🚖

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

المؤلف:

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
ISBN: 964-8163-14-6
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

ودرجةُ النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في الجنة أرفعُ الدرجات فمن زارهُ في درجته في الجنة من منزله فقد زار الله تبارك وتعالى (١) .

قال الشيخ الصدوق عليه‌السلام تعقيباً على هذه الرواية معنىٰ كن زار الله في عرشه ليس بتشبيه لأنّ الملائكة تزور العرش وتلوذ به وتطوف حوله وتقول نزول الله في عرشه كما نقول نحج بيت الله ونزور الله ، لأنّ الله تعالى ليس بموصوف بمكان تعالى عن ذلك علوّاً كبيراً ولعلّ في حديث الامام صادق عليه‌السلام تقريب لمفهوم الرواية الآنفة قال عليه‌السلام : « زيارة الأخ المسلم لأخيه المسلم في مرض أو صحة لا يأتيه خداعاً ولا استبدالاً وكّل الله به سبعين ألف ملك يُنادون في قفاهُ ان طبتَ وطابت لك الجنة فانتم زوّار الله وانتم وفدُ الرحمن حتى يأتي منزله » .

وكذلك قول الامام الباقر عليه‌السلام : إن الله عزّ وجل يقول أيّما مسلم زار مسلماً فليسَ إياهُ زار ، إيايّ زار وثوابه عليّ الجنة .

ثالثاً : زيارة الحسين عليه‌السلام كزيارة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله :

وكذلك حديث أبي بصير عن ابي عبد الله عليه‌السلام قال : إنّ زائر الحسين بن علي زائر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

وهذه المسألة واضحة جدّاً لأنّ الحسين عليه‌السلام ابن رسول الله وقد قال الرسول في حقّه : « حسينٌ منّي وأنا من حسين ، أحبَّ الله من أحبَّ حسيناً ، حسينٌ سبطٌ من الأسباط » .

والحسين عليه‌السلام كما ذكرنا في المجلس السابق لولا نهضته المقدّسة لمات ذكر جدّه بفعل طغاة بني أُمية ، أليس يزيد لعنه الله يقول :

لعبت هاشم بالمُلك فلا

خبرٌ جاءَ ولا وحيٌ نزل

* * *

______________________

(١) التوحيد ـ للشيخ الصدوق ـ : ١١٧ .

٨١

فلولا قيام الحسين عليه‌السلام لاندثر ذكر النبي واندثرت رسالته .

يقول الشاعر الأديب :

غداة ابو السجاد قام مشمّراً

لتشييد دين الله إذ جدّ هادمه

ورام ابن ميسون على الدين امره

فعاثت بدين الله جهراً جرائمه

فقام مغيثاً شرعة الدين شبل من

بصمصامه بدءاً أُقيمت دعائمه

فصال عليهم صولة الليث مغضباً

وعساله خصم النفوس وصارمه

إلى أن أعادَ الدين غضّاً ولم يكن

بغير دماء السبط تسقىٰ معالمه

ورضّت قراهُ العاديات وصدره

وسيقت على عجب المطايا كرائمه

* * *

نعم بدماءه الزاكية خطّ للأجيال طريق الحريّة والكرامة والعزّة ، وأحيىٰ دين جده المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله . لذلك صارت زيارته زيارة لجدّه الرسول ، وهكذا قطع رأسه في الحقيقة هو قطع لرأس النبي ، يقول السيد بحر العلوم :

ورأسُك أم رأس النبيّ على القنا

بآية أهل الكهف راح يردّدُ

* * *

ولذلك أقبل الصحابي الجليل القدر جابر بن عبد الله الأنصاري الذي سمع من الرسول فضل زيارة الحسين عليه‌السلام وإنّ زيارته تُعَد في الحقيقة زيارة لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله .

حيث روى الأعمش بن عطية العوفي قال خرجت مع جابر الأنصاري زائراً قبر الحسين عليه‌السلام ، فلمّا وردنا كربلاء دنا جابر من شاطئ الفرات فاغتسل ثم اتّزر بازار وارتدىٰ بآخر ، ثم فتح صرّة فيها سُعد فنثرها على بدنه ثم لم يخطو خطوةً إلّا ذكر الله تعالى حتى إذا دنا من القبر قال المسنيه فالمسته فخرّ على القبر مغشيّاً

