🚖

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »

المحاضرات المنبريّة في المجالس الصفريّة

المؤلف:

الشيخ عبدالأمير عبدالزهره « أبو علي البصري »


الموضوع : سيرة النبي (ص) وأهل البيت (ع)
الناشر: انتشارات المكتبة الحيدريّة
ISBN: 964-8163-14-6
🚖 نسخة مقروءة على النسخة المطبوعة

قصة : في ليلة بدر وهي معركة مشهورة بين قوى الشرك المتمثلة بقريش وعلى رأسهم ( أبو سفيان ) وبين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله وأصحابه ، وكان عدد المشركين ثلاث أضعاف عدد المسلمين ، وفي ليلة السابع عشر من شهر رمضان لم ينم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله صفّ قدميه إلى جنب نخلة أو شجرة وانشغل بالصلاة والتضرّع إلى الله عزّ وجل في نصرة جيشه على المشركين ( إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ ) (١) ، الله عزّ وجل نصر النبي والمسلمين حينما استغاث النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله بربّه . وهكذا نحن إذا لجأنا وفزعنا إلى الله عند الشدّة يستجيب الله لنا ، والصلاة عبارة عن صلة العبد الفقير بربّه الغني . وهكذا ينقل عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنه إذا مرّت به شدّة كان يجمّع أولاده وعائلته ويصلي ركعتين ثم يدعوا الله عزّ وجل فتنكشف عنه تلك الشدّة .

الانقطاع إلى الله يعزّز العبد عند الله تعالى :

في الحديث الشريف « أوحى الله إلى بعض أنبياءه أما انقطاعك إليّ فيعزّزك بي » نعم الخضوع والخشوع لله سبحانه يمنح الإنسان العزّة ، لأنّ العزّة الحقيقية بيد الله تعالى قال سبحانه ( وَلِلَّـهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ ) . إذا اشتغل الإنسان في طاعة الله واجتنب معاصيه يكون عزيزاً ، وقد أشار الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام : « من أراد عزاً بلا عشيرة وهيبة بلا سلطان وغنىً بلا مال فليخرج من ذل معصية الله سبحانه إلى عزّ طاعته » .

العوامل الوراثية لها دور في صياغة شخصية الإنسان :

الحوراء زينب عليها‌السلام فتحت عينها وترى تهجد جدّها المصطفى صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو يقوم

______________________

(١) سورة الأنفال : الآية ٩ .

١٢١

الليل ويتهجّد بآيات القرآن الكريم ، وهكذا نظرت إلى أُمّها الزهراء عليها‌السلام وهي تقوم أكثر الليالي حتى لقد حدّث الحسن المجتبى عليه‌السلام قال رأيت أُمي في ليلة من ليالي الجمعة ، وقد صفّت قدميها واستقبلت القبلة ولم تزل راكعة ساجدة إلى أن اتضح عمود الصباح وما سمعتها دعت لنفسها بل كانت تدعوا لجيرانها ولمّا سألها الحسن عليه‌السلام عن سبب ذلك فقالت الجار ثم الدار ، وكذلك نظرت إلى أبيها أمير المؤمنين وكيف كان يقوم الليل حتى كانت تعتريه بعض الحالات التي يكون فيها كالخشبة اليابسة ، إنّ هذه المشاهد من شأنها أن تؤثر في الذريّة والأبناء وكل من يشاهدها ، من هنا كان من ألقاب الحوراء زينب عليها‌السلام « عابدةٌ آل علي » ، ولذا لا نستبعد ما نقله المحقق الشيخ جعفر النقدي في كتابه ( زينب الكبرى ) قال ان الحسين عليه‌السلام أوصى زينب « أُخيّه لا تنسيني في صلاة الليل » .

من آثار العبادة :

أولاً : اليقين : العبادة تصقل النفس الإنسانية وتزكّيها خصوصاً إذا كانت العبادة عن علم ومعرفة ، وإذا زكت النفس ، أصبح القلب مستعدّاً لتلقّي الفيوضات الربانيّة والعلوم الدينية التي تفاض عليه . وهكذا كانت الحوراء زينب عليها‌السلام كما وصفها جّة العصر زين العابدين عليه‌السلام : « أنت بحمد الله عالمة غير معلّمة وفهمة غير مفهّمة » .

