمة ، أنا الذي مَن دخلني مطيعاً خرج مسروراً ، ومن دخلني عاصياً خرج مثبوراً » (٢).

وقال آخر : بلغنا أنّ رجلاً وضع في قبره فناداه جيرانه من الموتى : أيّها المخلَف في الدنيا بعد إخوانه وأصدقائه وجيرانه ، أما كان لك فينا معتبر ؟ أما كان في تقدّمنا إيّاك فكرة ؟ أما رأيت انقطاع أعمالنا عنّا وأنت في المهلة ، فهلاً استدركت ما فاتك من إخوانك ؟

___________________________________

١ ـ مجمع الزوائد : ٣ / ٤٥.

٢ ـ محاسبة النفس ، إبراهيم الكفعمي : ١٤٠.

١٢٨

وتناديه بقاع الأرض : أيّها المغترّ بظاهر الدنيا ، هلّا اعتبرت بمَن غُيِّبَ من أهلك في بطن الأرض ممّن غرّته الدنيا قبلك ثم سبق به أجله إلى القبور وأنت تراه محمولاً تهاداه أحبّته إلى المنزل الذي لابدّ منه ؟ » (١).

وقال آخر : بلغني أنّ الميت إذا وضع في قبره احتوشته أعماله ، ثم أنطقها الله فقالت : « يا أيّها العبد المنفرد في حفرته ، انقطع عنك الأخلّاء والأهلون فلا أنيس لك اليوم غيرنا » (٢).

وقال بعضهم : إذا وضع العبد الصالح المطيع لربّه في القبر احتوشته أعماله الصالحة ، مثل الصلاة والصيام والحجّ والصدقة.

قال : ويجيء ملائكة العذاب من قِبَلِ رجليه ، فتقول الصلاة :

« إليكم عنه فلا سبيل لكم عليه ، فقد أطال القيام لله تعالى عليها ».

فيأتونه من قبل رأسه ، فيقول الصيام : « لا سبيل لكم عليه ، فقد طالما أظمأ لله في دار الدنيا فلا سبيل لكم عليه »

فيأتونه من قبل جسده ، فيقول الحجّ : « إليكم عنه ، فقد أتعب بدنه ، وأنصب نفسه ، وحجّ لله فلا سبيل لكم عليه ».

فيأتونه من قبل يديه ، فتقول الصدقة : « كُفّوا عنه ، خلّوا عن صاحبي ، فكم من صدقةٍ خرجت من هاتين اليدين حتى وقعت في يد الله ابتغاء وجهه ، فلا سبيل لكم عليه ».

___________________________________

١ ـ فيض القدير ، العلّامة المناوي : ٥ / ٥٧٠. ( قطعة منه ).

٢ ـ تهذيب الكمال : ٢٢ / ٧٤.

١٢٩

قال : فيقال له :

طبت هنيئاً ، طبت حيّاً وميّتاً. قال : ويأتيه ملائكة الرحمة فتفرش له فراشاً من الجنّة ودثاراً من الجنّة ، ويفتح له في قبره مدّ بصره ، ويؤتى بقنديلٍ من الجنّة فيستضيء بنوره إلى يوم القيامة (١).

وقال بعضهم : بلغني أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال : « إنّ الميّت يقعد وهو يسمع خطوات مشيِّعيه ، فلا يكلِّمه شيء إلّا قبره ، فيقول : ويحك يا ابن آدم ، قد حَذَرتني وحَذَرت ضيقي وهولي ودودي ، فماذا أعددت منّي ؟! ».

بيان عذاب القبر وسؤال منكر ونكير

روي في خبرٍ : أنّ البرّاء بن عازب قال : خرجنا مع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على جنازة رجلٍ من الأنصار ، فجلس رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله على قبره منكساً رأسه ، ثم قال : « اللهمّ إنّي أعوذ بك من عذاب القبر » ثلاثاً.