٨٢

عليه فرششت عليه شيئاً من الماء ، فلمّا أفاق قال يا حسين ، يا حسين ، يا حسين ثم قال حبيبٌ لا يجيب حبيبه ، ثم قال : وأنّىٰ لك بالجواب وقد شحطت أوداجُك على أثباجك وفرّق بين بدنك ورأسك ، فأشهد أنّك ابن خاتم النبيين وابن سيد المؤمنين وابن حليف التقوى وسليلُ الهدىٰ وخامسُ أصحاب الكسا وابن سيّد النقباء ، وابن فاطمة سيدة النساء ، وما لك لا تكون هكذا وقد غذّتك كفُّ سيد المرسلين وربّيت في حجر المتّقين ورضعت من ثدي الإيمان وفطمت بالاسلام فطبت حيّاً وطبت ميتاً غير أن قلوب المؤمنين غير طيّبة بفراقك ولا شاكة في حياتك ، فعليك سلام الله ورضوانه وأشهد أنّك مضيت على ما مضىٰ عليه أخوك يحيى بن زكريا . ثم جال ببصره حول القبر وقال السلام عليكم أيّها الأرواح التي حلّت بفناء الحسين وأناخت برحله ، أشهد أنكم أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وأمرتم بالمعروف ونهيتم عن المنكر وجاهدتم الملحدين وعبدتم الله حتى أتاكم اليقين ، والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً لقد شاركناكم فيما دخلتم فيه ، قال عطيّة ، فقلت يا جابر فكيف ولم نهيط وادياً ولم نعلُ جبلاً ولم نضرب بسيف والقوم قد فرّق بين رؤوسهم وأبدانهم وأوتمت أولادهم ورُمِّلت أزواجهم ؟ فقال ل : يا عطيّة سمعتُ حبيبي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله يقول : « من أحبّ قوماً حُشر معهم ومن أحبّ عمل قوم أُشرك في عملهم والذي بعث محمداً بالحقّ نبيّاً ان نيّتي ونية أصحابي عل ما مضى عليه الحسين عليه‌السلام وأصحابه (١) . قال عطيّة : بينما نحن كذلك وإذا بسواد قد طلع من ناحية الشام ، فقلت يا جابر هذا سواد قد طلع من ناحية الشام ، فقال جابر لعبده انطلق إلى هذا السواد وأتنا بخبره فان كانوا من أصحاب عمر بن سعد فارجع إلينا لعلّنا نلجأ إلى ملجأ ، وإن كان زين العابدين فأنت حرٌّ لوجه الله

______________________

(١) بشارة المصطفى : ٧٤ .

٨٣

تعالى ، قال : فمضىٰ العبد ، فما كان بأسرع من أن رجع وهو يقول : يا جابر قُم واستقبل حرم رسول الله ، هذا زين العابدين قد جاء بعمّاته وأخواته ، فقام جابر يمشي حافي الأقدام ، مكشوف الرأس إلى أن دنا من زين العابدين عليه‌السلام فقال الامام عليه‌السلام : أنت جابر ؟ فقال نعم يابن رسول الله ، فقال يا جابر ها هنا والله قتلت رجالنا وذُبحت أطفالنا وسُبيت نساؤنا وحُرقت خيامنا » .

هاي الدار بيها القوم دارت

اهناه اعيوننه امن العطش غارت

اهناه ابوم عاشور خلط صارت

اهناه المرعنه اهناه المعاره

* * *

اهناه اچفوف ابو فاضل والمصاب

اهناه احسن ابوي ابگلبه انصاب

اهناه چتلوا هلي كلهم والأصحاب

ابوادي كربله دمهم نثاره

* * *

اهناه كلهم هلي بالطف غدو فوت

اهناه بالسيف حال اعليهم الموت

اهناه بيها المحورب صاح البيوت

اهناه الخيل اجت للنهب غاره

* * *

واجتمعوا بالنياحة والبكاء على سيد الشهداء عليه‌السلام وإمّا الحوراء زينب عليها‌السلام ومن معها وسكينة أقبلوا نحو قبر الحسين عليه‌السلام ولسان الحال :