ثانياً : الصبر على مجابهة الصعاب والشدائد : من جملة آثار العبادة الصحيحة لله عزّ وجل ، العبد يشعر بالطمأنينة والسكينة قال تعالى : ( أَلَا بِذِكْرِ اللَّـهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ) وهذه السكينة التي تحصل عند العبد تورثه الرضا بما يصدر عن الله تبارك وتعالى فلا يعترض على أمره أو شيء من قدره ، وهكذا كانت الحوراء زينب عليها‌السلام حينما خاطبها اللعين عبيد الله بن زياد في الكوفة أرأيت كيف صنع الله

١٢٢

بأخيك الحسين عليه‌السلام فقالت : ما رأيت إلّا جميلاً ، هؤلاء قومٌ كتب الله عليهم القتل فبرزوا إلى مضاجعهم وسيجمع الله بينك وبينهم وتحاد وتخاصم فانظر لمن الفلج يومئذ ثكلتك أُمّك يابن مرجانه . نلاحظ أنها قالت « ما رأيت إلّا جميلاً » . وهناك شاهد آخر على صبرها وتسليمها ورضاها بما قضى الله عزّ وجل ، وهو أنّها أقبلت إلى جثمان أخيها الحسين عليه‌السلام وقالت بعد ان رفعته قليلاً إلى السماء « إلهي تقبّل منا هذا القربان » .

ومن مظاهر صبرها انّها تحمّلت عناء السبيّ ولمحافظة على عيال أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام وكذلك مجابهة الطغاة وفضحهم ، وقامت بمسؤليتها على أحسن وجه وكانت تستعين بالصلاة خصوصاً تتهجّد في الليل للقيام بمسؤوليتها في النهار ومن هنا قال الامام زين العابدين عليه‌السلام إنّ عمتي الحوراء زينب لم تترك تهجدها الليلي حتى في ليلة الحادي عشر من المحرّم بل كانت في الطريق مع متاعب الطريق كانت لا تترك صلاة الليل ، بل ربّما للتعب والأعياء تصلّيها من جلوس . ولمّا زين العابدين عليه‌السلام إلى عمّته تصلّي من جلوس فسألها فقالت على الضعف الذي نزل بي ، ولسان حالها :

يعمّه راح الحيل عنّي

من راح ابوك حسين عنّي

وطبرات جسمه الضعضعني

ميتة عسن من زغر سنّي

* * *

ثم تلتفت إلى رأس أخيها ولسان الحال :

يحسين حال الظيم حالي

ظليت حرمه ابغير والي

مشدوه من الهظم بالي

او راسك يبو الشيمه اگبالي

يتلى الذچر فوگ العوالي

ما چنت اظن غدر الليالي

١٢٣

ايخلّيني امشي ابظعن خالي

من كل هلي اهل المعالي

او دمعي على الوجنات هالي

* * *

انه امن ابچي ابحزن مر مانعنه

مصاب احسين من مر مانعنه

غريب الطف خواته مانعنه

اشحال الناعيه الراحت سبيه

* * *

هتكوا عن نساءكم كل خدر

هذه زينب على الأكوار

* * *

١٢٤

الموت

ولربّ قائلة وغرب عيونها

يدمي فيخفي نطقها استعبار

ماذا السؤال فمت بدائك حسرة

قضت الحميّة واستبيح الجار

ما هاشم إن كنت تسأل هاشم

بعد الحسين ولا نزار نزار

أتوانياً ولكم بأشواط العلا

دون الأنام الورد والإصدار

هذي أُميّة لاسرىٰ في قطرها

غضّ النسيم ولا استهلّ قطار

أضحت برغم أنوفكم ما بينها

بنساءكم تتقاذف الأمصار

من كلّ باكية تجاوب مثلها

نوحاً بقلب الدين منه أوار

حملت على الأكوار بعد خدورها

الله ماذا تحمل الأكوار (١)

* * *

عگب الهوادج يسّروها آل أُميه

او للطاغي ابن زياد ودّوها هديه

ما ظنتي ترضى يبو النفس الابيه

للطاغي ابن زياد ينظرها ابعينه

______________________

(١) للسيد الحيدر الحلّي .

١٢٥

ودّوها للشامات يا حيدر سردال

هي ويتاما احسين مچتوفين بحبال

او راس العزيز احسين منور فوگ عسال

نوره ايتلالا چالبدر يرعى الظعينه

في باب ابو الساعات وگفوهم يكرار

والناس من عظم الفرح تضرب المزمار

ناس يسبوهم ويضربوهم بالحجار

واحسين راسه فوگ خطي ناصبينه

* * *

زفيري اعليك شبه النار منهاي

ونه ايسيره لو تصيح الناس منهاي

كل خوفي يخويه احسين منهاي

طحت بالخفت منّه اشلون بيّه

* * *

أين الشهامة أم أين الحفاظ أما

يأب لها شرف الأحساب والكرم

تسبى حرائرها بالطفّ حاسرة

ولم تكن بغبار الموت تلتثم

* * *

( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (١)

______________________

المقدمة :

القرآن الكريم كلام الله عزّ وجل والمعجزة الخالدة لنبينا الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله وهو الثقل

______________________

(١) سورة الجمعة : الآية ٨ .