ثم قال : « إنّ المؤمن إذا كان إقبال من الآخرة بعث الله له ملائكة كأن وجوههم الشمس معهم حنوطه وكفنه ، فيجلسون مدَّ بصره ، فإذا خرجت روحه صلّىٰ عليه كلّ ملكٍ بين السماء والأرض ، وكلّ ملكٍ في السماء ، وفُتحت له أبواب السماء ، فليس منها باب إلّا يحب أن تدخل روحه منه ، فإذا صعد بروحه قيل : أي ربّي عبدك

___________________________________

١ ـ شجرة طوبى ، محمد مهدي الحائري : ٣٥٦.

١٣٠

فلان ، فيقول : أرجِعوه فأروه ما أعددت له من النعيم ، فإنّي وعدته :

( مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ ) (١) وإنّه لَيَسمع خفق نعالهم إذا ولّوا مدبرين ، حتى يقال : يا هذا ، مَن ربُّك ؟ ومن نبيك ؟ ومن إمامك ؟

فيقول : ربّي الله ، ونبيِّي محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وإمامي عليّ عليه‌السلام ، ويعدّ الأئمة عليهم‌السلام واحداً واحد ، قال :

فينتهرانه انتهاراً شديداً ، وهي آخر فتنة تعرض عليه ، فإذا قال ذلك نادىٰ منادٍ : صدقتَ ، وهي معنى قوله : ( يُثَبِّتُ اللَّـهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ ) (٢).

ثم يأتيه آتٍ حسن الوجه طيّب الريح حسن الثياب فيقول : أبشِر برحمةٍ من ربّك وجنّاتٍ فيها نعيم مقيم ، فيقول : وأنت بشّرك الله بالخير بالجنّة ، مَن أنت ؟

فيقول : أنا عملك الصالح ، والله ما عَلِمتُكَ إلّا سريعاً في طاعة الله تعالى ، بطيئاً عن معصية الله ، فجزاك الله خيراً.

قال : ثم ينادي منادٍ : أن فرشوا له من فراش الجنّة ، وافتحوا له باباً إلى الجنّة ، فيقول : اللهمّ عجِّل قيام الساعة حتى أرجِع إلى أهلي ومالي ، وأمّا الكافر فبالعكس كما يلحق المؤمن من النعيم يلحقه من العذاب » (٣).

إلى نعيم الله تعالى فاستبقوا يا اُولي الألباب ، وعن معاصيه اجتنبوا ، مُرُوا بالمعروف ، وانهَوا عن المنكر قبل أن يأتيكم الموت وأنتم غافلون ،

___________________________________

١ ـ طه : ٥٥.

٢ ـ إبراهيم : ٢٧.

٣ ـ مجموعة ورّام : ١ / ٢٩٦ ـ ٢٩٨ ، مجمع الزوائد : ٣ / ٤٩.

١٣١

فكيف بكم وأنتم في المعاصي غارقون ؟ حلّلتم حرام الله وحرّمتم حلاله ، فحكمتم بالكفر على من يشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمداً رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، لأنّه أطاع الله ورسوله في قوله :

« كنت قد نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنّها تذكر الآخرة » !

فزار قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، كما زار النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله قبر اُمّه وعمّه وقبور الشهداء في البقيع.

وزار قبور الأنبياء والمرسلين عليهم‌السلام والشهداء والصالحين وقبور الوالدين والأولياء والصالحين ، غفر الله لنا ولكم ، ما لكم كيف تحكمون ؟!

وممّا يتعلّق بحياة الشهداء والمؤمنين فقد جاء في « وفاء الوفا » للسمهودي » (١) : أنّه ذكر ابن تيميّة في « اقتفاء الصراط المستقيم » كما نقله ابن عبد الهادي : أنّ الشهداء بل كلّ المؤمنين إذا زارهم المسلم و سلّم عليهم عرفوا به ورَدُّوا عليه السلام. انتهىٰ.

فأين هذا الكلام من ذلك ؟ وكيف تتناقض أقوال القوم في كتبهم ومؤلّفاتهم المليئة حقداً وتشويهاً وتحريفاً لمعالم الدين القيّم ؟!

___________________________________

١ ـ وفاء الوفا للسمهودي : ٣ / ٤٠٥ ، عنه كشف الارتياب : ٣٨٤.