زينب والحرم للگبر داجت

احزان البلگلب حسن هاجت

اخت تشچي لخوها ريت لاجت

قفره الدار والمدفن مزاره

* * *

هوت للگبر وترابه تشمه

او لگتها ذچ اهي غدران دمه

لگت كل العشيرة اگبور مه

عدد واصحاب کلهم فرد حاره

* * *

٨٤

جينه او على گبرك گعدنه

ونخناك يا عزنه او ضمدنه

هاي المحامل گوم ردنه

لرض المدنة وطن جدنه

مهي امناسبه نرجع وحدنه

ولا هي امناسبه الغربه تردنه

* * *

وفؤادُ الحوراء طيرٌ ذبيحٌ

يتنزّىٰ عل صعيد الفناء

* * *

٨٥

أدوار الأئمة تجاه ثورة الحسين عليه‌السلام

فيا راكباً مهريّة شأت الصبّا

كأنّ لها برق الغمام زمام

إذا جرت في وادي قُبا قل بعولة

أهاشم قومي فالقعود حرام

قضى السبط ظمآن الفؤاد وشلوه

لبيض المواضي والرماح طعام

وقد قطعت أوداجه بشبا الظُبى

ورضّت له بالصافنات عظام

وأعظم رزء زلزل الكون خطبه

ودكّ الرواسي فهي منه رمام

هجوم العدى بغياً على حجب أحمد

ولم يرع فيها للنبيّ ذمام

ففرّت من الأعداء حسرى مروعة

لها الصون ستر والعفاف لثام

تجيل بطرف للحماة فلا ترى

سوى جثث قد غالهنّ حمام

فنادت وقد عضّ المصاب فؤادها

وشبّ لها بين الضلوع ضرام

أيا سائق الأضعان قف لي هنيئة

فها إخوتي فوق الصعيد ينام

أغسّل اجساداً لهم بمدامعي

أكفكفها بالراح وهي سجام (١)

* * *

______________________

(١) السيد عباس البغدادي .

٨٦

أتمهل يحادي بالسرى لا تزعجوني

يم جسم اخويه حسين ساعه وقفوني

بلكي اغسّل جثته ابدمعة اعيوني

وادموع سكنه والرباب او هالغرايب

* * *

اتمهل يحادي اندهشت النسوان كلها

هذي تدور سترها او هذي طفلها

او هذي تجر ونّه على شايل حملها

او هذي تصيح انشيل والعباس غايب

* * *

وصدّت إلى المسناة والعبره جريه

ونادت يراعي المشرعه لحگ علّه

عگب الخدر للشام ردوني سبيّه

ولا واحد بطول الدرب ينغر علينه

* * *

والله ما رافقكم يا هالناس

أرافق غرب يغتاظ عباس

ترضى يحامي الدرع والطاس

أنه امشي ذليله وامهبطه الراس

* * *

يحادي الظعن عباس مر بيّه

اخويه الشفيه واعتب اعليه

اگله الظعن يا هو اليباريه

اليوم نامت أعين بك لم تنم

وتسهّدت أُخرى فعزّ منامها

* * *

من أدوار الأئمة تجاه ثورة الامام الحسين عليه‌السلام :

ربط الأُمة عاطفياً بقضية الحسين عليه‌السلام :

الجانب العاطفي في الإنسان جانب أساسي ومهم في تحديد موقفه العقائدي والسياسي والاجتماعي ، هذه الحقيقة موجودة عند الانسان فانه يتأثر بالجانب العاطفي أكثر مما يتأثر بالجانب العقلي ، ولهذا فانّ العاطفة يمكن أن تكون

٨٧

مدخلاً للعقل ومحاكاته ، باعتبار استجابتها السريعة عند الانسان . ومعظم افراد الأُمة فان للجانب العاطفي دور كبير في حياتها ، لهذا ركّز الأئمة عليهم‌السلام على الجانب العاطفي لربط الأُمة بقضية الحسين عليه‌السلام وبالتالي تحريكها باتجاه الأهداف الاساسية لهذه الثورة .

التحرك العاطفي للسجاد عليهم‌السلام ... لماذا :

انّ الامام عليه‌السلام اتخذ طابع الحزن واظهار المظلومية ، ولعلّ من جملة الروايات التي تؤكد ذلك ما روي عن أبي عبد الله عليه‌السلام قوله : « بكى علي بن الحسين على أبيه الحسين عليه‌السلام عشرين سنة وما وضع بين يديه طعاماً إلّا بكى عل الحسين ... » (١) .

هناك مبررات موضوعية لهذه الأستراتيجية نشير إلى أهمها :

أولاً : أن من أهداف ثورة الحسين عليه‌السلام تحريك الأُمة وإعادة ارادتها لها وبالتالي رفضها للظلم والانحراف والطغيان وتحريك الأُمة يحتاج منها ان تتفاعل مع الثورة بشكل ما لتؤثر الثورة فيها ولهذا يكون المدخل العاطفي هو المؤثر بالنسبة للأُمة التي فقدت ارادتها .