١٢٦

الأكبر كما صرّحت بذلك بعض الروايات ، وهو النور من الله يهدي به الله من اتبع رضوانه سبل السلام ، وقد أكّد النبي الكريم وأهل بيته على ضرورة الاهتمام به والعمل بأحكامه فها هو أمير المؤمنين عليه‌السلام يوصينا ويقول : « الله الله في القرآن لا يسبقكم إلى العمل به غيركم » لم يقل تلاوته مع أنّ التلاوة فيها أجر وثواب لأنّ التلاوة مقدمة للتدبّر وإذا تدبّرنا تكون على تهيأة واستعداد للعمل به ، وقد دعانا القرآن الكريم لأن نتدبر آياته فقال ( أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا ) .

هناك مجموعة أقفال تمنّع من التدبّر والاستفادة من القرآن ومنها حبّ الدنيا واتباع الهوى اضرب لك مثال : في يوم من الأيام الامام الصادق عليه‌السلام كان يأكل الطعام وإلى جنبه ( ابو حنيفة ) فلما فرغ من الطعام حمد الله عزّ وجل حسب الاستحباب الوارد في آداب المائدة وقال اللهم لك الحمد هذا منك ومن رسولك ، فقال ابو حنيفة للامام الصادق عليه‌السلام اشركت يا أبا عبد الله ، وإلى يومنا هذا توجد نماذج في عالمنا المعاصر ما عندها شغل إلّا تكفّر وتجعل المسلمين مشركين تقبّل شيء يشير إلى رمز عظيم عندنا أو شيء يذكّرنا برسول الله فيقولون أشركت ، يا أخي لا يمكن أن تحسب كل قبلة شرك ، طيّب لا تقبّل ابنك لأنه شرك لا تقبّل المصحف فانه شرك ، لا تقبّل الحجر الأسود فانه شرك ، اقول في جوابك كما انه ليس في تقبيل طفلي شرك لأنه من باب المحبّة وتعبير عنها أو في تقبيل المصحف رمز إلى أنه كلام الله عزّ وجل اعتزازاً به ، كذلك أقول لك أنّما أقبّل ضريح الحسين عليه‌السلام لأنّه يذكرني برسول الله يذكرني بفاطمة ، لأنّه حلّت في هذا المكان روح وجسد عزيز عند النبي وأمرني الرسول بمودته ولم يطلب اجراً سوى المودة في القربى ( قُل لَّا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ ) ثم هذا يذكرني بالحرية والعزة والكرامة التي علّمني إياها الحسين عليه‌السلام أن لا أضع يدي بيد الظالم يخاطب الشاعر ضريح الحسين عليه‌السلام :

١٢٧

شممت ثراك فهبّ النسيم

نسيم الكرامة من بلقع

وعفّرت خدي بحيث استراح

خدّ تفرّىٰ ولم يضرع

كأنّ يداً من وراء الضريح

حمراء مبتورة الأصبع

* * *

استلهم العزة والكرامة من هذه القبور إذن تقبيل الضريح لا يعني عبادة وليس كل تقبيل عبادة ، والنية لها دور أعود إلى الحديث فقال للامام الصادق عليه‌السلام اشركت يا أبا عبد الله ؟! فقال له الإمام وكيف فقال قلت هذا منك ومن رسولك ، لابد ان تقول هذا منك فقط وتسكت ، الامام الصادق عليه‌السلام ارجعه إلى القرآن فقال له ألم تقرأ القرآن قال بلى ( وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّـهُ وَرَسُولُهُ مِن فَضْلِهِ ) فقال كأني لم أقرأها فقال له الامام عليه‌السلام أنت قرأتها ولكنّ الله عزّ وجل أنزل فيك وفي أمثالك أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها .

عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن الرجل يمسّ منبر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله ويتبرك بمسه ويقبّله ويفعل بالقبر مثل ذلك رجاء ثواب الله تعالى ، قال لا بأس به (١) .

الحافظ ابو سعيد بن العاد وهو معاصر لابن تيمية قال وردنا عن الإمام أحمد بن حنبل أنّه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به (٢) .

ابن حجر العسقلاني عن أحمد أنه لا يرى بأساً في تقبيل منبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وقبره (٣) .

______________________

(١) وفاء الوفاء ٢ : ٤٢٤ .

(٢) أخرج هذا الحديث ابن الجوزي وابن كثير ، مناقب أحمد لابن الجوزي : ٦٠٩ ، البداية والنهاية لابن كثير ١٠ : ٣٦٥ حوادث سنة ( ٢٤١ هـ ) .

(٣) فتح الباري بشرح صحيح البخاري ٣ : ٤٧٥ / ١٠٦٩ .

١٢٨

محمد بن المگدر وهو من أعلام التابعين توفي سنة ( ١٣٠ هـ ) كان يجلس مع أصحابه في المسجد النبوي الشريف فكان يقوم ويضع خدّه على قبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله ثم يرجع ، فعوتب في ذلك فقال إنه ليصيبني خطرة فإذا وجدت ذلك استشفيت بقبر النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله وكان يأتي موضعاً من المسجد في الصحن فيتمرّغ فيه ويضطجع فقيل له في ذلك ، فقال هني رأيت النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله في هذا الموضع يعني في النوم (١) .

