🚖

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

المؤلف:

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
ISBN: 964-8163-14-6
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

وما شوف يوم امن الحزن مرتاح بالي

واعظم عليّ امصاب مگطوع الوريدين

منهم ابسامرا ومنهم في خراسان

ومنهم بارض طيبة ومنهم بارض كوفان

واعظم مصيبة مصيبة المذبوح عطشان

احسين وينه اللي يواسيني على احسين

* * *

قد شتتوهم بين مقهور ومأسور

ومنحور بسيفِ عناد

هذا بسامرا وذاك بكربلا

وبطوس ذاك وذاك في بغداد

* * *

من دعائه عليه‌السلام لوالديه « ربّ اجعلني أهابهما هيبة سلطان العسوف وأبرّهما برّ الأُم الرؤوف حتى أُوثر على هواي هواهما وأقدّم على رضايت رضاهما واستكثر برّهما بي وإن قلّ واستقلّ برّي بهما وإن كثر » .

المقدمة :

ان الأئمة من آل الرسول عليهم‌السلام وإن اقعدتهم السلطة الغاشمة في دورهم وأوصدت عليهم أبواب الاجتماع بشيعتهم ومنعتهم من الإنتفاع بمعارفهم والاستضائة بأنوار تعاليمهم القدسية ليأمنوا في سبيل السير إلى المهيمن جلّ شأنه كل عقبة كؤود لكنهم وهم العارفون باساليب البيان كانوا يتحرون الوسائل لتعريف الناس ما يجب عليهم في هذه الدنيا الفانية والفوز بخلود الجنان .

٢١

فرفع ابن الخيرتين مشعل الهداية الوهاج بالابتهال والاستكانة إلى الباري تعالت عظمته لتبصر الأُمة ألق الحق وتعي هذه الصرخة من كريم رحيم لم يبعثه على الدعوة الإصلاحية إلّا صقل النفوس وتطهير القلوب من دون المطامع ولو أخذت بمنهاج ما دعا إليه لأمنت العذاب الواصب ولأكلت من فوق رؤوسها ومن تحت ارجلها ولأجابتها الطير في الجو السماء والحيتان في جوف البحار ولكنها أبت إلّا التردد في ظلمات الجهل والنكوص على الأعقاب (١) .

لقد تركت الصحيفة السجادية البصائر حائرة في انها هل هي أقوال ملك كريم تصك سمع البصير أو أمير ينظم الكلم كيف يشاء أو عارف خضعت له المعاني الضخمة أو عبدٌ استلان شوارد الجمل فاستمطر رحمة ربه سبحانه عطاء غير مجذوذ أو هي صحيفة بيضاء يرتّل حروفها الصالحون أو كتاب العبودية الخالد في يمين العصور فتبتهج بهتافها « ها أم اقرؤا كتابيه » (٢) .

إنّ القارئ جد عليهم عندما يمرُّ بالصحيفة الكاملة ( زبور آل محمد ) بامعان ودقة نظر يتجلىٰ له سير الامام عليه‌السلام في هذه الأدعية لتحصيل الغاية المتوخاة لصاحب الدعوة الإلهية المنقذ الأكبر محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله بالتحلية بالخلق الكامل والتخلية عن المساوي الذميمة وما يلزم الأُمة من الاجتماع والتضامن وحفظ حقوق الأخوان ومراعاة الآباء والأولاد وشكر المنعم ... الخ من المفاهيم الإسلامية والقرآنية ، والخلاصة لقد جرت الصحيفة المكرمة مجرىٰ القرآن الكريم في الإيعاز إلى جمل من أُصول الطاعة والنظم الاصلاحية وابداع التكوين واحكام الفلك ومختلف ابواب الطاعة كالصلاة والصيام والحج والجهاد وعلى هذا النهج والاسلوب جاء الصحيفة الكاملة ( انجيل اهل البيت ) .

______________________

(١) حياة الامام زين العابدين ، للمقرم : ٧٣ ـ ٧٤ .

(٢) نفس المصدر السابق : ٧٢ .

٢٢

وإنّك لتعرف علم الامامة بدقائق أسرار ما في الكون ومخبئات القضاء من قوله عليه‌السلام ( وامزج مياههم بالوباء ) فان القارئ يمرّ بهذه الجملة الذهبية الحاوية لسرّ ما أودع المهيمن سبحانه في زيادة انتشار مكروب ( الملاريا ) بالماء ولم يفهم المراد منها قبل أن يكشف العلم الحديث الحجاب عن هذه الخاصية التي ألمع إليها الإمام زين العابدين قبل مئات السنين .