ثانياً : أن الظرف السياسي بعد مقتل الامام الحسين عليه‌السلام كان صعباً فأي تحرّك سياسي ثوري مهما كان صغيراً يتم القضاء عليه بالسرعة الممكنة وبكل الوسائل الوحشية كما في إباحة المدينة . ولكي تُربط الأُمة بثورة الحسين يحتاج إلى تحرك واسع ليس فيه اشارة واضحة للسلطة الحاكمة ، والتحرك العاطفي لا يثير السلطة الحاكمة .

ثالثاً : ان الامام السجاد عليه‌السلام كان مراقب مراقبة شديدة من قبل الطغاة واعوانهم باعتباره الامام في زمانه وتتوجه إليه انظار المسلمين ، فلهذا تتوقع السلطة الحاكمة تحركاً منه إلى غيره من المبررات الموضوعية لهذا التحرك الواسع .

______________________

(١) كامل الزيارات : ١٠٧ .

٨٨

قام الأئمة بربط الأُمة عاطفياً بقضية الحسين عليه‌السلام من خلال أُمور :

١ ـ إظهار المظلومية : من خلال ما تعرّض له الحسين عليه‌السلام عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام : « أصيب الحسين بن علي عليه‌السلام ووجد به ثلاثمائة وبضعة وعشرون طعنة رمح أو ضربة سيف أو رمية سهم » (١) .

وهكذا ما صنع بعلي الأكبر بالعباس ، وكذلك ما جرى لبنات الزهراء عليها‌السلام من فزع اثناء حرق اعداء الله للخيام وفرارهن من خيمة إلى خيمة . قول الامام زين العابدين عليه‌السلام لبعض أصحابه إنّي كلما نظرت في وجوه عمّاتي وأخواتي تذكرت فرارهن يوم عاشوراء من خيمة إلى خيمة .

استغلال الظروف المناسبة : فقد روي عن الامام زين العابدين عليه‌السلام انه كان ماراً في السوق وشاهد أحد القصابين عنده غلام يذبح شاة فقال لغلامه هل سقيتها ماءاً قبل أن تذبحها فقال بلى ، فسألهم زين العابدين عليه‌السلام أنتم معشر القصابين لا تذبحون الشاة حتى تسقوها الماء قالوا بلى حين ذاك توجه إلى قبر الحسين عليه‌السلام واغرورقت عيناه بالدموع قال أبه حسين الشاة لا تذبح حتى تسقى الماء وقد ذبحت إلى جنب الفرات ظمآنا . وكمثال آخر قول الامام الرضا عليه‌السلام لابن شبيب : « يابن شبيب ان المحرّم هو الشهر الذي كان أهل الجاهلية فيما مضى يحرمون فيه الظلم والقتال لحرمته فما رعت هذه الأُمة حرمة شهرها ولا حرمة نبيها صلوات الله عليه وآله ، لقد قتلوا في هذا الشهر ذريته وسبوا نساءه ... » .

٢ ـ البكاء : وردت الروايات الكثيرة من أهل البيت عليهم‌السلام في الدعوة إلى البكاء على الحسين عليه‌السلام وثواب الدمعة فيه ، بل أنهم عليهم‌السلام دفعوا الأُمة إلى التباكي أيضاً من أجل اظهار المظلومية . ردي عن أبي جعفر الباقر عليه‌السلام : « أيما مؤمن

______________________

(١) بحار ٤٥ : ٨٢ .

٨٩

دمعت عيناه لقتل الحسين عليه‌السلام دمعة تسيل على خدّه إلّا بوّأه الله بها غرفاً في الجنة يسكنها أحقاباً » (١) .

نعم أن التفاعل يكون نتيجة لشعور الأُمة بظلامة الحسين عليه‌السلام نتيجة للظلم الذي أصابهم من الطاغية يزيد وأعوانه وهذا التفاعل والبكاء يدفع الناس إلى قضية الحسين عليه‌السلام التي هي الاسلام . ولا تعني حالة البكاء على الحسين عليه‌السلام دليلاً على الذلة والمسكنة والخوف ومن هنا عبّر الامام الخميني قدس‌سره : « اننا شعب استطعنا بهذا البكاء ابادة قوة استمرت الفان وخمسمائة عام » .

٣ ـ استغلال وسائل الاعلام لصالح الثورة : الاعلام له دور كبير في عملية الثورة والتغيير ، فهو يعتبر مكملاً للعمل الذي يراد به تغيير الأُمة او إدخال قناعة جديدة في أذهانها . ومن الجدير بالذكر ان الوسائل الاعلامية في عصرهم عليهم‌السلام كانت محدودة جداً ورغم ذلك كان للاعلام دور مهم وكبير .