١٣٢

فنادىٰ صلى‌الله‌عليه‌وآله : يا أهل القبور

وجاء في الحديث : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله مرّ بمقبرة فنادى :

يا أهل القبور الموحشة ، والربوع المعطّلة ، ألا اُخبركم بما حدث بعدكم ؟

تُزُوِّجت نساؤكم ، وتُبُوِّئت مساكنكم ، وقُسِمت أموالكم ، هل أنتم مخبرون بما عاينتم ؟!

ثم قال صلى‌الله‌عليه‌وآله : « ألا إنّهم لو اُذن لهم في الجواب لقالوا : وجدنا خير الزاد التقوى » (١).

فالقبر : هو الحفرة التي يدفن فيها الموتى ، سواء من البشر أو غيره من الحيوانات.

والقبر : إمّا أن يكون شَقّاً في الأرض ، وهو ما عليه أهل مكّة المكرمة ، وإمّا أن يكون ملحوداً ، أي ذا لحدٍ ، والقبور الملحدة : ذوات اللحود.

ومن أسماء القبر أيضاً : دار الغربة ، الرِمس ، دار الوحشة ، البرزخ ، بيت الدود ، ومنقطع زورته ، لأنّ الزيارة تنقطع عنده.

والأجنان : القبور ، الواحد جنن ، والمجنون : المقبور ، والضرائح : جمع ضريح وهو القبر ، ويسمّىٰ كذلك الجَدَث ، دار البلى ، ومنازل الموتى.

___________________________________

١ ـ شرح نهج البلاغة : ١١ / ١٦٩.

١٣٣

فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قال :

« اللحد لنا والشَقّ لغيرنا » (١).

وهو ما عليه أهل المدينة.

وأغلب اليهود والنصارى يشقّون الأرض ويُنزلون موتاهم وبتوابيتهم المُحكَمَة ، ويوارونهم التراب.

والحال : أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ألحدوا له في قبره ، ويومها دعا أمير المؤمنين عليه‌السلام أن يختار الله ما فيه الخير ، وزاد ارتفاع قبره على الشبر ، ورُشّ بالماء... (٢)

ومن كلام عمر : اخشَعْ عند القبور إذا نظرت إليها ، واستعصِ عند المعصية ، وذلّ عند الطاعة ، ولا تبذلنّ كلامك إلّا عند من يشتهيه ويتخذه غُنمَاً ، ولا تستعِن على حاجتك إلّا بمن يحبّ نجاحها لك ، وآخي الإخوان على التقوى ، وشاور في أمرك كلّه (٣).

تأمّل هذا الحَدَث ، وتعجَّب أو لا تعجب :

قال إبن أبي الحديد : لمّا توفّي عبدالله بن اُبيّ رأس المنافقين في حياة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله جاء ابنه وأهله ، فسألوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقام بين يدي الصفّ يريد ذلك ، فجاء عمر فجذبه من خلفه ، وقال : ألم ينهك الله أن تصلّي على

___________________________________

١ ـ دعائم الاسلام : ١ / ٢٣٧ ، والبحار : ٧٩ / ٢٠ ، الحديث : ٥ ، ( نحوه ).

٢ ـ علل الشرائع : ١ / ٣٥٧ ، والبحار : ٧٩ / ١٤ ، الحديث ١.

٣ ـ شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٤٠ ، ٥٥.

١٣٤

المنافقين ! قال : إنّي خُيّرت فاخترت ، فقيل لي : ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللَّـهُ لَهُمْ ) (١).

ولو أنّي إذا زدت علىٰ السبعين غُفر له لزدت.

ثم صلّى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عليه ومشى معه ، وقام على قبره (٢).

عجباً فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقف على قبر رأس المنافقين ويصلّي عليه ، والوهّابية تحرّم زيارة قبر النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والصالحين ! ولمّا جاء الأمر بعدم الصلاة على أحدٍ منهم مات أبداً وأن لا يقوم على قبره امتثل ، وهكذا كان ، نهى عن زيارة القبور ، ثم أمر بها.

فعلامَ هذه الضجة ؟ علامَ ؟

نعم ، إنّ من القبور ما تُرجَم ، كما رُجِم قبر أبي رُغال ، ليس بقية القبور !