دليل الصحيفة السجادية :

إنّ في الصحيفة السجادية عبقة من كلام النبوة وقبس من نور مشكاة الإمامة فهي كالصحف الإلهية ولبلاغتها تسجد سحرة الكلام وتذعن بالمعجز عن مباراتها الأعلام وقد حكىٰ ابن شهر آشوب ان بعض العلماء بالبصرة ذكرت عنده الصحيفة الكاملة فقال خذوا عني حتى أملي عليكم مثلها فأخذ القلم واطرق برأسه فما رفعه حتى مات (١) .

ولذلك سماها الأعلام وجهابذة القدماء ( زبور آل محمد وانجيل أهل البيت ) (٢) ولقد تواتر نقل الصحيفة السجادية حتى أصبحت كالقرآن الكريم ، ويحدّث المجلسي الأوّل المولىٰ محمد تقي إنّ أسانيدها ترتقي إلى ستة وخمسين ألفاً وإن كان ما ذكره يرتقي إلى ستمائة اسناد عالي . ومن هنا اذعن بنسبتها إلى الإمام السجاد عليه‌السلام شيخ الطائفة صاحب الجواهر قدس‌سره فاستدلّ في مبحث مشروعية الجمعة على كون صلاة الجمعة من مختصات مقامهم المغتصب فمع غيبتهم لا تشرع الجمعة فان زين العابدين عليه‌السلام يقول في دعائه يوم الأضحى والجمعة « اللهمّ ان هذا

______________________

(١) المناقب ج ٢ ، ص : ٢٤١ .

(٢) معالم العلماء ، لابن شهر آشوب : ١١٢ .

٢٣

المقام مقام لخلفائك واصفيائك ومواضع امناءك في الدرجة الرفيعة التي اختصصتهم بها قد ابتزوها وأنت المقدر لذلك ... حتى عاد صفوتك وخلفاؤك مغلوبين مقهورين يرون حكمك مبدلاً إلى أن قال العن اعدائهم من الأوّلين والآخرين ومن رضي بفعالهم واشياعهم لعناً وبيلا » .

علماً أن كثير من طرق الصحيفة السجادية تنتهي إلى الشهيد السيد يحيى بن زيد عن أبيه عن الإمام السجاد عليه‌السلام وأُخرى في روايتها عن الإمام الصادق عليه‌السلام .

الدعاء مخُّ العبادة :

الدعاء يعكس حالة خضوع العبد إلى ربّه ، الدعاء يشعر العبد بفقره إلى مولاه وعدم استغناؤه عنه ، إضافة إلى أن الدعاء والمناجاة تعكس حالة ارتباط روحي بين الانسان وخالقه وخصوصاً عند الأولياء تعبّر عن حالة محبة بين الحبيب ومحبوبه فيترنم بمناجاته ودعائه ، ومن هذا الباب نفسّر كثرة دعاء الأئمة لله تعالى في صلاتهم وبعدها وفي حال خروجهم من المنزل وفي أعمالهم وفي كل شأن من شؤونهم العباديّة أو الاجتماعية أو غيرها ومن أراد التحقيق فليرجع إلى الكتب المعنيّة بذلك ليجد ذلك بشكل واضح . ومن هنا ورد في الحديث كان أمير المؤمنين عليه‌السلام رجل دعاء ( أي كثير الدعاء ) وهكذا إمامنا زين العابدين عليه‌السلام الذي كان الدعاء متميّزاً في سلوكه والذي نستشف منه حبّه لله عزّ وجل وهاك شاهداً على ذلك « إلهي لو قرنتني بالأصفاد ومنعتني سيبك من بين الأشهاد ودللت على فضائحي عيون العباد ما قطعت رجائي منك ولا خرج حبّك من قلبي ... » (١) .

______________________

(١) دعاء أبي حمزة الثمالي في مفاتيح الجنان .

٢٤

وتأتي حاجة الإنسان إلى الدعاء بشكل أساسي وضروري حينما تمرّ به بعض المصاعب والمحن والتي يشعر من خلالها أن لا منجىٰ منها إلّا بالانقطاع إلى الله عزّ وجل والذي بيده أسباب السماوات والأرض كما أشار الإمام زين العابدين عليه‌السلام في هذه الدعاء « يا من تحلُّ به عقد المكاره ويا من يُفثأُ به حدُّ الشدائد ويا من يلتمس منه المخرج إلى روح الفرج ذلّت لقدرتك الصعاب وتسبّبت بلطفك الأسباب » .

برّ الوالدين :

أشار الإمام عليه‌السلام في هذا المقطع الذي أوردناه في صدر البحث إلى قضية أخلاقية وتربوية أشار لها القرآن الكريم وهي برّ الوالدين والإحسان إليهما من خلال آيات عديدة منها ( وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ) ومنها ( أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ) وغيرهما من الآيات الكريمة التي أشارت إلى هذه المسألة .