الشعر : الوسيلة الاعلامية الرئيسية : في ذلك الزمان ، وكانت القصائد الشعرية ذات المواضيع الحساسة تسري في وسط الأُمة كسريان النار في الهشيم وتتلقفها جماهير الأُمة وكلها آذان صاغية . من هنا حثّ الأئمة الشعراء على ذلك فقد روي عن الامام الصادق عليه‌السلام قوله : « من انشد في الحسين عليه‌السلام بيت شعر فبكى وابكى عشرة فله ولهم الجنة ... فلم يزل حتى قال من انشد في الحسين بيتاً فبكى او تباكى فله الجنة » (٢) .

وقد جسّد الأئمة عليهم‌السلام هذه القضية بشكل عملي ، خصوصاً الإمام الصادق والامام الرضا عليهم‌السلام فكانا يستدعيان الشعراء لأجل إلقاء الشعر في الحسين عليه‌السلام

______________________

(١) كامل الزيارات : ١٠٤ .

(٢) كامل الزيارات : ١٠٥ .

٩٠

وذكر مظلوميته ، وكمثال على ذلك دعبل الخزاعي لمّا نظم قصيدته التائية قصد الامام الرضا عليه‌السلام بخراسان فلما التقى الامام رضا عليه‌السلام قال سيّدي مولاي آليت على نفسي ان لا أنشدها أحداً قبلك « وليس ذلك إلّا لعلمه بمحبة الامام عليه‌السلام لذلك » فقال هاتها فانشده القصيدة المعروفة والتي منها :

تجاوبن بالإرنان والزفرات

نوائح عجم اللفظ والنطقات

يخبّرن بالأنفاس عن سر أنفس

أُسارى هوى ماض وآخرآت

بكيت لرسم الدار من عرفات

واذريت دمع العين بالعبرات

* * *

إلى أن بلغ إلى قوله :

ارى فيئهم في غيرهم متقسماً

وايديهم من فيئهم صفرات

* * *

بكى ابو الحسن عليه‌السلام وقال صدقت يا خزاعي ولما وصل إلى قوله :

إذا وتروا مدّوا إلى واتريهم

أكفّاً عن الأوتار منقبضات

* * *

جعل ابو الحسن يقلّب كفيه ويقول أجل والله منقبضات ، ولما وصل إلى قوله :

لقد خفت في الدنيا وأيام سعيها

وإني لأرجو الأمن بعد وفاتي

* * *

قال له الرضا عليه‌السلام آمنك الله يوم الفزع الأكبر ولمّا وصل إلى قوله :

وقبر ببغداد لنفس زكيّة

تضمنها الرحمن بالغرفات

* * *

٩١

قال الرضا عليه‌السلام أفلا ألحق لك هذا الموضع ببيتين يكون بهما تمام قصيدتك ، قال بلى يا ابن رسول الله فقال عليه‌السلام :

وقبر طوس يا لها من مصيبة

ألحّت على الأحشاء بالزفرات

إلى الحشر حتى يبعث الله قائماً

يفرّج عنها الهمّ والكربات

* * *

لكن يا محب أتدري متى ازداد بكاء الامام وازداد نحيبه ، وارتفعت أصوات النساء بالبكاء لمّا وصل دعبل إلى هذين البيتين :

بنات يزيد في القصور مصونة

وآل رسول الله في الفلوات

* * *

ولسان حال الحوراء زينب عليها‌السلام :