ثابت البناني إذا رأى أنس بن مالك أخذ بيده فقبّلها ويقول يدٌ مسّتها يد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله (٢) .

أعود إلى الآية الشريفة ( قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ ) :

لماذا يفرّ الانسان من الموت وهل كل الناس سواء أمن هو الذي يفرّ من الموت ؟

الجواب : ليس كل الناس يفرّون من الموت ، ها هو امير المؤمنين عليه‌السلام يقول والله لابن أبي طالب آنس بالموت من الطفل لمحالب أُمّه ، صاحب المنبر الحسين عليه‌السلام كان يقول :

سأمضي وما بالموت عار على الفتى

إذا ما نوى حقاً وجاهد مسلما

* * *

هؤلاء يزحفون إلى الموت لا يفرّون منه .

إذن لماذا يفرّ من الموت ومن هو ؟

سأل الامام الحسن المجتبى عليه‌السلام ما بالنا نكره الموت ؟ فقال لأنكم عمّرتم الدنيا وخرّبتم الآخرة فتكرهوا أن تنتقلوا من عمران إلى خراب ، الظالم لا يحبّ

______________________

(١) راجع الذهبي في سير أعلام النبلاء ٥ : ٣٥٨ ـ ٣٥٩ .

(٢) سير أعلام النبلاء ٤ : ٤٢ .

١٢٩

الموت ، الطواغيت لا يريدون الموت ، لكن أين يذهبون ، هارون مع ظلمه للإمام الكاظم عليه‌السلام لمّا نزل به الموت قال ما أغنى عنّي ماليه هلك عنّي سلطانيه .

« فانّه ملاقيكم » : لابدّ من الموت أين يفرّ من الموت ، كلّا لا مفر إلى ربك يومئذ المستقر اينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيّده ، كل من عليها فان ويبقى وجه ربّك ذو الجلال والإكرام في دعاء الصباح أمير المؤمنين عليه‌السلام : « وقهر عباده بالموت والفناء » .

إذا عرفنا ذلك لابدّ لنا من الاستعداد للموت في دعاء الحزين : « ولو لم يكن إلّا الموت كيف وما بعد الموت أعظم وأدهى » إذن لابدّ من الاستعداد له ، امامنا زين العابدين عليه‌السلام في دعاء أبي حمزة الثمالي يبكي ولا نبكي نحن أبكي ولم لا أبكي « اَبْكي لِظُلْمَةِ قَبْري اَبْكي لِضيقِ لَحَدي ، اَبْكي لِسُؤٰالِ مُنْكَرٍ وَنَكيرٍ اِيّٰايَ ، اَبْكي لِخُرُوجي مِنْ قَبْري عُرْيٰاناً ذَليلاً حٰامِلاً ثِقْلي عَلىٰ ظَهْري ، اَنْظُرُ مَرَّةً عَنْ يَميني وَاُخْرىٰ عَنْ شِمٰالي ، اِذِ الْخَلٰائِقُ في شَاْنٍ غَيْرِ شَاْني ، لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَاْنٌ يُغْنيهِ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ، ضٰاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ... » .

بعض علمائنا يذكرون أنفسهم لكي لا يغفل عن الموت يحفر له في داره حفرة أشبه بالقبر وينزل فيها ويقرأ هذه الآية ( رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَىٰ يَوْمِ يُبْعَثُونَ ) ويقول لنفسه ارجعوك اعمل .

كان أمير المؤمنين عليه‌السلام في كل ليلة بعد اداء صلاة العشاء يخاطب الناس : « يقول أيها الناس تجهزوا يرحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل » .

ثم تردّون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون : بعد الموت لابدّ من الرجوع إلى الله سبحانه وتعالى ويخبره بما عمل في هذه الحياة ، رقابة كاملة إلهية ( مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ ) ، ( وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدتُّمْ عَلَيْنَا قَالُوا

١٣٠

أَنطَقَنَا اللَّـهُ الَّذِي أَنطَقَ كُلَّ شَيْءٍ ) ، ( وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا ) .

المؤمن والمؤمنة في حياتهما لابدّ لهما من أن يستحضرا الرقابة الالهية في كل وقت وبهذه يوفق ان لا يتوروا في المعصية إذا عرف أنّ الله عزّ وجل يراه « اللهم اجعلني اخشاك كأني أراك » .

يقول الامام لأحد اصحابه « ان كنتم تعلم انه يراك وبرزت إليه بالمعصية فقد جعلته أهون الناظرين إليك » .