وليس ذلك إلّا لمراعاة حقوقهما على الأبناء فلهما حق عظيم أوجبه الله عزّ وجل على الابناء ، وقد رتّب الله عزّ وجل على البرّ بالوالدين دخول الجنة والأجر العظيم في الآخرة وزيادة الرزق وطول العمر في الدنيا كما أشارت لذلك روايات كثيرة وردت عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وآله الأطهار عليهم‌السلام ، عن الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله : « برّ والديك واقتصر على الجنة » .

وهذا الحق العظيم للوالدين هو لاحسانهما للأولاد ، والاسلام يراعي هذه الحقوق إذ ( هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ ) . ومن هنا ورد في الأحاديث الشريفة ضرورة الإحسان إليهما وإن كانا كافرين . وهذا البرّ ينبغي أن يكون متصّلاً حتى بعد رحيلهما من دار الدنيا ففي الحديث يكتب الرجل باراً بوالديه في

٢٥

حياتهما فإذا ماتا نسيهما فيكتبه الله بذلك عاقاً وربّما يكون الولد عالقاً لوالديه في حياتهما فإذا ماتا تصدّق عنهما واستغفر لهما وصلّى عنهما فيكتبه الله باراً . وللعقوق والعياذ بالله تأثير على المرء خصوصاً في اللحظات الأخيرة .

حضر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله عند شاب يحتضر فلقّنه رسول الله الشهادتين فلم ينطق بهما ، أي اعتقل لسانه فعرف الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله أنّ هناك ذنباً أثّر وأدّىٰ إلى هذه النتيجة ، فقال الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله هل لهذا الشاب أُم ، وإذا امرأة على جانب قالت بلىٰ يا رسول أنا أُمّه فقال لها : هل أنت راضية عنه ، قالت لا يا رسول الله ، فقال لها : ارضي عنه لأجلي ، فقالت يا رسول الله رضيت عنه لأجلك ، ثم أقبل بوجهه نحو الشاب فقال له انطق الشهادتين فنطقها ثم علّمه الرسول هذا الدعاء « يا من يقبل اليسير ويعفو عن الكثير اقبل مني اليسير واعف عنّي كثير انك انت الغفور الرحيم » . فدعى بهذا الدعاء وتحول لون وجهه من السواد إلى البياض وفاضت روحه . نعم العقوق يؤثر أثره الكبير على الأبناء وكذلك الأب له حقّ على الولد ، فكل خير ونعمة يجدها الولد فيه فليعرف أن أصل النعمة في ذلك هو والده لذا ينبغي ان يقوم له بالاحترام والطاعة حت ورد في الحديث الشريف « وإن أمراك أن تخرج من أهلك وولدك ومالك فافعل » . حدث نزاع ذات يوم بين والد وولده على مسألة مالية ، فأقبلا يحتكمان عند الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله والأب في طريقه إلى الرسول انشد أبيات في نفسه ، فنزل جبرئيل عليه‌السلام على النبي وأخبره بأنّ والداً مع ولده أقبلا يحتكمان عندك في قضية مالية لكن سله عن أبيات شعرية قالها في نفسه ، فأقبل الرجل مع ولده فسأله الرسول عن الأبيات الشعرية التي قالها في نفسه ، فقال الرجل الله أكبر لا زلت يا رسول الله تزيدنا يقيناً فيك وكان من هذه الأبيات :

إذا ليلة ضافتك بالسقم لم أبت

لسقمك ساهراً أتململ

كأني أنا المطروق دونك بالذي

طرقت به فعيني تهمل

٢٦

حتى إذا بلغت السن والغاية التي

متى ما كنت فيك اومّلُ

جعلت جزائي غلظة وفضاضة

كأنّك أنت المنعم المتفضل

فليتك إذ لم ترع حقّ ابوتي

فعلت كالجار المجاور يفعل

* * *

فلما سمعها صلى‌الله‌عليه‌وآله تأثّر وقال للولد قم أنت وما تملك لأبيك (١) .

من هنا نلاحظ الامام زين العابدين عليه‌السلام ركّز على ضرورة مراعاة حقوق الوالدين وأفرد دعاءً لوالديه لتنبيه الناس على حقّهما وفي هذا الدعاء « ربّ اجعلني اهابهما هيبة السلطان العسوف » أي اجعلني اخاف منهما كخيفتي من السلطان الظالم .

« وأبرّهما برّ الأُم الرؤوف » ويطلب الامام من ربّه أن يبرّ والديه كبرّ الأُم الرؤوف لأولادها .

« حتى أوثر على هواي هواهما » أي اجعلني أن أُقدّم ما يحباه على ما أُحب .

« وأقدم على رضاي رضاهما » أي اجعلني أقدّم رضاهما على رضاي من أجل ان أدخل السرور عليهما لأنّه في بعض الأخبار « من أحزن والديه فقد عقّهما » .