فيامَن تحرّمون زيارة القبور استبدلتم الرجم بالمنع ، وقتلتم عليه الأنفس البريئة ، فما الفرق بينكم وبين من رُجم ؟

قال الثاني : « مَن أحب أن يصلَ أباه في قبره ، فليصلِ إخوان أبيه من بعده ».

زيارة أصدقاء الأب تعني صلة الأب في قبره ، وإن لم يكن له إخوان فليَزُر القبر.

___________________________________

١ ـ التوبة : ٨٠.

٢ ـ شرح نهج البلاغة : ١٢ / ٤٠ ، ٥٥.

١٣٥

الخليفة الثاني يقبّل الحجر

روى أبو سعيد الخدري ، قال : حججنا مع عمر أول حجّةٍ حجّها في خلافته ، فلمّا دخل المسجد الحرام دنا من الحجر الأسود فقبّله واستلمه ، وقال :

إنّي لأعلم أنك حجر لا تضرّ ولا تنفع ، ولولا أنّي رأيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قبّلك واستلمك لما قبّلتك و لا استلمتك.

فقال له عليّ عليه‌السلام : « بلى يا أمير المؤمنين ، إنّه ليضرّ وينفع. ولو علمت ذلك من تأويل كتاب الله لعلمت أنّ الذي أقول لك كما أقول ، قال الله تعالى : ( وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ ) (١) ، فلمّا أشهدهم وأقرّوا له أنّه الربّ عزّ وجلّ ، وأنّهم العبيد ، كتب ميثاقهم في رقّ ، ثم ألقمه هذا الحجر ، وإنّ له لعينين ولساناً وشفتين تشهد لمن وافاه بالموافاة ، فهو أمين الله عزّ وجلّ في هذا المكان ».

فقال عمر : لا أبقاني الله بأرض لست بها يا أبا الحسن » (٢).

وترى وبكل اعتزازٍ اليوم في متاحف المسلمين أماكن مخصوصةً معروضاً فيها :

١ ـ ميل ومكحلة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله.

___________________________________

١ ـ الأعراف : ١٧٢.

٢ ـ شرح نهج البلاغة : ١٢ / ١٠١ ، تفسير الرازي : ١٦ / ٣٢ ، الحديث ١٠.

١٣٦

٢ ـ شُعيرات من رأس ولحية رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٣ ـ بعض الأثاث التي كانت في بيوته صلى‌الله‌عليه‌وآله.

٤ ـ عصاه التي كان يستعملها ، وأشياء اُخرى موضع الاهتمام والتجليل والتقدير ، تُشَمّ وتُقبَّل وتُعطَّر.

شجرة بيعة الرضوان

لقد وجدنا في الآثار والأخبار في سيرة الخليفة الثاني : أنّه أمر بقطع الشجرة التي بُويع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله تحتها ، وهي بيعة الرضوان في عمرة الحديبية ، وقد كان المسلمون بعد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يأتونها فيقيلون تحتها ، فلمّا تكرّر ذلك أوعدهم الخليفة فيها ، ثم أمر بها فقطعت !

عجباً ! في تلك البقاع التي تمتاز بحرارة جوّها وكثرة قوافلها ، وحاجة الناس للتظليل ، وما لهذه البقعة الشريفة من مقام ، تمّت فيها بيعة الرضوان ، تقطع الشجرة ؛ لأنّ المسلمين يأتونها فيقيلون تحتها.

وشجرة أبينا آدم عليه‌السلام في العراق في مدينة القُرنة التابعة لمحافظة البصرة ، حيث يلتقي النهران دجلة والفرات ، محفوظة بالحوافظ ، وعليها من يحرسها ، يزورها العرب والعجم من المشرق والمغرب ، ويصوِّرونها ، وقد لُفّت بمادة البلاستيك الشفّاف ، حفاظاً عليها.