العلامة الطباطبائي قدس‌سره أقبل إليه مسؤول فقال له أوصني فأجابه بهذه الاجابة « ألم يعلم بأنّ الله يرى » . ومن هنا يقول سيد الشهداء عليه‌السلام هذا الدعاء ومحبته لله عزّ وجل وذلك أن قدّم فلذة كبده ، شبيه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله خلقاً وخُلقاً ومنطقاً ، قدّمه ليكون أول شهيد من شهداء بني هاشم وليعرّف الملأ العام أن الدين الحنيف يستحق أن نقدّم له القرابين تلو القرابين ، وبعد أن قام بجهاده وببطولته وقتل فيهم مقتلة عظيمة ضربه منقذ مرّة العبدي على رأسه بعد أن طعنه في ظهره ، واعتنق الفرس لعلّه يأخذه إل أبيه فاحتمله الفرس إلى مخيم الأعداء فقطعوه سيوفهم إرباً إربا ، يقول المرحوم الشيخ محمد بن نصار :

عگب ما شرّگ الهامات والطاس

اجته ضربة العبدي على الراس

وگع وتواردوه ابسيوفها الناس

شبگ على المهر ويلي والمهر فر

* * *

شبگ عل المهر لبّاله يوديه

لبوه احسين عن الگوم يحميه

اويلي المهر للعدوان فرّ بيه

واوچب آه بمسوّط العسكر

* * *

١٣١

هذا ايفصّل ابسيفه وريده

وهذا بالخناجر فصّل ايده

وهذا يغطّ رمحه الحديده

ابخاصرته وهو يعالج ويفغر

* * *

نادى ابه حسين عليك منّي السلام هذا جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه وبيده شربة لا اظمأ بعدها ابداً ويقول إنّ لك عنده كأساً مذخوره ، ولما سمع الحسين إلى صوته أخذت عيناه تدوران كالمحتضر ونادى بصوت مالك يابن سعد قطع الله رحمك كما قطعت رحمي ، ثم ركب جواده وانطلق نحو الميدان ، ولما وصل إليه رمى بنفسه وتمدّد بطول ولده ووضع خدّه على خدّه وهو يقول بني علي على الدنيا بعدك العفا أما أنت فقد استرحت من هم الدنيا وغمّها وأبقيت أباك لهمّها وغمّها .

يا نجعة الحيين هاشم والندى

وحما الذمارين العلى والسؤدد

فلتذهب الدنيا على الدنيا العفا

ما بعد يومك من زمان أرغد

* * *

سريت وللگلب سرّيت بعداك

فعلت أفعال حامي الجار بعداك

على الدنيا العفا يا بويه بعداك

محل الضيج يبني اگطعت بيّه

* * *

يبويه من سمع يمّك ونينك

ومن شبحت لعند الموت عينك

للعشرين ما وصلن اسنينك

وحاتفني عليك الدهر الأگشر

* * *

نقل الشيخ الحائري في معاليه ما مضمونه ، ان رجلاً من الأعراب مرّ على دور بني هاشم بعد واقعة كربلا فسمع أنيناً يخرج من بيت سمرّ بقدميه إلى الأرض حتى

١٣٢

أنّ الناقة بركت في مكانها من شدّة الأنين فوقف ينتظر حتى خرجت جارية من البيت ، فسألها لمن هذه الدار ؟ فقالت غاب صاحبها فقلت لها هي لمن ؟

قالت للحسين بن علي ، فقلت ومن هذي الباكية ؟ قالت أُم ولد يقال لها ليلى ما زالت تندب ولدها صباحاً ومساءاً كأني بلسان حالها :

يبني علي لو تشوف الليل

عگب عينك اشلون اگضيه

نص بالدمع والحسره

ونص أحلم واشوفك بيه

اگول ترد ليالينا

وزمان الراح نرجع ليه

* * *

نهاري والعگل تايه

وليلي والدمع جاري

لا يبرد حزن گلبي

ولا هي تنطفي ناري

اظن ما بين هذا أو ذاك

اگضي الليل وانهاري

ولا هجعة تجيني ابليل

ولا فرحه تجي ابمصباح

* * *

١٣٣

المختار الثقفي

من مبلغ المصطفى استعمال أُمته

من بعده نسخ وحي الله بالشورى

جاشت على آله ما ارتاح واحدهم

من جور أعداه حتى مات مقهورا

قضى أخوه خضيب الشيب وابنته

غضبىٰ وسبطاه مسموماً ومنحورا

يا وقعة الطف كم أوقدتي في كبدي

وطيس حزن ليوم الحشر مسجورا

كأنّ كلّ مكان كربلاء لدى

عيني وكلّ زمان يوم عاشورا

لهفي لظام على شاطي الفرات قضى

ظمئان يرنو لعذب الماء مقرورا

يا ليت عين رسول الله ناظرة

رأس الحسين على العسّال مشهورا

وجسمه نسجت هوج الرياح له

ثوباً بقاني دم الأوداج مزرورا

ان يبقى ملقى بلا دفن فإنّ له

قبراً باحشاء من والاه محفورا (١)

* * *

نعم بقي على أرض كربلاء لمدة ثلاثة أيام وسيّروا زينب والنساء سبايا وكأني بها نادت بلسان الحال :

صاحت يوادي كربلا عنّك مشينه

بلايا غسل واكفان خلينه ولينه

* * *

______________________

(١) الشيخ عبد الحسين الأعسم ، الدر النضيد : ١٨٧ .