« واستكثر برّهما بي وإن قلّ » أي اجعلني ان اتصوّر واعيش ما اسدياه إليّ من البرّ والمعروف وإن كان قليلاً ولكن أراه كثيراً حتى أوفّق لردّ هذا الجميل إليما إذ مع استكثاره يكون الجزاء أكثر لردّ الجميل لهما .

« واستقلّ برّي بهما وإن كثر » اي اجعلني مهما أقدّمه لوالدياً من برّ وإحسان أراه قليلاً في حقهما العظيم وبالتالي أوفّق للمزيد من البرّ بهما .

______________________

(١)

٢٧

برّ الإمام زين العابدين بوالديه :

قيل للإمام زين العابدين عليه‌السلام ما لنا لا نراك تؤاكل أُمّك وأنت من أبرّ الناس بأُمّك قال إنّي أخشىٰ أن أمدّ يدي إلى لقمة سبقت عينها إلى تلك اللقمة فأكتب بذلك عاقاً . والحال يقال هذه ليست أُمّه إنما هي أُم ولد لأبيه رتّبه فكان ينزلها منزلة الأُم ، لأنّ أُمّه ماتت في نفاسها ، وأمّا برّه بأبيه فيكفيك أنّه ما قدّم له طعام أو شراب إلّا ومزجه بدموع عينيه يقول أأشرب وابن رسول الله مات ظمآناً أأكل وابن الرسول مات جائعاً ، لم يهدأ عن البكاء لمدة (٣٥) سنة ، دخل عليه أبو حمزة الثمالي فرآه يبكي بحرارة وألم ، فقال له أما آن لحزنك ان ينقضي إني أخاف عليك أن تكون حرضاً أو تكون من الهالكين فقال له يا أبا حمزة إنّ يعقوب كان نبيّاً وابن نبي غيّب الله عنه ولداً واحداً وهو يعلم أنّه حي أخذ يبكي على فراق ولده حتى ابيضّت عيناه من الحزن فهو كظيم وإنّي نظرت إلى أبي الحسين وسبعة عشر من أهل بيتي صرعىٰ مجزرين على أرض كربلاء ، فقال له سيّدي القتل لكم عادة كرامتكم من الله الشهادة فقال له : صحيح ولكن يا أبا حمزة هل رأت عيناك أم هل سمعت أُذناك إنّ امرأة علوية هاشمية سبيت لنا قبل يوم كربلاء :

گلبي يبو حمزة تراه تفطّر او ذاب

او مثل المصيبة اللي دهتنه محّد انصاب

ذيچ البدور اللي ابمنازلنه يزهرون

والليل كله امن العبادة ما يفترون

سبعة وعشرة عاينتهم كلهم اعضون

فوگ الوطيه امعفّرين ابحرّ التراب

لو شفت جسم العلىٰ المسناة مطروح

وذاك الشباب اللي بصباح العرس مذبوح

٢٨

لو شفت الأكبر ما لمتني بكثرة النوح

وكلما طلع بالمعركة من خيمته غاب

بعيني رأيت احسين بيده الطفل منحور

وامه الرباب اتعاينه واعيونها اتدور

فت ابونينه اگلوبنا واعيونه اتدور

ما خلتنه كربلا شيخ ولا شاب

واعظم مصيبة الهيّجت حزني عليّه

داست على صدر العزيز اخيول أُميه

حرگوا اخيمنه وركّبوا زينب سبيه

حسرىٰ ومن عظم المصايب راسها شاب

ما نكّست راسي لجل فگد الاماجد

ما گصّروا بالغاضرية زلزلوا البيد

نكسّه الراسي ادخول زينب مجلس ايزيد

شحچي وشعدد لك يبو حمزه من امصاب

* * *

وزينب عليها‌السلام :