وإذا كانت لك زيارة لمتاحف العالم تجد : مَسَلّة حمورابي ، وأسد بابل ،

١٣٧

وألواحاً من الطين كتب عليها بالخط المسماري ، وأوانٍ من الفخار يعود زمنها إلى أكثر من ستّة آلاف سنة ، لا زالت محتفظة برونقها ، والناس تستفيد منها ، حيث تستذكر الماضي ، لتأخذ العبر في الحاضر والمستقبل ، ولكن ماذا نقول لمن يمشي بهواه ، ويفرض على غيره محتواه ؟

لماذا تأمرون بهدم المنائر والقباب ، وتَسِمون من يزور القبور بالكفر ، وتذيقونهم الويل والثبور ، وأنتم اليوم تقيمون المآذن والبناء الشامخ ، على أعقاب آثار ليس من حقّكم التصرّف بها ؛ لأنّها ليست ملكاً لكم ولا خاصة بكم ، إنّها ملك المسلمين جميعاً ؟!

أين أنتم يا علماء الإسلام ؟

أين أنتم يا أصحاب القلم ؟

أين أنتم أيها الخطباء ، وأئمّة الجمعة والجماعة ؟

أين أنتم ممّن كفّر ويكفّر طائفةً كبيرةً من المسلمين عملوا بما جاء من الأخبار الواردة عن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في صحاحكم ؟

ولماذا هذا الحقد والعداء ؟

قلتم بزيارة القبور ، وأنتم كما تبيّن لنا ولكم وكما أسلفنا أنكم أكثر زيارةً للقبور منّا ، حيث تكاثرتم بها قبل الإسلام وزرتموها بعد الإسلام ، ولا زلتم تزورنها ، كما بيّنا ذلك في زيارة الحجر ، حجر إسماعيل وهاجر عليها‌السلام ، وسبعين نبياً.

وقلنا : إنّكم بين أمرين لا ثالث لهما :

١٣٨

١ ـ إمّا أن تكون أحاديثكم صحيحة في زيارة القبور ، في كلّ ما جاء فيها ، ولم يحجَّ منكم أحد ، ولم يصلّي منكم أحد !

٢ ـ وإمّا أن تكون أحاديثكم هذه موضع شكٍّ وافتراء ، ووضع لغاية دنيوية وشخصية يراد بها التشويه والتفريق بين المسلمين !

فتكونون قد افتريتم على الله تعالى وعلى رسوله الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله ، وعلى الاُمّة الإسلامية ، وعلى الناس وعلينا لتبوّؤا أشدّ العذاب ، لِما جنته أيديكم وألسنكم وأنفسكم الأمّارة بالسوء وأقلامكم المأجورة التي تكتب ما يمليه عليكم الأسياد مقابل ثمن زهيدٍ جداً ، قد بِعتُم دينكم الثمين القيّم بهذا المبلغ الزهيد !!

١٣٩

بيت الأحزان

لا يخفى أنّ الإنسان مجموعة عن الأحاسيس ، والمشاعر ، والعواطف ، وإنّ القلب ليخشع ، والعين تدمع ، وكلّما كانت المصيبة أعظم كانت تلك الأحاسيس والمشاعر أقوى وأوضح ، بحيث تصل بالإنسان إلى فقدان السيطرة عليها.

فراق الأحبّة ، فراق الأعزّة ، والفراق بعضه يهوِّن عن بعض. أمّا أن يكون فراق ما بعده لقاء في الدنيا فوقعه أعظم... !

نعم ، فراق خاتم الأنبياء والمرسلين ، وحبيب ربّ العالمين ، مع كثرة الشامتين والأعداء لبضعة الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله ، سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء البتول عليها‌السلام ، فارقت الزهراء عليها‌السلام أباها ، وهي بعد في عمر الورد ، فكان لفراقها إياه الوقع العظيم والأثر البالغ ، ..

فأخذت تبكي أباها ، وتبكي الشامتين فيها ، فأظهروا الضجر من بكائها ، وطلبوا التخفيف منها ، وهو طلب في غاية الجسارة والتجاوز ، فخرجت خارج المدينة نزولاً عند رغبتهم وطلبهم ، وامتثالاً لأمر أمير المؤمنين عليه‌السلام...

واتّخذت من شجرة مجلساً تستظلّ بها لبكائها ، فقطعوا تلك الشجرة ،

١٤٠