١٣٤

غصباً عليّ سافرت يا مهجة احشاي

يحسين يالماضاگ من قبل الذبح ماي

جسمك يظل على الترب والراس وياي

فوگ الرمح مشهور يبرى للظعينه

* * *

لو چان بيدي يا خليصي ابگيت ويّاك

واگعد على گبرك ينور العين وانعاك

لچني لو ظليت من يبره اليتاماك

لو طوّح الحادي وسره وعنّك مشينه

* * *

وصدّت إلى المسناة والعبره جريه

ونادت يراعي المشرعه لحگ عليه

عگب الخدر للشام يردونه سبيّه

ولا واحد بطول الدرب ينغر علينه

* * *

هل هناك شواهد على ولاء المختار لأهل البيت عليهم‌السلام :

عن الامام زين العابدين عليه‌السلام : « الحمد لله الذي أدرك لي ثأري من أعدائي وجزى الله المختار » (١) .

المقدمة :

أولاً : ادّعى النبوّة : وهذه ليس لها دليل ، افتعلوا منشأ ، كان عنده مملوك اسمه جبرئيل وكان أثيراً عنده ، ومقرّباً لديه ، فكان عند الخواص يقول وهو يتحدث بالاثناء معهم قال لي جبرئيل ، أو قلت لجبرئيل ، أعداء المختار وحسّاده حرّفوا ذلك وقالوا ادّعىٰ النبوة .

______________________

(١) رجال الكشي : ١٢٧ .

١٣٥

ثانياً : يطلب الرئاسة : وهذا لا دليل عليه ، وإلّا الادعاءات كثيرة تحتاج إلى دليل يقول الشاعر :

الدعاوىٰ ان لم تقيموا عليها

بينات أصحابها أدعياءُ

* * *

الشواهد على ولائه لأهل لابيت عليهم‌السلام :

أولاً : مبايعته الامام الحسين عليه‌السلام على يد مسلم بن عقيل .

ثانياً : إيواءه مسلم بن عقيل ، وفتح بابه أمام الشيعة ، حيث تحوّل منزله إلى مقر لأخذ البيعة للإمام الحسين عليه‌السلام (١) .

ثالثاً : موقف عبيد الله بن زياد منه حيث استدعاه إلى مقر الإمارة وعنّفه في إعطاء البيعة للإمام الحسين عليه‌السلام وضرب عينه بقضيب وأودعه السجن إلى أن فرغ من الإمام الحسين عليه‌السلام حيث توسط له عبد الله بن عمر زوج أُخته عند يزيد بن معاوية بتحريك من زوجته ( صفية بنت ابي عبيدة الثقفي ) فأرسل يزيد إلى عبيد الله يأمره بإطلاق سراحه (٢) . ولابدّ لنا من أن نفصّل ونتوسّع قليلاً في بيان هذه النقطة .

مسلم بن عقيل عليه‌السلام لما انتقل إلى الكوفة اتّخذ من دار المختار مقرّاً له ، وهذا الأمر لوحده له مجموعة دلالات سياسية واجتماعية وعسكرية ، لأنّ مسلم بن عقيل عليه‌السلام لم يأتي إلى الكوفة مجرد امام جماعة مسجد ، مسلم جاء إلى الكوفة وعنده مهمة دينية وعسكرية ، واجتماعية . ونفس اتخاذ سيدنا مسلم بن عقيل

______________________

(١) الكامل في التاريخ ٤ : ٣٦ .

(٢) الكامل في التاريخ ٤ : ٢١١ .

١٣٦

مقرّاً من دار المختار هذا الموضوع تزكية للمختار . إلى أن دخل عبيد الله بن زياد لعنه الله الكوفة فانتقل سيدنا مسلم من دار المختار إلى دار هاني بن عروة المرادي . المختار صار أمام الأمر الواقع فلذلك غيّب وجهه ، مسلم بن عقيل شكّل تشكيلاته العسكرية ، وعيّن كالكتائب والضبّاط وقادة الجيش ومن جملتهم مسلم بن عوسجة الأسدي ومن جملتهم المختار ولكن نتيجة للظرف الأمني والسياسي وزّع قواته خارج الحدود ( أي خارج حدود الكوفة ) ومنه أمّر عبد الله بن محمد الهاشمي على كتيبة ، وكذلك خرج المختار بكتيبة وظلّوا ينتظروا ساعة الصفر وساعة الوثبة ، لكنّ الذي حدث أنّ ساعة الصفر تقدّمت ففوجئ مسلم أي ان مسلم لمّا انكشف مقرّه في دار هانئ وأُلقي القبض عل هاني بن عروة وأودع في السجن اضطرّ مسلم بن عقيل عليه‌السلام أن يدخل في مواجهة عسكرية قبل ساعة الصفر وفعلاً صارت مواجهة واستشهد مسلم بن عقيل في القضية المعروفة .