انه ويني او وين الدواوين

مني امخدرة عباس واحسين

واولاد عمي الهاشميين

شسوي وهلي عني بعيدين

شيفيد البواچي وصفگ الايدين

ومما يزيلُ القلب عن مستقرّه

ويترك زند الغيظ للحشر واريا

وقوف بنات الوحي عند طليقها

بحال به يشجين حتى الأعاديا

* * *

٢٩

عبادة الامام زين العابدين عليه‌السلام

ما إن بقيت من الهوان على الثرى

ملقى ثلاثاً في ربىً ووهاد

لكن لكي تقصني عليك صلاتها

زمر الملائك فوق سبع شداد

لهفي على الصدر المعظم يشتكي

من بعد رشق النبل رض جياد

لهفي لرأسك وهو يرفع مشرقاً

كالبدر فوق الذابل الميّاد

يتلو الكتاب وما سمعت بواعظ

اتخذ القنا بدلاً من الأعواد

وا لهفتاه على خزانة علمك السجاد

وهو يقاد بالأصفاد

٣٠

مالي أراك ودمع عينك جامد

او ما سمعت بمحنة السجاد

قلبوه عن نطعٍ مسجىً فوقه

فبكت له أملاك سبع شداد

ويصيح وا ذلّاه أين عشيرتي

وسُراة قومي أين أهل ودادي

من شبوا النيران فرّت كل العيال

بس العقليه اتحيّرت والدمع همّال

ناده عدوها اشحيرچ يربات الدلال

نادت ومثل المطر يهمل مدمع العين

عدنه عليل امن المرض ما گدر گوم

نايم طريح او سادته في الخيم يا گوم

هو الطريده من نسل هاشم أو مخزوم

هو الشريده اللي بگت من خلفت احسين

* * *

وزينب عليها‌السلام :

بس العليل الظل شريده

يصفج وسف يحسين بيده

ويصيح ابوي اليوم اريده

للهِ ما لاقاه آل محمد

من عصبة عادت عن الارشاد

جازوه في ابناءه من بعده

بالقتل او بالسم والابعاد

* * *

٣١

عبادة الإمام زين العابدين عليه‌السلام :

سئلت مولاة له عنه عليه‌السلام فقالت أطنب أم أختصر فقيل لها بل اختصري فقالت : ما أتيته بطعام نهاراً قط وما فرشتُ له بليلٍ قط (١) .

المقدمة :

من أبرز الظواهر التي برزت في حياة الامام زين العابدين عليه‌السلام هي الابتعاد عن الدنيا وكثرة العبادة من الصوم والصلاة والزهد في المتاع والملاذ وهي ( ظاهرة التعبد والانصراف عن الدنيا ) ولكي نتعرف على صورة حيّة عن شكل هذه العبادة وكميتها وكيفيتها وما كان يتخلص بها من خشية وزهد ومواعظ فلابد من استعراض طائفة من الروايات التي تحدثنا عن ذلك ومنها :

١ ـ الصلاة : كان يصلّي في اليوم والليلة ألف ركعة حتى خرج بجبهته آثار سجوده مثل كركرة البعير ، ويصف الامام الباقر عليه‌السلام كثرة صلاته فيقول كان أبي يصلّي بالليل حتى يزحف إلى فراشه وذلك لشدة اعياؤه (٢) .

أمّاه كيفية العبادة :

أ ـ إذا قام للصلاة كأنه ساق شجرة لا يتحرك منه شيء إلّا ما حركته الريح .

ب ـ إذا قام إلى صلاته تغيّر لونه .

ج ـ إذا سجد لم يرفع رأسه حتى يرفض عرقاً .

د ـ إذا قام إلى وضوئه أصفر لونه تأهباً وخشية من لقاء ربه .

______________________

(١) بحار الأنوار ج ٤٦ ، باب ٥ ـ ٣٥ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ، باب ٥ ـ ١٧ .

٣٢

هـ ـ بكاء الامام باقر عليه‌السلام على أبيه لما رآه بهذه الحالة « اصفر لونه من السهر ، ورمضت عيناه من البكاء ودبرت جبهته ، وانخرم انفه من السجود وقد ورمت ساقاه وقدماه من القيام في الصلاة فقال أبو جعفر فلم أملك حين رأيته بتلك الحالة البكاء فبكيت رحمةً له » .

اعتراف الناس في زمانه بعبادته وورعه وزهده :

١ ـ سعيد بن المسيب روى ( ان رجلاً قال لسعيد بن المسيب ما رأيت أحداً أورع من فلان قال سعيد هل رأيت علي بن الحسين قال لا قال سعيد ما رأيت أحد أورع منه ) (١) .

٢ ـ الزهري « ما رأيت هاشمياً أفضل من علي بن الحسين » (٢) .

أ ـ استنتاج : ان عبادة الامام بالكيفية والكمية التي كانت بها أثمرت وساهمت في تركيز زعامة الامام في الأُمة وتثبيت امامته وقدسيتها عند شيعته .

ب ـ من الفوائد التي ترتب على ظاهرة التعبد اطمئنان السلطة وأجهزتها من الامام واعتباره رجلاً منشغلاً عن التفكير بالامارة والخلافة بل هو مشغول بنفسه وعبادة .

مثال : الزهري يقول لعبد الملك لما أراد قتل الامام « ليس علي بن الحسين حيث تظن انه مشغولٌ بنفسه وقول الامام عليه‌السلام لعبد الملك : لولا ان لأهلي عليّ حقاً ولسائر الناس من خاصتهم وعامتهم عليّ حقوقاً لا يسعني إلّا القيام بها حسب الوسع والطاقة حتى أودّيها إليهم لرميت بطرفي إلى السماء وبقلبي إلى الله ثم لم

______________________

(١) كشف الغمة .