انه الچان ما نشاف الي خيال

حكّم زماني واحوج الحال

بديت وسبيّه ابولية انذال

اولالي بگه بالخل خّال

عگب الخدر عگب الدلال

عل النوگ ومربگن بحبال

* * *

انه مشيت درب الما مشيته

وچتال اخي رافگته

من جلّة الوالي نخيته

شتم والدي وانكر وصيته

* * *

وحگك ما شفت راحم وانا صيح

زجر كل ساعه يضربني وانا صيح

لون حاضر يبو الشيمه وانا صيح

ابد چا ما جسر واحد علّه

* * *

ولهفي لآلِ الله أسرى حواسرا

سبايا على الأكوار سبي الديالم

ومن بلدة تسبى إلى شر بلدة

ومن ظالم تهدى إلى شر ظالم

٩٢

نشاطات الامام زين العابدين عليه‌السلام

ما هنت قدراً على الله العظيم ولم

يحجب فديتك عنك النصر خذلانا

لكنما شاء ان يبديك للملأ الأعلى

ويجعل منك النصر عنوانا

فعزّ ان تلظّىٰ بينهم عطشاً

والماء يصدر عنه الوحش ريانا

ويل الفرات اباد الله غامره

وردّ وارده بالرغم ضمآنا

لم يرو حرّ غليل السبط بارده

حتى قضى في سبيل الله عطشانا

فيا سماء لهذا الحادث انفطري

فما القيامة ادهى للورى شانا

ولترجف الأرض شجواً فابن فاطمة

أمسى عليها تريب الجسم عريانا

لم أنس زينب بعد الخدر حاسرة

تبدي النياحة الحاناً فألحانا

مسجورة القلب إلّا أنّ أعينها

كالمعصرات تصبّ الدمع عقيانا

تدعو اباها أمير المؤمنين ألا

يا والدي حكمت فينا رعايانا

وغاب عنّا المحامي والكفيل فمن

يحمي حمانا ومن يأوي يتامانا

قم يا علي فما هذا القعود وما

عهدي تغض على الأقذاء أجفانا (١)

* * *

______________________

(١) للشيخ محسن فرج .

٩٣

صدّت للبغري الميمر نحلها

تگله فزعتك هذي محلها

* * *

يبويه اتگول زينب لو مشت خاف

يبويه طولها بالليل ينشاف

يبويه اميسّره هذا من الانصاف

او مجالس كل بني ميه تصلها

* * *

يبويه يا هظم طبّت الكوفه

يبويه اشلون كل مجلس نطوفه

يزيد ايشوفنه اشلون او نشوفه

يبويه اشلون هالهظمه انحملها

* * *

يبويه ايهون الك للشام ماشين

او ضل احسين ما تگعد يبو احسين

يبويه العايله ايتام او نساوين

يبويه اوي الغرب من يرحم الها

* * *

يبويه العابد السجاد بالگيد

يبويه امچتف او للشام البعيد

يبويه من تشوفه عمته اتهيد

يبويه من تگع من يرچب الها

* * *

فانهض لعلك من أسر أضرَّ بنا

تفكنا وتول دفن قتلانا

* * *

الأنشطة والأدوار المهمة التي قام بها علي بن الحسين زين العابدين عليه‌السلام :

هناك مجموعة أدوار قام بها الامام عليه‌السلام ولا يمكن ذكرها كلّها في مجلس واحد ولكن نذكر قسماً منها .

٩٤

النشاطات المهمّة للإمام زين العابدين عليه‌السلام :

أولاً : تعميق مفهوم الإمامة في وسط الأُمة : إنّ مفهوم الإمامة يعني : أن الإمام عليه‌السلام من أهل البيت هو الوحيد الذي يملك صلاحية قيادة الأُمة حيث يستطيع أن يوجهها نحو الأهداف المطلوبة . وهذا يعني أن تولي غير الإمام الشرعي يؤدي إلى انحراف المسيرة عن الطريق المستقيم ، وقبل أن نبيّن هذه النقطة لا بأس أن نشير إلى تغيير مفهوم الامامة لدى الأُمة وهما عاملان أدّيا إلى تغيير مفهوم الإمام لدى الأُمة .

أ ـ اتجاه الخط السياسي بعد وفاة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله اتجاهاً مغايراً مع مفهوم الإمامة حيث أخذ في البداية شكل التعيين من الخليفة السابق للخليفة الذي يليه ثم تحوّل إلى نظام وراثي يرث الابن لمنصب الخلافة من أبيه رغم عدم امتلاكه للمؤهلات اللازمة لهذا المنصب الخطير .

ب ـ ممارسة الحكام الأمويون سياسة تشويهية ، فالتاريخ يحدّثنا أنّه لما ظفر مسلم بن عقبة على المدينة واستباحها دعا الناس إلى البيعة ليزيد على أنّهم خول له أي ( عبيد ) يحكم في دماءهم وأموالهم وأهليهم ما شاء فمن امتنع من ذلك قتله (١) . هذان العاملان أدّيا إلى تغيير مفهوم الامامة عند الأُمة .

وكيف نفهم تعميق مفهوم الامامة من خلال النقاط التالية :

١ ـ إنّ الإمام هو العالم بالحلال والحرام والأمين على دين الله فمن تولاه أصاب واهتدى ومن أعرض عنه فقد ضل وبغى ومن هنا يقول الامام سجاد عليه‌السلام :

______________________

(١) بحار ٤٦ : ١٣٩ .