وكان المختار لا يعلم بتقدّم ساعة الصفر وهكذا عبد الله بن محمد الهاشمي إلى أن وصل لهم الخبر باستشهاد مسلم عليه‌السلام فتحركوا وإذا بهم يتفاجئون بالحصين بن نمير التميمي ( مدير الشرطة ) وصارت مواجهة عنيفة إلى أن قبض على المختار وأُسر وجيء به إلى ابن زياد . وهذا الأمر نفسه أي تقدّم ساعة الصفر فوجئ بها البطل مسلم بن عوسجة الأسدي وكان مسؤول كتبية فالذي يستشكل يقول أينَ مسلم بن عوسجة الجواب هو نفس السبب أي تقدّم ساعة الصفر ولم يعلم بها أو علم ولم يمكنه ان يلتحق ، ومن هنا التحق بالحسين عليه‌السلام واستهشد مسلم بن عوسجه مع الحسين عليه‌السلام إلى أن جيء برأس أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام إلى ابن زياد في الكوفة ، فأمر اللعين ابن زياد أن يخرج المختار من السجن وجاءوا به إلى عبيد الله بن زياد ، فلمّا نظر المختار إلى اللعين بعصاه ينكت شفتا أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام جرت مناوشة كلامية حادة بين المختار وبين ابن زياد ، لأنّ المختار

١٣٧

قال لابن زياد ارفع سوطك عن شفتي أبي عبد الله عليه‌السلام ، حيث ان الرسول طالما رشفهما تقبيلاً ، فغضب اللعين ابن زياد وضربه بالسوط الغليظ على عينه فشتر عينه وأودع السجن مرّة ثانية . إلى أن توسط عبد الله بن عمر بواسطة زوجته ( صفية بنت أبي عبيدة الثقفي ) التي اقترحت عليه ان يكلّم يزيد ، وكلّم يزيد فكتب كتاباً إلى ابن زياد يأمره باطلاق سراحه واطلق سراحه ، والكوفة قامت تغلي في أواخر أيام يزيد قبل هلاك يزيد بأيام قلائل . وفي ١٤ ربيع الأول عام ( ٦٤ هـ ) هلك يزيد ، اضطربت الأوضاع السياسية في الكوفة ، الناس كانوا يرفضون حكومة الأمويين ، عبيد الله بن زياد أراد البقاء على سلطة الكوفة خرجت مظاهرات واحتجاجات حتى النساء ، نساء الكوفة ، نساء همدان ابن الزبير استغلّ هذا الظرف زحفت قواته وسيطر على الكوفة ، ومركز العاصمة الأموية دمشق صار بها صراع عنيف بين الجناحين للأُسرة الحاكمة ، الجناح السفياني والجناح المرواني ، إلى ان انتهى الأمر بغلبة الجناح المرواني ، تولّى مروان بن الحكم الحكومة إلى ان انتهت الدولة الأموية بآخر حاكم من حكامهم الملقّب بمروان الحمار .

وفي هذا الجو تحرّك ابن الزبير للحصول على سلطة الكوفة ، وفي الشام تحرك مروان ، فالسلطتان الأموية والزبيرية صارتا تتنافسان بينهما ، تحرّك المختار ليثب على الحكم أحسّت به السلطة عن طريق والي عبد الله بن الزبير ( عبد الله بن مطيع العدوي ) كذلك أُلقي القبض على المختار وأودع السجن ، وكذلك صارت وساطة من قبل عبد الله بن عمر أيضاً وأطلق سراحه ، وأخذ يعمل حثيثاً حتى يصل إلى مراده الأخذ بثار أبي عبد الله الحسين عليه‌السلام من هنا ورد عن الامام الباقر عليه‌السلام حيث يقول : « لا تسبوا المختار فإنه قتل قتلتنا وطلب بثأرنا ... » (١) .

______________________

(١) رجال الكشي : ١٢٥ .