(٢) ٤٦ : ٥ ـ ٣٥ .

٣٣

أرددهما حتى يقضي الله على نفسي وهو خير الحاكمين » . وهكذا قال فيه مسلم بن عقبه قائد الجيش الأموي بواقعة الحرة « هذا الخير الذي لا شر فيه مع موضعه من رسول الله » .

ج ـ كان الاتجاه الروحي في حياة الامام بمثابة وجود الطبيب الحاذق وسط المجتمع المريض .

د ـ البشرية في طريقها إلى الله بحاجة إلى نماذج تمثل الوجه العلمي من الحياة الدينية والمواقف الربانية ، وكانت حياة الأئمة عليهم‌السلام نماذج مثالية تربوية للأجيال ليقتفوا اثارها وينتهجوا مسلكها كما أنّ الحسين عليه‌السلام قدوة لنا عند الثورة على الظلم والتضحية من أجل الرسالة ، والامام الصادق عليه‌السلام قدوة لنا في العلم والجهاد الفكري فكذلك الامام زين العابدين قدوة لنا في التربية الروحية وطريقة التعامل مع الله والدعاء والابتهال إليه .

٢ ـ سجوده : عن الامام الباقر عليه‌السلام : « لم يذكر أبي نعمة لله إلّا سجد ولا قرأ آية فيها سجدة إلّا سجد ولا وقف لاصلاح بين اثنين إلّا سجد » (١) .

٣ ـ قراءة القرآن : « أنه أحسن الناس صوتاً في قراءة القرآن وكان السقاؤون يمرّون ويقفون عند بابه يستمعون قراءته » (٢) .

ذكر الحائري في نور الأبصار : كتب الحجاج وكان والياً على الحجاز إلى عبد الملك بن مروان : إذا أردت أن تثبت ملكك فاقتل علي بن الحسين فكتب إليه عبد الملك :

« أما بعد فجنّبني دماء بني هاشم واحقنها فإني رأيت آل أبي سفيان لما أولغوا فيها لم يلبثوا إلى أن أزال الله الملك » فلمّا هلك عبد الملك وجلس ابنه الوليد على

______________________

(١) معاني الأخبار ، للصدوق : ٢٤ .

(٢) بحار الأنوار ج ٤٦ ، ص : ٥ ـ ٤٥ .

٣٤

سرير الخلافة جعل يحتال في قتل إمامنا زين العابدين عليه‌السلام حتى بعث سماً قاتلاً إلى والي المدينة وأمره أن يسقي زين العابدين عليه‌السلام ذلك السم ويقتله بالسم سراً ، ففعل الوالي فلما سقىٰ إمامنا ، مرض مرضاً شديداً يغشىٰ عليه ساعة بعد ساعة حتى كانت ليلة (٢٥) محرم عام ( ٩٥ هـ ) غشي عليه في تلك الليلة ثلاث مرات فلما أفاق من غشيته الأخيرة تلا هذه الآية ( الْحَمْدُ لِلَّـهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ ) .

ثم أوصىٰ ولده الباقر بوصاياه ثم دعا بماء ليتوضأ فجاء الامام بالماء وتوضأ وكان يقول لولده هذه الليلة التي وعدتها فإذا قضيت نحبي غسّلني وحنّطني وكفنّي وادفني ثم غمض عينه واسبل يديه ومدّد رجليه وعرق جبينه وفاضة روحه الطاهرة أي وا اماماه وا علياه :