٩٥

« ليس بين الله وبين حجته حجاب ، ولا لله دون حجته ستر فنحن أبواب الله ونحن الصراط المستقيم ، ونحن عيبة علمه ، ونحن تراجمة وحيه ، ونحن أركان توحيده ، ونحن موضع سره » (١)

٢ ـ إذا كان الامام عليه‌السلام هو أمين الله في أرضه والعالم بأحكامه ، فعلى الأُمة التسليم له والانقياد له ، والانصراف عنه إلى شخص آخر معناه الضلال وعبادة الطاغوت يقول السجاد عليه‌السلام : « إن دين الله تعالى لا يصاب بالعقول الناقصة والآراء الباطلة والمقاييس الفاسدة ، ولا يصاب إلّا بالتسليم فمن سلّم لنا سلم ، ومن اقتدى بنا هدى ، ومن كان يعمل بالقياس والرأي هلك ، ومن وجد في نفسه شيئاً مما نقوله أو نقضي به حرجاً كفر بالذي أنزل السبع المثاني والقرآن العظيم وهو لا يعلم » (٢) .

٣ ـ ضرورة وجود الحجة في الأرض إما ظاهراً مشهوراً او غائباً مستوراً وكونه أمان لأهل الأرض فيجب على المؤمن أن يبحث عن إمام هدى ويرفض الطواغيت الذين يفرضون أنفسه على الناس بالقوة يقول الامام السجاد عليه‌السلام : « نحن أئمة المسلمين ، وحجج الله على العالمين ، وسادة المؤمنين ، وقادة الغرّ المحجلين ، ونحن أمان لأهل الأرض كما أن النجوم أمان لأهل السماء ، ونحن الذي بنا يمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلّا بإذنه ، وبنا يمسك الأرض أن تميد بأهلها ، وبنا ينزل الغيث ، وتنشر الرحمة ، وتخرج بركات الأرض ، ولولا ما في الأرض منّا لساخت بأهلها ثم قال : ولم تخل الأرض منذ خلق الله آدم من حجة الله فيها ظاهر مشهود أو غائب مستور ولا تخلو إلى أن تقوم الساعة من حجة الله فيها ولولا ذلك لم يعبد الله » (٣) .

______________________

(١) معاني الأخبار : ٣١ .

(٢) بحار ٤٦ : ٢٦٠ .

(٣) كمال الدين وتمام النعمة : ٢٠٧ .

٩٦

وبهذه المفاهيم يبيّن الامام السجاد عليه‌السلام فكرة الامامة ويضعها في موقعها الصحيح في حركة المجتمع الانساني .

٤ ـ ضرورة طاعة الإمام من أهل البيت عليهم‌السلام ، إنّ عدم تولّي الامام للسلطة بسبب الطغاة لا يعفي الأُمة من مسؤولية طاعة الامام ، علماً إنّ طاعة الامام تستدعي عصيان الحاكم الجائر يدل على ذلك ما روي عن الامام زين العابدين عليه‌السلام : « كان عليه‌السلام واقفاً بعرفات ومعه الزهري فقال له : كم تقدر ههنا من الناس ، قال الزهري أقدر أربعة آلاف كلهم حجاج قصدوا الله بأموالهم ويدعونه بضجيج أصواتهم فقال عليه‌السلام : يا زهري ما أكثر الضجيج فقال الزهري أهولاء قليل ؟ قال عليه‌السلام يا زهري ما الحجيج من هؤلاء إلّا النفر اليسير من ذلك الجمع الغفير ثم قال : إنّ من والىٰ موالينا وهجر معادينا ووطن نفسه على طاعتنا ثم حضر الموقف مسلماً إلى الحجر الأسود ما قلّده الله من أمانتنا ووفانا بما ألزمه من عهودنا فذلك هو الحاج » (١) .

ثانياً : تكوين القاعدة الجماهيرية ، إنّ من أهم المسؤوليات التي مارسها الامام هي مسؤولية بناء القاعدة الجماهيرية المؤيّدة للإمام لكن ليست كالقادة السياسين الذي يسعون وراء الحصول على المريدين ، وانما من باب ان الامام يمثّل الولاية الشرعية الحقّة فمولاته والانقياد له إنما هو امتثال للتكليف الشرعي بوجوب الكفر بالطاغوت وطاعة أُولي الأمر الذين نصبهم الله أدلاء على طريقه . ورغم العوائق التي كانت تكتنف الامام زين العابدين عليه‌السلام خصوصاً تحسّس السلطة من خلال قتلهم الحسين عليه‌السلام وخوفهم من أن يقوم الامام عليه‌السلام بثورة للأخذ بثأر أبيه الحسين عليه‌السلام لكن نستطيع أن نقول أنّ الامام عليه‌السلام نجح في تكوين قاعدة له كما

______________________

(١) بحار ٤٦ : ١٧٤ .