١٣٨

وكذلك ورد في الحديث الشريف عن أبي عبد الله عليه‌السلام قال : « ما امتشطت فينا هاشمية ولا اختضبت حتى بعث إلينا المختار برؤوس الذين قتلوا الحسين عليه‌السلام » (١) . وكذلك ما ورد عن عبد الله بن عباس حين قال : ابن الزبير ألم يبلغك قتل الكذاب ؟ قال ابن عباس ومن الكذاب ؟ قال ابن أبي عبيد ( ويقصد به المختار ) قال ابن عباس : قد بلغني قتل المختار ، قال : كأنك نكرت تسميته كذاباً ومتوجع له ، فقال ابن عباس : ذاك رجل قتل قتلتنا وطلب ثأرنا وشفى غليل صدورنا ، وليس جزاؤه منّا الشتم والشماتة (٢) .

وفي عام ( ٦٦ هـ ) ليلة ١٤ ربيع الأول نجحت ثورة المختار واستشهد بـ (١٤) شهر رمضان المبارك ( ٦٧ هـ ) أي حكم فقط ١٨ شهراً ، كم قتل بالكوفة أثناء حكمه ١٨٠٠٠ قتيلاً . وأما واقعة الخازر التي قادها ابراهيم بن مالك الأشتر النخعي قدس‌سره والتي قتل فيها عبيد الله بن زياد مع ٥٢٠٠٠ من عملائهم فيكون المجموع ٧٠٠٠٠ ألفاً ، ولعلّ هذا معنى قول الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله الذي ينقله السيوطي في باب من أعلام النبوة أن الله قتل بيحيى ابن زكريا ٧٠٠٠٠ وأنه قاتل بولدي الحسين ٧٠٠٠٠ ألفاً ، والحقيقة أن الثأر الأعظم للحسين بظهور ولي الله الأعظم المهدي عجلّ الله فرجه ، ولما نجحت ثورة المختار أخذ يستغل مهارته السياسية ، الأمويون من جانب له اعداء ، الزبيريون من جانب له اعداء ، حزب الخوارج من جانب ، وآخرون من جانب عدة جبهات لذا أخذ يستعمل المختار أُسلوب التدرج ، الذي عنده عشيرة قويّة كان يتركه أول الأمر ، عمر بن سعد عند عشيرة قويّة وجماعة من اتباعه لذلك أُشير على المختار ان لا يفتك بعمر بني سعد

______________________

(١) رجال الكشي : ١٢٧ .

(٢) الكامل في التاريخ ٤ : ٢٧٨ .

١٣٩

في أول الوقت ، وجماعة تحرّكوا من جماعة عمر بن سعد وأخذوا له الأمان من المختار ومن باب الاستجابة لهم ، المختار أعطاه أمان مشروط بشرط ، الشرط يتكون من أمرين :

أولاً : إقامة جبرية بالكوفة .

ثانياً : ان لا يحدث حدثاً ( وهذه في الظاهر أن لا يُخل بالنظام ) لكنّ المختار أراد المعنى الفقهي للحدث في باب نواقض الوضوء . إنّما صنع ذلك حتى يبرّ يمينه ، عمر بن سعد لعنه الله بقى قلقاً على مصيره ، لذ قرّر ذات ليلة ان يخرج من الكوفة حتى يتخلص من القلق الذي يمزّقه داخلياً ، لذلك خرج إلى حدود الكوفة ، بيته مراقب ، رأساً أخبروا المختار بخروجه ، قال المختار لا عليكم أنّ في عنقه سلسلة ستعيده إلينا قيل له وما السلسلة ، قال دعاء المظلوم سيد الشهداء عليه‌السلام لأنّ الحسين عليه‌السلام في يوم عاشوراء دعا عليه لمّا سمع صوت ولده علي الأكبر أبه حسين عليك مني السلام هذا جدي رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله قد سقاني بكأسه وبيده شربة لا اظمأ بعدها أبدا ، فقال الحسين عليه‌السلام مالك يابن سعد قطع الله رحمك كما قعطت رحمي وسلّط الله عليك من يذبحك على فراشك وكأني برأسك على قصبة يتراماه الصبيان بالكوفة ، وبالفعل خادم عمر بن سعد قال له أنت لماذا خرجت فقال له أنا خائف ، فقال له أنت أخذت الأمان ، فقال مع ذلك إني قلق من المختار ، قال له الخادم ألم يشرط عليك أن لا تخرج قال بلى ، فقال له إذا خرجت تجعل للمختار على نفسك سبيلا ، فقال له الخادم ارجع فما زال به حتى أرجعه ، بيته مراقب والمختار أرسل على ولد عمر بن سعد فأحضره ، وأرسل المختار إلى مدير شرطته ( ابا عمرة ) وقال له نفّذ العملية وهجموا على عمر بن سعد وجدوه في فراشه ، تماماً كما قال سيد الشهداء ذبحه على فراشه ، أخذ رأسه الخبيث وجاء به إلى المختار وضع بين يديه ، سجد المختار لله شكراً ، والتفت المختار إلى ولد عمر بن سعد ، قال رأس من هذا؟ قال هذا رأس أبي ولا خير في الحياة من بعده ، فقال

١٤٠