سره السم ابدن راعي الحميه

طول الليل ما نام الشفيه

يون ايلوج لوجات المنيه

حنّ ابنه عليه او دمعة العين

حب ابنه ودفع ليه الوصيه

وگام اودعه اوداع المنيه

ويوم المات ابن سيد البريه

دوت بالنوح دور الهاشمين

دون بالنوح دور الهاشميات

صاحن حيف ابو الباقر گضه او مات

فلك عينه اعلى ضيم او ضاگ لوعات

تاليها گضه ابسم الملاعين

* * *

فلك عينه اعلى يوم الغاضريه

شاف احسين وهله اعلى الوطيه

شاف اشلون سبي الهاشمية

وبموته فجع گلب المساچن

لا تأمن الدهر إنّ الدهر ذو غير

وذو السانين في الدنيا ووجهين

أخنىٰ على عترة الهادي فشتتهم

فما ترىٰ جامعاً منهم بشخصين

* * *

٣٥

دور الشكر واثره في حسن العاقبة

إن كنت محزوناً فمالك ترقد

هلّا بكيت لمن بكاه محمّد

هلّا بكيت على الحسين وأهله

إنّ البكاء لمثلهم قد يحمد

فلقد بكته في السماء ملائك

زهرٌ كرام راكعون وسجّد

أنسيت إذ صارت إليه كتائب

فيها ابن سعد والطغاة الجحّد

فسقوه من جرع الحتوف بمشهد

كثر العداة بن وقلّ المسعد

لم يحفظوا حقّ النبيّ محمد

إذ جرّعوه حرارة ما تبرد

قتلوا الحسين فأثكلوه بسبطه

فالثكل من بعد الحسين مبرّد

كيف القرار وفي السبايا زينب

تدعو بفرط حرارة يا أحمد

هذا حسين بالسيوف مُبضّعٌ

متلطخ بدمائه مستشهد

عار بلا ثوب صريع في الثرى

بين الحوافر والسنابك يقصد

* * *

يجدي مات محد وگف دونه

ولا نغار غمضله اعيونه

وحيد ايعالج ومنخطف لونه

ولا واحد ابحلگه ماي گطّر

* * *

٣٦

يجدّي مات محيد مدّد ايديه

ولا واحد يجدّي عدل رجليه

يعالج بالشمس محّد گرب ليه

يحطله اضلال يا جدي من الحر

* * *

أجدّ باليسر اويه الظعن يا جد

ابن امي عاري ولا ثوب يوجد

هذه حسينك المطروح يا جد

على التربان مرمي ابهالوطيه

* * *

لعب بيه زماني او هان ما هان

او ليالينه المضن ويه حسين ما هن

يابن امي عليّ فرگاك ما هان

او خذوني اميسره لبن الدعيه

* * *

سأل الامام موسى بن جعفر عليهما‌السلام عن سبب انحراف بلعم بن باعورا بعدما كان يمتلك الاسم الأعظم ؟ فقال عليه‌السلام وكله الله إلى نفسه طرفة عين ، فقال كيف قال بترك الشكر ؟

المقدمة :

من جملة الأبحاث الأخلاقية العملية والمهمّة هو موضوع الاعتماد على الله عزّ وجل والتوكل عليه في الأُمور الصغيرة والكبيرة ، والسرّ في ذلك أنّ الانسان قدراته محدودة مهما أُوتي من علم وقوة وإذا ارتبط واعتمد وتوكّل في أُموره على الله الغنيّ في كل الأُمور واللا محدود والكمال المطلق بلا شك سوف لن يخذل ، قال تعالى : ( وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّـهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّـهَ بَالِغُ أَمْرِهِ قَدْ جَعَلَ اللَّـهُ لِكُلِّ شَيْءٍ قَدْرًا ) .

من هنا نقرأ في الأخبار أنّ النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله مع عقله الكامل وعلمه الوافر كان يدعو بهذا الدعاء في ليلة النصف من شعبان « ربّ لا تكلني إلى نفسي طرفة عين

٣٧

ابداً ولا تسلب منّي صالح ما أنعمت به عليّ ولا تردّني في سوء استنفذتني منه ابداً » ولما سمعت منه إحدى زوجاته هذا الدعاء الذي كان يدعو به في الليل والدموع تنحدر على خدّيه سألته وأنت يا رسول الله تدعو بهذا الدعاء فأجابها وكيف لا أدعوا بهذا الدعاء وأخي يونس وكله الله إلى نفسه طرفة عين فجرى عليه من البلاء ما جرى .

وهكذا كان إمامنا الصادق عليه‌السلام يدعو بهذا الدعاء . الانسان ضعيف وكل ما في الكون راجع إلى الله عزّ وجل فإذا أراد الله عزّ وجل لشيء ألّا يكون لو اجتمعت قوىٰ الشرق والغرب لا يمكن ان يكون لأنّ إرادة الله عزّ وجل هي الغالبة والقاهرة ( وَاللَّـهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَـٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ) . فرعون مع عتوّه وطغيانه وجبروته كان فيما ينقل يذبّح الرجال ويستحي النساء ، ولمّا علم أن زوال ملكه على يد غلام من بني إسرائيل أخذ يفتش النساء الحوامل لكي لا يولد ذلك الوليد الذي لكون هلاك فرعون على يديه لكن إرادة الله عزّ وجل هي الغالبة وإذا به يربّي هذا الوليد الذي ألقته أُمّه في اليمّ ( فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ ) .

وإذا به هو الذي يقضي على فرعون . نعود إلى رواية الامام موسى بن جعفر عليهما‌السلام حينما سأله ذلك السائل عن سبب انحراف بلعم بن باعورا الذي كان عنده الاسم الأعظم وكان عدد حضّار درسه زهاء (١٢٠٠٠) تلميذ يدرّسهم علم التوحيد ، لكن بسبب وكله الله إلى نفسه طرفة عين وبالتالي استفاد من قدرات الاسم الأعظم إلى معصية الله عزّ وجل ، نعم الله عزّ وجل ينبغي للإنسان ان لا يبذلها في معاصي الله فتسلب منه ، بلعم بن باعورا استفاد من قدرات الاسم الأعظم للوقوف إلى جنب فرعون الظالم الكافر بالله عزّ وجل ضد نبي الله عزّ وجل موسى عليه‌السلام وبالتالي جعله الله آية ومثلاً وعبرة لمن أراد أن يعتبر

٣٨

قال تعالى : ( وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * ... فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِن تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَث ... ) .