٩٧

نلمس ذلك بوضوح من خلال هذا النص ، قال سعيد بن المسيّب : « إن القرّاء كان لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين فخرج وخرجنا معه ألف راكب » (١) .

أما أهم الطرق والأساليب مارسها الامام السجاد عليه‌السلام لبناء القاعدة الجماهيرية هي :

الأُسلوب الأول : كثرة عتق العبيد : كان الامام السجاد عليه‌السلام كثير الشراء للموالي وكان يعتق كل عبد دار عليه الحول في ملكه ، وكان في آخر ليلة من شهر رمضان يجمع العبيد ثم يعتقهم جميعاً وبمرور السنوات شكل هؤلاء طبقة خاصة من المؤيدين لأهل البيت ، وكشاهد على ذلك : « كان عليه‌السلام يوماً خارجاً فلقيه رجل فَسبَّهُ فثارت إليه العبيد والموالي فقال لهم علي : مهلاً كفوا » (٢) .

الأُسلوب الثاني : الإنفاق على الفقراء والمساكين : وكان يتصدق بلباسه من الخز فيقال له : لو بعته وتصدقت بثمنه فكان يقول إني لا أبيع ثوباً صلّيت فيه ، وكان يعول حدود مائة بيت في المدينة ، وكان يطعم في شهر رمضان الصائمين وذلك كان يذبح في كل يوم شاة أو غيرها ثم ، يأمر بطبخها فإذا صار الغروب أشرف على توزيعه إلى الفقراء والمساكين ثم يفطر هو على شيء من التمر والخبز .

إنّ الإنفاق والتصدّق والإطعام من شأنه ان يكسب قلوب الفقراء والناس « جُبلت القلوب على حب من أحسن إليها » .

الأُسلوب الثالث : كثرة السفر إلى مكة المكرمة وبصحبة حجاج لم يعرفوا

______________________

(١) رجال الكشي : ١١٧ .

(٢) بحار ٤٦ : ٩٩ .

٩٨

شخصه وحينما يسأل عن سبب ذلك كان يقول « أُكره أن أخذ برسول الله ما لا أُعطي مثله » (١) ولعلّ النص الذي نقله سعيد بن المسيب : « إنّ القراء كانوا لا يخرجون إلى مكة حتى يخرج علي بن الحسين فخرج وخرجنا معه ألف راكب » .

الأُسلوب الرابع : الأخلاق العاليّة التي كان يتمتع بها الامام عليه‌السلام والتي أدّت إلى تأثّر الأعداء بسلوكه وتأثروا بشخصيته وهذا ما نلمسه بشكل واضح حينما يحدّثنا التأريخ عن تشييع الامام عليه‌السلام ، كان موكباً مهيباً لم يبق رجل في المدينة ولا مخدّرة إلّا وخرجت من دارها وكان كيوم مات فيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله . أقول أسفي عليك يا غريب كربلاء من الذي شيّعك .

يا جثّة ما شيّعت يوماً ولا

نحو القبور سعت بها أقدامها

* * *

كأني بالحوراء زينب عليه‌السلام لما نظرت إلى الحسين عليه‌السلام وهو على أرض كربلاء بلا غسل ولا كفن .

بعد ما طال جرح أهلي ولا لم

ابچتلك زادت اهمومي ولا لم

جمع ميفيد لو صالك ولا لم

يخويه امطشّره بالغاضريه

* * *

جرح گلبك يدي او عيب ينشال

شلايم جرح گلبه او بش نشال

عاده الميت بتابوت ينشال

مشفنه ايظل عاري اعلى الوطيه

* * *

إمامنا الباقر عليه‌السلام دفن أباه السجاد عليه‌السلام باحترام وتقدير وتشييع ضخم .

______________________

(١) بحار ٤٦ : ١٠١ .

٩٩

ابلحده وسّده والگلب مکسور

او نران الحزن چانونها ايفور

بس احسين جده ابيوم عاشور

بعد الچتل عاري اعلى الترب تم

* * *

عاده او جرت عند الناس حين اللي يموت انسان

كل اخوته ايشيلونه ولا يبگ عل التربان

هم مت ثلث تام شفتوا اظل بلا ا چفان

بس بلا چفن مطروح بالطف ظل ابو اليمّه

* * *

يا ميتاً ترك الألباب حائرة

وبالعراء ثلاثاً جسمه تركاً

* * *

١٠٠