ترك الشكر :

ثم أوضح الامام الكاظم عليه‌السلام أنّ سبب سلب النعمة منه هو بتركه الشكر ، إذن نستفيد من ذلك أن ترك الشكر لنعم الله عزّ وجل يؤدي إلى سلب النعم الإلهية على الإنسان كما أن شكر النعم يؤدي إلى زيادتها ، قال تعالى : ( لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ) . في بعض الأخبار أنّ كثير من عذاب القبر ( البرزخ ) هو من تضييع النعم أي عدم شكرها .

مثلاً نعمة المال : إذا لم أشكرها تكون سبباً لزوالها ، وهذه يمكن تصوّرها في إخراج مثلاً نعمة المال : إذا لم أشكرها تكون سبباً لزوالها ، وهذه يمكن تصوّرها في إخراج الحقوق الشرعية ، فهو شكرٌ لها ، إعطاء السائل والمحروم هو شكر لنعمة المال ، التوسعة على العيال وللأهل شكر لنعمة المال . كان إمامنا موسى بن جعفر عليه‌السلام يضرب فيه المثل في السخاء والكرم والعطاء وكان يعول خمسمائه بيت في المدينة وكان يعمل بالمسحاة فشكر الامام نعمة المال كان يصل رحمه بأمواله وهذه أمثلة واضحة لعدم تضييع نعمة المال . وهكذا شكر نعمة العافية ، العافية من النعم المجهولة والمكفورة في الحديث نعمتان مكفورتان ( مجهولتان ) الصحة والأمان . فشكر هذه النعمة في طاعة الله عزّ وجل ، وتضييعها هو استخدامها في المعصية أو لشيء ينبغي أن تصرف فيه في الدعاء « اللهمّ ارزقني صحة في عبادة » ، امامنا موسى بن جعفر عليهما‌السلام في السجن أي في حالة الابتلاء والمحنة لكنه ضاعف عبادته وشكر الله عزّ وجل ، فيما ينقل في كتب التأريخ انه سُمِعَ منه في السجن وهو يقول : « اللهم طالما سألتك أن تفرّغني لعبادتك وقد فعلت فلك الحمد ولك الشكر » .

٣٩

طالت لطول سجودٍ منه ثفنته

فقرّحت جبهة منه وعرنينا

رآىٰ فراغته في السجن منيتَهُ

ونعمةً شكر الباري بها حينا

* * *

لذلك إخلاصه العبودية لله عزّ وجل وشكره لنعم الله عزّ وجل ، الله عزّ وجل لم يقطع عنه فيض رحمته الواسعة حتى بعد رحيله من دار الدنيا فها هو مرقده الطاهر كعبة لمقاصد المحتاجين والمتوسلين من مختلف الطبقات رجالاً ونساءاً علماء وجهّال ، خاصة وعامة . ولكن أخبرني أين هارون الرشيد وهل له قبرٌ يزار ؟ كلّا ، بل اللعنات تلو اللعنات على قبره ، هذا الذي كان يخاطب السحاب أين ما تمطرين يأتيني خراجك هذا الذي آثر ان يسجن الامام الكاظم عليه‌السلام وهو يعلم إنه أحقّ بالخلافة منه ولكن حبّ الدنيا والكرسي أعمىٰ قلبه فلم يتمكن من أن ينظر إلى الامام الكاظم عليه‌السلام تحفّ به شيعته وأنصاره أو يجبىٰ إليه الخراج فسجنه وقد أخبر ولده المأمون لما دخل عليه الامام ذات يوم فقام إليه وقدّره وبجَّلَهُ فلمّا انصرف الامام سأله ولده من هذا الذي أراك اهتممت به أكثر من غيره فقال له ولدي هذا سيّد بني هاشم وهو أحقّ بالخلافة منّي فقال له المأمون إذن لم لا تعطيه هذا المقام قال هيهات ولدي الملك عقيم لو نازعتني فيه لأخذت الذي فيه عيناك . ولكن أين هارون وأين موسى بن جعفر فالذهب يتلألأ على قبته والملائكة تحفّ به يقول الشاعر :

لتهنك عقبىٰ الصابرين أبا الرضا

وإن طال حبسٌ واستطال عذاب

وعربد سوط في أكفّ لئيمة

وجنّ به للظالمين عقاب

فكوخ به عشت استطال إلى السما

وقصرٌ به عاش الرشيد خراب

* * *

٤٠